النص المفهرس

صفحات 61-80

فصل
في هديه في صيام التطوع
كان ◌ِيٍّ يَصُوم حتى يُقال: لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ حتَّى يُقال: لا يَصُومُ، وما
استكمل صِيامَ شهر غيرَ رمضان، وما كان يصومُ في شهر أكثر مما يَصُوم في
شعبان .
ولم يكن يخرُج عنه شهر حتى يَصُومَ مِنه.
ولم يَصُم الثَّلاثة الأشهر سرداً كما يفعلُهُ بعضُ الناس، ولا صام رجباً قطُّ،
ولا استحب صِيامَه، بل رُوي عنه النهي عن صيامه، ذكره ابن ماجه(٢) .
وكان يتحرَّى صِيام يوم الاثنين والخميس(٢).
وقال ابنُ عباس رضي الله عنه: كان رسولُ الله - لا يُفْطِرُ أَيَّمَ البيض في
سَفَرٍ ولا حَضَرٍ ). ذكره النسائي. وكان يحضُّ على صيامها ٥). وقال ابنُ مسعود
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٣٠٩/١، والبخاري ١٨٦/٤، ومسلم (١١٥٦) (١٧٥)
من حديث عائشة رضي الله عنهما، وفي رواية لمسلم (١١٥٦) (١٧٦): ولم أره في
شهر أكثر صياماً منه في شعبان، كان يصوم شعبان إلا قليلاً، بل كان يصوم شعبان
کله.
(٢) (١٧٤٣) في الصيام: باب صيام أشهر الحرم، وفي سنده داود بن عطاء ضعيف
باتفاق.
أخرجه الترمذي (٧٤٥) والنسائي ٢٠٢/٤، وابن ماجه (١٧٣٩) من حديث عائشة
(٣)
رضي الله عنها، وسنده صحيح، وفي الباب عن أبي هريرة عند الترمذي (٧٤٧) وله
شاهد يصح به من حديث أسامة بن زيد عند النسائي ٢٠١/٤، وابن خزيمة
(٢١١٩).
(٤) أخرجه النسائي ١٩٨/٤ في الصوم: باب صوم النبي +، وفي سنده يعقوب بن
عبد الله القمي، وهو ضعيف، وكذا الراوي عنه وهو جعفر بن أبي المغيرة القمي.
أخرج أحمد ٢٥٢/٥، والنسائي ٢٢٢/٤ من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال
(٥)
النبي : ((من كان منكم صائماً من الشهر ثلاثة أيام، فليصم الثلاث البيض)) =
٩١

رضي الله عنه: كان رسولُ اللهِ وََّ يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كلِّ شهر ثلاثة أيام. ذكره أبو
داود والنسائي (١).
وقالت عائشة: لم يكن يُبالي مِنْ أيِّ الشهر صامها. ذكره مسلم (٢)، ولا
تناقض بين هذه الآثار .
وأما صيامُ عشر ذي الحِجَّةِ، فقد اخْتُلِفَ، فقالت عائشة: رأيته صائماً في
العشر قط ذكره مسلم (٣).
وقالت حفصةُ: أربعٌ لم يكن يَدَعُهُنَّ رسولُ الله ◌َّ: صيامُ يومِ عاشوراءَ،
والعشرُ، وثلاثةُ أيام من كل شهر، وركعتا الفجر (٤). ذكره الإمام أحمد رحمه
الله .
وسنده حسن، وصححه ابن حبان (٩٤٣) وأخرج أحمد ١٥٠/٥، والنسائي ٢٢٣/٤
من طريق سفيان قال: حدثنا رجلان محمد وحكيم، عن موسى بن طلحة، عن ابن
الحوتكية، عن أبي ذر أن النبي ربَّ أمر رجلاً بصيام ثلاث عشرة، وأربع عشرة،
وخمس عشرة وأخرجه ابن خزيمة (٢١٢٨) من طريق آخر بسند حسن، وأخرج
الترمذي (٧٦٢) بسند قوي من حديث أبي ذر، قال: قال رسول اللهِ رَ له: ((من صام
من كل شهر ثلاثة أيام، فذاك صيام الدهر)» فأنزل الله سبحانه وتعالى تصديق ذلك في
كتابته ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] اليوم بعشرة أيام))، وفي
الباب عن أبي هريرة عند البخاري ١٩٧/٤، ومسلم (٧٢١) قال: أوصاني
خليلي مقل بثلاث: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر .. وهو في ((صحيح مسلم)) (٧٢٢)
عن أبي الدرداء.
(١) أخرجه أبو داود (٢٤٥٠)، والترمذي (٧٤٢) وسنده حسن.
(٢) (١١٦٠) في الصيام: باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ورواه ابن خزيمة
(٢١٣٠).
(٣) (١١٧٦) في الاعتكاف: باب صوم عشر ذي الحجة.
(٤) أخرجه أحمد ٢٨٧/٦ من حديث أبي إسحاق الأشجعي الكوفي، عن عمرو بن قيس
الملائي، عن الحر بن الصياح، عن هنيدة بن خالد الخزاعي، عن حفصة، وأبو
إسحاق الكوفي الأشجعي مجهول، وباقي رجاله ثقات.
٦٢

وذكر الإِمام أحمد عن بعض أزواج النبي _ أنه كان يَصوم تسعَ ذي
الحِجة، ويَصُومُ عاشوراء، وثلاثةَ أيامٍ من الشهر، أو الاثنين من الشهر،
والخميس، وفي لفظ: الخميسين(١) . والمثبِتُ مقدَّم على النافي إن صح.
وأما صيامُ ستة أيام من شوال، فصح عنه أنه قال: صِيامُهَا مَعَ رَمَضَانَ يَعْدِلُ
صِيَامَ الدَّهْرِ))(٢) .
صيم عاشوراء
وأما صيامُ يوم عاشوراء، فإنه كان يتحرَّى صومَه على سائر الأيَّام، ولما
قَدِمَ المدينة، وجد اليهودَ تصومُه وتُعظُّمُه، فقال: (نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسى مِنْكُمْ)).
فصامه، وأَمَرَ بصيامه، وذلك قبلَ فرض رمضان، فلما فُرِضَ رمضان، قال: ((مَنْ
شَاءَ صَامَهُ ومَنْ شَاءَ تركَه)(٣) .
وقد استشكل بعضُ الناس هذا وقال: إنما قَدِمَ رَسول اللهِ﴾ المدينة في
شهر ربيع الأول، فكيف يقولُ ابن عباس: إنه قدم المدينة، فوجد اليهود صياماً
يومَ عاشوراء؟
(١) أخرجه أحمد، ٢٨٨/٦، وأبو داود (٢٤٣٧)، والنسائي ٢٠٥/٤ من طريق الحر بن
الصياح، عن هنيدة بن خالد، عن امرأته قالت: حدثني بعض نساء النبي ◌ِله.
()
أخرجه مسلم (١١٦٤) في الصيام: باب استحباب صوم ستة أيام من شوال أتباعاً
لرمضان، وأحمد ٤١٧/٥ و٤١٩، وأبو داود (٢٤٣٣) والترمذي (٧٥٩) وابن ماجه
(١٧١٦) من حديث سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت الأنصاري، عن أبي أيوب
وسعد بن سعيد - وهو أخو يحيى بن سعيد - ضعيف لسوء حفظه، لكن تابعه
صفوان بن سليم عند أبي داود، والدارمي ٢١/٢ وإسناده قوي، ويحيى بن سعيد
عند النسائي في ((الكبرى)) فيما نقله المؤلف رحمه الله في ((تهذيب السنن)) ٣٠٨/٣،
وفي الباب عن ثوبان أخرجه الدارمي ٢١/٢، وابن ماجه (١٧١٥) وإسناده صحيح،
وصححه ابن حبان (٩٢٨) وعن جابر عند أحمد ٣٠٨/٣ و٣٢٤ و٣٤٤، وعن أبي
هريرة عند البزار ص ١٠٣ من زوائده.
(٣) أخرجه البخاري ٢١٣/٤ في الصوم: باب صوم يوم عاشوراء، ومسلم (١١٢٥)
(١١٥) في الصيام: باب صوم يوم عاشوراء، من حديث عائشة رضي الله عنها.

وفيه إشكال آخر، وهو أنه قد ثبت في «الصحيحين» من حديث عائشة، أنها
قالت: كانت قُريشٌ تصومُ يوم عاشوراء في الجاهلية، وكان عليه الصلاةُ والسلامُ
يصُومُه، فلما هاجر إلى المدينة، صامه، وأمرَ بصيامه، فلما فُرِضَ شهرُ رمضانَ
قال: ((مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَركَه))(١) .
وإشكال آخر، وهو ما ثبت في ((الصحيحين)) أن الأشعث بن قيس دخل
على عبد الله بن مسعود وهو يتغذّى فقال: يا أبا محمد! ادْنُ إلى الغِدَاءِ. فقال:
أَوَلَيْسَ اليومُ يومَ عاشُوراء؟ فقال: وهل تدري ما يَوْمُ عاشُوراء؟ قال: وما هو؟
قال: إنما هُوَ يومٌ كان رسولُ الله ◌َّهَ يَصُومُه قبل أن يَنْزِلَ رَمَضَانُ، فلما نزل
رَمَضَانُ تركه(٢) .
وقد روى مسلم في ((صحيحه)) عن ابن عباس، أن رسولَ اللَّهِ بِّلْ حِينَ صام يَوْمَ
عاشوراء وأَمَرَ بِصيامِه، قالوا: يا رسولَ الله! إنَّهُ يومٌ تُعظَّمُه اليهودُ والنَّصارى،
فقال رسولُ الله بِّه: ((إذا كانَ العَامُ المُقْبِلِ إنْ شَاءَ الله صُمْنَا النَّومَ التَّاسِع)). فلم
يأت العامُ المقبل حتَّى توفِّي رسولُ الله ◌ِيَ(٣).
فهذا فيه أن صومَه والأمرَ بصيامه قبل وفاته بعام، وحديثُه المتقدِّمُ فيه أن
ذلك كان عندَ مَقْدَمِه المدينة، ثم إن ابن مسعود أخبر أن يومَ عاشوراء تُرِكَ
برمضانَ، وهذا يُخالفه حديثُ ابن عباس المذكور، ولا يمكن أن يُقال: تُرِكَ
فرضُه، لأنه لم يُفرض، لما ثبت في «الصحيحين)) عن معاوية بن أبي سفيان،
سمعتُ رسول الله يقول: ((هذا يَوْمُ عَاشُوراء، ولم يَكْتُبِ اللَّهُ عليكم صِيامَه،
تقدم تخريجه وهو الحديث السابق ص٦٣ .
(٢) أخرجه البخاري ١٣٤/٨ في التفسير: باب يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم
الصيام، ومسلم (١١٢٧).
(٣) أخرجه مسلم (١١٣٤).

وأَنَا صَائِمٌ، فمن شَاءَ، فَلْيَصُمْ، ومَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِر))(١). ومعاوية إنما سمع هذا بعد
الفتح قطعاً.
وإشكال آخر، وهو أن مسلماً روى في (صحيحه)) عن عبد الله بن عباس،
أنه لما قيل لِرسول الله بَّرَ: إنَّ هذا اليومَ تُعظُّمُه اليهودُ والنصارى قال: ((إِنْ بَقيتُ
إلى قَابل))، لأصُومَنَّ النَّاسِعَ)) فلم يأتِ العامُ القابِلُ حتى تُوفِّي رسولُ الله ◌ِّ، ثم
روى مسلم في ((صحيحه)) عن الحكم بن الأعرج قال: انتهيتُ إلى ابن عباس وهو
متوسِّد رداءه في زمزم، فقلتُ له: أخبرني عن صوم عاشوراء. فقال: إذا رَأيْتَ
هِلال المُحرَّم، فاعدُذ، وأصبح يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِماً قُلْتُ: هَكَذَا كان رسول الله
يصومه؟ قال: نعم (٢).
وإشكال آخر: وهو أن صومَه إن كان واجباً مفروضاً في أول الإِسلام، فلم
يأمرهم بقضائه، وقد فات تبييتُ النيةِ له من الليل وإن لم يكن فرضاً، فكيف أمرَ
بإتمام الإِمساك مَنْ كان أكل؟ كما في ((المسند)) والسنن من وجوه متعددة، أنه عليه
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٢٩٩/١، والبخاري ٢١٣/٤، ٢١٤، ومسلم (١١٢٩)
قال الحافظ: ولا دلالة فيه على أن صوم يوم عاشوراء لم يكن فرضاً لاحتمال أن
يريد: ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام، كصيام رمضان، وغايته أنه عام
خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه، أو المراد أنه لم يدخل في قوله تعالى: ﴿كتب
عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ ثم فسره بأنه شهر رمضان، ولا
يناقض هذا الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخاً، ويؤيد ذلك أن معاوية إنما
صحب النبي ◌َّ من سنة الفتح، والذين شهدوا أمره بصيام عاشوراء والنداء بذلك
شهدوه في السنة الأولى أوائل العام الثاني. ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان
واجباً لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم
زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات ألا يرضعن فيه الأطفال،
وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم: لما فرض رمضان، ترك عاشوراء مع العلم بأنه
ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدل على أن المتروك وجوبه.
(٢) أخرجه مسلم (١١٣٣).
٦٥
زاد المعاد ج٢ - م٣

السلام، أمر من كان طَعِمَ فيه أن يصُومَ بَقِيَّةً يَوْمِه (١). وهذا إنما يكون في
الواجب، وكيف يَصِحُّ قولُ ابن مسعود: فلما فُرِضَ رمضانُ، تُرِكَ عاشوراء،
واستحيابه لم يترك؟
وإشكال آخر: وهو أن ابن عباس جعل يوم عاشوراء يومَ التاسعَ، وأخبر أن
هكذا كان يصومُّهُ بََّ، وهو الذي روى عن النبي ◌َِّ: ((صُومُوا يَوْمَ عَاشُوراء،
وخَالِقُوا اليهودَ، صُومُوا يَوْماً قَبْلَهُ أو يوماً بَعْدَهُ(٢) ذكره أحمد. وهو الذي روى:
أمرنا رسول الله بَّه بِصَوْمِ عَاشُورَاء يَوْمَ العَاشِر. ذكره الترمذي(٣).
فالجواب عن هذه الإشكالات بعون الله وتأييده وتوفيقه: أما الاشكالُ
الأول: وهو أنَّه لما قَدِمَ المدينة، وجدهم يصومون يومَ عاشوراء، فليس فيه أن
ءِ
يومَ قدومِهِ وجدَهم يصومُونه، فإنه إنما قَدِمَ يومَ الاثنين في ربيع الأول ثاني
عشرة، ولكن أول علمه بذلك بوقوع القصة في العام الثاني الذي كان بعد قدومه
المدينة، ولم يكن وهو بمكة هذا إن كان حسابُ أهل الكتاب في صومه بالأشهر
الهلالية، وإن كان بالشمسية، زال الإشكالُ بالكلية، ويكونُ اليومُ الذي نجى الله
فيه موسى هو يوم عاشوراء من أول المحرم، فضبطه أهلُ الكتاب بالشهور
الشمسية، فوافق ذلك مقدَم النبي ◌َّ المدينة في ربيع الأول، وصومُ أهلِ الكتاب
إنما هو بحساب سير الشمس، وصومُ المسلمين إنما هو بالشَّهر الهلالي، وكذلك
(١) أخرجه أحمد ٣٨٨/٤، والنسائي ١٩٢/٤، وابن ماجه (١٧٣٥) من حديث محمد ابن
صيفي رضي الله عنه، وسنده حسن، وأخرج البخاري ٢١٦/٤، ومسلم (١١٣٥) من
حديث سلمة بن الأكوع قال: أمر النبي لل رجلاً من أسلم أن أذِّن في الناس أن من كان
أكل، فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل، فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء.
(٢) أخرجه أحمد في («المسند» ٢٤١/١، وابن خزيمة (٢٠٩٥)، وفي سنده ابن أبي ليلى
وهو سىء الحفظ وأخرجه عبد الرزاق (٧٨٣٩) ومن طريقه البيهقي ٢٨٧/٤ موقوفا
على ابن عباس بلفظ ((صوموا اليوم التاسع والعاشر وخالفوا اليهود)) وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الترمذي (٧٥٥) في الصوم: باب ما جاء في عاشوراء أي يوم هو، ورجاله
ثقات إلا أن فيه عنعنة الحسن.

حَجُّهم، وجميع ما تعتبر له الأشهر من واجب أو مستحبٌ، فقال النبي ◌َّ :
(نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسى مِنْكُمْ))، فظهر حكمُ هذه الأولوية في تعظيم هذا اليوم وفي
تعيينه، وهم أخطؤوا تعيينه لدورانه في السنة الشمسية، كما أخطأ النصارى في
تعیین صومهم بأن جعلوه في فصل من السنة تختلف فیه الأشهر.
وأما الإشكال الثاني، وهو أن قريشاً كانت تصومُ عاشوراء في الجاهلية،
وكان رسول الله ◌َّ يِصُومُه، فلا ريب أن قريشاً كانت تُعظم هذا اليوم، وكانوا
يكسُون الكعبة فيه، وصومه من تمام تعظيمه، ولكن إنما كانوا يعدُّون بالأهلة،
فكان عندهم عاشِرَ المحرم، فلما قَدِمَ النبي ◌َّ المدينة، وجدهم يُعظُّمون ذلك
اليوم ويصومونه، فسألهم عنه، فقالوا: هو اليومُ الذي نجَّى الله فيه موسى وقومه
من فرعون، فقال ◌َله: ((نحن أحقُّ منكم بموسى)) فصامه وأمر بصيامه تقريراً
لتعظيمه وتأكيداً، وأخبر پ﴾ اَنَّه وأُمَّتَه أحقُّ بموسی من اليهود، فإذا صامه موسى
شُكراً له، كنا أحقَّ أن نقتدي به من اليهود، لا سيما إذا قلنا: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعُ
لَنَا مَا لَمْ يُخَالِفْهُ شَرْعُنَا.
فإن قيل: من أين لكم أن موسى صامه؟ قلنا: ثبت في ((الصحيحين)) أن
رسول اللّه ◌َيءٍ لما سألهم عنه، فقالوا يوم عظيم نجَّى الله فيه موسى وقومه، وأغرق
فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً لله، فنحن نصومه، فقال رسول الله خلال :
((فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلِى بِعُوسَى مِنْكُمْ))(١). فَصَامَهُ، وأَمر بِصِيامِه. فلما أقرهم على
ذلك، ولم يُكذبهم، عُلِمَ أن موسى صامه شكراً لله، فانضمَّ هذا القدرُ إلى التعظيم
الذي كان له قبل الهجرة، فازداد تأكيداً حتى بعث رسول الله ـ منادياً يُنادي في
الأمصار بصومه، وإمساك من كان أكل، والظاهر: أنه حثَّم ذلك عليهم، وأوجبه
كما سيأتي تقريره.
وأما الإشكال الثالث: وهو أن رسول الله وَلَه، كان يصومُ يَوْمَ عاشوراء قبل
(١) تقدم تخريجه ص٦٣.
٦٧

أن ينزِل فَرضُ رمضان، فلما نزل فرضُ رمضان تركه، فهذا لا يُمكن التخلُّص منه
إلا بأن صيامه كان فرضاً قبل رمضان، وحينئذ فيكون المتروكُ وجوب صومه لا
استحبابه، ويتعين هذا ولا بُد، لأنه عليه السلام قال قبل وفاته بعام وقد قيل له: إن
اليهود يصومونه: ((لئن عِشْتُ إلى قَابِل لأَصُومَنَّ الَّاسِعَ)) أي: معه، وقال:
((خالفوا اليهودَ وَصُومُوا يَوْماً قَبْلَهُ أو يَوْماً بَعْدَهُ))(٤)، أي: معه، ولا ريب أن هذا
كان في آخر الأمر، وأما في أول الأمر، فكان يُحب موافقة أهلِ الكتاب فيما لم
يؤمر فيه بشيء، فعلم أن استحبابه لم يترك.
ويلزم من قال: إن صومَه لم يكن واجباً أحدُ الأمرين، إما أن يقولَ بترك
استحبابه، فلم يبق مستحباً، أو يقول: هذا قاله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
ـم على صيامه،
برأيه، وخفي عليه استحبابُ صومه وهذا بعيد، فإن النبي
وأخبر أن صومه يُكفر السنة الماضية (٢)، واستمر الصحابةُ على صيامه إلى حين
وفاته، ولم يُرْوَ عنه حرف واحد بالنهي عنه وكراهة صومه، فعُلِمَ أن الذي تُرِكَ
وجوبُه لا استحبابه .
فإن قيل: حديث معاوية المتفق على صحته صريح في عدم فرضيته، وإنه
لم يُفرض قط. فالجواب: أن حديث معاوية صريح في نفي استمرار وجوبه، وأنه
الآن غيرُ واجبٍ، ولا ينفي وجوباً متقدماً منسوخاً، فإنه لا يمتنعُ أن يقال لما كان
واجباً، ونُسِخَ وجوبُه: إن الله لم یکتبه علینا.
وجواب ثان: أن غايته أن يكون النفي عاماً في الزمان الماضي والحاضر،
فيُخص بأدلة الوجوب في الماضي، وترك النفي في استمرار الوجوب.
وجواب ثالث: وهو أنه سَلِّ، إنما نفى أن يكون فرضُه ووجوبُه مستفاداً من
تقدم تخريجه وهو ضعيف في المرفوع ص٦٦.
(١)
أخرجه مسلم (١١٦٠) من حديث أبي قتادة في الصيام: باب استحباب صيام ثلاثة
أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء.
(٢)
٦٨

جهة القرآن، ويدلُّ على هذا قوله: ((إن الله لم يكتبه علينا))، وهذا لا ينفي
الوجوب بغير ذلك، فإن الواجب الذي كتبه الله على عباده، هو ما أخبرهم بأنه
كتبه عليهم، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُم الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فأخبر ◌ِأن
صومَ يوم عاشوراء لم يكن داخلاً في هذا المكتوب الذي كتبه الله علينا دفعاً لتوهم
من يتوهم أنه داخل فيما كتبه اللَّهُ علينا، فلا تناقضَ بين هذا، وبينَ الأمر السابقِ
بصيامه الذي صار منسوخاً بهذا الصيام المكتوب. يوضِّح هذا أن معاوية إنما سمع
هذا منه بعد فتح مكة، واستقرار فرض رمضان، ونسخ وجوب عاشوراء به.
والذين شهدوا أمره بصيامه، والنداء بذلك، وبالإمساك لمن أكل، شَهِدُوا ذلك
قبل فرض رمضان عند مقدَمِه المدينة، وفرض رمضان كان في السنة الثانية من
الهجرة، فَتُوفي رسولُ الله چ وقد صام تسعَ رمضانات، فمن شهد الأمر بصيامه،
شهده قبل نزول فرضٍ رمضان، ومن شهد الإِخبار عن عدم فرضه، شهده في آخر
الأمر بعد فرض رمضان، وإن لم يُسلك هذا المسلكُ، تناقضت أحاديثُ الباب
واضطربت .
فإن قيل: فكيف يكون فرضاً ولم يحصُلْ تبييتُ النية من الليل وقد قال: ((لا
صِيامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيامَ مِنَ الليْل؟)) (١) فالجواب: أن هذا الحديث مختلفٌ فيه:
(١) أخرجه أبو داود (٢٤٥٤) والنسائي ١٩٦/٤، والترمذي (٧٣٠) وابن ماجه (١٧٠٠)
والدارمي ٦/٢، ٧ وأحمد، ٢٨٧/٦. والدارقطني ص ٢٣٤، والطحاوي ص ٣٢٥،
والبيهقي ٢٠٢/٤ من حديث عائشة، وإسناده صحيح، إلا أنه اختلف الأئمة في
رفعه ووقفه، وأكثرهم على وقفه، فقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا أدري أيهما
أصح، لكن الوقف أشبه، وقال أبو داود: لا يصح رفعه، وقال الترمذي: الموقوف
أصح، ونقل في ((العلل)) عن البخاري أنه قال: هو خطأ، وهو حديث فيه اضطراب،
والصحيح عن ابن عمر موقوف، وقال النسائي: الصواب عندي موقوف ولم يصح
رفعه، وقال أحمد: ما له عندي ذلك الإسناد، وقال البيهقي: رواته ثقات إلا أنه
روي موقوفاً، وقال البخاري في ((تاريخه الصغير)» ص ٦٨ بعد ذكره اختلاف
الناقلين: غير المرفوع أصح، وقال الطحاوي: هذا الحديث لا يرفعه الحفاظ الذين
يروونه عن ابن شهاب، ويختلفون عنه فيه اختلافاً يوجب اضطراب الحديث بما هو =
٦٩

هل هو مِن كلام النبي ◌َّ، أو مِنْ قولِ حفصةَ وعائشة؟ فأَما حديثُ حفصة:
فأوقفه عليها معمرٌ، والزهري، وسفيانُ بن عُبِينة، ويونس بن يزيد الأيلي،
عن الزهري، ورفعه بعضُهم وأكثر أهلِ الحديثِ يقولون: الموقوفُ أصحُ،
قال الترمذي: وقد رواه نافع عن ابن عمر قولَه، وهو أصحٌّ، ومنهم من
يُصحح رفعَه لثقة رافعه وعدالته، وحديث عائشة أيضاً: روي مرفوعاً
وموقوفاً، واختلف في تصحيح رفعه. فإن لم يثبت رفعُه، فلا كلام، وإن
ثبت رفعُه، فمعلومٌ أن هذا إنما قاله بعد فرض رمضان، وذلك متأخر عن
الأمر بصيام يوم عاشوراء، وذلك تجديدُ حكم واجب وهو التبيتُ، وليس
نسخاً لحكم ثابت بخطاب، فإجزاء صيام يوم عاشوراء بنية من النهار، كان
قبل فرض رمضان، وقبل فرض التبيت مِن الليلِ، ثمَّ نُسِخَ وُجُوبُ صوِه
برمضان، وتجدد وجوب التبيت، فهذه طريقة.
وطريقة ثانية، هي طريقةُ أصحاب أبي حنيفة أن وجوب صيام يوم
عاشوراء تضمَّن أمرين: وجوبَ صومٍ ذلك اليوم وإجزاء صومِه بنية من
النهار، ثم نسخ تعيينُ الواجب بواجب آخر، فبقي حكم الإِجزاء بنيةٍ من
النهار غير منسوخ.
وطريقة ثالثة: وهي أن الواجب تابع للعلم، ووجوب عاشوراء إنما عُلِمَ
من النهار، وحينئذ فلم يكن التبيتُ ممكناً، فالتيةُ وجبت وقت تجدُّدِ
الوجوب والعلم به، وإلا كان تكليفاً بما لا يُطاق وهو ممتنع. قالوا: وعلى
هذا إذا قامت البينةُ بالرؤية في أثناء النهار، أجزا صومه بنية مقارنة للعلم
بالوجوب، وأصلُه صومُ يوم عاشوراء، وهذه طريقة شيخنا، وهي كما تراها
أصحُّ الطرق، وأقربُها إلى موافقة أصول الشرع وقواعده، وعليها تَدُلُّ
دونه. وحديث عائشة أخرجه الدارقطني ١٧٢/٣ والبيهقي ٢٠٣/٤ وفي سنده
=
عبد الله بن عباد غير مشهور، ويحيى بن أيوب ليس بالقوي.
٧٠

الأحاديثُ، ويجتمعُ شملُها الذي يُظن تفرقه، ويتخلص من دعوى النسخ بغير
ضرورة. وغير هذه الطريقة لا بُدَّ فيه من مخالفة قاعدة مِن قواعد الشرع، أو مخالفة
بعض الآثار. وإذا كان النبيُّ بَّه لم يأمر أهل قُباء بإعادة الصلاة التي صلَّوا بعضها
إلى القبلة المنسوخة إذ لم يبلغهم وجوب التحول، فكذلك من لم يبلغه وجوبُ
فرضٍ الصوم، أو لم يتمكن مِن العلم بسبب وجوبه، لم يُؤمر بالقضاء، ولا يُقال:
إنه ترك التبيتَ الواجِبَ، إذ وجوبُ التبييت تابع للعلم بوجوب المبيت، وهذا في
غاية الظهور.
ولا ريبَ أن هذه الطريقةَ أصحُّ مِن طريقة من يقول: كان عاشوراء فرضاً،
وكان يُجزىء صيامُه بنية من النهار، ثم نُسِخَ الحكمُ بوجوبه، فتُسِخَتْ متعلقاتُه،
ومن متعلقاته إجزاء صيامِه بنية من النهار، لأن متعلقاته تابعة له، وإذا زال
المتبوع، زالت توابعُه وتعلقاتُه، فإن إجزاء الصوم الواجب بنية من النهار لم يكن
من متعلقات خصوصٍ هذا اليوم، بل من متعلِّقات الصومِ الواجب، والصومُ
الواجب لم يَزُلْ، وإنما زال تعيينه، فتقل من محل إلى محل، والإِجزاء بنيةٍ من
النهار وعدمِه من توابع أصل الصوم لا تعيينه.
وأصحٌّ مِن طريقة من يقول: إن صوم يوم عاشوراء لم يكن واجباً قط، لأنه
قد ثبت الأمرُ به، وتأكيدُ الأمر بالنداء العام، وزيادة تأكيده بالأمر لمن كان أكل
بالإمساك، وكلُّ هذا ظاهر، قوي في الوجوب، ويقول ابن مسعود: إنه لما فُرِضَ
رمضان تُرِكَ عاشوراء. ومعلوم أن استحبابه لم يُترك بالأدلة التي تقدمت وغيرها،
فيتعين أن يكون المتروكُ وجوبه، فهذه خمس طرق للناس في ذلك. والله أعلم.
وأما الإشكال الرابع: وهو أن رسول الله بَّه قال: ((لئن بَقِيتُ إلى قَابِلٍ
لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ))، وأنه توفي قبل العام المقبل، وقول ابن عباس: إن رسول
الله (48٪كان يصوم التاسع، فابن عباس روى هذا وهذا، وصحَّ عنه هذا وهذا، ولا
تنافي بينهما، إذ من الممكن أن يصومَ التاسِعَ، ويخبر أنه إن بقي إلى العام القابل
صامه، أو يكون ابنُ عباس أخبر عن فعله مستنداً إلى ما عزم عليه،
٧١

ووعد به، ويصحُّ الإخبار عن ذلك مقيداً أي: كذلك كان يفعل لو بقي، ومطلقاً
إذا علم الحال، وعلى كل واحد من الاحتمالين، فلا تنافي بين الخبرين.
وأما الإشكال الخامس: فقد تقدم جوابه بما فيه كفاية.
وأما الإشكال السادس: وهو قول ابن عباس: أعدُدْ (١) وأَصبح يوم التاسع
صائماً. فمن تأمل مجموع روايات ابن عباس، تبيَّن له زوالُ الإِشكال، وسعةُ علم
ابن عباس، فإنه لم يجعل عاشوراء هو اليومَ التاسع، بل قال للسائل: صُمِ اليوم
التاسع، واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليومُ العاشر الذي يعدُّه الناسُ
كلُّهم يومَ عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه، وأخبر أن رسول الله وَّ
كان يصومُه كذلك. فإما أن يكون فِعلُ ذلك هو الأولى، وإما أن يكون حَمْلُ فعله
على الأمر به، وعزمه عليه في المستقبل، ويدلُّ على ذلك أنه هو الذي روى:
((صُومُوا يوماً قبله ويوماً بعده)) (٢)، وهو الذي روى: أمرنا رسولُ الله ◌َّ بصيام
يوم عاشوراء يوم العاشر. وكل هذه الآثار عنه، يُصدِّقُ بعضُها بعضاً، ويُؤَيِّدُ
بعضُها بعضاً.
فمراتب صومه ثلاثة: أكملُها: أن يُصام قبله يومٌ وبعده يومٌ (٣)، ويلي ذلك
أن يُصام التاسع والعاشر، وعليه أكثرُ الأحاديث، ويلي ذلك إفرادُ العاشر وحده
بالصوم.
وأما إفراد التاسع، فمن نقص فهم الآثار، وعدم تتبع ألفاظها وطرقها، وهو
بعيد من اللغة والشرع، والله الموفق للصواب.
(١) في المطبوع ((اعدد تسعاً)) بزيادة ((تسعاً)) وهو خطأ، ولم ترِد في الحديث، ولعل ذلك
وقع من النساخ، فقد تقدم الحديث بدونها.
(٢) هذه الرواية بلفظ ((يوماً قبله ويوماً بعده)) أخرجها البيهقي ٢٨٧/٤ وسندها ضعيف
كما تقدم ص٦٦ .
(٣) الثابت عن ابن عباس قوله: ((صوموا اليوم التاسع والعاشر)) كما تقدم ص٦٦.
٧٢

وقد سلك بعضُ أهل العلم مسلكاً آخر فقال: قد ظهر أن القصدَ مخالفةٌ
أهل الكتاب في هذه العبادة مع الإتيان بها، وذلك يحصُّل بأحد أمرين: إما بنقلِ
العاشر إلى التاسع، أو بصيامِهما معاً. وقوله: ((إذا كان العامُ المقبلُ صُمنا
التاسع)): يحتمِل الأمرين. فتوفي رسول الله ◌َّ﴾ قبل أن يتبَّين لنا مرادُه، فكان
الاحتياطُ صيامَ اليومين معاً، والطريقة التي ذكرناها، أصوبُ إن شاء الله،
ومجموع أحاديثِ ابن عباس عليها تدلُّ، لأن قوله في حديث أحمد: ((خالِفوا
اليَهُودَ، صُومُوا يَوْماً قَبْلَهُ أَوْ يَوْمَاً بَعْدَهُ)(١) وقوله في حديث الترمذي: ((أُمِرْنَا
بِصيامٍ عاشوراء يوم العاشر) يبين صحة الطريقة التي سلكناها. والله أعلم.
فصل
وكان مِن هديه ◌ِّ: إفطارُ يَوْم عرفة بعرفة، ثبت عنه ذلك في
((الصحيحين)) (٢).
صوم يوم عرفة
وروي عنه أنه نهى عَنْ صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، رواه عنه أهل السنن(٣).
وصح عنه أن صيامَه يُكفِّرُ السنة الماضيةَ والبَاقِيةَ، ذكره مسلم(٤) .
وقد ذُكر لِفطره بعرفة عِدَّةُ حِكمٍ.
منها أنه أقوى على الدعاء.
الحكم من قطر يوم عرفة
بعرفة
(١) ضعيف كما تقدم ص٦٦.
(٢) أخرجه البخاري ٢٠٦/٤، ٢٠٧ في الصوم: باب صوم يوم عرفة، ومسلم (١١٢٣)
في الصوم: باب استحباب الفطر للحاج من حديث أم الفضل بنت الحارث أن ناساً
تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله ية، فقال بعضهم: هو صائم، وقال
بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره، فشربه.
(٣) أخرجه أحمد ٣٠٤/٢ و٤٤٦، وأبو داود (٢٤٤٠) وابن ماجه (١٧٣٢) من حديث
أبي هريرة، وفي سنده مهدي العبدي الهجري لا يعرف.
(٤) أخرجه مسلم (١١٦٢) في الصيام: باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر
وصوم يوم عرفة من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.
٧٣
٠

ومنها: أن الفِطرَ في السفر أفضلُ في فرض الصوم، فكيف بنقله.
ومنها: أن ذلك اليومَ كان يومَ الجمعة، وقد نَهی عن إفراده بالصَّوم، فأحب
أن يرى الناسُ فطره فيه تأكيداً لنهيه عن تخصيصه بالصوم، وإن كان صومُّه لكونه
يَوْمَ عرفة لا يوم جمعة، وكان شيخنا رحمه الله يسلك مسلكاً آخر، وهو أنه يومُ
عيد لأهل عرفة لاجتماعهم فيه، كاجتماع الناس يوم العيد، وهذا الاجتماع
يختصُّ بمن بعرفة دون أهل الآفاق. قال: وقد أشار التي ي إلى هذا في الحديث
الذي رواه أهلُ السنن ((يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ الثَّحر، وأيَّامِ منى، عيدُنَا أَهْلَ
الإِسْلام)) (١). ومعلوم: أن كونه عيداً، هو لأهل ذلك الجمع، لاجتماعهم فيه.
والله أعلم.
فصل
وقد رُوي أنه ◌َِّ: كان يصومُ السبتَ والأحد كثيراً، يقصِدُ بذلك مخالفة
اليهود والنصارى كما في ((المسند)) و(سنن النسائي))، عن کُريب مولى ابن عباس
قال: أرسلني ابنُ عباس رضيَ الله عنه، وناسٌ من أصحاب النبي ◌َّ إلى أمّ سلمة
أسألها؟ أيُّ الأيَّامِ كَانَ النبي ◌َيّ أكثرها صِياماً؟ قالت: يومُ السبت والأحد،
ويقول: ((إِنَّهُمَا عِيدٌ للمُشْرِكِين، فَأَنَا أُحِبُ أَنْ أُخَالِفَهُم)) (٢). وفي صحة هذا
صوم يومي السبت
والأحد
(١) أخرجه الترمذي (٧٧٣) في الصوم: باب ما جاء في كراهية الصوم في أيام التشريق،
وأبو داود (٢٤١٩) في الصوم: باب صيام أيام التشريق، والنسائي ٢٥٢/٥ في
الحج: باب النهي عن الصوم يوم عرفة من حديث عقبة بن عامر وتمامه ((وهي أيام
أكل وشرب)) وإسناده صحيح، وصححه الترمذي، وابن حبان (٩٥٨)، والحاكم
٤٣٤/١، ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه أحمد ٣٢٣/٦، ٣٢٤، وابن خزيمة (٢١٦٧)، وابن حبان (٩٤١) والحاكم
٤٣٦/١ والبيهقي ٣١٣/٤ من حديث ابن المبارك عن عبد الله بن محمد بن عمر،
عن أبيه، عن كريب، عن أم سلمة، وسنده حسن، لأن عبد الله بن عمر، وأباه قد
وثقهما ابن حبان وروى عنهما أكثر من واحد. قال الحافظ في ((الفتح)): وأشار
بقوله: ((يوما عيد)) إلى أن يوم السبت عيد عند اليهود، والأحد عيد عند النصارى، =
٧٤

الحديث نظر، فإنه من رواية محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وقد استُنكِرَ
بعضُ حديثه. وقد قال عبد الحق في ((أحكامه)) من حديث ابن جريج، عن
عباس بن عبد الله بن عباس، عن عمِّه الفضل، زار النبي رَّ عباساً في بادية لنا.
ثم قال: إسناده ضعيف. قال ابن القطان: هو كما ذكر ضعيف، ولا يعرف حال
محمد بن عمر، وذكر حديثه هذا عن أم سلمة في صيام يوم السبت والأحد،
وقال: سكت عنه عبد الحق مصححاً له، ومحمد بن عمر هذا، لا يُعرف حاله،
ويرويه عنه ابنه عبد الله بن محمد بن عمر، ولا يُعرف أيضاً حاله، فالحديث أراه
حسناً. والله أعلم.
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود، عن عبد الله بن بسر السُّلمي، عن أخته
الصَّمَّاء، أَن النبي ◌َّه قال: ((لا تَصُومُوا يَوْمِ السَّيْتِ إلاَّ فيما افتُرضَ عليكم، فإنْ
لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّ لِحاءَ عِنَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَعْضَغْه)) (١).
فاختلف الناس في هذين الحديثين. فقال مالك رحمه الله: هذا كذب،
يريد حديث عبد الله بن بُسر، ذكره عنه أبو داود، قال الترمذي: هو حديث
حسن، وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ، وقال النسائي: هو حديث
مضطَرِب، وقال جماعة من أهل العلم: لا تعارُض بينه وبين حديث أمِّ سلمة، فإن
النهي عن صومه إنما هو عن إفراده، وعلى ذلك ترجم أبو داود، فقال: باب النهي
أن يخص يومَ السبت بالصوم، وحديثُ صِيامه، إنما هو مع يوم الأحد. قالوا:
وأيام العيد لا تصام، فخالفهم بصيامها، ويستفاد من هذا أن الذي قاله بعض
الشافعية من كراهة إفراد السبت وكذا الأحد ليس جيداً، بل الأولى في المحافظة
على ذلك يوم الجمعة كما ورد الحديث الصحيح فيه، وأما السبت والأحد، فالأولى
أن يصاما معاً، وفرادى امتثالاً لعموم الأمر بمخالفة أهل الكتاب.
(١) أخرجه أحمد ٣٦٨/٦، والترمذي (٧٤٤) وأبو داود (٢٤٢١) وابن خزيمة (٢١٦٤)
والبيهقي ٣٠٢/٤، وسنده قوي، وإعلاله بالاضطراب غير قادح لوروده من طرق
أخرى سالمة منه.
٧٥

ونظيرُ هذا أنه نهى عن إفراد يَوْمِ الجمعة بالصوم، إلا أن يَصومَ يوماً قبله أو يوماً
بعده(١)، وبهذا یزول الاشكال الذي ظنه من قال: إن صومه نوُ تعظيم له، فهو
موافقة لأهل الكتاب في تعظيمه، وإن تضمن مخالفتهم في صومه، فإن التعظيم
إنما يكون إذا أُفرِدَ بالصوم، ولا ريب أن الحديث لم يجىء بإفراده، وأما إذا صامه
مع غيره، لم يكن فيه تعظيمٌ. والله أعلم.
فصل
صيام الدهر
ولم يكن من هديه ◌َّ سردُ الصوم وصيام الدهر، بل قد قال: ((مَنْ صَامَ
الدَّهْرَ لا صَامَ ولا أَفْطر)»(٢)، وليس مرادهُ بهذا مَنْ صامَ الأيامَ المحرَّمة، فإنه ذكر
ذلك جواباً لمن قال: أرأيت من صامَ الدهرَ؟ ولا يقال في جواب من فعل
المحرم: لا صام ولا أفطر، فإن هذا يُؤذن بأنه سواءٌ فِطْرُه وصومُه لا يُئاب عليه،
ولا يُعاقب، وليس كذلك مَنْ فعل ما حرَّم الله عليه مِن الصيام، فليس هذا جواباً
مطابقاً للسؤال عن المحرَّم من الصوم، وأيضاً فإن هذا عند من استحب صوم
الدهر قد فعل مستحباً وحراماً، وهو عندهم قد صام بالنسبة إلى أيام الاستحباب،
وارتكب محرَّماً بالنسبة إلى أيام التحريم، وفي كلٍّ منهما لا يُقال: ((لا صَامَ ولا
أَفْطَر)). فتنزيل قوله على ذلك غلط ظاهر.
وأيضاً فإن أيام التحريم مستثناةٌ بالشرع، غيرُ قابلة للصوم شرعاً، فهي
بمنزلة الليل شرعاً، وبمنزلة أيّامِ الحيض، فلم يكن الصحابةُ لِيسألوه عن صومها،
وقد علموا عدم قبولها للصوم، ولم يكن لِيُجيبهم لو لم يعلموا التحريم بقوله ((لا
صَامَ ولا أَفْطَر))، فإن هذا ليس فيه بيان للتحريم.
(١) أخرجه البخاري ٢٠٣/٤، ومسلم (١١٤٤) من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه أحمد ٢٤/٤، والنسائي ٢٠٧/٤ في الصوم: باب النهي عن صيام الدهر،
وابن ماجه (١٧٠٥) في الصيام: باب ما جاء في صيام الدهر من حديث عبد الله بن
الشخير وإسناده صحيح، وصححه ابن خزيمة (٢١٥٠) والحاكم ٤٣٥/١، ووافقه
الذهبي.
٧٦

فهديُه لا شك فيه، أن صيامَ يوم، وفِطرَ يومٍ أفضلُ من صوم الدهر، وأحبُ
إلى الله. وسرد صيام الدهر مكروه، فإنه لو لم يكن مكروهاً، لزم أحدُ ثلاثة أمور
ممتنعة: أن يكون أحبّ إلى الله من صوم يوم وفطر يوم، وأفضل منه، لأنه زيادة
عمل، وهذا مردود بالحديث الصحيح. ((إنَّ أَحَبَّ الصِّيام إلى اللَّهِ صِيَامُ
داوُدَ)) ، وإنه لا أفضل منه. وإما أن يكون مساوياً في الفضل وهو ممتنع أيضاً،
وإما أن يكون مباحاً متساويَ الطرفين لا استحبابَ فيه، ولا كراهة، وهذا ممتنع،
إذ ليس هذا شأنَ العبادات، بل إما أن تكون راجحةً، أو مرجوحة والله أعلم.
فإن قيل: فقد قال النبيُّ نَّمَ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وأَتْبَعَهُ سِنَّةَ أَيَّامٍ مِنْ
شؤَّال، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ))(١). وقال فيمن صام ثلاثة أيام من كل شهر: ((إنَّ ذلِكَ
يَعْدِلُ صَوْمَ الدَّهْرِ)) (٢)، وذلك يدل على أنْ صوم الدهر أفضلُ مما عُدِلَ به، وأنه
أمرٌ مطلوب، وثوابُه أكثرُ من ثواب الصائمين، حتى شُبِّه به مَنْ صام هذا الصيام.
قيل: نفسُ هذا التشبيه في الأمر المقدَّر، لا يقتضي جوازه فضلاً عن
استحبابه، وإنما يقتضي التشبيه به في ثوابه لو كان مستحباً، والدليل عليه، مِن
نفس الحديث، فإنه جعل صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهر بمنزلة صيام الدهر، إذ
الحسنةُ بعشر أمثالها، وهذا يقتضي أن يحصُل له ثواب من صام ثلاثمائة وستين
يوماً، ومعلوم أن هذا حرامٌ قطعاً، فَعُلِمَ أن المرادَ به حصولُ هذا الثواب على
(١) أخرجه البخاري ١٤/٣ في التهجد: باب من نام عند السحر، ومسلم (١١٥٩)
(١٨٩) في الصيام: باب النهي عن صوم الدهر ... من حديث عبد الله بن عمرو بن
العاص.
(٢) أخرجه مسلم (١١٦٤) في الصيام: باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعاً
لرمضان، وأبو داود (٢٤٣٣) والترمذي (٧٥٩) وابن ماجه (١٧١٦) من حديث أبي
أيوب الأنصاري رضي الله عنه.
(٣) أخرجه البخاري ١٩٢/٤ في الصيام: باب صوم الدهر، ومسلم (١١٥٩) من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص، ومسلم (١١٦٢) من حديث أبي قتادة.
٧٧

تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوماً، وكذلك قولُه في صيام ستة أيام من
شوال، إنه يَعْدِلُ مع صيام رمضان السنة، ثم قرأ: ﴿مَنْ جَاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ
أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فهذا صيامُ ستة وثلاثين يوماً، تعدِل صِيام ثلاثمائة
وستين يوماً، وهو غيرُ جائز بالاتفاق، بل قد يجيءُ مثلُ هذا فيما يمتنع فعلُ
المشبَّه به عادة، بل يستحيلُ، وإنما شبّه به من فعل ذلك على تقدير إمكانه، كقوله
لمن سأله عن عمل يعدِل الجهاد: هل تستطيع إذا خرج المجاهدُ أن تقومَ ولا
تَفْتُرَ، وأن تَصُومَ ولا تُفْطِرَ (١)؟ ومعلوم أن هذا ممتنع عادة، كامتناع صوم ثلاثمائة
وستين يوماً شرعاً، وقدشبه العملَ الفاضل بكل منهما يزيدُه وضوحاً: أن أحب
القيام إلى الله قيام داود، وهو أفضل مِن قيام الليل كُلُّه بصريح السنة الصحيحة،
وقد مثّل مَنْ صلَّى العشاء الآخرة، والصُّبح في جماعة، بمن قام الليل كلَّه(٢). فإن
قيل: فما تقولون في حديث أبي موسى الأشعري؟ ((مَنْ صَامَ الذَّهْرَ ضُيَّمَتْ عَلَيْهِ
جَهَنَّمُ حَتَّى تكونَ هكَذَا، وقَبَضَ کَفَّم))(٣). وهو في ((مسند أحمد).
قيل: قد اختلف في معنى هذا الحدیث. فقيل: ضيّقَتْ عليه حصراً له فيها،
لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبتهِ عن هدي رسول الله ◌َّه، واعتقاده أن
غيره أفضل منه. وقال آخرون: بل ضيقت عليه، فلا يبقى له فيها موضع،
(١) أخرجه البخاري ٣/٦ في أول كتاب الجهاد، والنسائي ١٩/٦ من حديث أبي هريرة
قال: جاء رجل إلى رسول اله ربَال، فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: لا
أجده، قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر،
وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟ وأخرجه مسلم (١٨٧٨) في الإمارة:
باب فضل الشهادة في سبيل الله بلفظ ((مثل المجاهد في سبيل كمثل الصائم القانت
بايات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى)).
(٢) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٦٥٦) في المساجد: باب فضل صلاة العشاء والصبح
بجماعة من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه.
(٣) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٤١٤/٤ والبيهقي ٣٠٠/٤ وسنده صحيح، وصححه ابن
خزيمة (٢١٥٤) و (٢١٥٥).
٧٨

ورجَّحت هذه الطائفة هذا التأويل، بأن الصائم لما ضيق على نفسه مسالك
الشهوات وطرقها بالصوم، ضيقَ الله عليه النار، فلا يبقى له فيها مكان، لأنه ضيق
طرقها عنه، ورجحت الطائفةُ الأولى تأويلها، بأن قالت: لو أراد هذا المعنى،
لقال: ضُيَّقَتْ عنه، وأما التضييق عليه، فلا يكون إلا وهو فيها. قالوا: وهذا
التأويل موافق لأحاديث كراهة صوم الدهر، وأن فاعله بمنزلة من لم يصم،
والله أعلم (١) .
فصل
وكان يّيّ: يدخل على أهله فيقول: ((هَلْ عِنْدَكُم شيءٌ؟)) فإن قالوا: لا.
قال: ((إنِّي إذاً صَائِم))، فينشىء النية للتطوع من النهار، وكان أحياناً ينوي صوم
التطوع، ثم يُقْطِرُ بعدُ، أخبرت عنه عائشة رضي الله عنها بهذا وهذا، فالأول: في
(صحيح مسلم)، والثاني: في ((كتاب النسائي)(٢). وأما الحديث الذي في
(السنن) عن عائشة: ((كنتُ أنا وحفصةٌ صائمتين، فَعَرَض لنا طعامٌّ اشتهيناه،
إنشاء نية التطوع من
النهار
لا حرج في الفطر في
صيام التطوع
(١) وقال الحافظ في ((الفتح)) ١٩٣/٤ بعد أن أورد الحديث: وظاهره أنها تضيق عليه
حصراً له فيها، لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبته عن سنة نبيه النهر،
واعتقاده أن غير سنته أفضل منها، وهذا يقتضي الوعيد الشديد، فيكون حراماً،
وروى عبد الرزاق في ((المصنف» (٧٨٧١) من حديث ابن عيينة، عن هارون بن
سعد، عن أبي عمرو السيباني (وفيه الشيباني وهو تحريف) قال: كنا عند عمر بن
الخطاب، فأتي بطعام له، فاعتزل رجل من القوم، فقال: ماله؟ قالوا: إنه صائم،
قال: وما صومه؟ قال: الدهر، قال: فجعل يقرع رأسه بقناة ويقول: كل يا دهر،
كل يا دهر. وذكره الحافظ في ((الفتح)) ١٩٣/٤ من حديث أبي عمرو الشيباني (وهو
تحريف) قال: بلغ عمر أن رجلا يصوم الدهر، فأتاه فعلاه بالدرة، وجعل يقول: كل
يا دهري. ونسبه إلى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح.
(٢) أخرج الأول مسلم (١٤٥١) في الصيام: باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل
الزوال، وأخرج الثاني النسائي ١٩٤/٤، وهو في ((صحيح مسلم)) أيضاً وهو تتمة
الحديث الأول.
٧٩

فَأَكَلْنَا مِنه، فجاء رسولُ اللهِّهِ، فَبَدَرَتْني إليه حَفْصَةُ، وكانت ابنَةً أَبِيها، فقالت:
يا رسول الله! إنَّا كُنَّا صَائِمَتَيْن، فَعَرَضَ لنا طَعَامٌ اشتهيناه، فأَكَلْنا مِنْه فقال: اقْضيا
يَوْمَاً مَكَانَهُ)(١)، فهو حديث معلول.
قال الترمذي: رواه مالك بن أنس، ومعمر، وعبد الله بن عمر، وزياد بن
سعد، وغير واحد من الحفاظ، عن الزهري، عن عائشة مرسلاً لم یذکروا فيه عن
عروة، وهذا أصح. ورواه أبو داود، والنسائي، عن خَيْوة بن شُريح، عن ابن
الهاد، عن زُمَيْلٍ مولى عُروة، عن عروة، عن عائشة موصولاً، قال النسائي: زُميل
ليس بالمشهور، وقال البخاري: لا يعرف لزُميل سماع من عروة، ولا ليزيد بن
الهاد من زُميل، ولا تقوم به الحجة.
وكان ◌ٍَّ إذا كان صائماً ونزل على قوم، أتمَّ صيامه، ولم يُقْطِرْ، كما دخل
على أم سُلَيمٍ، فأتته بتمر وسمن، فقال: ((أَعِيدوا سَمْنَكُم في سِقَائِهِ، وتَمْركُم في
وِعَائِهِ، فإِنِّي صَائِمٍ)(٢) . ولكنَّ أمَّ سُلَيم كانت عنده بمنزلة أهل بيته، وقد ثبت عنه
في ((الصحيح)): عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((إذا دُعِيَ أَحَدُكُم إلى طعام وَهُوَ
صَائِمٌ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِم)×(٣) .
من نزل على قوم وكان
صائماً فليقل إني صائم
(١) أخرجه الترمذي (٧٣٥) في الصوم: باب إيجاب القضاء عليه، وأحمد ٢٦٣/٦، من
حديث كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة،
وذكره ابن حزم في ((المحلى)) ٦/ ٢٧٠، وقوى أمره، وأخرجه الطحاوي ١٠٩/٢
وابن حبان (٩٥١) من حديث جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن
عائشة وسنده صحيح، وأخرجه أبو داود (٢٤٥٧) من حديث حيوة بن شريح، عن
ابن الهاد، عن زميل مولى عروة، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، وأخرجه مالك
في ((الموطأ)) ٣٠٦/١ من حديث ابن شهاب الزهري مرسلاً وانظر «نصب الراية))
٢٦٤/٢، ٢٦٧.
أخرجه أحمد ١٠٨/٣ و١٨٨ و٢٤٨، والبخاري ١٩٨/٤ في الصوم: باب من زار
(٢)
قوماً فلم يفطر عندهم من حديث أنس رضي الله عنه.
(٣) أخرجه مسلم (١١٥٠) في الصيام: باب الصائم يدعى لطعام فليقل: إني صائم.
٨٠ ٠