النص المفهرس
صفحات 181-200
بل المسلمون متفقون على جوازها إلى يوم القيامة. وإن أريد به متعة الفسخ، احتمل الوجوه الثلاثة المتقدِّمة. وقال الأثرم في ((سننه)): وذكر لنا أحمد بن حنبل، أن عبد الرحمن بن مهدي حدثه عن سفيان، عن الأعمش عن إبراهيم التيمي، عن أبي ذر، في متعة الحج كانت لنا خاصة. فقال أحمد بن حنبل: رحم الله أبا ذر، هي في كتاب الله عز وجل ﴿فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ﴾ [البقرة: ١٩٦ ]. قال المانعون من الفسخ: قول أبي ذر وعثمان: إن ذلك منسوخ أو خاص بالصحابة، لا يُقال مثلُه بالرأي، فمع قائله زيادة علم خفيت على من ادَّعى بقاءه وعمومه، فإنه مستصحِب لحال النص بقاءً وعموماً، فهو بمنزلة صاحب اليد في العين المدَّعاة، ومدِّعي فسخه واختصاصه بمنزلة صاحب البينة التي تُقَدَّم على صاحب الید . قال المجوِّزون للفسخ: هذا قول فاسد لا شك فيه، بل هذا رأي لا شك فيه، وقد صرَّح - بأنه رأي مَنْ هو أعظمُ من عثمان وأبي ذر - عِمرانُ بن حصينْ، ففي (الصحيحين)) واللفظ للبخاري: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونزل القُرآنُ، فقال رجل برأيه ما شاء. ولفظ مسلم: نزلت آيةُ المتعة في كتاب الله عزَّ وجلَّ: يعني متعة الحج، وأمرنا بها رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم لم تنزل آية تنسخ مُتعة الحج، ولم ينه عنها رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى مات، قال رجلٌ برأيه ما شاء. وفي لفظ: يريد عمر (١). وقال عبد الله بن عمر لمن سأله عنها؛ وقال له: إن أباك نهى عنها: أَمْرُ رسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم أحقُّ أن يُتَبَعَ أو أَمْرُ أَبي؟!(٢). (١) أخرجه البخاري ١٣٩/٨ في تفسير سورة البقرة: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ وفي الحج: باب التمتع على عهد رسول الله، ومسلم (١٢٢٦) (١٦٥) و (١٦٦) و (١٧٢) في الحج: باب جواز التمتع، والنسائي ١٤٩/٥ و (١٥٥). (٢) تقدم تخريجه ص١٣١ . ١٨١ وقال ابن عباس لمن كان يُعارِضه فيها بأبي بكر وعمر: يُوشِك أن تَنْزِلَ عليكم حِجَارَةٌ من السماء، أقولُ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله سلم، وتقولُون: قال أبو بكر وعمر(١) فهذا جوابُ العلماء، لا جوابُ من يقول: عثمانُ وأبو ذر أعلمُ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منكم، فهلاً قال ابنُ عباس، وعبدُ الله بن عمر: أبو بكر وعمرُ أعلمُ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منا، ولم يكن أحدٌ من الصحابة، ولا أحدٌ من التابعين يرضى بهذا الجواب في دفع نصٍ عن رسولِ الله وَِّ، وهم كانوا أعلمَ باللّهِ ورسوله، وأتقى له من أن يُقَدِّمُوا على قول المعصوم رأي غير المعصوم، ثم قد ثبت النصُّ عن المعصوم، بأنها باقية إلى يوم القيامة، وقد قال ببقائها: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسعدُ بن أبي وقَّاص، وابن عمر، وابن عباس، وأبو موسى، وسعيد بن المسيِّب، وجمهور التابعين، ويدل على أن ذلك رأي محض لا يُنسب إلى أنه مرفوع إلى النبيِّ وَّل، أن عمرَ بن الخطّاب رضي الله عنه لما نهى عنها قال له أبو موسى الأشعري: یا أمير المؤمنين! ما أحدثتَ في شأنِ النُّسُك؟ فقال: إن نَأخُذْ بِكِتَاب رَبِّنَا، فإنَّ الله يقُول: ﴿وَأَتِّمُوا الحَجَّ والعُمْرَة للهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وإنْ نَأْخُذْ بِسِنَّةِ رَسُولِ الله صلَى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم، فإنَّ رَسُولَ اللّهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلم لم يَحِلَّ حَتَّى نَحَر، فَهَذا اتِّفَاقٌ من أبي موسى وعمر، على أن منع الفسخ إلى المتعة والإِحرام بها ابتداءً، إنما هو رأي مِنه أحدثه في النُّسُك، ليس عن رسول الله ◌َلٍ . وإن استدل له بما استدل، وأبو موسى كان يُفتي الناسَ بالفسخ في خلافة أبي بكر رضي الله عنه كُلِّها، وصدراً من خلافة عمر حتى فاوض عمر رضي الله عنه في نهيه عن ذلك، واتفقا على أنه رأي أحدثه عمر رضي الله عنه في النسك، ثم صح عنه الرجوعُ عنه. (١) انظر ص ١٩١ . ١٨٢ فصل وأما العذر الثالث: وهو معارضةُ أحاديث الفسخ بما يدل على خلافها، فذكروا منها ما رواه مسلم في ((صحيحه)) من حديث الزهري، عن عُروةٍ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجنا مع رسولِ اللّهِ ◌ّ في حجة الوداع، فمنا من أهلَّ بعُمرة، ومنا مَنْ أهلَّ بحج، حتى قَدِمْنا مكة فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرةٍ وَلَمْ يُهْدِ، فَلْيَحْلِلْ، ومَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى، فَلاَ يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَذْيَهِ، ومَنْ أَهَلَّ بِحَجّ، فَلْيُتِمَّ حَجَّه))، وذكر باقي الحديث(١). ومنها: ما رواه مسلم في ((صحيحه)) أيضاً من حديث مالك، عن أبي الأسود، عن عُروة عنها: خرجنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم عامَ حَجَّةٍ الوداع، فمِنا مَن أهلَّ بعُمرة، ومنًّا من أهلَّ بحج وعُمرة، ومِنا مَنْ أهلَّ بالحجِّ، وأهلَّ رسولُ اللّهِ صلَّى الله عليه وآله وسلم بالحجِّ، فأمَّا مَنْ أهلَّ بعمرة فحلَّ، وأمَّا مَنْ أهلَّ بحٍّ، أو جَمَعَ الحَّ والعُمرة، فلم يَحِلُوا حتى كان يومُ النحر(٢). ومنها: ما رواه ابنُ أبي شيبة: حدثنا محمد بن بشر العبدي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، حدثني يحيى بن عبد الرحمن بن حاطِب، عن عائشة، قالت: خَرَجْنَا مع رسولِ اللّهِ صلَّى اللّهُ عليه وآله وسلَّم لِلحجِّ على ثلاثة أنواع: فمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمرةٍ وحَجَّةٍ، ومنا مَن أهلَّ بحَجِّ مُفرد، ومنَّا مَنْ أهلَّ بعُمرة مفردة، فمن كانَ أهلَّ بحجٍّ وعُمرةٍ معاً، لم يحِلَّ مِن شيءٍ مما حَرُمَ منه حتَّى قضى مناسِكَ الحج، ومن أهلَّ بحجّ مفرد، لم يَحِلَّ من شيء مما حرم منه حتى قضى مناسك الحجِّ، ومن أهل بعُمرةٍ مفردةٍ، فطافَ بالبيتِ وبالصَّفا والمروة، حلَّ مما حُرم منه حتى استقبل حَجًّا(٣) . أخرجه مسلم (١٢١١) (١١٢) وقد تقدم. (١) (٢) أخرجه مسلم (١٢١١) (١١٨). (٣) إسناده حسن. ١٨٣ عذر من ادعى معارضة أحاديث الفسخ بما يدل على خلافها ومنها: ما رواه مسلم في ((صحيحه)) من حديث ابن وهب، عن عمرو بنِ الحارث، عن محمد بن نَوْفَلٍ، أنَّ رجُلاً مِن أهلِ العِراق، قال له: سل لي عُروة بن الزبير، عن رجل أهلَّ بالحجِّ، فإذا طافَ بالبيت، أَيحِلُّ أم لا؟ فذكَر الحديث، وفيه: قد حجَّ رسولُ اللّهِ صلَّى الله عليه وآله وسلم، فأخبرتني عائشة، أن أول شيء بدأ به حين قدِمَ مكة، أنه توضأ، ثمَّ طَافَ بالبَيْتِ، ثم حجّ أبو بكر، ثم كان أوَّلَ شيءٍ بدأ به الطوافُ بالبيت، ثم لم تكن عُمْرَةٌ، ثم عُمَرُ مثلُ ذلك، ثم حجَّ عثمانُ، فرأيتُه أوَّلُ شيء بدأ به الطوافُ بالبيت، ثم لم تكن عُمْرةٌ. ثم معاوية وعبدُ الله بنُ عمر، ثم حججتُ مع أبي الزبير بن العوَّام، فكان أَوَّلَ شيء بدأ به الطوافُ بالبيت، ثم لم تكن عُمْرَةٌ. ثمَّ رأيتُ المهاجرين والأنصار، يفعلُون ذلك، ثم لم تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثم آخِرُ مَنْ رأيت فعل ذلك ابنُ عمر، ثم لم ينقُضْها بعُمرة، فهذا ابنُ عمرَ عندهم، أفلا يسألونه؟ ولا أحدٌ ممن مضى ما كانوا يَبدؤون بشيءٍ حِينَ يضعون أقدامَهم أوَّلَ مِنَ الطَّواف بالبَيْتِ، ثم لا يَحِلُون، وقد رأيتُ أمي وخالتي حين تَقْدَمَانِ لا تَبْدَآنِ بشيء أوَّلَ من الطواف بالبيت، تطوفان به ثم لا تَحِلاَّن(١). فهذا مجموع ما عارضوا به أحاديثَ الفسخ، ولا مُعارضة فيها بحمد الله ومَنِّه . رد المصنف عليهم أما الحديثُ الأول وهو حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة فَغَلِطَ فيه عبدُ الملك بن شعيب، أو أبوه شعيب، أو جَدُّه الليث، أو شيخه عقيل، فإن الحديث رواه مالك ومعمر، والناسُ، عن الزهري، عن عروة، عنها، وبيَّنُوا أن النبي ◌َّ أمر من لم يَكُنْ معه هدي إذا طاف وسعى، أن يَحِلَّ. فقال مالك: عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرَةَ، عنها، خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لِخَمس ليالٍ بقين لذي القَعدة، ولا نرى إلا الحجَّ، فلما دنونا مِن مكة، أمر رسولُ الله صلی الله عليه وآله وسلم من لم یکن معه هدي، إذا طاف بالبيت وسعى (١) أخرجه مسلم (١٢٣٥) في الحج: باب ما يلزم من طاف بالبيت وسعى. ١٨٤ بين الصفا والمروة، أن يَحِلَّ وذكر الحديث(١). قال يحيى: فذكرتُ هذا الحديثَ للقاسم بن محمد، فقال: أتتك والله بالحدیثِ علی وجهه . وقال منصور: عن إبراهيم، عن الأسود، عنها؛ خرجنا مع رسول اللّهِ صلَّى الله عليه وآله وسلم ولا نرى إلا الحَّ، فلما قَدِمْنَا، تَطَوَّفْنَا بالبَيْتِ، فأمر النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم من لم يكن ساق الهديَ، أن يَحِلَّ، فحلَّ من لم يكن ساق الهديَ، ونساؤه لم يَسُقْنَ فأحْلَلْنَ(٢) . وقال مالك ومعمر كلاهما عن ابن شهاب، عن عروة، عنها: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌّ، فَلْيُهِلَّ بالحَجِّ مَعَ العُمْرَة، ولاَ يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ منهما جَميعًا)(٣) . وقال ابن شهاب: عن عروة عنها، بمثل الذي أخبر به سالم، عن أبيه، عن النبي ◌َّ. ولفظه: تمتع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، فأهدى، فساق معه الهديَ من ذي الحُليفة، وبدأ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأهلَّ بالعُمرة، ثم أهلَّ بالحجِّ، وتمثَّع الناسُ مع رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بالعُمرة إلى الحج، فكانَ مِنَ الناس من أهدى، فساق معه الهديَ، ومنهم من لم يُهْدِ، فلمَّا قَدِمَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم مَّةَ، قال للناس: ((مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدى، فإنَّه لاَ يَحِلُّ مِنْ شيء حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، ومَنْ لمْ يَكُنْ أهْدَى فَلْيَطُفْ بالبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَة، وَلِيُقصِّرْ وَلْيَحِلَّ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالحَجِّ ولْيُهْدِ، فمَنْ لَمْ يَجِدْ هدياً، فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّام في الحَجِّ، وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ إلى أَهْلِه))، وذكر باقي الحديث(٤) . تقدم تخريجه ١٠٨، ١٣١، ١٣٨، ١٤٧، ١٦٥. (١) (٢) أخرجه البخاري ٣٣٤/٣، ٣٣٥، ومسلم (١٢١١) (١٢٨). (٣) أخرجه مالك ٤١٠/١، ٤١١، والبخاري ٣٣٠/٣، ومسلم (١٢١١). (٤) أخرجه البخاري ٤٣١/٣، ٤٣٢، ومسلم (١٢٢٧). ١٨٥ وقال عبد العزيز الماجِشُون: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، خرجنا معَ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا نَذْكُرُ إلا الحَجَّ ... فذكر الحديث. وفيه، قالت: فلما قَدمْتُ مَكَّة، قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: (اجْعَلُوها عُمْرَةً، فأَحَلَّ النَّاسُ إلَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْي)) (١). وقال الأعمش: عن إبراهيم، عن عائشة: خرجنا مع رَسُولِ اللّهِ صلَّى الله عليه وآله وسلم لاَ نذكُر إلا الحَجّ، فلما قَدِمْنَا، أُمِرْنَا أَنْ نَحِلَّ وذكرَ الحديثَ(٢). وقال عبد الرحمن بن القاسم: عن أبيه، عن عائشة: خرجنا مَعَ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، ولا نذكر إلا الحجَّ، فلما جِئْنَا سَرِفَ، طَمِثْكُ. قالت: فدخلَ عَلَيَّ رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلم وأنا أبكي. فقال: ((ما يُبْكِيك)»؟ قالت: فَقُلْتُ: واللّهِ لَودِدْتُ أَنِّي لاَ أَحُجُّ العَامَ ... فذكر الحديثَ. وفيه: فلما قَدِمْتُ مكة، قال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم: ((اجْعَلُوهَا عُمرةً))، قالت: فَحَلَّ الناسُ إِلَّ مِن كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ(٣). وكل هذه الألفاظ في ((الصحيح))، وهذا موافق لما رواه جابر، وابن عمر، وأنس، وأبو موسى، وابن عباس، وأبو سعيد، وأسماء، والبراء، وحفصة، وغيرهم، من أمره صلى الله عليه وآله وسلم أصحابَه كُلَّهم بالإِحلال، إلا مَنْ ساق الهدي، وأن يجعلوا حجهم عُمْرَةً. وفي اتفاق هؤلاء كُلِّهم، على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أمر أصحابه كلَّهم أن يحلوا، وأن يجعلوا الذي قدموا به مُتعةً، إلا مَنْ ساق الهدي، دليلٌ على غلط هذه الرواية، ووهم وقع فيها، يُبين ذلك أنها من رواية الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، والليث بعينه، هو الذي روى عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عنها مثلَ ما رواه، عن الزهري، أخرجه مسلم (١٢١١) (١٢٠). (١) أخرجه مسلم (١٢١١) (١٢٩). (٢) أخرجه مسلم (١٢١١) (١٢٠). (٣) ١٨٦ عن سالم، عن أبيه، في تمتع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأمره لمن لم يكن أهدی أن یَحِلَّ. ثم تأملنا، فإذا أحاديث عائشة يُصدِّقُ بعضُها بعضاً، وإنما بعضُ الرواة زاد على بعض، وبعضهم اختصر الحديث، وبعضُهم اقتصر على بعضه، وبعضهم رواه بالمعنى. والحديث المذكور: ليس فيه منع من أهلَّ بالحجِّ من الإِحلال، وإنما فيه أمره أن يُتِمَّ الحج، فإن كان هذا محفوظاً، فالمراد به بقاؤه على إحرامه، فيتعين أن يكون هذا قبل الأمر بالإِحلال، وجعله عمرة، ويكون هذا أمراً زائداً قد طرأ على الأمر بالإِتمام، كما طرأ على التخيير بين الإِفِراد والتمتع والقِران، ويتعين هذا ولا بُد، وإلا كان هذا ناسخاً للأمر بالفسخ، والأمر بالفسخ ناسخاً للإذن بالإِفِراد، وهذا محالٌ قطعاً، فإنه بعد أن أمرهم بالحِلِّ لم يأمرهم بنقضه، والبقاءِ على الإِحِرام الأول، هذا باطل قطعاً، فيتعيَّنُ إن كان محفوظاً أن يكون قبل الأمر لهم بالفسخ، ولا يجوز غير هذا البتة، والله أعلم. فصل وأما حديثُ أبي الأسود، عن عروة، عنها. وفيه: ((وأما مَنْ أهلَّ بحجٍّ أو جمعَ الحجّ والعُمرة، فلم يَحِلُوا حتى كان يوم النحر)). وحديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عنها: فمن كان أهلَّ بحجّ وعُمرة معاً، لم يَحِلَّ من شيء مما حَرُمَ منه حتى يَقْضِيَ مَناسِكَ الحَجِّ، ومَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ مُفْرِدٍ كَذَلِكَ)). فحديثان، قد أنكرهما الحفاظُ، وهما أهلٌ أن يُنگرا، قال الأثرم: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن أنس، عن أبي الأسود، عن عُروة، عن عائشة: خرجنا مع رسول اللّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فمنَّا مَنْ أَهلَّ بالحَجِّ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بالعُمْرَةِ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بالحَجِّ والعُمرَةِ، وأَهلَّ بالحَجِّ رَسُولُ اللّهِ صلى اللّهَ عَلَيْهِ وَآلَه سلم، فأمَّا مَنْ أَهَلَّ بالعُمْرَة، فأحلُوا حِينَ طَافُوا بالبَيْتِ وبالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بالحَجِّ والعُمْرَةِ، فَلَمْ يَحِلُوا إلى يَوْمِ النَّحْرِ، فقال أحمد بن حنبل: أَيْش في هذا الحديثِ مِن العَجَبِ، هذا خطأ، فقال ١٨٧ الأثرم: فقلتُ له: الزهري، عن عروة، عن عائشة، بخلافه؟ فقال: نعم، وهشام بن عروة. وقال الحافظ أبو محمد بن حزم: هذان حديثان منكران جداً، قال: ولأبي الأسود في هذا النحو حديثٌ لا خفاء بِنُكرَتِهِ، وَوَهْنِهِ، وبُطلانه. والعجب كيف جاز على من رواه؟ ثم ساق من طريق البخاري عنه، أن عبد الله مولى أسماء، حدثه أنه كان يَسْمَعُ أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما تقول كُلما مَرَّتْ بالحَجُون: صلَّى الله على رسوله: لقد نزلنا معه هاهنا، ونحنُ يومئذ خِفاف، قليلٌ ظهرُنا، قليلةٌ أزوادُنا، فاعتمرتُ أنا وأختي عائشة، والزبيرُ، وفلان، وفلان. فلما مسحنا البيتَ، أَحْلَلْنَا ثُمَّ أَهْلَلَنْا مِنَ العَشِيِّ بالحَجِّ(١). قال وهذه وهلةٌ لا خَفاءَ بها على أحد ممن له أقلُّ علم بالحديثِ لوجهين باطلين فيه بلاشك. أحدُهما: قوله: فاعتمرتُ أنا وأختي عائشة، ولا خلاف بين أحد من أهل النقل، في أن عائشة لم تعتمر في أول دخولها مكة، ولذلك أعمرها من التنعيم بعد تمام الحج ليلة الحصبة، هكذا رواه جابر بن عبد الله، ورواه عن عائشة الأثبات، كالأسود بن يزيد، وابنِ أبي مليكة، والقاسم بن محمد، وعروة، وطاووس، ومجاهد. الموضع الثاني: قوله فيه: فلما مسحنا البيتَ، أحللنا، ثم أهللنا من العشي بالحج، وهذا باطل لا شكَّ فيه، لأن جابراً، وأنسَ بن مالك، وعائشة، وابنَ عباس، كُلُّهم روَوْا أن الإِحلال كان يومَ دخولهم مكة، وأن إحلالهم بالحجِّ كان يوم التروية، وبين اليومين المذكورين ثلاثة أيام بلا شك. قلت: الحديثُ ليس بمنكر ولا باطل، وهو صحيح وإنما أُتي أبو محمد فيه مِن فهمه، فإن أسماء أخبرت أنها اعتمرت هي وعائشة، وهكذا وقع بلا شك. وأما قولها: فلما مسحنا البيت أَحْلَلْنَا، فإخبار منها عن نفسها، وعمن لم يُصبه (١) أخرجه البخاري ٤٩١/٣، ٤٩٢ في الحج: باب متى يحل المعتمر. ومسلم (١٢٣٧) وقولها: ((فلما مسحنا البيت)) أي: طفنا بالبيت فاستلمنا الركن. ١٨٨ عذرُ الحيض الذي أصابَ عائشة، وهي لم تُصرِّخْ بأن عائشة مسحت البيت يوم دخولهم مكة، وأنها حلَّت ذلك اليوم، ولا ريب أن عائشة قدمت بعمرة، ولم تزل عليها حتى حاضتْ بِسَرِفَ، فأدخلت عليها الحجَّ، وصارت قارِنةً. فإذا قيل: اعتمرت عائشة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو قدمت بعمرة، لم يكن هذا كذباً. وأما قولها: ثم أهللنا مِن العَشِيِّ بالحج، فهي لم تَقُلْ: إنهم أهلوا من عشي بوم القدوم، ليلزم ما قال أبو محمد، وإنما أرادت عشيَّ يوم التروية. ومثل هذا لا يحتاج في ظهوره وبيانه إلى أن يصرح فيه بعشي ذلك اليوم بعينه، لعلم الخاص والعام به، وأنه مما لا تذهبُ الأوهام إلى غيره، فردُ أحاديث الثقات بمثل هذا الوهم مما لا سبيل إليه. قال أبو محمد: وأسلمُ الوجوه للحديثين المذكورين عن عائشة، يعني اللذين أنكرَهُما، أن تُخرَّجَ روايتُهما على أن المراد بقولها: إن الَّذِينَ أهلَّوا بحٌّ، أو بحجٍّ وعُمرة، لم يَحِلُوا حتى كان يومُ النحر حين قَضَوْا مناسِك الحج، إنما عنت بذلك من كان معه الهدي، وبهذا تنتفي النُّكرةُ عن هذين الحديثين، وبهذا تأتِلف الأحاديثُ كلها، لأن الزهري عن عروة يذكر خلاف ما ذكره أبو الأسود عن عروة، والزهري بلا شك أحفظُ من أبي الأسود، وقد خالف يحيى بن عبد الرحمن عن عائشة في هذا الباب مَنْ لا يُقرَن يحيى بن عبد الرحمن إليه، لا في حفظ، ولا في ثقة، ولا في جَلالة، ولا في بطانة لعائشة، کالأسود بن یزید، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأَبي عمرو ذكوان مولى عائشة، وعَمْرَةَ بنت عبد الرحمن، وكانت في حجر عائشة، وهؤلاء هم أهلُ الخصوصية والبطانة بها، فكيف؟ ولو لم يكونوا كذلك، لكانت روايتُهم أو روايةٌ واحد منهم، لو انفرد هي الواجبُ أن يؤخذ بها، لأن فيها زيادة على رواية أبي الأسود ویحیی، وليس من جهل، أو غَفَلَ حجةً على من علم، وذكر وأخبر، فكيف وقد وافق هؤلاء الجلَّةُ عن عائشة فسقط التعلُّق بحديث أبي الأسود ويحيى اللذين ذكرنا . ١٨٩ قال: وأيضاً، فإن حديثي أبي الأسود ويحيى، موقوفان غير مسندين، لأنهما إنما ذكرا عنها فعل من فعل ما ذكرت، دون أن يذكُرا أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، أمرهم أن لا يَحِلُوا، ولا حُجة في أحد دون النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلو صحَّ ما ذكراه، وقد صح أمرُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من لا هدي معه بالفسخ، فتمادى المأمورُون بذلك، ولم يَحِلُّوا لكانوا عصاة لله تعالى، وقد أعاذهم الله من ذلك، وبرَّأهم منه، فثبت يقيناً أن حديث أبي الأسود ويحيى، إنما عني فيهما: من كان معه هدي، وهكذا جاءت الأحاديثُ الصحاح التي أوردناها، بأنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر من معه الهديُ، بأن يجمع حجاً مع العُمرة، ثم لا يَحِلَّ حتى يحلّ منهما جميعاً. ثم ساق من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عنها ترفعه ((مَنْ كانَ مَعَهُ هَذْيٌّ، فَلْيُهلِلْ بالحَجِّ والعُمْرَةِ، ثُمَّ لاَ يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَميعاً))(١) قال: فهذا الحديث كما ترى، من طريق عروة، عن عائشة، يُبين ما ذكرنا أنه المراد بلا شك، في حديث أبي الأسود، عن عروة وحديث يحيى عن عائشة، وارتفع الآن الإشكال جملة، والحمد لله رب العالمين . قال: ومما يُبيِّنُ أن في حديث أبي الأسود حذفاً قوله فيه: عن عُروة ((أن أمّه وخالَته والزُّبير، أقبلوا بعُمرة فقط، فلما مسحُوا الركن، حلُّوا)). ولا خلاف بين أحد، أن من أقبل بعُمرة لا يَحِلُّ بمسح الرّكن، حتى يسعى بين الصَّفا والمَرْوَةِ بعد مسح الركن، فصحَّ أن في الحَديث حذَفاً بيَّنه سائرُ الأحاديث الصحاح التي ذكرنا، وبطل التشغيبُ به جملة، وبالله التوفيق. فصل وأما ما في حديث أبي الأسود، عن عروة، من فعل أبي بكر، وعمر، والمهاجرين، والأنصار، وابن عمر، فقد أجابه ابن عباس، فأحسن جوابه، (١) أخرجه البخاري ٣٣٠/٣، ومسلم (١٢١١). ١٩٠ فيُكتفى بجوابه. فروى الأعمش، عن فضيل بن عمرو، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، تمتعَ رسولُ الله ◌َّهِ، فقال عروة: نهى أبو بكر وعُمَرُ عن المُتعة. فقال ابن عباس: أراكم ستهلكون، أقول: قال رسولُ الله ◌َّة، وتقول: قال أبو بكر وعمر (١). وقال عبد الرازق: حدثنا معمر، عن أيوب، قال: قال عُروة لابن عباس: ألا تتَّقي الله تُرَخِّصُ في المُتعة؟! فقال ابنُ عباس: سل أُمَّك يا عُرَيَّةُ. فقال عُروة: أمَّا أبو بكر وعمر، فلم يفعلا، فقال ابنُ عباس: واللّهِ ما أراكم مُنتهين حتى يُعَذِّبَكُمُ الله، أُحدِّثُكم عن رسول الله ◌ِّ، وتُحدِّثُونا عن أبي بكر وعمر؟ فقال عُروة: لَهُما أعلمُ بسنة رسول الله ◌َِّ، وأتبعُ لها منك(٢). وأخرج أبو مسلم الكجي(٣)، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عُروة بن الزبير، قال لرجل مِن أصحابِ رسول الله ◌َّمَ: تأمُرُ النَّاس بالعُمرَةِ في هؤلاء العَشْرِ، وليس فيها عُمرة؟! قال: أَوَلا تَسألُ أمَّك عن ذلك؟ قال عُروة: فإن أبا بكر وعُمَرَ لم يفعلا ذلك، قال الرجل: مِن هاهنا هلكتُم، ما أرى الله عَزّ وجَلّ إلا سيعُّذُبُكم، إنِّي أحدِّثكم عن رسولِ الله ◌َِّ، وتُخبروني بأبي بكر وعمر. قال عروةُ: إنهما والله كانا أعلمَ بسنةِ رسولِ الله ◌ِّ مِنْكَ، فسكت الرجل. (١) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٣٣٧/١، وسنده ضعيف. (٢) إسناده صحيح. (٣) في الأصل: وفي ((صحيح مسلم)) وهو تحريف صححناه من حجة الوداع ص ٢٦٨ لابن حزم، وأبو مسلم هذا هو الحافظ المسند إبراهيم بن عبد الله بن مسلم البصري صاحب ((السنن)) توفي سنة ٢٩٢ هـ مترجم في ((الوافي بالوفيات)) ٤٣/٥، و((تذكرة الحفاظ)) ٦٢٠/٢ و((شذرات الذهب)) ٢١٠/٢. وبقية رجال السند ثقات، فالسند صحیح. ١٩١ ثم أجاب أبو محمد بن حزم عُروة عن قوله هذا، بجواب نذكره، ونذكر جواباً أحسنَ منه لشيخنا. قال أبو محمد: ونحن نقول لعروة: ابنُ عباس أعلمُ بسنة رسول الله وَّ، وبأبي بكر وعمر منك، وخيرٌ منك، وأولى بهم ثلاثتهم منك، لا يشكُّ في ذلك مسلم. وعائشةٌ أم المؤمنين، أعلم وأصدق منك. ثم ساق من طريق الثوري، عن أبي إسحاق السَّبِيعي، عن عبد الله قال: قالت عائشة: من استُعْمِلَ على المَوْسِمِ؟ قالوا: ابن عباس. قالت: هو أعلم الناس بالحج. قال أبو محمد: مع أنه قد روي عنها خلاف ما قاله عروة، ومن هو خير من عروة، وأفضل، وأعلم، وأصدق، وأوثق. ثم ساق من طريق البزار، عن الأشج، عن عبد الله بن إدريس الأودي، عن ليث، عن عطاء، وطاووس، عن ابن عباس: تمتع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبو بكر، وعمر. وأول من نهى عنها معاوية. ومن طريق عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن طاووس، عن ابن عباس: تمتع رسولُ الله ◌َيّة وأبو بكر. حتى مات، وعمر، وعثمان كذلك. وأول من نهى عنها، معاوية (١) . قلت: حديث ابن عباس هذا، رواه الإمام أحمد في ((المسند)) والترمذي. وقال: حديث حسن(٢). وذكر عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر عن ابن طاووس، عن أبيه، قال: قال أُبُّ بن كعب، وأبو موسى لعمر بن الخطاب: ألا تقومُ فتبيِّنَ للنَّاسِ أَمَر هذه المتعة؟ فقال عمر: وهل بقي أحد إلا وقد عَلِمَهَا، أما أنا فأفعلُها. (١) ((حجة الوداع)) ص ٢٦٩. (٢) أخرجه أحمد ٢٩٢/١، و٣١٣ و٣١٤، والترمذي (٨٢٢) في الحج: باب ما جاء في التمتع، وسنده ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم. ١٩٢ وذكر علي بنُ عبدِ العزيز البغوي، حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا حمادُ بنُ سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، أو حميد، عن الحسن، أن عمر أراد أن يأخذ مال الكعبة، وقال: الكعبة غَنِيَّةٌ عن ذَلِكَ المالِ، وأراد أن يَنْهى أهل اليمن أن يَصْبِغُوا بالبَولِ، وأراد أن ينهى عن مُتعة الحج، فقال أبيُّ بنُ كعب: قد رأى رسولُ الله ◌ٍَّ وأصحابُه هذا المالَ، وبه وبأصحابه الحاجةُ إليه، فلم يأخذه، وأنت فلا تأخذْه، وقد كان رسولُ الله وَّةُ وأصحابُه يلبسون الثيابَ اليمانية، فلم ينهَ عنها، وقد علم أنها تُصْبَغُ بالبول، وقد تمثَّعنا مع رسول الله ◌َّ فلم ينه عنها، ولم يُنْزِلِ اللّهُ تعالى فيها نهياً(١). وقد تقدم قولُ عمر: لو اعتمرتُ في وسط السنة، ثم حججتُ، لتمتعتُ، ولو حججتُ خمسين حَجة، لتمتعتُ. ورواه حماد بن سلمة. عن قيس، عن طاووس، عن ابن عباس، عنه: لو اعتمرتُ في سنة مرتين، ثم حججت، لجعلت مع حجتي عمرة. والثوري، عن سلمة بن کھیل، عن طاووس، عن ابن عباس، عنه: لو اعتمرتُ، ثم اعتمرتُ، ثم حججت، لتمتعت. وابن عيينة: عن هشام بن حُجیر(٢)، ولیٹ، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: هذا الذي يزعمون أنه نھی عن المتعة - يعني عمر - سمعتُه يقول: لو اعتمرتُ، ثم حججت، لتمتعت. قال ابن عباس: كذا وكذا مرة، ما تمت حجة رجل قط إلا بمتعة (٣). وأما الجواب الذي ذكره شيخنا، فهو أن عُمَرَ رضي الله عنه، لم ينه عن بيان أن عمر لم ينه عن المتعة البتة، وإنما قال: إنَّ أَتَمَّ لِحَجِّكم وعُمرتكم أن تَفْصِلُوا بينهما، فاختار عُمَرُ المتعة البقة لهم أفضلَ الأمور، وهو إفرادُ كل واحد منهما بسفر يُنشئه له من بلده، وهذا أفضل من القِران والتمتع الخاص بدون سَفرة أخرى، وقد نصَّ على ذلك: أحمد، وأبو (١) ((حجة الوداع)) ص ٢٧٠، ورجاله ثقات. (٢) في المطبوع: محمد، وفي ((حجة الوداع)) مجير، وكلاهما محرف. (٣) ((حجة الوداع)) ص ٢٧١ . ١٩٣ زاد المعاد ج ٢ -م٧ حنيفة، ومالك، والشافعي رحمهم الله تعالى وغيرهم. وهذا هو الافراد الذي فعله أبو بكر وعمر رضي عنهما، وكان عُمر يختاره للناس(١)، وكذلك عليٍّ رضي الله عنهما . وقال عمر وعلي رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَأَنِقُّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قالا: إتمامهُما أن تُحرِمَ بهما مِن دُوَيْرَةٍ أَهلِكِ وقد قَالَِّ لعائشة في عُمرتها: ((أجْرُك عَلى قَدْرِ نَصِك))(٢) فإذا رجع الحاجُ إلى (١) وهو الذي صرح به عثمان في رواية أحمد في ((المسند)) ٩٢/١ ولفظه: عن عبد الله بن الزبير، قال: والله إنا لمع عثمان بن عفان بالجحفة ومعه رهط من أهل الشام، فيهم حبيب بن مسلمة الفهري، إذ قال عثمان - وذكر له التمتع بالعمرة إلى الحج - إن أتم للحج والعمرة ألا يكونا في أشهر الحج، فلو أخرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين، كان أفضل، فإن الله تعالى قد وسع في الخير، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في بطن الوادي يعلف بعيراً له، قال: فبلغه الذي قال عثمان، فأقبل حتى وقف على عثمان رضي الله عنه، فقال: أعمدت إلى سنة سنها رسول الله ◌َه ورخصة رخّص الله تعالى بها للعباد في كتابه تضيق عليهم فيها، وتنهى عنها وقد كانت لذي الحاجة ولنائي الدار، ثم أهل بحجة وعمرة معاً، فأقبل عثمان على الناس رضي الله عنه، فقال: وهل نهيت عنها، إني لم أَنْهَ عنها، إنما كان رأياً أشرت به، فمن شاء، أخذ به، ومن شاء تركه)) وسنده صحيح. وأخرجه عن علي الطبري ٢٠٧/٢، وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٢٠٨/١، وزاد نسبته إلى وكيع، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ((ناسخه)) والحاكم وصححه، والبيهقي في ((سننه)) وذكر ابن كثير عن عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: بلغنا أن عمر قال في قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ من تمامها أن تفرد كل واحد منهما من الآخر، وأن تعتمر في غير أشهر الحج. (٢) أخرجه البخاري ٤٨٦/٣، ٤٨٧ في العمرة: باب أجر العمرة على قدر النصب، ومسلم (١٢١١) (١٢٦) في الحج: باب وجوه الإحرام بلفظ ((ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك)) وأخرجه الدارقطني والحاكم من طريق هشام عن ابن عون، عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة بلفظ ((إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك)» وأخرجاه من طريق سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن = ١٩٤ دُوَيْرَةِ أهِله، فأنشأ العُمرة منها، واعتمر قبل أشهرِ الحجِّ، وأقام حتى يحجّ، أو اعتمر في أشهره، ورجع إلى أهله، ثم حجَّ، فها هنا قد أتى بكل واحدٍ من النسكين من دُويرةٍ أهله، وهذا إتيانٌ بهما على الكمال، فهو أفضلُ من غيره. قلت: فهذا الذي اختاره عمر للناس، فظنَّ من غَلِطَ منهم أنه نهى عن المتعة، ثم مِنهم من حمل نَهيه على متعة الفسخ، ومنهم من حمله على تركِ الأولى ترجيحاً للإفراد عليه، ومنهم من عارض رواياتِ النهي عنه بروايات الاستحباب، وقد ذكرناها، ومنهم من جعل في ذلك روايتين عن عمر، كما عنه روايتان في غيرهما من المسائل، ومنهم من جعل النهي قولاً قديماً، ورجع عنه أخيراً، كما سلك أبو محمد بن حزم، ومنهم من يَعُدُّ النهي رأياً رآه من عنده لكراهته أن يَظَلَّ الحاجُ مُعرِسِينَ بِنسائهم في ظِلِّ الأَرَاك. قال أبو حنيفة: عن حماد، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، قال: بينما أنا واقف مع عُمَرَ بن الخطاب بعرفة عشيةَ عرفة، فإذا هو برجل مُرَجِّلٍ شعرَه، يفوحُ منه ريحُ الطِّيب، فقال له عمر: أمحرِمٌ أنت؟ قال: نعم. فقال عمر : ما هيئتك بهيئة محرم، إنما المحرِمُ الأشْعَثُ الأغْبَرُ الأَدْفَرُ. قال: إِنِي قَدِمتُ متمتِّعاً، وكان معي أهلي، وإنما أحرمتُ اليوم. فقال عمر عند ذلك: لا تتمتّعُوا في هذه الأيام، فإني لو رَخَّصْتُ في المُتعة لهم، لعرَّسُوا بِهِنَّ في الأراك، ثم راحوا بِهِنّ حُجَّاجاً(١). وهذا يبين، أن هذا من عمر رأي رآه. قال ابن حزم: فكان ماذا؟ وحبذا ذلك؟ وقد طاف النبي ◌َّل على نسائه، ثم أصبح محرماً، ولا خلاف أن الوطء مباح قبل الإِحرام بطرفة عين والله أعلم. النبي 8* قال لها في عمرتها ((إنما أجرك في عُمرتك على قدر نفقتك)) والمعنى: إن = الثواب في العبادة يكثر بكثرة النصب أو النفقة، والمراد النصب الذي لا يذمه الشرع، وكذا النفقة. قاله النووي. (١) (حجة الوداع)) ص ٢٧٢، وإسناده صحيح وهو بنحوه في ((المسند)) ٥٠/١ و((صحيح مسلم)) (١٢٢٢) والدفر: النتن. ١٩٥ فصل بقية طرق المانعين من فسخ انحج إلى العمرة وقد سلك المانعون من الفسخ طريقتين أخريين، نذكرهُما ونبيِّنُ فسادهما. الطريقة الأولى: قالوا: إذا اختلف الصحابةُ ومَنْ بعدهم في جواز الفسخ، فالاحتياطُ يقتضي المنعَ منه صِيانةً للعبادة عما لا يجوزُ فيها عند كثير من أهل العلم، بل أكثرهم. والطريقة الثانية: أن النبي ◌َّلية أمرهم بالفسخ لِيبيِّن لهم جوازَ العُمرة في أشهر الحج، لأن أهْلَ الجاهلية كانوا يكرهون العُمرة في أشهر الحج، وكانوا يقولون: إذا بَرَأَ الدَّبَرُ، وعَفَا الأثَرُ، وانْسَلَخَ صَفَرُ، فقد حلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَر، فأمرهم النبيُّ ◌َّ بالفسخ(١)، ليبين لهم جوازَ العُمرة في أشهر الحج، وهاتان الطريقتان باطلتان. أما الأولى: فلأن الاحتياطَ إنما يشرع، إذا لم تتبين السُّنَّةُ، فإذا تبيَّنت فالاحتياطُ هو اتِّباعُها وتركُ ما خالفها؛ فإن كان تركُها لأجل الاختلاف احتياطاً، فتركُ ما خالفها واتباعُها، أحوطُ وأحوطُ، فالاحتياطُ نوعان: احتياط للخروج مِن خلاف العلماء، واحتياطٌ للخروج من خِلاف السُّنَّة، ولا يخفى رُجحانُ أحدهما على الآخر. يشرع الاحتياط إذا لم تقبين السنة وأيضاً، فإن الاحتياط ممتنعٌ هنا، فإنَّ للناس في الفسخ ثلاثةَ أقوال: أحدها: أنه محرَّم . أخرجه البخاري ٣٣٨/٣، ومسلم (١٢٤٠) من حديث ابن عباس، وقوله: ((برأ (١) الدبر)) بفتح الدال والباء: ما كان يحصل بظهور الإبل من الحمل عليها ومشقة السفر، فإنه كان يبرأ بعد انصرافهم من الحج، وقوله: ((وعفا الأثر)) أي: اندرس أثر الإِبل وغيرها في سيرها ويحتمل أثر الدبر المذكور، وفي ((سنن أبي داود)) (١٩٨٧). وعفا الوبر: أي: كثر وبر الإِبل الذي حلق بالرحال. ١٩٦ الثاني: أنه واجب، وهو قولُ جماعة من السَّلَف والخَلَف. الثالث: أنه مستحَبٌّ، فليس الاحتياط بالخروج من خلاف من حرَّمه أولى بالاحتياط بالخروج من خلاف من أوجبه. وإذا تعذر الاحتياطُ بالخروج من الخلاف، تعيَّن الاحتياطُ بالخروج من خلاف السُّنَّة . فصل وأما الطريقة الثانية: فأظهرُ بُطلاناً من وجوه عديدة. أحدُها: أن النبيَّ ◌َّ اعتمر قبل ذلك عُمَرَهُ الثلاث في أشهر الحج في ذي أشهر الحج من أحد عشر القَعدة، كما تقدم ذلك، وهو أوسطُ أشهرِ الحج. فكيف يُظن أن الصحابة لم يعلموا جوازَ الاعتمار في أشهر الحج إلا بعد أمرهم بفسخ الحج إلى العُمرة، وقد تقدم فعله لذلك ثلاثَ مرات؟ بطلان قول من قال: أمرهم # بالفسخ ليبين لهم جواز العمرة في وجهاً الثاني: أنه قد ثبت في «الصحيحين))، أنه قال لهم عند الميقات: ((مَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلُ، ومَنْ شَاء أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ فَلْيَفْعَلْ، ومَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلِّ بحَجِّ وعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ)(١) فبيَّن لهم جوازَ الاعتمار في أشهر الحج عند الميقات، وعامةٌ المسلمين معه، فكيف لم يعلموا جوازها إلا بالفسخ؟ ولعمرُ الله إن لم يكونوا يعلمون جوازَها بذلك، فهم أجدرُ أن لا يعلموا جوازَها بالفسخ. الثالث: أنه أمَرَ من لم يَسُقِ الهديَ أن يتحلَّل، وأمر مَن ساق الهديَ أن يبقى على إحرامه حتى يبلُغ الهديُّ مَحِلَّه، ففرق بين محرِم ومحرِم، وهذا يدل على أن سوقَ الهدي هو المانعُ من التحلل، لا مجردُ الإِحرام الأول، والعلة التي ذكروها لا تختص بمحرم دون محرم، فالنبيُّ مَ لِ جعل التأثير في الحِل وعدمه للهدي وجوداً وعدماً لا لغيره. (١) تقدم تخريجه ص ١٢٢ . ١٩٧ الرابع: أن يقال: إذا كان النبيُّ ◌َّ قِصَد مخالفَة المشركين، كان هذا دليلاً على أن الفسخَ أفضلُ لهذه العلة، لأنه إذا كان إنما أمرهم بذلك لمخالفة المشركين، كان يكونُ دليلاً على أن الفسخ يبقى مشروعاً إلى يوم القيامة، إما وجوباً وإما استحباباً، فإن ما فعله النبي ◌َّر وشرعه لأمته في المناسك مخالفةً لهدي المشركين، هو مشروع إلى يوم القيامة، إما وجوباً أو استحباباً، فإن المشركين كانوا يُفِيضُون من عرفةَ قبل غروب الشمس، وكانوا لا يُفيضون من مزدلفة حتى تَطْلُع الشمسُ، وكانوا يقولون: أَشْرِقْ ثَبِرُ كَيْمَا نُغِيرَ(١) فخالفهم النبيُّ ◌َّه، وقال: ((خَالَفَ هَذْيُنا هدْيَ المُشْرِكِين، فَلَمْ نُفِضْ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ». وهذه المخالفة، إما ركن، كقول مالك، وإما واجبٌ يَجبرهُ دم، كقول أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي في أحد القولين، وإما سنة، كالقول الأخر له. والإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس سنة باتفاق المسلمين، وكذلك قريشٌ كانت لا تَقَفُ بعرفة، بل تفيض من جَمْع، فخالفهم النبي ◌ََّ، ووقف بعرفاتٍ، وأفاضَ منها، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] وهذه المخالفة من أركانِ الحجِّ باتفاق المسلمين، (١) أخرجه البخاري ٤٢٤/٣، والترمذي (٨٩٦) وابن ماجه (٣٠٢٢) والنسائي ٢٦٥/٥، والدارمي ٥٩/٢، ٦٠، وأحمد ٣٩/١، و٤٢، و٥٠، و٥٤ من حديث عمر بن ميمون قال: شهدت عمر رضي الله عنه صلى بجمع الصبح، ثم وقف، فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، وكانوا يقولون: أشرق ثبير، وإن النبي ◌َّل خالفهم، ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس، وقوله: أشرق، بفتح أوله فعل أمر من الإِشراق، والمعنى: لتطلع عليك الشمس، وثبير جبل معروف هناك وهو على يسار الذاهب إلى منى وهو أعظم جبال مكة عرف برجل من هذيل اسمه ثبير دفن فيه، وزاد الإسماعيلي وابن ماجه (كيمانغير)) وللطبري ((أشرق ثبير لعلنا نغير)) قال الطبري: معناه: كيما ندفع للنحر وهو من قولهم: أغار الفرس: إذا أسرع في عدوه. ١٩٨ فالأمُور التي نُخَالِفُ فيها المشركين هي الواجبُ أو المستحبُّ، ليس فيها مكروه، فكيف يكون فيها محرم، وكيف يُقال: إن النبيَّ ◌ََّ أمر أصحابه بِنُسُكِ يُخالِفُ نُسُكَ المشركين، مع كون الذي نهاهم عنه، أفضلَ مِن الذي أمرهم به. أو يقال: مَنْ حَجَّ كما حج المشركون فلم يتمتع، فحُّه أفضلُ مِن حِّ السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، بأمرٍ رسول اللهچ. الخامس: أنه قد ثبت في «الصحيحين)) عنه، أنه قال: ((دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إلى يَوْمِ القِيامَة)). وقيل له: عُمْرَتْنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا، أم لِلأَبَدِ؟ فَقَالَ: ((لَ، بَلْ لِأَبْدِ الأَبَدِ، دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجّ إلى يَوْمِ القِيامَة))(١) . وكان سؤالهم عن عمرة الفسخ، كما جاء صريحاً في حديث جابر الطويل. قال: حتى إذا كان آخرُ طوافه عَلَى المروَةِ، قال: ((لو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمري مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمْ أَسُقِ الهَدْيَ، ولَجَعَلْتُها عُمْرَةً، فَمِنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَذِي، فَلْيُحِلَّ، وَلْيَجْعَلْها عُمْرَةً))، فقامَ سُراقة بن مالك فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا، أم للأبد؟ فشبَّكَ رسولُ اللهِِّ أصابِعَه واحِدَةً في الأخرى، وقال: ((دَخَلتِ العُمْرَة في الحَجِّ مَرَّتَيْن، لاَ بَلْ لأَبَدِ الأَبَد)). وفي لفظ: قَدِمَ رسولُ اللهِنَّهِ صبح رابعةٍ مَضَتْ مِن ذي الحِجة، فأمرنا أن نحلَّ، فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفةَ إلا خَمْسٌ أَمَرَنا أَنْ نُفْضِيَ إلى نِسَائِنا، فَتَأْتِيَ عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الَمِنِيَّ ... فذكر الحديثَ. وفيه: فقال سراقة بن مالك: لِعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: ((لأِبد))(٢). وفي ((صحيح البخاري)) عنه: أن سُراقة قال للنبيِّ وٍَّ: ((أَلَكُمْ خَاصَةَ هَذِهِ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: ((بل لِلأَبَدِ) (٣) فبيَّن رسولُ الله ◌َّةِ، أن تلك العُمرةَ التي فسخ من (١) تقدم تخريجه ص١٠٥ . (٢) أخرجه مسلم (١٢١٦). (٣) أخرجه البخاري ٤٨٥/٣ في العمرة: باب الاعتمار بعد الحج بغير هدي، و ١٨٧/١٣ في التمني: باب قول النبي ◌ّلّ: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ... ووقع في ((المطبوع)) ((للأمة)) بدل ((للأبد» وهو تحريف. ١٩٩ فسخ منهم حجّة إليها لِلأَّبد، وأن العُمرة دخلت في الحجِّ إلى يوم القيامة. وهذا يُبيِّن، أن عمرة التمتع بعضُ الحج. وقد اعترض بعضُ الناس على الاستدلال بقوله: ((بَلْ لِأَبَدِ الأَبْدِ)) باعتراضين، أحدهما: أن المراد، أن سقوطَ الفرض بها لا يختصُّ بذلك العام، بل يُسقِطُه إلى الأبد، وهذا الاعتراضُ باطل، فإنه لو أراد ذلك لم يَقُلْ: للأبد، فإن الأبد لا يكون في حق طائفة معينة، بل إنما يكون لجميع المسلمين، ولأنه قال: ((دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ»، ولأنهم لو أرادوا بذلك السؤالَ عن تكرار الوجوب، لما اقتصروا على العُمرة، بل كان السؤالُ عن الحج، ولأنهم قالوا له: ((عمرتنا هذه لِعامِنَا هَذَا، أم لِلأَبَدِ؟)) ولو أرادوا تكرار وجوبها كُلَّ عام، لقالوا له، كما قالوا له في الحج: أكلَّ عام يا رسولَ اللّهِ؟ ولأجابهم بما أجابهم به في الحجِّ بقوله: ((ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُم. لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ)). ولأنهم قالوا له: هذه لكم خاصة. فقال: ((بَلْ لِأَبْدِ الأبَد)). فهذا السؤال والجواب، صريحان في عدم الاختصاص. الثاني: قوله: إن ذلك إنما يُريد به جوازَ الاعتمار في أشهر الحجّ، وهذا الاعتراضُ أبطلُ مِن الذي قبله، فإن السائلَ إنما سأل النبيَّ نَّهُ فيه عن المُتعة التي هي فَسخُ الحجِّ، لا عن جواز العُمرة في أشهرِ الحِّ، لأنه إنما سأله عَقِبَ أمره من لا هَذْيَ معه بفسخ الحجِّ، فقال له سراقةٌ حينئذ: هذا لِعامِنَا، أم للأبد؟ فأجابه ◌َّه عن نفس ما سأله عنه، لا عمَّا لم يسأله عنه. وفي قوله: ((دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ))، عقب أمره من لا هدي معه بالإِحلال، بيانٌ جليٍّ أن ذلك مستمر إلى يومِ القِيامَة، فبطل دعوى الخُصوص، وبالله التوفيق. السادس: أن هذه العلة التي ذكرتموها، ليست في الحديثِ، ولا فيه إشارةٌ إليها، فإن كانت باطلةً، بطل اعتراضُكم بها، وإنْ كانت صحيحةً، فإنها لا تلزم الاختصاص بالصحابة بوجه من الوجوه، بل إن صحَّتْ اقتضت دوامَ معلولها واستمراره، كما أن الرَّمَلَ شُرِعَ لِيُرِيَ المشركينَ قوَّتَه وقوَّةَ أصحابه، واستمرت ٢٠٠