النص المفهرس
صفحات 241-260
أنه شاهد النبي مَّ يومئذ قد أخذ بأعلى الحَرْبَةِ، وأمر علياً فأخذ بأسفلها، ونحرا
بها البدن(١) ثم انفرد عليٍّ بنحر الباقي من المائة، كما قال جابر. والله أعلم.
فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديثِ الذي رواه الإمامُ أحمد، وأبو داود عن
علي قال: لما نَحَرَ رسولُ اللّهِ بِّهِ بُدْنَه، فنحر ثلاثِينَ بِيَدِهِ، وأمرني فنحرتُ
سَائِرَها(٢).
قلنا: هذا غلطٌ انقلب على الراوي، فإن الذي نحرَ ثلاثين: هو عليٌّ، فإن
النبي وَّ نحر سبعاً بيده لم يُشاهده علي، ولا جابر، ثم نحر ثلاثاً وستين أخرى،
فبقي من المائة ثلاثون، فنحرها عليٍّ، فانقلب على الراوي عددُ ما نحره علي بما
نحره النبيُّ رَله.
فإن قيل: فما تصنعون بحديث عبد الله بن قُرْطِ، عن النبيِّ يَّةِ، قال: ((إنَّ
أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحر، ثمَّ يَوْمُ القَرِّ). وهو اليومُ الثاني. قال: وقُرِّبَ
الرسولِ اللَّهِ يَّةِ بَدَنَاتٌ خَمْسٌ فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنِ إِلَيْهِ بأَيَتِهِنَّ يَبْدَأُ؟ فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُها
قَال: فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَّةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ: مَا قَالَ؟ قال: ((مَنْ شَاءَ اقْتَطَعِ))(٣).
قيل: نقبله ونصدِّقه، فإن المائة لم تُقَرَّبْ إليه جُملة، وإنما كانت تُقرب إليه
أَرْسَالاً، فقُرِّبَ منهن إليه خمسُ بَدَنَات رَسَلاً، وكان ذلك الرَّسَلُ يُبَادِرْنَ ويَتَفَرَّبْنَ
إِلَيْهِ لِيبدَأ بكُلِّ واحدة منهن.
فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي في ((الصحيحين))، من حديث أبي
(١) أخرجه أبو داود (١٧٦٦) في المناسك: باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ، وفي
سنده عبد الله بن الحارث الكندي الأزدي لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات.
(٢) أخرجه أحمد في ((المسند)) رقم (١٣٧٤) ١٥٩/١، وأبو داود (١٧٦٤) وفيه تدليس ابن
إسحاق .
(٣) أخرجه أبو داود (١٧٦٥) وسنده جيد، وقد تقدم. ويوم القر: هو اليوم الذي يلي يوم
النحر، وإنما سمي يوم القر، لأن الناس يقرون فيه بمنى، وذلك لأنهم قد فرغوا من
طواف الإفاضة والنحر واستراحوا وقروا.
٢٤١
بكرةَ في خُطبة النبيِّ وَّهُ يومَ النحرِ بمنى، وقال في آخره: ثُمَّ انْكَفَأَ إلى كَبْشَيْنِ
أَمْلَحَيْنِ فَذَبَحَهُمَا، وإلى جُزَيْعَةٍ مِنَ الغَنَم فقسمها بَيْنَنَا، لفظه لمسلم(١).
ففي هذا، أن ذبح الكبشينِ كان بمكة، وفي حديث أنس، أنه كان بالمدينة.
قيل: في هذا طريقتان للناس.
إحداهما: أن القول: قولُ أنس، وأنه ضحَّى بالمدينة بكبشين أملحين
أقرنينٍ، وأنه صلى العيد، ثم انكفأ إلى كبشينٍ، ففضَّل أنس، وميَّز بين نحرِه بمكة
للبُدن، وبين نحره بالمدينة للكبشين، وبيَّن أنهما قِصتان، ويدل على هذا أن
جميعَ من ذكر نحر النبي ◌َّهُ بمنى، إنما ذكروا أنه نحر الإِبِلَ، وهو الهديُّ الذي
ساقه، وهو أفضلُ من نحر الغنم هناك بلا سوق، وجابر قد قال في صفة حجة
الوداع: إنه رجع من الرمي، فنحر البُدن، وإنما اشتبه على بعض الرواة، أن قصة
الكبشين كانت يومَ عيد، فظن أنه كان بِمنى فوهِم.
الطريقة الثانية: طريقة ابن حزم، ومن سلك مسلكه، أنهما عملان
متغايِرَانِ، وحديثان صحيحان، فذكر أبو بكرة تضحيته بمكة، وأنس تضحيته
بالمدينة. قال: وذبح يومَ النحر الغَنم، ونحر البقرَ والإِبِلَ، كما قالت عائشة:
ضحى رسولُ الله ◌َ ﴿ يَوْمَئذٍ عن أزواجه بالبقر، وهو في ((الصحيحين))(٢).
وفي ((صحيح مسلم)): ذبحَ رسولُ اللّهِ وََّ عن عائشة بقرةً يَوْمَ النحر(٣).
(١) رقم (١٦٧٩) (٣٠) في القسامة: باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال ورواية
البخاري ٦/١٠ تقدمت. والجُزيعة: تصغير جزعة: وهي القليل من الشيء. يقال: جزع
له من ماله: أي: قطع، وضبطه ابن فارس في ((المجمل)) بفتح الجيم، وقال: وهي
القطعة من الغنم، وكأنها فعيلة بمعنى مفعولة كضفيرة بمعنى مضفورة.
(٢) أخرجه البخاري ٣/ ٤٤٠ في الحج: باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن،
ومسلم (١٢١١) (١١٩) في الحج: باب بيان وجوه الإِحرام.
(٣) أخرجه مسلم (١٣١٩) في الحج: باب الاشتراك في الهدي .... من حديث جابر.
٢٤٢
وفي ((السنن)): أَنَّه نحرَ عَنْ آلِ محمَّدٍ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بقرةً واحِدةٌ(١).
ومذهبُه: أن الحاجَّ شُرِعَ له التضحيةُ مع الهدي، والصحيحُ إن شاء الله :
الطريقةُ الأولى، وهدي الحاج له بمنزلة الأضحية للمقيم، ولم يَنْقُلْ أحدٌ أن
النبي ◌ََّ، ولا أصحابَه، جمعوا بين الهدي والأضحية، بل كان هديُهم هو
أضاحيهم، فهو هدي بِمنى، وأضحيةٌ بغيرها.
وأما قول عائشة: ضخَّى عن نِسائه بالبقر(٢)، فهو هدي أُطْلِقَ عليه اسمُ
الأضحية، وأنهن كُنَّ متمتعاتٍ، وعليهن الهديُ، فالبقرُ الذي نحره عنهن هو
الهديُ الذي يلزمُهن.
ولكن في قصة نحر البقرة عنهن وهن تسع: إشكال، وهو إجزاء البقرة عن
أكثر من سبعة .
وأجاب أبو محمد ابن حزم عنه، بجواب على أصله، وهو أن عائشة لم
تكن معهن في ذلك، فإنها كانت قارنة وهُنَّ متمتعاتٌ، وعنده لا هديَ على
القارِن، وأيَّدَ قوله بالحديث الذي رواه مسلم من حديث هشام بن عُروة، عن
أبيه، عن عائشة: خرجنا مع رسولِ اللهِمَ ﴿ مُوافين لِهلال ذي الحِجَّةِ، فكنتُ فيمن
أهلَّ بِعُمرة، فخرجنا حتى قَدِمِنَا مَّةَ، فأدركني يومُ عرفة وأنا حائضٌ لم أَحِلَّ من
عُمرتي، فشكوتُ ذلك إلى النبيِّ بَّهِ، فقال: ((دعي عُمْرَتَك وانْقُضِي رَأْسَكِ،
وامْتَشِطي، وأَهلِّي بالحَجِّ)). قالت: ففعلتُ. فلما كانت ليلةُ الحَصْبَةِ وقد
قضى الله حجَّنا، أرسلَ معي عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردَفني، وخرج إلى
بيان بطلان قول ابن حزم
بأنه لا هدي على القارن
(١) أخرجه أبو داود (١٧٥٠) في المناسك: باب في هدي البقر، وابن ماجه (٣١٣٥) من
حديث يونس، عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة، ورجاله ثقات، وقد تابع يونس
معمر عند النسائي فيما قاله الحافظ في ((الفتح)» ٣/ ٤٤٠ بلفظ «ما ذبح عن آل محمد في
حجة الوداع إلا بقرة)).
(٢) أخرجه البخاري ١٦/١٠، ومسلم (١٢١١) (١١٩).
٢٤٣
التَّنِعِيم، فأهللتُ بعُمرة، فقضى الله حَجَّنَا وعُمرتنا، ولم يكن في ذلك هدي ولا
صَدَقةٌ ولا صَوْمٌ(١) .
وهذا مسلك فاسد تفرد به ابن حزم عن الناس. والذي عليه الصحابةُ،
والتابعون، ومن بعدهم أن القارِن يلزمه الهديُّ، كما يلزم المتمتِّع، بل هو متمتع
حقيقة في لسان الصحابة كما تقدم، وأما هذا الحديثُ، فالصحيح: أن هذا الكلامَ
الأخيرَ مِن قول هشام بن عروة، جاء ذلك في ((صحيح مسلم)) مصرحاً به، فقال:
حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة
رضي الله عنها ... فذكرت الحديث. وفي آخره: قال عروة في ذلك: إنه قَضَى
اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتها. قال هشام: ولم يكن في ذلك هَديٌّ، ولا صِيام، ولا
صدقة(٢).
قال أبو محمد: إن كان وكيع جعل هذا الكلامَ لهشام، فابنُ نمير، وعبدة
أدخلاه في كلام عائشة، وكُلٌّ منهما ثقة، فوكيع نسبه إلى هشام، لأنه سمع هشاماً
يقوله، وليس قولُ هشام إياه بدافع أن تكون عائشةُ قالته، فقد يَروي المرءُ حديثاً
يُسنده، ثم يُقتي به دون أن يُسنده، فليس شيء من هذا بمتدافع، وإنما يتعلَّل بمثل
هذا من لا يُنْصِفُ، ومن اتبع هواه، والصحيح من ذلك: أن كُلَّ ثقة فمصدق فيما
نقل. فإذا أضاف عبدة وابنُ نمير القولَ إلى عائشة، صُدِّقًا لعدالتهما. وإذا أضافه
وكيع إلى هشام، صُدِّقَ أيضاً لعدالته، وكُلٌّ صحيح، وتكون عائشة قالته، وهشام
قاله.
قلت: هذه الطريقةُ هي اللائقةُ بظاهريته، وظاهرية أمثاله ممن لا فِقه له في
عِلل الأحاديث، كفقه الأئمة النُّقَّاد أطباء علله، وأهلِ العناية بها، وهؤلاء لا
(١) أخرجه البخاري ٣٥٤/١، ٣٥٦ في الحيض: باب نقض المرأة شعرها، ومسلم
(١٢١١) (١١٥).
(٢) أخرجه مسلم (١٢١١) (١١٧).
٢٤٤
يلتفِتُون إلى قول من خالفهم ممن ليس له ذوقُهم ومعرفتُهم، بل يقطعون بخطئه
بمنزلة الصَّيارِفِ النُّقَّاد، الذين يُميزون بين الجيِّدِ والرديء، ولا يلتفِتُون إلى خطٍ
من لم يعرِف ذلك.
ومن المعلوم، أن عبدة وابن نمير لم يقولا في هذا الكلام: قالت عائشة،
وإنما أدرجاه في الحديث إدراجاً، يحتمل أن يكون من كلامهما، أو من كلام
عُروة، أو من هِشام، فجاءَ وكيع، ففضَّل وميَّز، ومن فضَّل وميَّز، فقد حفظ
وأتقن ما أطلقه غيره، نعم لو قال ابنُ نمير وعبدة: قالت عائشةُ، وقال وكيع: قال
هشامٌ، لساغ ما قال أبو محمد، وكان موضِعَ نظر وترجيح .
وأما كونهن تسعاً وهي بقرة واحدة، فهذا قد جاء بثلاثة ألفاظ، أحدها أنها
بقرة واحدة بينهن، والثاني: أنه ضحى عنهن يومئذ بالبقرة، والثالث: دخل علينا
يوم النحر بلحم بقر، فقلتُ: ما هذا؟ فقيل: ذبح رسول الله بَّر عن أزواجه.
وقد اختلف الناسُ في عدد من تُجزىء عنهم البدنة والبقرة، فقيل: سبعة
وهو قولُ الشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وقيل: عشرة، وهو قول إسحاق.
وقد ثبت أن رسولَ الله ◌ََّ، قَسَمَ بينهم المغانِم، فَعَدَلَ الجَزُورَ بِعَشْرِ شِيَاءٍ(١) .
وثبت هذا الحديثُ، أنهَِّ ضحَى عن نسائه وهن تسع ببقرة.
وقد روى سفيانُ، عن أبي الزُبير، عن جابر، أنهم نحرُوا البَدَنَةَ في حَجِّهم
مع رَسُولِ الله ◌ََّ عَنْ عشرةٍ وهو على شرط مسلم ولم يخرجه، وإنما أخرج
قوله: خرجنا مع رَسُولِ الله ◌ََّ مُهلِّينَ بالحجِّ معنا النساءُ والولدانُ، فلما قَدِمنا
مكة، طُفنا بالبيتِ وبالصَّفا والمروة، وأمَرَنَا رسولُ الله ◌َّ أنَ نشترك في الإِبِلِ
والبقرِ كُلُّ سبعةٍ منا في بَدَنة(٢).
(١) أخرجه البخاري ٩٨/٥ في الشركة: باب من عدل عشرة من الغنم بجزور في القسم من
حدیث رافع بن خديج.
(٢) أخرجه مسلم (١٣١٨) (٣٥١) في الحج: باب الاشتراك في الهدي.
٢٤٥
وفي ((المسند)): من حديث ابن عباس: كنَّا مع النبي ◌ِّ في سفر، فحضَرَ
الأضحى، فاشتركْنَا في البقرةِ سَبْعَةً، وفي الجَزُورِ عشرةً. ورواه النَّسائي
والترمذي، وقال: حسن غريب(١).
وفي (الصحيحين)) عنه: نحرنَا مع رَسُولِ اللهِّرَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، البَدَنَة عن
سبعة، والبقرةَ عن سبعة (٢).
وقال حذيفةُ: شَرَّكَ رَسُولُ اللهِ يَّةٍ فِي حَجته بين المسلمين، في البقرة عن
سبعة. ذكره الإِمامُ أحمد رحمه الله(٣).
وهذه الأحاديث، تُخَرَّجُ على أحد وجوه ثلاثة، إما أن يُقالَ: أحاديثُ
السبعة أكثرُ وأَصَحُّ، وإما أن يُقال: عَدْلُ البعيرِ بعشرة مِن الغنم، تقويمٌ في الغنائم
لأجل تعديلِ القِسمة، وأما كونه عن سبعة في الهدايا، فهو تقديرٌ شرعي، وإما أن
يُقال: إن ذلك يختلِفُ باختلاف الأزمِنة. والأمكنة، والإِبِل، ففي بعضِها كان
البعيرُ يَعْدِلُ عشر شياه، فجعله عن عشرة، وفي بعضها يَعْدِلُ سبعة، فجعله عن
سبعة، والله أعلم.
وقد قال أبو محمد: إنه ذبح عن نسائه بقرةً للهدي، وضخَّى عنهن ببقرة،
وضخَّى عن نفسه بكبشين، ونحر عن نفسه ثلاثاً وستين هَذْياً، وقد عرفتَ ما في
ذلك من الوهم، ولم تكن بقرة الضَّحِية غيرَ بقرة الهدي، بل هي هي، وهديُ
الحاجِّ بمنزلة ضحية الآفاقي.
أخرجه أحمد في («المسند» ٢٧٥/١، والنسائي ٢٢٢/٧، والترمذي (٩٠٥) وسنده حسن
(١)
کما قال الترمذي، وصححه ابن حبان (١٠٥٠).
أخرجه مسلم (١٣١٨) في الحج: باب الاشتراك في الهدي، ومالك في الأضاحي باب
(٢)
الشركة في الضحايا من حديث جابر، وليس من حديث ابن عباس كما ذكر المؤلف
رحمه الله، ثم إنه انفرد بإخراجه مسلم، ولم يخرجه البخاري.
(٣) أخرجه أحمد ٤٠٦/٥، وفي سنده إسماعيل بن خليفة العبسي وهو سيىء الحفظ، لكن
یشهد له حدیث جابر فیتقوی.
٢٤٦
فصل
ونحر رسولُ الله ◌َّهَ بِمَنْحَرِهِ بِمنى، وأعلمهم ((أن مِنى كُلَّها مَنْحَرٌ، وأَنَّ
فِجَاجَ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ)) (١) وفي هذا دليلٌ على أن النحرَ لا يختصُّ بِمنى، بل
حيث نحر من فِجاج مكة أجزأه، كما أنه لمَّا وقف بعرفة قال: ((وَقَفْتُ هَا هُنَا
وَعَرَفَهُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ»، ووقَفَ بمزدَلِفَة، وقال: ((وَقَفْتُ ها هنا وَمُزْدَلِفَة كُلُّها
مَوْقِفُ(٢). وسُئل ◌َِّ أن يُبنى له بِمِنى بِنَاءٌ يُظِلُّهُ مِنَ الحَرِّ، فقال: ((لاَ، مِنَى مُنَاخٌ
لِمَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ(٣)) وفي هذا دليل على اشتراك المسلمين فيها، وأن من سبق إلى
مكان منها، فهو أحقُّ به حتى يرتَحِلَ عنه، ولا يَمْلِكُه بذلك.
مكة كلها منحر ومنى
مناخ لمن سبق إليه
فصل
فلما أكملَ رسولُ اللّهِ وَه نحره، استدعى بالحلَّق، فحلق رأسه، فَقَال
لِلحلاَّق - وهو مَعْمر بن عبد الله وهو قائم على رأسه بالموسى ونظَرَ في وَجْهِهِ -
وقَال: يَا مَعْمَرُ! أَمْكَنَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ مِنْ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وفي يَدِكَ الْمُوسَى)) فقال
معمر: أمَا واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ ذلك لَمِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيَّ وَمَنِهِ. قال: ((أَجَلْ إِذاً
الحلق و التقصير
(١) أخرجه مسلم (١٢١٨) (١٤٩) من حديث جابر بلفظ ((نحرت ها هنا، ومنى كلها
منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا
وجمع كلها موقف)) وأخرجه أبو داود (١٩٣٧)، وابن ماجه (٣٠٤٨)، وأحمد في
((المسند)) ٣٢٦/٣، والدارمي ٥٦/٢، ٥٧ من حديث جابر بلفظ ((كل عرفة موقف،
وكل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر)) وسنده
حسن .
أخرجه مسلم وقد تقدم في التعليق السابق.
(٢)
أخرجه أحمد ١٨٧/٦ و٢٠٧، وأبو داود (٢٠١٩) والدارمي ٧٣/٢، وابن ماجه
(٣)
(٣٠٠٦) و (٣٠٠٧) من حديث عائشة، وسنده قابل للتحسين، وصححه الحاكم
٤٦٧/١ ووافقه الذهبي.
٢٤٧
أَقَرُّ لَكَ))، ذكر ذلك الإمام أحمد رحمه الله(١).
وقال البخاري في ((صحيحه)): وزعموا أن الذي حَلَقَ لِلنبي ◌َّ، معمر بن
عبد الله بن نضلة بن عوف انتهى، فقال للحلاق: خُذْ، وأَشَارَ إلى جَانِبِهِ
الأَيْمَنِ، فَلما فَرَغَ مِنْهِ، قَسَمَ شَعْرَهُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ، ثُمَّ أَشَارَ إلى الحَلَّقِ، فَحَلَقَ
جَانِبِهُ الأيْسَرَ، ثُمَّ قَالَ: ها هنا أبو طلحة؟ فدفعه إليه هكذا وقع في ((صحيح
(٢)
مسلم))(٢).
وفي ((صحيح البخاري)): عن ابن سيرين، عن أنس أن رسول الله مُجَلال، لما
حلق رأسه، كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره(٣) وهذا لا يُناقِضُ روايةَ مسلم،
لِجواز أن يُصيب أبا طلحة مِن الشِّقِّ الأيمنِ، مثلُ ما أصاب غيره، ويختصُّ بالشِّقِ
الأيسرِ، لكن قد روى مسلم في «صحيحه)) أيضاً من حديث أنس، قال: لما رَمَی
رسولُ اللهِ وََّ الجمرَة، ونحرَ نُسُكَه، وحلَقَ، ناولَ الحَلاَّقَ شِقَّه الأَيْمَنَ فحلقه،
ثم دعا أبا طلحةَ الأنصاريَّ، فأعطاه إياه، ثم ناوله الشِّقَّ الأَيْسَرَ، فقال: ((احْلِقْ)).
فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: ((اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ)) (٤). ففي هذه الرواية، كما
ترى أن نصيبَ أبي طلحة كان الشِّقَّ الأيمنَ، وفي الأولى: أنه كان الأيسر. قال
الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي، رواه مسلم مِن رواية
حفص بن غياث، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن هشام بن حسان، عن
محمد بن سيرين، عن أنس، أن النبي ◌ََّ، دفع إلى أبي طلحة شَعْرَ شِقِّه الأَيْسَرِ،
(١) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٦/ ٤٠٠، ورجاله ثقات إلا عبد الرحمن بن عقبة راويه
عن معمر لم يوثق.
(٢) أخرجه مسلم (١٣٠٥) في الحج: باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر،
ثم یحلق، من حديث أنس.
(٣) أخرجه البخاري ٢٣٨/١ في الوضوء: باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان من
حديث أنس.
(٤) أخرجه مسلم (١٣٠٥) في الحج: باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر.
٢٤٨
ورواه من رواية سفيان بن عيينة، عن هشام بن حسان، أنه دفع إلى أبي طلحة
شعر شقه الأيمن. قال: ورواية ابن عَون، عن ابن سيرين أراها تقوي رواية سفيان
والله أعلم.
قلت: يريدُ بروايةِ ابن عون، ما ذكرناه عن ابن سيرين، من طريق البخاري،
وجعل الذي سبق إليه أبو طلحة، هو الشِّقَّ الذي اختص به. والله أعلم.
والذي يقْوَى أن نصيبَ أبي طلحة الذي اختص به كان الشِّقَّ الأَيْسَرَ،
وأنَّ بِّهِ عمَّ، ثمَّ خَصَّ، وهذه كانت سنّتَه في عطائه، وعلى هذا أكثرُ الرواياتِ،
فإن في بعضها أنه قال للحلاقِ: ((خُذْ)) وأشَارَ إلى جَانِهِ الأَيْمَنِ، فقسم شعرهَ بَيْنَ
مَنْ يليه، ثم أشار إلى الحلاَّق إلى الجانِبِ الأَيسر، فحلقه فأعطاه أُمَّ سُليم، ولا
يُعارض هذا دفعُه إلى أبي طلحة، فإنها امرأتُه. وفي لفظ آخر: فبدأ بالشِّقِّ
الأيمن، فوزَّعه الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال: بالأيسر، فصنع به مثلَ
ذلك، ثم قال: ها هنا أبو طلحة؟ فدفعه إليه .
وفي لفظ ثالث: دفع إلى أبي طلحة شَعْرَ شِقِّ رَأْسه الأيسر، ثم قلَّم أظفاره
وقسمها بين الناس. وذكر الإِمام أحمد رحمه الله، من حديث محمد بن
عبد الله بن زيد، أن أباه حدثه، أنه شَهِدَ النبيِ وَلَهِ عند المنحر، ورجُلٌ من قريش
وهو يَقْسِمُ أضاحِيَ، فلم يُصِبْهُ شيءٌ ولا صاحبه، فحلق رسولُ الله ◌َّةِ رأسَه في
ثوبه، فأعطاه، فقسم منه على رجالٍ، وقلَّم أظفاره فأعطاه صاحبه، قال: فإنَّه
عِنْدَنا مخضوب بالحِنَّاء والكَتَم يعني شعرَه(١).
ودعا للمحَلِّقِينَ بالمغْفِرَةِ ثَلاثَاً، وَلِلمُقَصِّرِينَ مَرَّةً، وحلق كثيرٌ من
الصحابة، بل أكثرُهم، وقصَّر بعضُهم، وهذا مع قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ
الحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِين مُحَلِّقينَ رُؤوسَكُم ومُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] ومع قول
عائشة رضي الله عنها، طيّيتُ رسولَ اللهِوَِّ لإحرامه قبل أن يُحْرِمَ، ولإحلاله قَبْلَ
(١) أخرجه أحمد ٤٢/٤، ورجاله ثقات.
٢٤٩
أن يَحلَّ، دليل على أن الحلق نُسُكٌ وليس بإطلاق من محظور.
فصل
ترجيح المصنف بأنه ({(*
لم يطف غير طواف
ثم أفاض ◌َ﴿ إلى مكة قبل الظهر راكباً، فطاف طوافَ الإِفَاضَةِ، وهو طوافُ
الإفاضة بعد إفاضته إلى الزِّيَارةِ، وهو طَوافُ الصَّدَر، ولم يطُفْ غيَره، ولم يسع معه، هذا هو الصوابُ،
مكة
وقد خالف في ذلك ثلاثُ طوائف: طائفة زعمت أنه طاف طوافين، طوافاً للقُدوم
سوى طواف الإفاضة، ثم طاف للإِفاضة، وطائفة زعمت أنه سعى مع هذا الطوافٍ
لكونه كان قارناً، وطائفة زعمت أنه لم يَطُفْ في ذلك اليوم، وإنما أخَّر طوافَ
الزيارة إلى الليل، فنذكُرُ الصَّوابَ في ذلك، ونبين منشأ الغلط وبالله التوفيق.
قال الأثرم: قلتُ لأبي عبد الله: فإذا رَجَعَ أعني المتمتعَ، كم يطوفُ
ويسعى؟ قال: يطوفُ ويسعى لحجه، ويطوف طوافاً آخر للزيارة، عاودناه في هذا
غير مرة، فثبت عليه.
قال الشيخ أبو محمد المقدسي في ((المغني)): وكذلك الحكمُ في القارن
والمفردِ إذا لم يكونا أتيا مكة قبلَ يومِ النَّحرِ، ولا طافا للقدوم، فإنّهما يبدآن
بطواف القُدوم قبل طوافِ الزيارة، نص عليه أحمد رحمه الله، واحتجَّ بما روت
عائشةُ رضي الله عنها، قالت: ((فطاف الَّذينَ أهلُوا بالعُمرة بالبيت، وبين الصفا
والمروة، ثم حلُّوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا مِن مِنَّى لحجِّهم، وأما
الذين جَمَعُوا الحَّ والعُمرَة، فإنما طافُوا طوافاً واحداً، فحمل أحمدُ رحمه الله
قولَ عائشة، على أن طوافَهم لحجهم هو طوافُ القدوم، قال: ولأنه قد ثبت أن
طواف القدوم مشروع، فلم يكن طواف الزيارة مسقطاً له، كتحية المسجد عند
دخوله قبل التلبُّس بالصلاة المفروضة.
وقال الخرقي في ((مختصره)): وإن كان متمتعاً، فيطوف بالبيت سبعاً
وبالصَّفا والمروة سبعاً كما فعل للعُمرة، ثم يعود فيطوف بالبيت طوافاً ينوي به
٢٥٠
الزيارة، وهو قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فمن قال: إن
النبي ◌َّ كان متمتعاً كالقاضي وأصحابه عندهم، هكذا فعل، والشيخ أبو محمد
عنده، أنه كان متمتعاً التمتعَ الخاص، ولكن لم يفعل هذا، قال: ولا أعلم أحداً
وافق أبا عبد الله على هذا الطواف الذي ذكره الخرقي، بل المشروعُ طواف واحد
للزيارة، كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، فإنه يكتفى بها عن تحية
المسجد، ولأنه لم يُنْقَلْ عن النبي ◌َّه ولا أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة
الوداع، ولا أمر النبيُّ نَّه به أحداً، قال: وحديث عائشة: دليل على هذا، فإنها
قالت: ((طافوا طوافاً واحداً بعد أن رجعوا مِن مِنى لحجهم)) وهذا هو طواف
الزيارة، ولم تذكر طوافاً آخر. ولو كان هذا الذي ذكرته طوافَ القُدوم، لكانت قد
أخلَّت بذكر طواف الزيارة الذي هو ركنُ الحج الذي لا يَتِمُّ إلا به، وذكرت ما
يستغنى عنه، وعلى كل حال، فما ذكرت إلا طوافاً واحداً، فمن أين يُستدل به
علی طوافین؟
وأيضاً، فإنها لما حاضت، فقرنت الحجّ إلى العمرة بأمر النبي ◌َّ، ولم
تكن طافت للقدوم، لم تطف للقدوم، ولا أمرها به النبي ◌َّة، ولأن طواف
القدوم لو لم يسقط بالطواف الواجب، لَشُرِعَ في حقِّ المعتمر طوافُ القدوم مع
طواف العمرة، لأنه أوَّل قدومه إلى البيت، فهو به أولى من المتمتع الذي يَعُودُ إلى
البيت بعد رؤيته وطوافه به. انتھی کلامه .
قلت: لم يرفع كلامُ أبي محمد الإشكال، وإن كان الذي أنكره هو الحق
كما أنكره، والصوابُ في إنكاره، فإن أحداً لم يقل: إن الصحابة لما رجعوا مِن
عرفة، طافوا للقدوم وسَعَوْا، ثم طافُوا للإِفاضة بعده، ولا النبيُّ ◌َّر، هذا لم يقع
قطعاً، ولكن كان منشأ الإشكال، أن أمَّ المؤمنين فرَّقت بين المتمتِّع والقارِن،
فأخبرت أن القارِنين طافوا بعد أن رجعوا من مِنى طوافاً واحداً، وأن الذين أهلّوا
بالعُمرة طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا مِن مِنى لحجِّهم، وهذا غيرُ طواف الزيارة
قطعاً، فإنه يشترِك فيه القارنُ والمتمتع، فلا فرق بينهما فيه، ولكنَّ الشيخ أبا
٢٥١
محمد، لما رأى قولَها في المتمتعين: إنهم طافُوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا مِن
مِنى، قال: ليس في هذا ما يدل على أنهم طافوا طوافين، والذي قاله حق، ولكن
لم يرفع الإشكال، فقالت طائفة: هذه الزيادة من كلام عروة أو ابنه هشام،
أدرجت في الحديث، وهذا لا يتبين، ولو كان، فغايته أنه مرسل ولم يرتفع
الإِشكال عنه بالإِرسال. فالصواب: أن الطواف الذي أخبرت به عائشة، وفرقت
به بين المتمتع والقارن، هو الطواف بين الصفا والمروة، لا الطواف بالبيت، وزال
الإشكال جملة، فأخبرت عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما، لم يُضيفوا
إليه طوافاً آخر يَوم النحر، وهذا هو الحقُّ، وأخبرت عن المتمتعين، أنهم طافوا
بينهما طوافاً آخر بعد الرجوع مِن مِنى للحج، وذلك الأول كان للعمرة، وهذا قولُ
الجمهور، وتنزيل الحديث على هذا، موافق لحديثها الآخر، وهو قول النبي وَالر :
(يَسَعُكِ طَوافُكِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ))، وكانت قارنة،
يوافق قول الجمهور.
ولكن يُشكِلُ عليه حديث جابرٍ الذي رواه مسلم في ((صحيحه)): لم يطف
النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً،
طوافَه الأول. هذا يوافق قول من يقول: يكفي المتمتع سعيٌ واحد كما هو إحدى
الروايتينِ عن أحمد رحمه الله، نص عليها في رواية ابنه عبد الله وغيره، وعلى
هذا، فيقال: عائشة أثبتت، وجابر نفى، والمثبِت مُقدَّم على النافي. أو يقال:
مراد جابر، من قرن مع النبي ◌ُّ وساق الهدي، كأبي بكر وعمر وطلحة وعلي
رضي الله عنهم، وذوي اليسار، فإنهم إنما سَعَوْا سعياً واحداً. وليس المراد به
عمومَ الصحابة، أو يعلَّلُ حديث عائشة، بأن تلك الزيادة فيه مدرجة من قول
هشام(١) وهذه ثلاث طرق للناس في حديثها والله أعلم.
(١) هذا وهم من المؤلف رحمه الله، فإنه ليس في طريق الحديث هشام، لأنه من رواية
مالك عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير عنها، أخرجه في ((الموطأ)» ١/ ٤١٠
و ٤١١ وهذا إسناد في غاية الصحة وله طريق آخر عنها في ((الموطأ)) عن =
٢٥٢
رد القول بالطواف
والسعي للقدوم بعد
إحرام المتمتع بالحج من
مكة
وأما من قال: المتمتعُ يطوفُ ويسعى للقدوم بعد إحرامه بالحجِّ قبل
خروجه إلى مِنى، وهو قولُ أصحاب الشافعي، ولا أدري أهُوَ منصوصٌ عنه أم
لا؟ قال أبو محمد: فهذا لم يفعله النبي ◌َّ، ولا أحد من الصحابة البتة، ولا
أمرهم به، ولا نقله أحد، قال ابن عباس: لا أرى لأهلِ مَّة أن يطُوفوا، ولا أن
يَسْعَوْا بين الصفا والمروةِ بعد إحرامهم بالحجِّ حتى يَرْجِعُوا من منى. وعلى قول
ابن عباس: قول الجمهور، ومالك، وأحمد، وأبي حنيفة وإسحاق، وغيرهم.
والذين استحبُّوه، قالوا: لما أحرم بالحج، صار كالقادم، فيطوفُ ويسعى
للقُدوم. قالوا: ولأن الطواف الأولَ وقع عن العمرة، فيبقى طوافُ القدوم، ولم
يأت به، فاستُحِبّ له فِعْلُه عقيبَ الإِحرامِ بالحجِّ، وهاتان الحُجَّتانِ واهيتانِ، فإنه
إنما كان قارناً لما طاف لِلعُمرة، فكان طوافُه للعُمرة مغنياً عن طواف القدوم،
كمن دخل المسجد، فرأى الصلاة قائمة، فدخل فيها، فقامت مقامَ تَحية
المسجد، وأغنته عنها.
وأيضاً فإن الصحابة لما أحرموا بالحج مع النبي ◌َّ، لم يطُوفوا عقيبَه،
وكان أكثرهم متمتعاً. وروى محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة، أنه إن أحرم يومَ
التروية قبل الزوال، طاف وسعى للقدوم، وإن أحرم بعد الزوال، لم يَطُفْ، وفَرَّق
بين الوقتين، بأنه بعد الزوال يخرج من فوره إلى مِنى، فلا يشتغِل عن الخروج
عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها به، وهذا سنده صحيح أيضاً، وله شاهد
=
صحيح من حديث ابن عباس علقه البخاري ٣٤٥/٣ بصيغة الجزم، ووصله
الإسماعيلي في ((مستخرجه)) ومن طريقه البيهقي في ((سننه)) ٢٣/٥ بسند صحيح،
ولفظه ((أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ◌َّ في حجة الوداع، وأهللنا فلما
قدمنا مكة، قال رسول الله بَّير: ((اجعلوا إهلالكم بالحج عُمرة إلا من قلد الهدي))
طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: ((من قلد الهدي،
فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله)) ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا
فرغنا من المناسك، جئنا فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وقد تم حجنا، وعلينا
الهدي ... )).
٢٥٣
بغيره، وقبل الزوال لا يخرج فيطوف. وقولُ ابن عباس والجمهور هو الصحيح
الموافق لعمل الصحابة، وبالله التوفيق.
فصل
الرد على من قال: إن
القارن يحتاج إلى سعيين
والطائفة الثانية قالت: إنه ◌َّ سَعَى مع هذا الطواف وقالوا: هذا حُجَّة في
أن القارن يحتاج إلى سعيينٍ، كما يحتاج إلى طوافينٍ، وهذا غلطٌ عليه كما تقدم،
والصواب: أنه لم يَسْعَ إلا سعيَه الأول، كما قالته عائشةُ، وجابر، ولم يَصِحَّ عنه
في السعيين حرفٌ واحد، بل كلُّها باطلة كما تقدم، فعليك بمراجعته.
فصل
والطائفة الثالثة: الذين قالوا: أخَّرَ طوافَ الزیارة إلى الليل، وهم طاووس،
ومجاهد، وعروة، ففي ((سنن أبي داود))، والنسائي، وابن ماجه، من حديث أبي
الزبير المكي، عن عائشة وابن عباس أن النبيَّ ◌ََّ، أَخَّرَ طوافَه يومَ النحر إلى
الليل. وفي لفظ: طوافَ الزِّيارة، قال الترمذي: حديث حسن(١).
وهذا الحديث غلطُ بيِّن خلاف المعلوم من فعله ◌َّهالذي لا يَشُكُ فيه أهلُ
العلم بحَجَّته ◌ِِّ، فنحنُ نذكر كلامَ الناس فيه، قال الترمذي في كتاب «العلل)) له :
سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، وقلت له: أَسَمعَ أبو الزبير
من عائشة وابن عباس؟ قال: أمَّا مِن ابن عباس، فنعم، وفي سماعه من عائشة
(١) أخرجه أبو داود (٢٠٠٠) في المناسك: باب الإفاضة في الحج، والترمذي (٩٢٠)
في الحج: باب ما جاء في طواف الزيارة بالليل، وابن ماجه (٣٠٥٩) في المناسك:
باب زيارة البيت، وأحمد ٢٨٨/١ و٣٠٩، و٢١٥/٦، ورجاله ثقات وأبو الزبير
مدلس وقد عنعن، لكن تابعه طاووس عند ابن ماجه، ووقع في المطبوع ((وجابر))
بدل، ((ابن عباس» وهو تحريف.
٢٥٤
نظر. وقال أبو الحسن القطان: عندي أن هذا الحديث ليس بصحيح، إنما طاف
النبيُّ ◌َّل يومئذ نهاراً، وإنما اختلفُوا: هل صلَّى الظهر بمكة أو رجع إلى مِنى،
فصلى الظهرَ بها بعد أن فرغ من طوافه؟ فابنُ عمر يقولُ: إنه رجع إلى مِنى،
فصلى الظهرَ بها، وجابرٌ يقول: إنه صلَّى الظهر بمكة، وهو ظاهر حديث عائشة
من غير رواية أبي الزبير هذه التي فيها أنه أخَّر الطوافَ إلى الليل، وهذا شيء لم
يُرو إلا من هذا الطريق، وأبو الزبير مدلس لم يذكر ها هنا سماعاً من عائشة، وقد
عهد أنه يروي عنها بواسطة، ولا عن ابن عباس أيضاً، فقد عُهِدَ كذلك أنه يروي
عنه بواسطة، وإن كان قد سمع منه، فيجب التوقُّفُ فيما يرويه أبو الزبير عن عائشة
وابن عباس مما لا يَذْكُرُ فيه سماعَه منهما، لِما عُرِفَ به من التدليس، لو عُرِفَ
سماعُه منها لِغير هذا، فأمَّا ولم يَصِحَّ لنا أنه سمع من عائشة، فالأمر بيِّن في
وجوب التوقف فيه، وإنما يختلف العلماء في قبول حديث المدلِّس إذا كان عمن
قد علم لِقاؤه له وسماعُه منه ها هنا. يقول قوم: يُقبل، ويقول آخرون: يُرد ما
يُعنعِنُه عنهم حتى يتبيَّن الاتصالُ في حديث حديث، وأما ما يُعَنْعِنُه المدلِّسُ، عمن
لم يعلم لِقاؤه له ولا سماعُه منه، فلا أعلم الخلافَ فيه بأنه لا يُقبل. ولو كنا نقول
بقول مسلم: بأن مُعَنْعَن المتعاصِرَيْنِ محمولٌ على الاتصال ولو لم يُعلم
التقاؤهما، فإنما ذلك في غير المدلِّسين. وأيضاً فلما قدمناه مِن صحة طواف
النبي ◌َّه يومئذ نهاراً. والخلاف في رد حديث المدلسين حتى يعلم اتصالُه، أو
قبوله حتَّى يعلم انقطاعه، إنما هو إذا لم يُعارضه ما لا شكَّ في صحته، وهذا قد
عارضه ما لا شك في صحته. انتهى كلامه.
ويدل على غلط أبي الزُّبيرِ على عائشة، أن أباسلمة بن عبد الرحمن روى
عن عائشة، أنَّها قالت: حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ(١). وروى
محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها، أن النبي مَّ،
(١) أخرجه البيهقي في ((السنن)) ١٤٤/٥.
٢٥٥
أذن لأصحابه فزاروا البيت يوم النحر ظهيرة، وزار رسول الله وَّة مع نسائه
ليلاً (١)، وهذا غلط أيضاً.
قال البيهقي: وأصحُّ هذه الرواياتِ حديثُ نافع عن ابن عمر، وحديثُ
جابر، وحديثُ أبي سلمة عن عائشة، يعني: أنه طاف نهاراً.
قلتُ: إنما نشأ الغلطُ مِن تسمية الطوافِ، فإن النبيَّ ◌ََّ أَخَّرَ طوافَ الوَدَاعِ
إلى الليل، كما ثبت في ((الصحيحين)) من حديث عائشة. قالت: خرجنا مع
النبي ◌َّ ... فذكرت الحديث، إلى أن قالت: فَنَزَلْنَا المُحَصَّبَ، فدعا عَبْدَ
الرحمن بنَ أبي بكر، فقال: اخْرُجْ بِأخْتِكَ مِنَ الحَرَمِ، ثم افْرُغَا مِن طَوَافِكُما، ثم
ائتياني ها هنا بالمُحَصَّب. قالت: فَقَضَى الله العُمرة، وفرغنا مِن طوافنا في جَوْفٍ
اللَّيل، فأتيناه بالمحَصَّبِ، فقال: ((فَرَغْتُمَا))؟ قلنا: نعم. فأذَّن في الناس بالرحيل،
فمرَّ بالبيتِ، فطافَ به، ثم ارتحلَ متوجهاً إلى المدينة(٢).
فهذا هو الطواف الذي أخره إلى الليل بلا ريب، فغلط فيه أبو الزبير، أو مَنْ
حدَّثه بِهِ، وقال: طواف الزيارة، والله الموفق.
ولم يَرْمُلْ فَ في هذا الطواف، ولا في طَوافِ الوَدَاعِ(٣)، وإنما رَمَلَ في
طوافِ القُدوم.
(١) هذا النص رواه البيهقي ١٤٤/٥ من طريق عمر بن قيس، عن عبد الرحمن بن
القاسم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، وأما السند الذي ساقه المؤلف فهو لمتن
غير هذا، ونصه: أفاض رسول الله وَ ل من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى
منی .
(٢) أخرجه البخاري ٣٣٤/٣ في الحج: باب قول الله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾
ومسلم (١٢١١) (١٢٣) في الحج: باب بيان وجوه الإِحرام.
(٣) أخرج أبو داود (٢٠٠١) وابن ماجه (٣٠٦٠) عن ابن عباس أن النبي وي # لم يرمل في
السبع الذي أفاض منه، وصححه الحاكم ٤٧٥/١، ووافقه الذهبي.
٢٥٦
فصل
ثُمَّ أتى زمزمَ بعد أن قضى طوافَه وهم يسقون، فقال: ((لَوْلاَ أَنْ يَغْلِبَكُم
النَّاسُ، لَزَلْتُ فَسَقَيْتُ مَعَكُمْ))، ثُمَّ ناولُوه الدَّلْوَ، فَشَربَ وهُوَ قَائِم (١). فقيل: هذا
نسخٌ لنهيه عن الشرب قائماً، وقيل: بل بيان منه أن النهي على وجه الاختيار وترك تعليل شربه ﴿ قائماً
الأولى، وقيل: بل للحاجة، وهذا أظهر.
وهل كان في طوافه هذا راكباً أو ماشياً؟ فروى مسلم في ((صحیحه))، عن
جابر قال: طافَ رسولُ اللهِ وَه بِالبَيْتِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ على رَاحِلته يَسْتِلم الرُّكنَ
بِمِحْجَنِهِ لأن يراه الناسُ ولُيُشْرِفُ، ولِيسألُوه، فإنَّ الناسَ غَشُوْهُ(٢).
طاف # طواف الإفاضة
على راحلته
وفي ((الصحيحين))، عن ابن عباس قال: طافَ النبيُّ نَّل في حجة الوداع،
على بعير يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ (٣).
وهذا الطواف، ليس بطواف الوداع، فإنه كان ليلاً، وليس بطواف القُدوم
لو جھین.
أحدهما: أنه قد صحَّ عنه الرَّمَلُ في طواف القدوم، ولم يقل أحد قطُّ:
رَمَلَتْ به رَاحِلَتُه، وإنما قالوا: رَمَلَ نَفْسُهُ(٤).
(١) أخرجه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر دون قوله: ((وهو قائم)) وأخرج البخاري
٣٩٤/٣ و٧٤/١٠، ٧٥ من حديث ابن عباس قال: سقيت رسول الله {* من زمزم،
فشرب وهو قائم.
(٢) أخرجه مسلم (١٢٧٣) في الحج: باب جواز الطواف على بعير وغيره، وأبو داود
(١٨٨٠)، والنسائي ٢٤١/٢ من حديث جابر. وقوله: ليشرف، أي: ليعلو، وليكون
مرفوعاً من أن يناله أحد.
(٣) أخرجه البخاري ٣٧٨/٣ في الحج: باب استلام الركن بالمحجن، ومسلم (١٢٧٢)
والمحجن: عصا معوجة الرأس يتناول بها الراكب ما سقط له، ويحول بطرفها
بعيره.
(٤) أخرج مالك ٣٦٤/١، ومسلم (١٢٦٣) من حديث جابر بن عبد الله أنه قال: رأيت =
٢٥٧
زاد المعاد ج ٢ -م٩
والثاني: قول الشريد بن سويد: أفضتُ مع رسولِ الله ◌َّ، فما مَسَّتْ قدماه
الأرْضَ حتَّى أتى جَمعاً(١).
وهذا ظاهره، أنه من حين أفاض معه، ما مسَّت قدماه الأرض إلى أن
رجع، ولا ينتقِضُ هذا بركعتي الطواف، فإن شأنَهما معلوم.
قلت: والظاهر: أن الشريد بن سويد، إنما أراد الإفاضة معه من عرفة،
ولهذا قال: حتى أتى جمعاً وهي مزدلفة، ولم يُرد الإِفاضة إلى البيت يومَ النحر،
ولا ينتقِضُ هذا بنزوله عند الشّعب حين بال، ثم رَكِبَ لأنه ليس بنزول مستقر،
وإنما مسَّت قدماه الأرضَ مساً عارِضاً. والله أعلم.
فصل
ثم رجع إلى منى، واختُلِفَ أين صلَّى الظهر يومئذ، ففي ((الصحيحين)):
عن ابنِ عُمر، أنه ◌َِّ، أفاضَ يوم النحر، ثم رجع، فصلى الظهرَ بِمِنَى(٢).
أين صلى ◌َّ الظهر حين
رجوعه إلى منى
وفي (صحيح مسلم)): عن جابر، أنه مَ الَه، صلَّى الظُّهرَ بمكَّة وكذلك قالت
عائشة .
واختُلِفَ في ترجيح أحدٍ هَذينِ القولين على الآخر، فقال أبو محمد ابن
رسول الله ﴾ يرمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف. وأخرج
البخاري ٣٨٣/٣ ومسلم (١٢٦١) من حديث ابن عمر أن النبي محمدٍ كان إذا طاف
بالبيت الطواف الأول خب ثلاثاً، ومشى أربعاً.
أخرجه أحمد ٣٨٩/٤ وإسناده صحيح، وجاء في المطبوع ((عمرو بن الشريد)) بدل
(١)
((الشريد بن سويد)) وهو خطأ.
أخرجه مسلم (١٣٠٨) وأبو داود (١٩٩٨) وأحمد ٣٤/٢، وليس هو في البخاري
(٢)
كما ذكر المصنف رحمه الله، وحديث جابر عند مسلم (١٢١٨)، وحديث عائشة
أخرجه أبو داود (١٩٧٣) وفيه عنعنة ابن إسحاق.
٢٥٨
حزم: قول عائشة وجابر أولى وتَبِعَه على هذا جماعة، ورجَّحوا هذا القولَ
بوجوه .
أحدها، أنه روايةُ اثنين، وهما أولى من الواحد.
الثاني: أن عائشة أخصُّ الناس به ◌َّ، ولها من القُرب والاختصاص به
والمزية ما ليس لغيرها .
الثالث: أن سياق جابر لِحجة النبي ◌َّ من أولها إلى آخرها، أتُّ سياق،
وقد حَفِظَ القِصَّةَ وضبطها، حتى ضبط جزئياتها. حتَّى ضبط منها أمراً لا يتعلّق
بالمناسك، وهو نزولُ النبيِ نَّهُ لَيْلَةَ جَمْعِ في الطَّريق، فقَضَى حاجَته عند
الشّعب، ثم توضأ وضوءاً خفيفاً، فمن ضبط هذا القدر، فهو بضبط مكانٍ صلاته
يوم النحر أولى.
الرابع: أن حجة الوداع كانت في آذار، وهو تساوي الليلِ والنهار، وقد دفع
مِن مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى مِنى، وخطب بها الناسَ، ونحر بُدْناً عظيمة،
وقَسَمَها، وطُبِخَ له من لحمها، وأكل منه، ورمي الجمرة، وحلَقَ رأسَه، وتطيّب،
ثم أفاض، فطافَ وشرب من ماء زمزم، ومِن نبيذ السِّقاية، ووقف عليهم وهم
يسقون، وهذه أعمال تبدو في الأظهر أنها لا تنقضي في مقدارٍ يُمكِنُ معه الرجوعُ
إلى مِنى، بحيثُ يُدرِكُ وقت الظهر في فصل آذار.
الخامس: أن هذين الحديثينِ، جاريانِ مجرى الناقِل والمبقي، فقد كانت
عادتُهُ وَلّ في حَجته الصلاةَ في منزله الذي هو نازِل فيه بالمسلمين، فجرى ابن
عمر على العادة، وضبط جابر، وعائشة رضي الله عنهما الأمر الذي هو خارج عن
عادته، فهو أولى بأن يكون هو المحفوظ .
ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر، لوجوه.
أحدها: أنه لو صلَّى الظُّهر بمكة، لم تُصَلِّ الصحابة بِمنى وحداناً
٢٥٩
وزَرَافاتٍ، بل لم يكن لهم بُدُّ من الصلاة خلفَ إمام يكون نائباً عنه، ولم يَنْقُلْ هذا
أحدٌ قطُّ، ولا يقول أحد: إنه استناب من يُصلي بهم، ولولا علمُه أنه يرجع إليهم
فيُصلي بهم. لقال: إن حَضَرَتِ الصلاةُ ولستُ عندكم، فليُصلِّ بكم فلان، وحيث
لم يقع هذا ولا هذا، ولا صلَّى الصحابة هناك وحداناً قطعاً، ولا كان مِن عادتهم
إذا اجتمعوا أن يُصلُّوا عِزِين، عُلِمَ أنهم صلَّوا معه على عادتهم.
الثاني: أنه لو صلَّى بمكة، لكان خَلْفَهُ بعضُ أهل البلد وهم مقيمون، وكان
یأمرهم أن يُتُمُّوا صلاتهم، ولم ينقل أنهم قاموا فأتموا بعد سلامه صلاتهم، وحيث
لم يُنقل هذا ولا هذا، بل هو معلوم الانتفاء قطعاً، عُلِمَ أنه لم يُصلِّ حينئذ بمكة.
وما ينقلُه بعض من لا علم عنده، أنه قال: ((يا أَهْلَ مَكَّة أَتِقُوا صَلاتَكُم فإنَّا قَوْمٌ
سَفْرٌ»، فإنما قاله عام الفتح، لا في حجته.
الثالث: أنه من المعلوم، أنه لما طاف، ركع ركعتي الطواف، ومعلوم أن
كثيراً من المسلمين كانوا خلفه يقتدون به في أفعاله ومناسكه، فلعله لما ركع
ركعتي الطواف، والناس خلفه يقتدُون به، ظن الظانُّ أنها صلاةُ الظهر، ولا سيما
إذا كان ذلك في وقت الظهر، وهذا الوهمُ لا يُمكن رفعُ احتماله، بخلاف صلاته
بِمِنى، فإنها لا تحتمِل غير الفرض.
الرابع: أنه لا يُحفظ عنه في حجه أنه صلَّى الفرض بجوف مكة، بل إنما
كان يُصلي بمنزله بالأبطح بالمسلمين مُدّة مقامه كان يُصلي بهم أين نزلوا لا يُصلي
في مكان آخر غير المنزل العام.
الخامس: أن حديث ابن عمر، متفق عليه، وحديث جابر، من أفراد
مسلم. فحديث ابن عمر، أصح منه، وكذلك هو في إسناده، فإن رواته أحفظ،
وأشهر، وأتقن، فأين يقع حاتم بن إسماعيل من عُبيد الله بن عمر العمري، وأين
يقع حفظ جعفر مِن حفظ نافع؟
السادس: أن حديث عائشة، قد اضطربَ في وقت طوافه، فرُوي عنها على
٢٦٠