النص المفهرس

صفحات 221-240

الحكم الثالث: أن المشروعَ في حقّ الميت، أن يُغسَّل بماءٍ وسِدْرٍ لا يُقتصر
به على الماء وحده، وقد أمر النبي ◌َّ بالسدر في ثلاثة مواضع، هذا أحدُها.
والثاني: في غسل ابنته بالماء والسدر. والثالث في غسل الحائض(١).
وفي وجوب السِّدرِ في حقِّ الحائض قولان في مذهب أحمد.
لا يسلب الماء طهوريته
الحكم الرابع: أن تغيَّر الماء بالطاهرات، لا يسلُبُه طهوريَّتَه، كما هو التغير بالطاهرات
مذهب الجمهور، وهو أنصُّ الروايتين عن أحمد، وإن كان المتأخِّرون من
أصحابه على خلافها. ولم يأمر بغسله بعد ذلك بماءٍ قَراح، بل أمر في غَسْلٍ ابنته
أن يجعلْنَ في الغسلة الأخيرة شيئاً من الكافور، ولو سلبه الطَّهورِيَّة، لنهى عنه،
وليس القصدُ مجردَ اكتساب المَاء من رائحته حتى يكونَ تغير مجاورة، بل هو
تطييب البدنِ وتصليبه وتقويتُه، وهذا إنما يحصُل بكافُور مخالِط لا مجاور.
الحكم الخامس: إِباحةُ الغسل للمحرم، وقد تناظر في هذا عبدُ اللَّهِ بنُ
عباس، والمِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ، فَفَصَل بينهما أبو أيوب الأنصاري، بأن
رسولَ اللهِّهِ اغتسلَ وهو مُحْرِمٌ(٢). واتفقوا على أنه يغتسِل من الجنابة، ولكن
إباحة الغسل للمحرم
(١) أخرجه مسلم (٣٣٢) (٦١) من حديث إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية
تحدث عن عائشة أن أسماء سألت النبي ◌َّةٍ عن غسل المحيض، فقال: ((تأخذ
إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر، فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً
شديداً حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر
بها)» وأخرجه أبو داود (٣١٤) وابن ماجه (٦٤٢) والدارمي ١٩٧/١. وأخرج
الدارمي ٢٣٩/١، ٢٤٠ عن أم قيس قالت: سألت النبي صل* عن دم المحيض يكون
في الثوب؟ قال: «اغسليه بماء وسدر، وحکیه بضلع» وسنده حسن.
(٢)
أخرجه البخاري ٤٨/٤، ٤٩ في العمرة: باب الاغتسال للمحرم، ومسلم (١٢٠٥)
في الحج: باب جواز غسل المحرم بدنه ورأسه. وقال ابن عباس فيما رواه
الدارقطني ص ٢٦١ والبيهقي ٦٣/٥، من طريق أيوب عن عكرمة عنه: المحرم
يدخل الحمام، وينزع ضرسه وإذا انكسر ظفره، طرحه، وقال: أميطوا عنكم الأذى،
فإن الله لا يصنع بأذاكم شيئاً. وحسنه المنذري.
٢٢١

كره مالك رحمه الله أن يُغَيِّبَ رأسه في الماءِ، لأنه نوع سِتر له، والصحيحُ أنه لا
بأس به، فقد فعله عمرُ بن الخطاب و ابنُ عباس.
إباحة الماء والسدر
للمحرم
الحكم السادس: أن المحرم غيرُ ممنوع من الماء والسِّدْرِ. وقد اختُلِفَ في
ذلك، فأباحه الشافعيُّ، وأحمد في أظهر الروايتين عنه ومنع منه مالك، وأبو
حنيفة، وأحمد في رواية ابنه صالح عنه. قال: فإن فعل، أهدى، وقال صاحبا أبي
حنيفة: إن فعل، فعليه صدقة.
وللمانعین ثلاث علل.
إحداها: أنه يقتُل الهَوَامَ من رأسه، وهو ممنوع من التفلِّي.
الثانية: أنه ترفُّه، وإزالةُ شَعَثٍ يُنافي الإِحرام.
الثالثة: أنه يستَلِذُّ رائحتَه، فأشبه الطِّيب، ولا سيما الخطمي. والعلل
الثلاث واهية جداً، والصواب جوازه للنص، ولم يُحرِّم اللَّهُ ورسوله على المحرم
إزالة الشَّعَثِ بالاغتسال، ولا قتل القمل، وليس السِّدْرُ من الطيب في شيء.
الحكم السابع: أن الكفنَ مقدَّم على الميراث، وعلى الدَّيْن، لأن
رسولَ الله ◌َّه أمر أن يُكفَّن في ثوبيه، ولم يسأل عن وارثه، ولا عن دَيْنٍ عليه.
ولو اختلف الحالُ، لسأل.
الكفن مقدم على ما سواه
وكما أن كِسوته في الحياة مقدَّمة على قضاء دينه، فكذلك بعد الممات،
هذا كلامُ الجمهور، وفيه خلاف شاذ لا يُعَوَّلُ عليه.
الحكم الثامن: جواز الاقتصارِ في الكفن على ثوبين، وهما إزارٌ ورداء،
وهذا قول الجمهور. وقال القاضي أبو يعلى: لا يجوز أقلُّ من ثلاثة أثواب عند
القدرة، لأنه لو جاز الاقتصارُ على ثوبين، لم يجز التكفين بالثلاثة لمن له أيتام،
والصحيح: خلاف قوله، وما ذكرهُ يُنقض بالخشن مع الرفيع.
الحكم التاسع: أن المحرم ممنوعٌ من الطِّيب، لأن النبيِ وَّهُ نهى أن يُمَسَّ
المحرم ممنوع من الطيب
٢٢٢

طيباً، مع شهادته له أنه يُبعث مليِياً، وهذا هو الأصل في منع المحرِم مِن الطِّيب.
وفي (الصحيحين)): من حديث ابن عمر ((لا تَلْبَسُوا مِنَ الشِّيَّابِ شَيْئاً مَسَه
وَرْسٌ أَوْ زَغْفَرَان»(١) .
وأمر الذي أحرم في جُبَّة بعد ما تضمَّخَ بالخَلُوقِ، أن تُنْزَعَ عَنْهُ الجُبَّةُ،
ويُغْسَلَ عَنْهُ أَثَرُ الخَلُوقِ (٢) . فعلى هذه الأحاديث الثلاثة مدارُ منع المحرِم من
الطيب. وأَصرحُها: هذه القصة، فإن النهي في الحديثين الأخيرين، إنما هو عن
نوع خاصٍّ من الطيب، لا سيما الخَلوقَ، فإن النهي عنه عام في الإِحرام وغيره.
وإذا كان النبي ◌َّ قد نهى أن يُقرب طيباً، أو يمس به، تناول ذلك الرأسَ،
والبدن، والثياب، وأما شتُّه من غير مسٌّ، فإنما حرَّمه من حرَّمه بالقياس، وإلا
فلفظُ النهي لا يتناوله بصريحه، ولا إجماعَ معلومٌ فیه یجب المصیر إلیه، ولکن
تحريمُه من باب تحريم الوسائل، فإنَّ شمه يدعو إلى ملامسته في البدنِ والثياب،
كما يحرم النظر إلى الأجنبية، لأنه وسيلة إلى غيره، وما حَرُمَ تحريم الوسائل،
فإنه يُباح للحاجة، أو المصلحة الرَّاجِحة، كما يُباح النظر إلى الأمة المُستَامَةِ،
والمخطُوبة، ومن شَهدَ عليها، أو يعاملها، أو يَطُّها. وعلى هذا، فإنما يُمنع
المحرمُ مِن قصد شمِّ الطيب للترقُّه واللذة، فأما إذا وصلت الرائحةُ إلى أَنفه من
غير قصد منه، أو شمه قصداً لاستعلامه عند شرائه، لم يُمنع منه، ولم يجب عليه
سدُّ أنفه، فالأول: بمنزلة نظر الفجأة، والثاني: بمنزلة نظر المُستام والخاطب.
ومما يُوضِّح هذا، أن الذين أباحوا للمحرم استدامة الطيب قبل الإِحرام، منهم من
صرح بإباحة تعمّد شَمِّه بعد الإحرام، صرح بذلك أصحاب أبي حنيفة، فقالوا:
في ((جوامع الفقه)) لأبي يوسف: لا بأس بأن يشم طيباً تطيّب به قبل إحرامه، قال
(١) أخرجه البخاري ٣٢١/٣ في الحج: باب ما يلبس المحرم من الثياب، ومسلم
(١١٧٧) في الحج: باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة.
(٢) أخرجه البخاري ٣١١/٣، ٣١٢ في الحج: باب غسل الخلوق ثلاث مرات من
الثياب، ومسلم (١١٨٠) والخلوق: نوع من الطيب مركب من الزعفران وغيره.
٢٢٣

صاحب ((المفيد)): إن الطِّيب يتصلُ به، فيصير تبعاً له ليدفع به أذى التعب بعد
إحرامه، فيصير كالسَّحور في حق الصائم يدفعُ به أذى الجوع والعطش في
الصوم، بخلاف الثوب، فإنه بائن عنه .
وقد اختلف الفقهاء، هل هو ممنوع من استدامته، كما هو ممنوع من
ابتدائه، أو يجوز له استدامتُه؟ على قولين. فمذهب الجمهور: جوازُ استدامته
اتباعاً لما ثبت بالسنة الصحيحة عن النبي ◌َّة أنه كان يتطَّيِبُ قَبْلَ إحْرَامِهِ، ثم يُرَى
وَبِيصُ الطِّيبِ في مَفَارِقِه بَعْدَ إِحْرَامِهِ (١). وفي لفظ: ((وهو يُلِّي)) وفي لفظ: ((بَعْدَ
ثَلاَثٍ)). وكل هذا يدفع التأويل الباطلَ الذي تأوّله من قال: إن ذلك كان قبل
الإِحرام، فلما اغتسل، ذهب أثره. وفي لفظ: كان رسولُ اللهِ وَّةٍ إذا أراد أن
يُحرِمَ، تَطَيِّبَ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ، ثم يُرَى وَبِيصُ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحِيَّتِهِ بَعْدَ
ذلِكَ(٢) . ولله ما يصنعُ التقليدُ، ونصرة الآراء بأصحابه.
وقال آخرون منهم: إن ذلك كان مختصاً به، ويردُّ هذا أمران، أحدهما: أن
دعوى الاختصاص، لا تُسْمَعُ إلا بدلیل.
والثاني: ما رواه أبو داود، عن عائشة، كنا نخرُجُ مع رسولِ الله وَّة إلى
مكة، فَنُضَمِّدُ حِبَاهَنَا بالسُّكِّ المُطَيَّبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إحدَانًا، سَالَ عَلَى
وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النَّبِّ ◌َّهُ فَلاَ يَنْهَانَا(٣).
(١) أخرجه البخاري ٣١٥/٣ في الحج: باب الطيب عند الإِحرام، وفي اللباس: باب
الفرق، وباب الطيب في الرأس واللحية، ومسلم (١١٩٠) في الحج: باب الطيب
للمحرم، وأحمد ٣٨/٦ و٢٤٥، والنسائي ١٣٩/٥، والبغوي في ((شرح السنة))
(١٨٦٤) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٢) أخرجه مسلم (١١٩٠) (٤٤).
(٣) أخرجه أبو داود (١٨٣٠) في الحج: باب ما يلبس المحرم، وسنده قوي والسك:
نوع من الطيب معروف، يضاف إلى غيره من الطيب ويستعمل.
٢٢٤

الحكم العاشر: أن المُحرمَ ممنوع مِن تغطية رأسه، والمراتبُ فيه ثلاث: المحرم ممنوع من تفطية
ممنوع منه بالاتفاق، وجائزٌ بالاتفاق، ومختلف فيه، فالأول: كلُّ متصل ملامس
رأسه
يُرادُ لستر الرأس، كالعِمَامَةِ، والقُبَعَةِ، والطَّاقيةِ، والخُوذَةِ، وغيرها.
والثاني: كالخيمة، والبَيْتِ، والشَّجَرةِ، ونحوها، وقد صحَّ عنِ النبي ◌ِّ،
أنه ضُرِبَتْ لَهُ قُبَّةٌ بِنَمِرَةَ وهُوَ مُحْرِمٌ إلا أن مالكاً منع المحرِمِ أن يضَعَ ثوبَه على
شجرة لِيستَظِلَّ به، وخالفه الأكثرون، ومنع أصحابُهُ المحرم أن يَمْشِيَ في ظِلِّ
المَحْمِلِ .
والثالث: كالمَحْمِلِ، والمَحَارَةِ، والهَوْدَجِ، فيه ثلاثة أقوال: الجواز، وهو
قولُ الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله، والثاني: المنع. فإن فعل، افتدى، وهو
مذهبُ مالكِ رحمه الله. والثالث: المنع، فإن فعل، فلا فِدية عليه، والثلاثةُ
روایاتٌ عن أحمد رحمه الله.
الحكم الحادي عشر: منع المحرم من تغطية وجهه، وقد اختُلِف في هذه
المسألة، فمذهب الشافعي وأحمد في رواية: إباحته، ومذهب مالك، وأبي
حنيفة، وأحمد في رواية: المنع منه، وبإباحته قال ستة من الصحابة: عثمانُ،
وعبدُ الرحمن بن عوف، وزيدُ بن ثابت، والزبيرُ، وسعدُ بن أبي وقاص، وجابرٌ
رضي الله عنهم. وفيه قول ثالث شاذ: إن كان حيّاً، فله تغطية وجهه، وإن كان
ميتاً، لم يجز تغطيةُ وجهه، قاله ابنُ حزم، وهو اللائق بظاهریته.
واحتج المبيحون بأقوال هؤلاء الصحابة، وبأصل الإباحة، وبمفهوم قوله:
((ولاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَه)). وأجابوا عن قوله: ((ولا تخمروا وجهه))، بأن هذه اللفظة
غير محفوظة فيه. قال شعبة: حدثنيه أبو بشر، ثم سألتُه عنه بعد عشر سنين،
فجاء بالحديث كما كان، إلا أنه قال: ((لا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، ولاَ وَجْهَه)). قالوا:
٢٢٥
زاد المعاد ج ٢ - م٨

وهذا يدل على ضعفها(١). قالوا: وقد روي في هذا الحديث ((خَمِّرُوا وَجْهَهُ، وَلاَ
تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ))(٢).
لا ينقطع الإحرام بالموت
الحكم الثاني عشر: بقاءُ الإِحرامِ بعد الموت، وأنه لا ينقطعُ به، وهذا
مذهبُ عثمانَ، وعليٍّ، وابن عباس، وغيرهم رضي الله عنهم، وبه قال أحمدُ،
والشافعي، وإسحاق، وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي: ينقطع الإِحرامُ
بالموت، ويصنع به كما يصنع بالحَلال، لقوله ◌َ ◌َّ: (( إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ
إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ))(٣).
قالوا: ولا دليلَ في حديث الذي وقصته راحلتُه، لأنه خاص به، كما قالُوا
في صلاته على النَّجَاشِيِّ: إنها مختصة به.
(١) قال الحاكم في ((علوم الحديث)): وذكر الوجه في هذا الحديث تصحيف من الرواة
الإجماع الثقات الأثبات من أصحاب عمرو بن دينار على روايته ((ولا تغطوا رأسه))
وهو المحفوظ، وتعقبه الزيلعي في ((نصب الراية)) ٢٨/٣ بقوله: والمرجع في ذلك
إلى مسلم لا إلى الحاكم، فإن الحاكم كثير الأوهام، وأيضاً، فالتصحيف إنما يكون
في الحروف المتشابهة، وأي مشابهة بين الوجه والرأس في الحروف؟ هذا على
تقدير ألا يذكر في الحديث غير الوجه، فكيف وقد جمع بينهما أعني الرأس
والوجه، والروايتان عند مسلم، ففي لفظ اقتصر على الوجه فقال: ((ولا تخمروا
وجهه)) وفي لفظ جمع بين الوجه والرأس، فقال: ((ولا تخمِّروا رأسه ولا وجهه))
وفي لفظ اقتصر على الرأس، وفي لفظ قال: فأمرهم رسول الله ◌َ أن يغسلوه بماء
وسدر، وأن يكشفوا وجهه حسبته قال: ورأسه، فإنه يبعث وهو يهل. ومثل هذا
بعيد من التصحيف.
(٢) أخرجه الشافعي في ((الأم)) ٢٣٩/١ و((المسند)) ٢١١/١ من حديث إبراهيم بن أبي
حرة، ومن طريقه البيهقي ٣٩٣/٣، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي ◌َليّ.
قال في الذي وقص: ((خمروا وجهه ولا تخمروا رأسه)) قال ابن التركماني: فيه
أمران: أن سفيان بن عيينة لم يذكر سنده، والثاني أن ابن أبي حُرة ضعفه الساجي.
(٣) أخرجه مسلم (١٦٣١) في الوصية: باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته من
حديث أبي هريرة، وتمامه: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح
يدعو له)».
٢٢٦

قال الجمهور: دعوى التخصيص على خلاف الأصلِ، فلا تُقبل وقوله في
الحديث: ((فإنَّه يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مُلبّا))، إشارة إلى العِلَّة. فلو كان مختصاً به، لم
يُشر إلى العِلة، ولا سيما إن قيل: لا يصح التعليلُ بالعلة القاصرة. وقد قال نظير
هذا في شُهداء أُحد، فقال: ((زَمِّلُوهُمْ في ثيابِهِم، بكُلُوُمهم، فإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَومَ
القيامَةِ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّم، والرِّحُ رِيحُ المِسْكِ))(١). وهذا غيرُ مختص بهم، وهو
نظيرُ قوله: ((كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبِيهِ، فإنه يبعث يوم القيامة مُلِّيّا)). ولم تقولوا: إن هذا
خاص بشهداء أحد فقط، بل عدَّيتم الحكم إلى سائر الشهداء مع إمكان ما ذكرتم
من التخصيص فيه. وما الفرق؟ وشهادة النبي ◌َّ في الموضعين واحدة، وأيضاً:
فإن هذا الحديث موافق لأصول الشرع والحكمة التي رتب عليها المعاد، فإن العبد
يبعث على مامات عليه، ومن مات على حالة بعث عليها فلو لم يرد هذا الحديث،
لكانت أصول الشرع شاهدة به. والله أعلم.
فصل
عدنا إلى سِياق حَجته وَله .
متابعة سياق حجته #1
فلما غربت الشمسُ، واستحكم غروبُها بحيثُ ذهبت الصُّفرة، أفاض من
عرفة، وأردف أسامةَ بنَ زید خلفه، وأفاض بالسكينة، وضمّ إلیه زمام ناقته، حتى
إن رأسَها ليُصِيبُ طَرَفَ رَحْلِهِ وهُو يقول: ((أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ السَّكِينَةَ، فإنَّ البِرَّ
لَيْسَ بالإِبِضَاعِ))(٢). أي: ليس بالإِسراع.
الإفاضة من عرفة
(١) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٤٣١/٥، والنسائي ٧٨/٤ في الجنائز: باب مواراة
الشهيد في دمه، و٢٩/٦ من حديث عبد الله بن ثعلبة. وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري ٤١٧/٣ في الحج: باب أمر النبي محمد* بالسكينة عند الإفاضة،
وأخرجه النسائي ٢٥٧/٥ من حديث أسامة بن زيد، وأخرجه مسلم (١٢١٨) من
حديث جابر الطويل.
٢٢٧

وأفاض من طريق المَأزِمَيْنِ (١)، ودخل عرفة من طريق ضَبّ، وهكذا كانت
عادتُه صلواتُ الله عليه وسلامُه في الأعيادِ، أن يُخالف الطريق، وقد تقدم حكمةُ
ذلك عند الكلام علی هديه في العید.
ثم جعل يسيرُ العَنَقَ، وهو ضربٌ من السَّير ليس بالسَّريع، ولا البَطيء. فإذا
وجد فَجْوةً وهو المتَّسعُ، نَصَّ سيره، أي: رفعه فوق ذلك، وكلما أتى ربوةً من
تلك الرُّبی، أرخى للناقة زِمامها قليلاً حتى تصعد.
وكان يُلِّي في مسيره ذلك، لم يقطع التلبيةَ. فلما كان في أثناء الطريق،
نزل صلواتُ اللهِ وسلامه عليه، فبال، وتوضأ وضوءاً خفيفاً، فقال له أسامة:
الصلاة يا رَسول الله، فقال: ((الصلاة - أو المُصَلَّى - أَمَامَك)).
ثم سار حتى أتى المزدلفة، فتوضأ وضوء الصَّلاة، ثم أمر بالأذان، فأَذَّن
المؤذِّنُ، ثم أقام، فَصَلَّى المغرب قبل حطِّ الرِّحَال، وتبريكِ الجمال، فلما حطُوا
رحالهم، أمر فأقيمتِ الصَّلاةُ، ثم صلى ◌ِشاء الآخِرة بإقامة بلا أذان، ولم يُصلِّ
بينهما شيئاً(٢). وقد رُوي: أنه صلاَّهما بأذانين وإقامتين، وروي بإقامتين بلا
أذان، والصحيح: أنه صلاهما بأذان وإقامتين، كما فعل بعرفة(٣).
ثم نام حتى أصبح، ولم يُخي تلك الليلة، ولا صحَّ عنه في إحياء لَيْلتي
العيدين شيء (٤).
(١) بفتح الميم، وإسكان الهمزة، وكسر الزاي تثنية مأزم: موضع معروف بين عرفة
والمشعر، وهو في الأصل: المضيق في الجبال حيث يلتقي بعضها ببعض، ويتسع
ما وراءه.
(٢) البخاري ٤١٣/٣ و٤١٥، ٤١٧، ومسلم (١٢٨٠) (٢٧٧) و (٢٧٨) و (٢٨٣) وأبو
داود (١٩٢١) والنسائي ٢٥٨/٥ و٢٥٩، وابن ماجه (٣٠١٧) و (٣٠١٩) من حديث
أسامة بن زيد رضي الله عنه.
(٣) انظر «نصب الراية)) ٦٨/٣، ٧٠ للحافظ الزيعلي.
(٤) كحديث ((من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب)) فقد =
٢٢٨

((وأَذِنَ في تلك الليلة لِضعفةِ أهِله أن يتقدَّمُوا إلى مِنى قَبْلَ طلوع الفجر، هل يجوز رمي الجمار قبل
وكانَ ذلك عند غيبوبةِ القَمَرِ، وأمرهم أن لا يَرْمُوا الجَمْرَةَ حتى تطلُعَ الشَّمسُ)) (١)
الفجر
حديث صحيح صححه الترمذي وغيره.
وأما حديثُ عائشةَ رضي الله عنها: أرسلَ رسولُ اللهِ وَّ بِأَمِّ سلمةَ ليلةً
رواه الطبراني من حديث عبادة بن الصامت، وفي سنده عمر بن هارون البلخي قال
عبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، والنسائي: متروك الحديث، وقال يحيى:
كذاب خبيث، وقال أبو داود: غير ثقة، وقال علي بن المديني والدار قطني: ضعيف
جداً، وقال صالح جزرة: كذاب، وأخرجه ابن ماجه (١٧٨٢) عن أبي أمامة بلفظ
((من قام ليلتي العيدين محتسباً لله، لم يمت قلبه حين تموت القلوب)) وإسناده
ضعيف لتدليس بقية بن الوليد، قال النسائي: إذا قال: حدثنا وأخبرنا، فهو ثقة، وإذا
قال: عن فلان، فلا يؤخذ عنه، لأنه لا يدرى عمن أخذه. وكحديث ((من أحيا
الليالي الأربع، وجبت له الجنة: ليلة التروية، وليلة عرفة، وليلة النحر، وليلة
الفطر)) أخرجه ابن عساكر في ((تاريخه)) من حديث معاذ بن جبل، وفي سنده
عبد الرحيم بن زيد العمي وهو متروك الحديث كما قال الإمام البخاري، وقال
یحیی: کذاب، وقال أبو حاتم: ترك حديثه.
(١) أخرج البخاري ٤٢١/٣ في الحج: باب من قدم ضعفة أهله بليل، فيقفون بالمزدلفة
ويدعون، ويقدم إذا غاب القمر، وباب حج الصبيان، ومسلم (١٢٩٣) في الحج:
باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من حديث ابن عباس قال: ((أنا
ممن قدم النبي ◌َّ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله)) وأخرج أبو داود (١٩٤٠)،
والنسائي ٢٧٠/٥، ٢٧٢، وابن ماجه (٣٠٢٥) من حديث الحسن العُرني عن ابن
عباس قال: قدمنا رسول الله ◌َّ ليلة المزدلفة أُغَيْلِمة بني عبد المطّلب على حُمُراتٍ
لنا من جمع، وجعل يلطح أفخاذنا، ويقول: أَبَيْنِيَّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع
الشمس)) ورجاله ثقات إلا أن الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس، وأخرج أبو
داود (١٩٤١) والنسائي ٢٧٢/٥ من حديث حبيب بن أبي ثابت عن عطاء، عن ابن
عباس أن النبي ◌َّة قدم أهله، وأمرهم ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس)) وحبيب
مدلس وقد عنعن، وباقي رجاله ثقات، وأخرج الترمذي (٨٩٣) من حديث
المسعودي عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن النبي ◌َل* قدَّم ضعفة أهله،
وقال: ((لا ترموا حتى تطلع الشمس)) وصححه، فهذه طرق يقوي بعضها بعضاً، كما
قال الحافظ في ((الفتح)) ٤٢٢/٣، فيصح الحديث.
٢٢٩

النَّحرِ، فرمَتِ الجمرَة قَبْلَ الفَجْرِ، ثم مَضَت، فأفاضَت، وكان ذلك اليومُ الذي
يكونُ رسول الله وَّرَ، تعني عندها، رواه أبو داود(١)، فحديث منكر، أنكره الإمام
أحمد وغيرهُ. ومما يدلُّ على إنكاره أن فيه، أن رسول الله وَّ أمرها أن تُوافي
صلاةَ الصُّبح يوم النحر بمكة. وفي رواية: ((تُوافيه بمكة)) وكان يومَها، فأحب أن
تُوافِيَه، وهذا من المحال قطعاً.
قال الأثرم: قال لي أبو عبد الله: حدثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه،
عن زينب بنتِ أم سلمة، أن النبي ◌َّ أمرها أن تُوافيه يومَ النحر بمكة، لم يُسنده
غيره، وهو خطأ.
وقال وكيع: عن أبيه مرسلاً: إن النبي ◌ََّ، أمرها أن تُوافِيَه صلاةَ الصبح
يومَ النحر بمكة، أو نحو هذا، وهذا أعجبُ أيضاً، أن النبيَّ وَلَّه يوم النحر وقت
الصُّبح، ما يصنعُ بمكة؟ ينكر ذلك. قال: فجئتُ إلى يحيى بن سعيد، فسألتُه،
فقال: عن هشام عن أبيه: ((أمرها أن تُوافي)) وليس («تُوافيه)) قال: وبين ذَيْنِ فرق.
قال: وقال لي يحيى: سل عبد الرحمن عنه، فسألته، فقال: هكذا سفيان عن
هشام عن أبيه. قال الخلال: سها الأثرم في حكايته عن وكيع ((تُوافيه))، وإنما قال
وكيع: توافي منى. وأصاب في قوله: ((تُوافي)) كما قال أصحابه، وأخطأ في
قوله: ((مِنی)).
قال الخلال: أنبأنا علي بن حرب، حدثنا هارون بن عِمران، عن
(١) أخرجه أبو داود (١٩٤٢) في المناسك: باب التعجيل من جمع، والبيهقي ١٣٣/٥ ،
وهو مضطرب سنداً ومتنا راجع (الجوهر النقي)) ١٣٢/٥، وقال ابن المنذر في
(الإشراف)): لا يجزىء الرمي قبل طلوع الفجر بحال إذ فاعله مخالف ما سنه
رسول الله ﴾ لأمته ولو رمى بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس لا يعيد، إذ لا أعلم
أحداً قال: لا يجزيه، ولو اختلفوا فيه، لأوجبت الإعادة.
٢٣٠

سليمان بن أبي داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أخبرتني أم سلمة،
قالت: قدَّمني رسولُ الله ◌َّل فيمن قدَّم من أهله لَيْلَة المزدلِفَة. قالت: فرميتُ
بليل، ثم مضيتُ إلى مكة، فصليتُ بها الصبح، ثم رجعتُ إلى مِنى.
قلت: سليمان بن أبي داود هذا: هو الدمشقي الخولاني، ويقال: ابن
داود. قال أبو زرعة عن أحمد: رجل من أهل الجزيرة ليس بشيء. وقال
عثمان بن سعيد: ضعيف (١).
قلت: ومما يدل على بطلانه، ما ثبت في ((الصحيحين)) عن القاسم بن
محمد، عن عائشة، قالت: استأذنتْ سَوْدَةُ رسولَ اللَّهِ وَّهَلَيْلَة المزدَلِفَة، أن تَدْفَعَ
قَبْلَه، وقَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وكَانتِ امْرَأَةٍ شَبِطَةً، قالَت: فَأَذِنَ لَهَا، فَخَرَجَتْ قَبْلَ
دَفْعِهِ، وحُبِسْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا، فَدَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، ولأَنْ أَكُونَ اسْتَأَذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ
كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ أَحَبُّ إليَّ مِن مَفْرُوحٍ بِهِ (٢). فهذا الحديث الصحيحُ، يُبيِّن أن
نساءه غیر سودة، إنما دفعن معه.
فإن قيل: فما تصنعون بحديث عائشة الذي رواه الدارقطني وغيرُه عنها، أن
رسول الله بَّ، ((أمر نِساءَه أن يخرُجْنَ مِنْ جَمْعَ لَيْلَةَ جَمْعٍ، فَيَرِمِينَ الجمرة، ثم
تُصبح في منزلها، وكانت تصنعُ ذلك حتى ماتت (٣).
قيل: يرده محمد بن حميد أحد رواته، كذَّبَه غيرُ واحد. ويردُّه أيضاً:
(١) لكن قال ابن حبان: سليمان بن داود الخولاني من أهل دمشق ثقة مأمون، وقال
البيهقي: وقد أثنى على سليمان بن داود أبو زرعة، وأبو حاتم، وعثمان بن سعيد،
وجماعة من الحفاظ. وقال الحافظ في ((التهذيب)): أما سليمان بن داود الخولاني،
فلا ريب في أنه صدوق.
(٢) أخرجه البخاري ٤٢٣/٣، ومسلم (١٢٩٠).
(٣) أخرجه الدارقطني ٢٧٣/٢، وفيه محمد بن حميد الرازي ضعفه غير واحد، وبعضهم
كذبه .
٢٣١

حديثُها الذي في (الصحيحين)) وقولها: وَدِدْتُ أني كنت استأذنتُ رسولَ اللهِ لَّه
كما استأذنتْه سودٌ.
وإن قيل: فَهَبْ أنكم يُمكنكم ردُّ هذا الحديث، فما تصنعونَ بالحديث الذي
رواه مسلم في ((صحيحه))، عن أم حبيبة، أن رسول الله وَ ﴿، بعث بها مِن جَمْعِ
بليل(١). قيل: قد ثبت في ((الصحيحين)) أن رسولَ اللَّهِوَّهَ قَدَّم تِلْكَ اللَّيْلَةَ ضَعَفَةٌ
أَهْلِهِ، وكانَ ابْنُ عبَّاسٍ فيمَنْ قدم. وثبت أنه قدَّم سودَة، وثبت أنه حبس نساءه
عنده حتى دفعن بدفعه. وحديثُ أم حبيبةَ، انفرد به مسلم. فإن كان محفوظاً،
فهي إذاً من الضعفة التي قدَّمها.
فإن قيل: فما تصنعون بما رواه الإِمامُ أحمد، عن ابن عباس، أن النبي وقال:
بعث به مع أهله إلى منى يَوْمَ النَّحْرِ، فَرَمَوُا الجمرةَ مع الفجر(٢). قيل: نُقُدِّمُ عليه
حديثَه الآخر الذي رواه أيضاً الإِمامُ أحمد، والترمذي وصححه، أن النبيَّ ◌َ لّ قَدَّم
ضعفةَ أهلهِ وقال: ((لا تَرْمُوا الجَمْرَةَ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ)). ولفظ أحمد فيه: قَدَّمَنَا
رسولُ اللهِوَّ أُغَيْلِمَةَ بني عَبْدِ المُطَّلِبِ على حُمُرَاتٍ لَنَا مِنْ جَمْعٍ، فَجَعَلَ يَلْطَحُ
أَفْخَاذَنَا وَيَقُولُ: ((أَيْ بُني لا تَرْمُوا الجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»(٣). لأنه أصح منه،
وفيه نهى النبي ◌َّل عن رمي الجمرة قبل طلوع الشمس، وهو محفوظ بذكر القصة
فيه. والحديث الآخر: إنما فيه: أنهم رموها مع الفجر، ثم تأملنا فإذا أنه لا
تعارض بَيْنَ هذه الأحاديث، فإنه أمر الصبيان أن لا يرمُوا الجمرة حتى تطُلِعَ
الشمس، فإنه لا عُذر لهم في تقديم الرمي، أما من قدَّمه من النساء، فرمَيْنَ قبل
(١) أخرجه مسلم (١٢٩٢) في الحج: باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء
وغيرهن ...
(٢) أخرجه أحمد (٢٩٣٧) و (٢٩٣٨) ٣٢٠/١، ورجاله ثقات، لكنه منقطع.
(٣) أخرجه الترمذي (٨٩٣) وأحمد (٢٨٤٢) وهو صحيح، وقد تقدم تخريجه ص٣٢٩ :
واللطح: الضرب الخفيف ببطن الكف، والأغيلمة: تصغير الغِلمة كما قالوا: أصيبية
في تصغير الصبية .
٢٣٢

طلوعِ الشَّمْسِ للعُذر والخوف عليهن من مزاحمة الناس وحَطْمِهِم، وهذا الذي
دلت عليه السنةُ جواز الرمي قبل طلوع الشمس، للعذر بمرض، أو كِبَرٍ يَشُقُّ عليه
مزاحمةُ الناس لأجله، وأما القادرُ الصحيحُ، فلا يجوز له ذلك.
وفي المسألة ثلاثة مذاهب، أحدها: الجوازُ بعد نصف الليل مطلقاً للقادر
والعاجز، كقول الشافعي وأحمد رحمهما الله، والثاني: لا يجوزُ إلا بعد طلوع
الفجر، كقول أبي حنيفة رحمه الله، والثالث: لا يجوزُ لأهل القدرة إلا بعدَ طلوع
الشمس، كقول جماعة من أهل العلم. والذي دلَّت عليه السنة، إنما هو التعجيلُ
بعد غيبوبة القمر، لا نصف الليل، وليسَ مع من حدَّه بالنصف دليل، والله أعلم.
فصل
فلما طلع الفجرُ، صلاَّها في أول الوقت لا قبلَه قطعاً بأذان وإقامة يومَ
النحر، وهو يومُ العيد، وهو يومِ الحجِّ الأكبر، وهو يومُ الأذان ببراءة الله ورسوله
مِن كُلِّ مشرك.
ثم ركِبَ حتى أتى موقِفَه عند المَشْعَرِ الحَرَامِ، فاستقبل القِبلة، وأخذ في
الدُّعاء والتضرُّع، والتكبير، والتهليل، والذِّكر، حتى أسفر جداً، وذلك قبلَ طُلوع
الشمس.
وهنالك سأله عُرْوَةُ بنُ مُضَرِّس الطَّائي، فقال: يا رَسُولَ الله وَِّ! إِنَّي جِئْتُ
مِنْ جَبَلَيْ طيِّءٍ، أَكْلَلْتُ رَاحِلتي، وأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إلَّ
وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجِّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ: ((مَنْ شَهِدَ صَلاتَنَا هَذِهِ
وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَذْفَعَ وقَدْ وقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذلكَ ليلاً أَوْ نَهاراً، فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّه،
وقَضی تَفَتَه»(١). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(١) أخرجه الترمذي (٨٩١) في الحج: باب ما جاء من أدرك الإمام بجمع، فقد أدرك
الحج، وأبو داود (١٩٥٠) في الحج: باب من لم يدرك عَرَفَةَ، والنسائي ٢٦٣/٥ =
٢٣٣

مذهب من قال بركنية
الوقوف بمزدلفة والمبيت
بها
وبهذا احتج من ذهب إلى أن الوقوفَ بمُزدلفَة والمبيتَ بها، ركن کعرفة،
وهو مذهبُ اثنين مِن الصحابة، ابنِ عباس، وابنِ الزُّبير رضي الله عنهما، وإليه
ذهب إبراهيمُ النَّخَعي، والشَّعبي، وعلقمة، والحسنُ البصري، وهو مذهب
الأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان، وداود الظاهري، وأبي عبيد القاسم بن
سلاَّم، واختاره المحتَّدان: ابنُ جرير، وابن خُزيمة، وهو أحد الوجوه للشافعية،
ولهم ثلاثُ حجج. هذه إحداها، والثانية: قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا الله عِنْدَ المَشْعَرِ
الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].
والثالثة: فعلُ رسول الله ◌َِّ الذي خرج مخرجَ البيانِ لهذا الذِّكر المأمور
به .
واحتَّ من لم يره رُكناً بأمرين، أحدهما: أن النبيِ بََّ مَّ وقتَ الوقوف
بعرفة إلى طلوع الفجر، وهذا يقتضي أن من وقف بعرفة قبل طلوع الفجر بأيسر
زمان، صح حُّه، ولو كان الوقوفُ بمزدلفة رُكناً لم يصحّ حُّه.
الثاني: أنه لو كان ركناً، لاشترك فيه الرجالُ والنساءُ، فلما قَدَّمَ
رسولُ اللهِّ النساء بالليل، عُلِمَ أنه ليس برُكن، وفي الدليلين نظر، فإن النبي
الله
إنما قدَّمهن بعد المبيت بمزدلفة، وذكر الله تعالى بها لصلاة عشاء الآخرة،
والواجبُ هو ذلك. وأما توقيتُ الوقوف بعرفة إلى الفجر، فلا يُنافي أن يكونَ
المبيت بمزدلفة رُكناً، وتكونُ تلك الليلة وقتاً لهما كوقت المجموعتين من
الصلواتِ، وتضييق الوقت لأحدهما لا يُخرجه عن أن يكون وقتاً لهما حال
القدرة .
في الحج: باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، وابن ماجه
=
(٣٠١٦) في المناسك: باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، والدارمي ٥٩/٢،
وأحمد ٢٦١/٤، ٢٦٢، وإسناده صحيح.
٢٣٤

فصل
وقف رََّ في موقفه، وأعلم الناس أن مزدلفة كُلَّها موقف، ثم سار مِن
مُزْدَلِفَةَ مُرْدِفاً للفضل بن عباس وهو يُلِّي في مسيره، وانطلق أسامةُ بنُ زيد على
رجليه في سُبَاقِ قُريش .
وفي طريقه ذلك أمر ابنَ عباس أن يَلْقُطَ له حصى الجمار، سبعَ حصياتٍ،
ولم يكسرها من الجبل تلك الليلة كما يفعلُ من لا عِلم عنده، ولا التقطها بالليل،
فالتقط له سبع حصيات مِنْ حَصَى الخَذْفِ، فجعل يَنْفُضُهُنَّ في كَفِّهِ ويَقُولُ:
(بَأَمْثَال هؤلاء فارْموا، وإِيَّاكُم والغُلُوَّ فِي الدِّين، فإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم الغُلُوُّ
في الدِّين))(١).
وفي طريقه تلك، عَرَضَتْ له امرأةٌ مِن خَثْعَمَ جَمِيلةٌ، فسألته عن الحجِّ عَنْ
أبيها وَكَانَ شَيْخاً كَبِيراً لا يَسْتَمْسِكُ علَى الرَّحِلَةِ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهُ، وجَعَلَ
الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَصَرِفَهُ إلى الشِّقِّالآخَرِ،
وكان الفَضْلُ وَسِيماً، فَقِيلَ: صَرَف وجْهَهُ عَنْ نَظَرِهَا إِلَيْهِ. وقيل: صَرَفَهُ عَنْ نَظَرِهِ
إِلَيْهَا، وَالصَّوابُ: إِنَّه فَعَلَهُ للأمَرْين، فإنه في القِصة جعل يَنْظُرُ إليها وَتَنْظُرُ
إلَيْه(٢).
قصة الفضل مع
الخذهمية
(١) أخرجه أحمد ٢١٥/١، و٣٤٧، والنسائي ٢٦٨/٥ في الحج: باب التقاط الحصى،
وابن ماجه (٣٠٢٩) في المناسك: باب قدر حصى الرمي، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه مالك ٣٥٩/١ والبخاري ٣٠٠/٣ في الحج: باب وجوب الحج وفضله،
وباب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، وباب حج المرأة عن الرجل،
وفي الاستئذان: باب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم
حتى تستأنسوا﴾، ومسلم (١٣٣٤) في الحج: باب الحج عن العاجز لزمانة
وهرم ... ، وأبو داود (١٨٠٩)، والنسائي ٢٦٧/٥، وابن ماجه (٢٩٠٩) من
حديث ابن عباس قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله ◌َّي فجاءت امرأة من
خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله الر يصرف وجه
الفضل إلى الشُّق الآخر، فقالت: يا رسول الله وَّل: إن فريضة الله على عباده في الحج =
٢٣٥

الحج عن الأم
وسأله آخرُ هنالك عن أمِّه، فقال: إنَّها عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، فإن حَمَلْتُها لَمْ
تَسْتَمْسِكْ، وإنْ رَبَطْتُها خَشِيتُ أنْ أَقْتُلَهَا، فَقَالَ: ((أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلى أمِّكَ دَيْنٌ
أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَال: نَعَمْ. قَالَ: فَحُجَّ عِنْ أُمَّكَ))(١) .
فلما أتى بَطْنَ مُحَسْرٍ، حَرَّك ناقَته وأسرع السَير، وهذه كانت عادتَه في
المواضع التي نزل فيها بأسُ اللَّهِ بأعدائه، فإن هُنالِكَ أصابَ أصحابَ الفيل ما
قصَّ الله علينا، ولذلك سُمِّي ذلك الوادي واديَ مُحَسِّر، لأن الفيل حَسَرَ فيه، أي:
أعيى، وانقطع عن الذهاب إلى مكة، وكذلك فعل في سُلوكه الحِجْرَ دِيارَ ثمود،
فإنه تقنَّع بثوبه، وأسرع السَّيْرَ(٢) .
ومحسِّر: برزخٌ بين مِنى وبين مُزْدَلِفة، لاَ مِن هذه، ولا مِن هذه، وعُرَنَةُ:
برزخ بين عرفة والمشعرِ الحرام، فبين كُلِّ مشعرين برزخ ليس منهما، فمِنى: من
أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يُثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك
=
في حجة الوداع. وقد وهم المؤلف رحمه الله حيث ذكر هذه القصة في هذا المكان، فقد
جاء في بعض رواياتها عند البخاري وغيره أنها كانت يوم النحر، وعند أحمد ٧٦/١
و ١٥٧، والترمذي (٨٨٦) من حديث علي بسند جيد أن الاستفتاء كان عند المنحر بعدما
رمى رسول الله ◌َّ الجمرة، وكان عليه أن يذكر مكانها قصة الفُّعُنِ المخرجة في ((مسلم))
من حديث جابر الطويل (١٢١٨) وفيها «فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن
عباس، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً، فلما دفع رسول الله ◌َيجه، مرت به ظُعُنٌّ
يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله بَ ل يده على وجه الفضل، فحول
الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ما لم يده من الشق الآخر على وجه
الفضل يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن محسِّر ...
أخرجه أحمد (١٨١٢)، والنسائي ١١٩/٥، ١٢٠ في الحج: باب حج الرجل عن
(١)
المرأة، والدارمي ٤١/٢، وسنده قوي.
(٢) أخرجه البخاري ٨/ ٩٥ في المغازي: باب نزول النبي لة في الحجر، ومسلم (٢٩٨١)
من حديث ابن عمر قال: لما مر النبي ◌َّ بالحجر، قال: ((لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا
أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين)) ثم قنع رأسه، وأسرع السير حتى أجاز
الوادي.
٢٣٦

الحرم، وهي مَشعر، ومُحَسِّر: من الحرم، وليس بمشعر، ومزدلفة: حرم
ومشعر، وعُرَنَةُ ليست مَشعراً، وهي من الحل. وعرفة: حِل ومشعر.
وسلك ◌َّ الطريقَ الوُسطى بين الطريقين، وهي التي تخرُج على الجمرة
الكُبرى، حتى أتى مِنى، فأتى جمرة العقبة، فوقف في أسفلِ الوادي، وجعل
البَيْتَ عن يسارِهِ، ومِنى عن يمينه، واستقبلَ الجمرةَ وهو على راحلته، فرماها
راكباً بعد طلوع الشمس، واحدة بعد واحدة، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حصاةٍ. وحينئذ قطع
التلبية .
وكان في مسيره ذلك يُلَبِّي حتى شرع في الرمي، ورمى بلالٌ وأسامةُ معه،
أحدهما آخِذٌ بِخِطام ناقته، والآخر يُظلِّلُه بثوب من الحر(١). وفي هذا: دليل على
جواز استظلال المُحْرِمِ بالمَحْمِلِ ونحوه إن كانت قصة هذا الإِظِلال يَومَ النَّحر
ثابتة، وإن كانت بعده في أيام مِنى، فلا حُجة فيها، وليس في الحديث بيانٌ في أي
زمن كانت. والله أعلم.
فصل
ثم رجع إلى مِنى، فخطب الناسَ خُطبة بليغة أعلمهم فيها بحُرمة يوم النحر
وتحريمه، وفضله عند الله، وحُرمة مكةَ على جميع البلاد، وأمرهم بالسَّمْعِ
والطَّاعَةِ لِمَن قَادَهُم بِكِتَابِ الله، وأَمَرَ النَّاسَ بِأَخْذِ مَنَاسِكِهِمْ عَنه، وقال: ((لَعَلِّي لَا
أَحُجُ بَعْدَ عَامِي هذا))(٢) .
خطبة منى
(١) أخرجه أحمد ٤٠٢/٦، ومسلم (١٢٩٨) (٣١٢) في الحج: باب استحباب رمي جمرة
العقبة يوم النحر راكباً من حديث أم الحصين قالت: حججت مع رسول الله وحده حجة
الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً، وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ◌َّ، والآخر رافع ثوبه
حتى رمى جمرة العقبة.
(٢) أخرجه مسلم (١٢١٨) و (١٢٩٧)، وأبو داود (١٩٧٠) من حديث جابر رضي الله عنه.
٢٣٧

وعلَّمُهُم مناسكهم، وأنزلَ المهاجرين والأنصارَ منازِلَهم، وأمرَ الناسَ أن لا
يَرْجِعُوا بَعْدَهُ كُفَّاراً يَضْربُ بَعْضُهُمْ رقَابَ بَعْضٍ، وأَمَرَ بِالتَّلِيغ عَنْهُ. وَأَخْبَرَ أَنَّهُ ربَّ
مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ(١).
وقال في خطبته: ((لا يَجْنِي جَانٍ إلاَّ على نَفْسِه))(٢).
وأنزل المهاجرين عن يمين القِبلة، والأنصارَ عن يسارها، والناسُ حولهم،
وفتح الله له أسماعَ الناس حتى سمعها أهلُ مِنى في منازلهم.
وقال في خطبته تلك: ((اعْبُدوا رَبَّكم، وصَلُّوا خَمْسَكُم، وصُومُوا
شَهْرَكُم، وأَطيعُوا ذا أَمْرِكُم، تَدْخُلُوا جَنَّهُ رَبَّكُمْ))(٣).
وودع حينئذ الناس، فقالوا: حجة الوداع.
وهناك سُئلَ عمن حلق قبل أن يَرميَ، وعمَّن ذبح قبل أَن يَرميَ، فقال: ((لا
حَرَجَ)) قال عبدُ الله بن عمرو: ما رأيتُه ◌ِلَّهِ سِئِلَ يومئذٍ عن شيء إلا قال: ((افْعَلُوا
وَلاَ حَرَجَ))(٤).
(١) أخرجه البخاري ٦/١٠ في الأضاحي: باب من قال: الأضحى يوم النحر، ومسلم
(١٦٧٩) في القسامة: باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال من حديث أبي بكرة
نفيع بن الحارث.
(٢) أخرجه الترمذي (٢١٦٠) في الفتن: باب ما جاء في تحريم الدماء والأموال، وابن ماجه
(٣٠٥٥) في المناسك: باب الخطبة يوم النحر من حديث عمرو بن الأحوص، وقال
الترمذي: حديث حسن صحيح.
أخرجه أحمد في ((المسند)) ٢٥١/٥، والترمذي (٦١٦) من حديث أبي أمامة، وإسناده
(٣)
صحيح، وصححه ابن حبان (٧٩٥)، والحاكم ٩/١ و٣٨٩، ووافقه الذهبي.
(٤) أخرجه مالك ٤٢١/١ في الحج: باب جامع الحج، والبخاري ٣/ ٤٥٤، ٤٥٦ في
الحج: باب الفتيا على الدابة عند الجمرة، ومسلم (١٣٠٦) في الحج: باب من حلق قبل
النحر، أو نحر قبل الرمي. وقال ابن قدامة في ((المغني)) ٤٤٧/٣: قال الأثرم: سمعت
أبا عبد الله أحمد بن حنبل يُسأل عن رجل حلق قبل أن یذبح، فقال: إن كان جاهلاً فلیس
عليه، فأما التعمد، فلا، لأن النبي ◌َّلِ سأله رجل، فقال: ((لم أشعر)) وقال ابن دقيق =
٢٣٨

قال ابن عباس: إنه قيل له رَّ في الذبح، والحلق، والرمي، والتقديم،
والتأخير، فقال: لا حَرَجَ))(١) .
وقال أسامة بنُ شريك: خرجتُ مع النبي ◌َِّ حاجًّاً، وكا الناسُ يأتونه فَمِنْ
قَائِل: يا رسولَ الله سعيتُ قبل أن أطوفَ، أو قدَّمت شيئاً أو أخّرتُ شيئاً فكان
يقول: ((لاَ خَرَجَ لا حَرَجَ إلا على رَجُلٍ اقترضَ عِرْضَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وهُوَ ظَالِمٌ،
فذلِكَ الذي حَرِجَ وهَلَكَ))(٢) .
وقوله: سعيتُ قبل أن أطوف، في هذا الحديث ليس بمحفوظ.
والمحفوظ: تقديم الرمي، والنحر، والحلق بعضها على بعض.
ثم انصرف إلى المَنْحَرِ بِمنى، فنحر ثلاثاً وستين بَدَنة بيده، وكان ينخُرها بحث في نحره ◌ِّ ثلاثا
قائِمةً، معقولةً يدُها اليُسرى(٣). وكان عددُ هذا الذي نحره عددَ سِني عمره، ثم
وستين بدنة بيده
العيد في شرح ((عمدة الأحكام)) ٧٩/٣: ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دل على
وجوب اتباع الرسول في الحج بقوله: ((خذوا عني مناسككم)) وهذه الأحاديث المرخصة
في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل: لم أشعر، فيختص الحكم بهذه
الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج، وأيضاً فالحكم إذا رتب
على وصف يمكن أن يكون معتبراً، لم يجز اطراحه، ولا شك أن عدم الشعور وصف
مناسب لعدم المؤاخذة، وقد علق به الحكم، فلا يمكن اطراحه بإلحاق العمد به، إذ لا
يساويه، وأما التمسك بقول الراوي: فما سئل عن شيءٍ إلى آخره، فإنه يشعر بأن الترتيب
مطلقاً غير مراعى، فجوابه أن هذا الإخبار من الراوي يتعلق بما وقع السؤال عنه وهو
مطلق بالنسبة إلى حال السائل، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه، فلا يبقى حجة
في حال العمد.
(١) أخرجه البخاري ٣/ ٤٥٣ في الحج: باب إذا رمى بعدما أمسى أو حلق قبل أن يذبح ناسياً
أو جاهلاً.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٠١٥) في المناسك: باب فيمن قدم شيئاً قبل شيء في حجه وإسناده
صحیح.
(٣) أخرجه أبو داود (١٧٦٧) من حديث جابر، ورجاله ثقات، وأخرج البخاري في
((صحيحه)) ٣/ ٤٤١ في الحج: باب نحر الإبل مقيدة، ومسلم (١٣٢٠) عن زياد بن جبير =
٢٣٩

أمسك وأمر علياً أن يَنْحَرَ ما غبر من المائة، ثم أمر علياً رضي الله عنه، أن يتصدقَ
بِجلالِها ولُحومِها وجُلودِها في المساكِين، وأمره أن لا يُعطِيَ الجَزَّار في جِزَارِتِها
شيئاً منها، وقال: نَحْنُ نُعْطِيهِ من عِنْدِنَا، وَقَالَ: ((مَنْ شاءَ اقْتَطَعَ))(١) .
فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديثِ الذي في ((الصحيحين)) عن أنس
رضي الله عنه، قال: صلَّى رسولُ الله ◌َّ الظهرَ بالمدينة أربعاً، والعصرَ بذي
الحُليفة ركعتين، فباتَ بها، فلما أصبحَ، رَكِبَ راحِلته، فجعل يُهَلِّلُ ويُسَبِّحُ،
فلما عَلاَ عَلَى البيداء، لَّى بِهِمَا جَمِيعاً، فلما دَخَلَ مَكَّةَ، أَمَرَهُمْ أَن يَحِلُوا، وَنَحَرَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ ◌ّه بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيامَاً، وضَخَّى بالمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ))(٢).
فالجواب: أنه لا تعارض بينَ الحدیثین.
قال أبو محمد ابنُ حزم: مخرج حديث أنس، على أحد وجوهٍ ثلاثةٍ.
أحدها: أنه يٍَّ لم ينحر بيده أكثرَ مِن سبع بُدن، كما قال أنس، وأنه أمر من
ينحرُ ما بعد ذلك إلى تمام ثلاث وستين، ثم زال عن ذلك المكانِ، وأمر علياً
رضي الله عنه، فنحرَ ما بقي .
الثاني: أن يكون أنس لم يُشاهد إلا نحره ◌َل سبعاً فقط بيده، وشاهد جابر
تمامَ نحره ◌َِِّ للباقي، فأخبر كُلٌّ منهما بما رأى وشاهد.
الثالث: أنه بَّ نحر بيده منفرداً سبع بُدن كما قال أنس، ثم أخذ هو وعلي
الحربة معاً، فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين، كما قال غَرَفَةُ بن الحارث الكِندي
قال: رأيت ابن عمر رضي الله عنهما أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها، قال: ابعثها
=
قياما مقيدة سنة محمد رَله.
(١) أخرجه البخاري ٤٤٢/٣ و٤٤٣، ٤٤٤، ومسلم (١٣١٧) من حديث علي رضي الله
عنه .
(٢) أخرجه البخاري ٤٤٢/٣ في الحج: باب نحر البدن قائمة، وأبو داود (٢٧٩٣) في
الأضاحي : باب ما يستحب من الضحايا.
٢٤٠