النص المفهرس
صفحات 21-40
ومقتضى هذين الحديثين، أنه لا يجوزُ تأخيرُها عن صلاة العيد، وأنها تفوتُ بالفراغ مِنْ الصلاة، وهذا هو الصواب، فإنه لا مُعارِض لهذين الحديثين ولا ناسخ، ولا إجماع يدفع القولَ بهما، وكان شيخُنا يُقوِّي ذلك وينصرُه، ونظيرُه ترتيبُ الأضحية على صلاة الإِمام، لا على وقتها، وأن من ذبح قبلَ صلاة الإِمام، لم تكن ذبيحته أضحيةً بل شاة لحم. وهذا أيضاً هو الصواب في المسألة الأخرى، وهذا هديُ رسول الله بَيّ في الموضعين. فصل وكان من هديه ◌َّ تخصيصُ المساكين بهذه الصدقة، ولم يكن يقسمها لا تعطى صدقة الفطر إلا على الأصناف الثمانية قبضةً قبضةً، ولا أمر بذلك، ولا فعله أحدٌ من أصحابه، للمساكين ولا مَنْ بعدهم، بل أحدُ القولين عندنا: إنه لا يجوزُ إخراجُها إلا على المساكين خاصة، وهذا القولُ أرجحُ من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية. فصل في هديه ◌َّ في صدقة التطوع كان ◌ََّ أعظمَ الناس صدقةً بما ملكت يدهُ، وكان لا يستكثِر شيئاً أعطاه لله تعالى، ولا يستقِلُّه، وكان لا يسألُه أحدٌ شيئاً عنده إلا أعطاه، قليلاً كان أو كثيراً، وكان عطاؤه عطاء مَنْ لا يخافُ الفقر، وكان العطاءُ والصدقةُ أحبَّ شيءٍ إليه، وكان سُرورُه وفرحُه بما يعطيه أعظمَ من سرور الآخِذِ بما يأخذه، وكان أجودَ الناس بالخير، يمينه كالرِّيح المرسلة. وكان إذا عرض له مُحتاج، آثره على نفسه، تارةً بطعامه، وتارةً بلباسه. وكان يُنوِّع في أصناف عطائه وصدقته، فتارةً بالهبة، وتارة بالصدقة، وتارة بالهدية، وتارة بشراءِ الشيء ثم يُعطي البائع الثمن والسِّلعة جميعاً، كما فعل ببعير ٢١ جابر(١). وتارة كان يقترض الشيء، فيرد أكثر منه، وأفضل وأكبر (٢)، ويشتري الشيء، فيعطي أكثر من ثمنه، ويقبل الهديَّة ويُكافىء عليها بأكثر منها أو بأضعافها، تلطُّفاً وتنوُّعاً في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن، وكانت صدقتُه وإحسانُه بما يملكهُ، وبحاله، وبقوله، فيُخْرجُ ما عنده، ويأمُرُ بالصدقة، ويحضُّ عليها، ويدعو إليها بحاله وقوله، فإذا رآه البخيلُ الشحيح، دعاه حالُه إلى البذل والعطاء، وكان مَنْ خالطَه وصَحِبِه، ورأى هديَه لا يملكُ نفسه من السماحة والنّدى. وكان هديه ◌َلّ يدعو إلى الإِحسان والصدقة والمعروف، ولذلك كان أشرحَ الخلق صدراً، وأَطيَبهم نفساً، وأنعمَهم قلباً، فإن للصدقة وَفِعلِ المعروف تأثيراً عجيباً في شرح الصدر، وانضاف ذلك إلى ما خصَّه الله بهِ من شرح صدره بالنبوة والرسالة، وخصائصها وتوابعها، وشرح صدره حساً وإخراج حظُّ الشيطان منه . فصل في أسباب شرح الصدور وحصولها على الكمال له وَ له فأعظم أسباب شرح الصدر: التوحيدُ وعلى حسب كماله، وقوته، وزيادته يكونُ انشراحُ صدر صاحبه. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَه للإِسلام، فَهُوَ على نُورٍ مِنْ رَبَّهُ﴾ [الزمر: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ الله أن يَهْدِیَه يَشْرَحْ (١) أخرجه البخاري ٣٩٥/٤، ومسلم ١٢٢١/٣، ١٢٢٢ رقم الحديث الخاص (١١٠) من حديث جابر بن عبد الله وفيه: فلما قدم رسول الله بقليل المدينة، غدوت إليه بالبعير، فأعطاني ثمنه، ورده علي. (٢) أخرج البخاري ٤٢/٥ في الاستقراض: باب استقراض الإِبل من حديث أبي هريرة أن رجلاً تقاضى رسول الله رَّة، فأغلظ له، فهم به أصحابه، فقال: ((دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً، واشتروا له بعيراً، فأعطوه إياه فقالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه، قال: اشتروه، أعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاءً)). ٢٢ صَدْرَهُ للإِسْلاَمِ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهِ يَجْعَلْ صَذْرَهُ ضَيَّقَا حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ في السَّماء﴾ [الأنعام: ١٢٥]. فالهُدى والتوحيدُ مِنْ أعظم أسبابٍ شرح الصدر، والشِّركُ والضَّلال من أعظم أسباب ضِيقِ الصَّدرِ وانحراجه، ومنها: النورُ الذي يقذِفُه الله في قلب العبد، وهو نورُ الإِيمان، فإنه يشرَحُ الصدر ويُوسِّعه، ويُفْرِحُ القلبَ. فإذا فُقِدَ هذا النور من قلب العبد، ضاقَ وحَرِجَ، وصار في أضيق سجنٍ وأصعبه. وقد روى الترمذي في ((جامعه)) عن النبي ◌ََّ، أنه قال: ((إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ، انْفَسَحَ وانْشَرَحَ. قالوا: وما عَلَاَمَةُ ذَلِكَ يا رسُولَ الله؟ قال: الإِنَابَةُ إلى دار الخُلُودِ، والتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والاسْتِعْدادُ للمَوْتِ قَبْلَ نُزوله))(١). فيُصيب العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور، وكذلك النورُ الحِسِّي، والظلمةُ الحِسِّية، هذه تشرحُ الصدر، وهذه تُضيقه. ومنها: العلم، فإنه يشرح الصدر، ویوسِّعه حتى يكون أَوسع من الدنيا، والجهلُ يورثه الضِّيق والحَصْر والحبس، فكلما اتَّسع علمُ العبد، انشرح صدره واتسع، وليس هذا لكل عِلم، بل للعلم الموروث عن الرسول ـ﴾. وهو العلمُ النافع، فأهلُه أشرحُ الناس صدراً، وأوسعهم قلوباً، وأحسنُهم أخلاقاً، وأطيبُهم عيشاً. ومنها: الإِنابة إلى الله سبحانه وتعالى، ومحبتُه بكلِّ القلب، والإقبالُ عليه، والتنقُّم بعبادته، فلا شيء أشرحُ لصدر العبد من ذلك. حتى إنه ليقولُ أحياناً: إن (١) لم يروه الترمذي كما ذكر المؤلف، وقد أخرجه الطبري ٢٧/٨ من حديث ابن مسعود وذكره السيوطي في الدر المنثور ٤٤/٣ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي في ((الشعب)) من طرق، قال الحافظ ابن كثير ١٧٤/٢، ١٧٥ بعد أن ذكره عن عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وابن جرير. فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضاً. ٢٣ كنتُ في الجنة في مثل هذه الحالة، فإني إذاً في عيش طيب، وللمحبة تأثيرٌ عجيبٌ في انشراح الصدر، وطيبِ النفس، ونعيم القلب، لا يعرفه إلا من له حِسٌّ به، وكلَّما كانت المحبَّة أقوى وأشدَّ، كان الصدرُ أفسحَ وأشرحَ، ولا يَضيق إلا عند رؤية البطَّالين الفارِغين من هذا الشأن، فرؤيتُهم قَذَى عينه، ومخالطتُهم حُمَّى روحه . ومِنْ أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراضُ عن الله تعالى، وتعلُّق القلب بغيره، والغفلةُ عن ذِكره، ومحبةُ سواه، فإن من أحبَ شيئاً غيرَ الله، عُذِّبَ به، وسُجِنَ قلبُه في محبة ذلك الغير، فما في الأرض أشقى منه، ولا أكسف بالاً، ولا أنكد عيشاً، ولا أتعب قلباً، فهما محبتان، محبة هي جنة الدنيا، وسرور النفس، ولذةُ القلب، ونعيم الروح، وغِذاؤها، ودواؤها، بل حياتُها وقُرَّةُ عينها، وهي محبةُ الله وحدَه بكُلِّ القلب، وانجذابُ قوى الميل، والإرادة، والمحبة كلِّها إليه . ومحبةٌ هي عذاب الروح، وغم النفس، وسِجْنُ القلب، وضِيقُ الصدر، وهي سببُ الألم والنكد والعناء وهي محبة ما سواه سبحانه. ومن أسباب شرح الصدر دوامُ ذِكره على كُلِّ حال، وفي كُلِّ موطن، فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر، ونعيم القلب، وللغفلة تأثيرٌ عجيب في ضیقه وحبسه وعذابه. ومنها: الإِحسانُ إلى الخلق ونفعُهم بما يمكنه من المال، والجاهِ، والنفع بالبدن، وأنواع الإِحسان، فإن الكريم المحسنَ أشرحُ الناس صدراً، وأطيبُهم نفساً، وأنعمُهم قلباً، والبخيلُ الذي ليس فيه إحسان أضيقُ الناس صدراً، وأنكدُهم عيشاً، وأعظمُهم همَّاً وغمّاً. وقد ضرب رسول الله ◌َّةِ في الصحيح مثلاً للبخيل والمتصدِّق، ((كمَثَل رَجُلَيْنِ عَلَيْهِما جُنَّتَانِ مِنْ حَديدٍ، كُلَّمَا هَمَّ المُتصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ، اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ وانْبَسَطَتْ، حتَّى يَجُرَّ ثِيَابَهُ وَيُعْفِيَ أَثَرَهُ، وكُلَّمَا هَمَّ البَخِيلُ ٢٤ بِالصَّدَقَةِ، لَزْمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، وَلَمْ تَنَسِع عَلَيْهِ) (١). فهذا مَثَلُ انشِراحٍ صدر المؤمن المتصدِّق، وانفساح قلبه، ومثلُ ضِيقِ صدر البخيل وانحصارِ قلبه. ومنها الشجاعة، فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع البطان، متَسِعُ القلب، والجبانُ: أضيق الناس صدراً، وأحصرُهم قلباً، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذة له، ولا نعيم إلا من جنس ما للحيوان البهيمي، وأما سرور الروح، ولذتُها ونعيمُها، وابتهاجُها، فمحرَّمٌ على كل جبان، كما هو محرَّم على كل بخيلٍ، وعلى كُلِّ مُعرِض عن الله سبحانه، غافلٍ عن ذِكره، جاهلٍ به وبأسمائه تعالى وصفاته، ودينه، متعلق القلبِ بغيره. وإن هذا النعيم والسرور، يصير في القبر رياضاً وجنة، وذلك الضيقُ والحصر، ينقلبُ في القبر عذاباً وسجناً. فحال العبد في القبر، كحال القلب في الصدر، نعيماً وعذاباً وسجناً وانطلاقاً، ولا عبرة بانشراح صدر هذا لعارض، ولا بضيق صدر هذا لعارض، فإن العوارض تزول بزوال أسبابها، وإنما المعوَّلُ على الصِّفة التي قامت بالقلب تُوجب انشراحه وحبسه، فهي الميزان والله المستعان. ومنها بل من أعظمها: إخراجُ دَغَلِ القلبِ من الصفات المذمومة التي (١) أخرجه البخاري ٢٤١/٣، ٢٤٢، ومسلم (١٠٢١) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله رَشير: ((مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد من ثُديِّهما إلى تراقيهما، فأما المنفق، فلا يُنفق إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل، فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لَزِقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها، فلا تتسع)) قال الخطابي: وهذا مثل ضربه النبي 18 للبخيل والمتصدق، فشبههما برجلين أراد كل واحد منهما لبس درع يستتر به من سلاح عدوه، فصبها على رأسه ليلبسها، والدرع أول ما يقع على الرأس إلى الثديين إلى أن يدخل الإنسان يديه في كميهما فجعل المنفق كمن لبس درعاً سابغة، فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه، وجعل البخيل كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه، فكلما أراد لبسها اجتمعت إلى عنقه، فلزقت ترقوته، والمراد أن الجواد إذا هم بالصدقة انفسح لها صدره، وطابت نفسه، وتوسعت في الإنفاق، والبخيل إذا حدثها بها، شحت بها، فضاق صدره، وانقبضت يداه. ٢٥ تُوجب ضيقه وعذابه، وتحولُ بينه وبين حصول الُبرء، فإن الإنسان إذا أتى الأسباب الي تشرحُ صدره، ولم يُخرِجْ تلك الأوصافَ المذمومة من قلبه، لم يحظَ مِنْ انشراح صدره بطائل، وغايته أن یکون له مادتان تعتوِرَانِ على قلبه، وهو للمادة الغالبة عليه منهما . ومنها: تركُ فضولِ النظر، والكلام، والاستماع، والمخالطةِ، والأكل، والنوم، فإن هذه الفضولَ تستحيلُ آلاماً وغموماً، وهموماً في القلب، تحصُرُه، وتحبسه، وتضيَّقُهُ، ويتعذّبُ بها، بل غالِبُ عذابِ الدنيا والآخرة منها، فلا إله إلا اللّهُ ما أضيق صدرَ من ضرب في كل آفةٍ من هذه الآفات بسهم، وما أنكَدَ عيشَه، وما أسوأ حاله، وما أشدَّ حصرَ قلبه، ولا إله إلا الله، ما أنعم عيشَ مَنْ ضرب في كل خَصلةٍ من تلك الخصال المحمودة بسهم، وكانت همثُّه دائرةً عليها، حائمةً حولها، فلهذا نصيب وافر مِنْ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرارَ لَفي نَعيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] ولذلك نصيب وافر من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الفُجَّارَ لفي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤]، وبينهما مراتبُ متفاوتة لا يُحصيها إلا اللَّهُ تبارك وتعالى. والمقصود: أن رسول الله يََّ كان أكملَ الخلق في كلِّ صفة يحصلُ بها انشراحُ الصدر، واتِّساُ القلب، وقُرةُ العين، وحياةُ الروح، فهو أكملُ الخلق في هذا الشرح والحياة، وقُرَّةِ العين مع ما خُصَّ به من الشرح الحِسِّيِّ، وأكملُ الخلق متابعة له، أكملُهم انشراحاً ولذة وقرة عين، وعلى حسب متابعته ينالُ العبد من انشراح صدره، وقُرة عينه، ولذة روحه ما ينال، فهو رَّ في ذُروة الكمال مِنْ شرح الصدر، ورفع الذكر، ووضع الوٍزر، ولأتباعه من ذلك بحسب نصيبهم من اتباعه، والله المستعانُ. وهكذا لأتباعه نصيبٌ من حفظ الله لهم، وعصمتِه إياهم، ودفاعه عنهم، وإعزازه لهم، ونصره لهم، بحسب نصيبهم من المتابعة، فمستقلٌّ، ومستكثِر. فمن وجد خيراً، فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك، فلا يلومنَّ إلا ٢٦ (١) نفسه١١ فصل في هديه ﴾ في الصيام المقصود من الصيام وفوائده لما كان المقصودُ مِن الصيام حبسَ النفس عن الشهوات، وفِطامَها عن المألوفات، وتعديلَ قوتها الشهوانية، لتستِعدَّ لطلب ما فيه غايةٌ سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتُها الأبدية، ويكسِر الجوعُ والظمأُ مِن حِدَّتِها وسَوْرتِها، ويُذكِّرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين. وتضيق مجاري الشيطانِ من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب وتحبس قُوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرُّها في معاشها ومعادها، ويُسْكنُ كُلَّ عضوٍ منها وكُلَّ قوةٍ عن جماحه، وتُلجَمُ بلجامه، فهو لجامُ المتقين، وجُنَّهُ المحاربين، ورياضة الأبرار والمقرَّبين، وهو لربِّ العالمين مِن بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعلُ شيئاً، وإنما يتركُ شهوتَه وطعامَه وشرابَه من أجل معبوده، فهو تركُ محبوبات النفس وتلذُّذاتها إيثاراً لمحبة الله ومرضاته، وهو سِرّ بين العبد وربه لا يَطَّلِعُ عليهِ سواه، والعبادُ قد يَطَّلِعُونَ منه على تركِ المفطرات الظاهرة، وأما كونُه تركَ طعامَه وشرابَه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمرٌ لا يطَّلِعُ عليه بشرٌ، وذلك حقيقةٌ الصوم. (١) اقتباس من الحديث القدسي الطويل المخرج في ((صحيح مسلم)) (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وفيه: ((يا عبادي إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه)) ومن طرائف هذا الحديث أن الإمام النووي رحمه الله أورده في آخر أذكاره بسنده إلى أبي ذر، وقال: هذا حديث صحيح رويناه في ((صحيح مسلم)) وغيره، ورجال إسناده مني إلى أبي ذر رضي الله عنه كلهم دمشقيون، وقال الإمام أحمد بن حنبل: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث، وكان أبو إدريس الخولاني راويه عن أبي ذر إذا حدث به جثا على ركبتيه. ٢٧ وللصوم تأثيرٌ عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحِميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها، أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصومُ يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويُعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العونِ على التقوى كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُون﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال النبي ◌َ ﴿ «الصَّوْمُ جُنَّة))(١). وأمَرَ مَن اشتدَّتْ عليه شَهوةُ النكاح، ولا قُدرة لَه عليه بالصِّيام، وجعله وجَاءَ هذه الشهوة(٢). والمقصود: أن مصالحَ الصوم لمَّا كانت مشهودةٌ بالعقول السليمةِ، والفِطَرِ المستقيمة، شرعه اللَّهُ لعباده رحمة بهم، وإحساناً إليهم، وحِميةً لهم وجُنَّةً. وكان هدي رسول الله ◌ٍَّ فيه أكَملَ الهدي، وأعظمَ تحصيل للمقصود، وأسهلَه على النفوس. (١) أخرجه البخاري ٨٧/٤، ٩٤ في الصوم: باب فضل الصوم، ومسلم (١١٥١) (١٦٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ◌َلة: ((قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ، ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لَخُلُوفُ فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان إذا أفطر، فرح بفطره، وإذا لقي ربه، فرح بصومه)) وأخرجه مالك في ((الموطأ)) ١/ ٣١٠، وأبو داود (٢٣٦٣) والنسائي ١٦٣/٤. (٢) أخرج البخاري ١٠١/٤ و٩٢/٩، ٩٥، ومسلم (١٤٠٠) وأبو داود (٢٠٤٦) والترمذي (١٠٨١) والنسائي ١٦٩/٤ و٥٦/٦، ، ٥٧ من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله له: يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة، فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» والباءة: كناية عن النكاح، والوجاء: الخصاء، والمراد أنه يقطع شهوة الجماع. ٢٨ ولما كان فَطْمُ النفوس عن مألوفاتِها وشهواتِها مِن أشق الأمور وأصعبها، تأخرَّ فرضُه إلى وسط الإِسلام بعد الهجرة، لما توطّنَتِ النفوسُ على التوحيد والصلاة، وأَلِفِت أوامِرَ القرآن، فَنُقِلَت إليه بالتدريج. وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة، فتوفِّي رسول الله حِلَّ وقدم صامَ زمن فرضية الصيام تِسع رمضانات، وفُرِضَ أولاً على وجه التخيير بينه وبين أن يُطعِم عن كُلِّ يوم مسكيناً، ثم نُقِلَ مِنْ ذلك التخيير إلى تحثُّم الصومِ، وجعل الإِطعام للشيخ الكبير والمرأة إذا لم يُطبقا الصيامَ، فإنهما يُفطران ويُطعمان عن كُلِّ يوم مسكيناً(١)، ورخّص للمريض والمسافِر أن يُفطرا ويقضيا، ولِلحامل والمُرضُع إذا خافتا على أنفسهما كَذَلِكَ، فإن خافتا على ولديهما، زادتا مع القضاء إطعام مسكين لِكُلِّ يوم(٢)، فإن فطرهما لم يكن لخوف مرض، وإنما كان مع الصِّحة، فجبر بإطعام (١) أخرج البخاري ٨/ ١٣٥ عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يُطوَّقونه فدية طعام مسكين﴾ ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فليطعما مكان كل يوم مسكيناً. وقوله: ((يطوقونه)) بفتح الطاء وتشديد الواو مبنياً للمفعول، وهي قراءة ابن مسعود أيضاً، وقراءة العامة (يطيقونه) ووقع عند النسائي ((يطوقونه)) يكلفونه، قال الحافظ: وهو تفسير حسن، أي: يكلفون إطاقته وأخرج أبو داود (٢٣١٨) والطبري ٤٢٧/٣ عن ابن عباس ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ قال: ((كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا، والحبلى والمرضع إذا خافتا)) قال أبو داود: يعني على أولادهما - أفطرتا وأطعمتا. وسنده قوي، وذهب الجمهور إلى أن الآية: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ منسوخة، فكان المطيق للصوم في الابتداء مخيراً بين أن يصوم، وبين أن يفطر ويفدي فنسخها قوله سبحانه: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ يُروى ذلك عن ابن عمر وسلمة بن الأكوع، كما في ((صحيح البخاري)) ١٦٤/٤ و١٣٦/٨ ومسلم (١١٤٥). (٢) أخرج أحمد ٣٤٧/٤ و٢٩/٥، والترمذي (٧١٥) وأبو داود (٢٤٠٨) والنسائي ١٨٠/٤، ١٨١، وابن ماجه (١٦٦٧) والطحاوي ٢٤٦/١، والطبري (٢٧٩٢) من حديث أنس بن مالك الكعبي قال: قال رسول الله يٍ: ((إن الله تبارك وتعالى وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم أو الصيام)) وسنده قوي، = ٢٩ المسكين كفطر الصحيح في أوَّل الإِسلام. وكان للصوم رُتَبِّ ثلاث، إحداها: إيجابُه بوصف التخيير. والثانية: تحثُّمه، لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يَطْعَمَ حَرُمَ عليه الطعامُ والشرابُ إلى الليلة القابلة، فنسخ ذلك بالرتبة الثالثة(١)، وهي التي استقر عليها الشرعُ إلى يوم القيامة. فصل وكان من هديه ◌َ﴾ في شهر رمضان، الإِكثارُ من أنواع العبادات، فكان جبريلُ عليه الصلاة والسلام يُدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجودَ بالخير من الريح المرسلة، وكان أجودَ الناس، وأجود ما يكون في إكثار العبادات في رمضان وقال الترمذي: حديث حسن ولا نعرف لأنس بن مالك هذا عن النبي فهي غير هذا الحديث الواحد، والعمل على هذا عند أهل العلم أن الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما تفطران وتقضيان، واختلفوا في أنه هل يجب عليهما الإطعام أم لا، فذهب قوم إلى أنهما تطعمان مع القضاء يُروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وهو قول مجاهد والشافعي وأحمد، وذهب قوم إلى أنهما تقضيان، ولا إطعام عليهما كالمريض، وبه قال الحسن وعطاء، والنخعي والزهري، وهو قول الأوزاعي والثوري، وأصحاب الرأي، وقال مالك: الحامل تقضي ولا تطعم، لأن ضرر الصوم يعود إلى نفسها، كالمريض، والمرضع تقضي وتطعم. (١) أخرج البخاري ١١١/٤ في الصوم عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان أصحاب محمد ◌ٍّ إذا كان الرجل صائماً، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صِرْمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار، أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته، قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار، غشي عليه، فذكر ذلك للنبي له، فنزلت هذه الآية: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ وفي اسم قيس بن صرمة خلاف انظر تحقيقه في ((الفتح)). ٣٠ رمضان(١)، يُكثُر فيه مِنْ الصدقة والإحسان، وتلاوة القرآن والصلاة، والذِّكر، والاعتكاف. وكان يَخُصُ رمضانَ من العبادة بما لا يَخُصُّ غيرَه به من الشهور، حتى إنه كان ليُواصل فيه أحياناً لِيُوَفِّرَ ساعات لَيلِه ونهارهِ على العبادة، وكان ينهى أصحابَه عن الوصال، فيقولون له: إنَّك تُواصل، فيقول: ((لَسْتُ كَهَيْتَكُمْ إِنِّي أَبِيتُ - وفي رواية: إنِّي أَظَلُّ - عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِيني))(٢). الوصال ومعنى قوله : ((يطعمني ربي ويسقيني» وقد اختلف الناسُ في هذا الطعام والشراب المذكورَيْنِ على قولين. أحدهما: أنه طعامٌ وشراب حِسيٍّ للفم، قالوا: وهذه حقيقةُ اللفظ، ولا مُوجِبَ للعدُول عنها. الثاني: أن المرادَ به ما يُغذِّيه الله به من معارفه، وما يَقيضُ على قلبه مِن لذة مناجاته، وقُرة عينه بقربه، وتنقُّمِه بحبه، والشوقِ إليه، وتوابع ذلك من الأحوالِ التي هي غذاءً القلوب، ونعيمُ الأرواح، وقرةُ العين، وبهجة النفوس والرُّوح والقلب بما هو أعظمُ غذاء وأجودُه وأنفعه، وقد يقوى هذا الغذاء حتى يُغنيَ عن غذاء الأجسام مدةً من الزمان، كما قيل: عَنِ الشَّرَابِ وَتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ لَها أَحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهَا وَمِنْ حَدِيثِكِ في أعْقَابِهَا حَادي لَهَا بِوَجْهِكَ نُورٌ تَسْتَضِيءُ بِهِ رُوْحُ القُدومِ فَتَحْيا عِنْدَ مِيعَادِ إذا شَكَتْ مِنْ كَلالِ السَّيْرِ أوْعدَهَا ومن له أدنى تجربةٍ وشوق، يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني، ولا سيما المسرورَ الفرحانَ الظافر بمطلوبه الذي قد أخرجه البخاري ٩٩/٤، ومسلم (٢٣٠٧) من حديث عبد الله بن عباس. (١) (٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٣٠١/١ في الصيام: باب النهي عن الوصال في الصيام، والبخاري ١٧٩/٤ في الصوم: باب التنكيل لمن أكثر الوصال، ومسلم (١١٠٣) (٥٨) في الصيام: باب النهي عن الوصال في الصوم من حديث أبي هريرة. ٣١ قرَّت عينُه محبوبه، وتنعَّم بقربه، والرِّضى عنه، وألطاف محبوبه وهداياه، وتحفه تصل إليه كُلَ وقت، ومحبوبُه حفيٌّ به، معتنٍ بأمره، مُكرِمٌ له غايةَ الإِكرام مع المحبة التامة له، أفليسَ في هذا أعظمُ غِذاء لهذا المحب؟ فكيف بالحبيب الذي لا شيء أجلُّ منه، ولا أعظم ولا أجملُ، ولا أكملُ، ولا أعظمُ إحساناً إذا امتلأ قلبُ المُحِبِّ بحُبه، وملك حبُّه جمیعَ أجزاء قلبه وجوارحه، وتمگَّن حُّه منه أعظمَ تمُّن، وهذا حالهُ مع حبيبه، أفليس هذا المُحِبُّ عند حبيبه يُطمُه ويَسقيه ليلاً ونهاراً؟ ولهذا قال: ((إنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُني ويَسْقِيني)). ولو كان ذلك طعاماً وشراباً للفم، لما كان صائماً فضلاً عن كونه مواصلاً، وأيضاً فلو كان ذلك في الليل، لم يكن مُواصلاً، ولقال لأصحابه إذ قَالُوا له: إنَّك تُواصِلُ: ((لستُ أُواصلُ)). ولم يقل: ((لَسْتُ كَهَيْتِكُمْ)»، بل أقرَّهم على نسبة الوِصال إليه، وقطع الإلحاق بينه وبينهم في ذلك، بما بيَّنه من الفارق، كما في «صحيح مسلم))، من حديث عبد الله بن عمر، أن رسولَ اللهِ رَّة واصل في رمضان، فواصلَ الناسُ، فنهاهم، فقيل له: أنت تُواصِلُ. فقال: ((إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وُسْقَى))(١). وسياق البخاري لهذا الحديث: نهى رسولُ الله ◌َُّ عَن الوِصَال، فقالوا: إنك تُواصلُ. قال: ((إني لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى)) (٢) وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة، نهى رسول الله ثّ عن الوصال. فقال رجل من المسلمين: إنك يا رسول الله تُواصِل، فقال رسولُ اللهِ يَّةٍ: ((وَأَيُّكُم مِثْلِي، إنِّي أَبيت يُطْعِمِنُي ربِّي وَيَسْقِيني) (٣). وأيضاً: فإن النبي ◌َّ لما نهاهم عن الوصال، فأبوا أن ينتهوا، واصل بهم يوماً، ثم يوماً، ثم رأوا الهلال فقال: ((لو تَأَخَّر الهلال، لزِدْتُكم)). كالمُنكِّل لهم (١) أخرجه مسلم (١١٠٢). (٢) أخرجه البخاري ١٧٧/٤ في الصوم: باب الوصال. (٣) تقدم تخريجه ص٣١ تعليق (٢). ٣٢ حينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الوصال(١). وفي لفظ آخر (لو مُدَّ لنا الشَّهْرُ لوَاصَلْنا وِصَالاَ يَدَعُ المُتَعَمِّقُون تَعَمُّقَهم إنِّي ◌َسْتُ مِثْلَكُمْ)) أو قال: ((إنكم لَسْتُم مِثْلِي، فإِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُني ربِّي ويَسْقِيني)) (٢) فأخبر أنه يُطعَم ويُسقى، مع كونه مُواصلاً، وقد فعل فعلهم منكِّلاً بهم، معجِّزاً لهم فلو كان يأكل ويشرب، لما كان ذلك تنكيلاً، ولا تعجيزاً، بل ولا وصالاً، وهذا بحمد الله واضح. وقد نهى رسول الله ◌ّله عن الوصال رحمة للأمة، وأذِن فيه إلى السحر، وفي ((صحيح البخاري))، عن أبي سعيد الخدري، أنه سَمِعَ النبيَّ ◌َّ يقول: ((لا تُواصِلوا فَأَيُّكُمْ أراد أَنْ يُواصِل فَلْيُوَاصِل إلى السَّحَر))(٣). فإن قيل: فما حُكمُ هذه المسألة، وهل الوصال جائز أو محرَّم أو مكروه؟ قيل: اختلف الناسُ في هذه المسألة على ثلاثة أقوال. أحدها: أنه جائز إن قَدَرَ علیه، وهو مروي عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف، وكان ابن الزبير يُواصِل الأيام، ومِنْ حُجةٍ أرباب هذا القول، أن النبي ◌َّ واصل بالصحابة مع نهيه لهم عن الوصال، كما في ((الصحيحين))، من حديث أبي هريرة، أنه نهى عن الوصال وقال: ((إِنِّي لست كَهَيْئِكُمْ)) فلما أَبَوْا أن يَنْتَهُوا، واصلَ بِهِمْ يوماً، ثم يوماً (٤) فهذا وصاله بهم بعد نهيه عن الوصال، ولو كان النهي للتحريم، لما أَبَوْا أن ينتهوا، ولما أقرَّهم عليه بعد ذلك. قالوا: فلما فعلوهُ بعد نهيه وهو يعلَم ويُقِرُّهم، عُلِمَ أنه أراد الرحمةَ بهم، والتخفيفَ عنهم، الاختلاف في حكم الوصال وترجيح المصنف بجوازه من السحر إلى السحر أخرجه البخاري ١٧٩/٤، ومسلم (١١٠٣). (١) أخرجه مسلم (١١٠٤) (٦٠) في الصيام: باب النهي عن الوصال من حديث أنس بن مالك. (٢) (٣) أخرجه البخاري ١٨١/٤ في الصيام: باب الوصال إلى السحر، وبهذا الحديث استدل أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة، وجماعة من المالكية على جواز الوصال إلى السحر. (٤) أخرجه البخاري ١٧٩/٤، ومسلم (١١٠٣). زاد المعاد ج٢ -م٢ وقد قالت عائشةُ: نهى رسول الله ◌َل عن الوصال رحمة لهم. متفق عليه (١). وقالت طائفة أخرى: لا يجوز الوصال، منهم: مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والثوري، رحمهم الله، قال ابنُ عبد البر: وقد حكاه عنهم: إنهم لم يُجيزوه لأحد، قلت: الشافعي رحمه الله، نصَّ على كراهته، واختلف أصحابُه، هل هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ على وجهين، واحتج المحرِّمون بنهي النبي ◌ّ، قالوا: والنهيُ يقتضي التحريم. قالوا: وقول عائشة: ((رحمة لهم)) لا يمنع أن یکون للتحریم، بل يُؤكده، فإن مِن رحمته بهم أن حرَّمه عليهم، بل سائرُ مناهيه للأمة رحمةٌ وحِمْيةٌ وصيانةٌ. قالوا: وأما مُواصلتُه بهم بعد نهيه، فلم يكن تقريراً لهم، كيف وقد نهاهم، ولكن تقریعاً وتنكيلاً، فاحتمل منهم الوصال بعد نهيه لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم، وبيانِ الحِكمة في نهيهم عنه بظهور المفسدة التي نهاهم لأجلها، فإذا ظهرت لهم مفسدةُ الوصال، وظهرت حِكمةُ النهي عنه، كان ذلك أدعى إلى قبولهم، وتركهم له، فإنهم إذا ظهر لهم ما في الوصال، وأحسُّوا منه الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهمُّ وأرجحُ مِن وظائف الدِّين من القوةِ في أمر الله، والخشوع في فرائضه، والإتيانِ بحقوقها الظاهرة، والباطنة، والجوعُ الشديدُ، يُنافي ذلك، ويحولُ بين العبد وبينه، تبيَّن لهم حِكمةُ النهي عن الوِصال والمفسدةُ التي فيه لهم دُونَهَِ. قالوا: وليس إقرارُه لهم على الوصال لهذه المصلحة الراجحة بأعظمَ مِن إقرار الأعرابي على البول في المسجد (٢) لمصلحة التأليف، ولئلا يُنَفَّرَ عن الإِسلام، ولا بأعظم من إقراره (١) أخرجه البخاري ١٧٧/٤ في الصوم: باب الوصال، ومن قال: ليس في الليل صيام، ومسلم (١١٠٥) في الصيام: باب النهي عن الوصال. (٢) أخرج البخاري ٢٧٨/١ في الطهارة: باب ترك النبي ية. والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد، ٣٧٥/١٠ في الأدب: باب الرفق في الأمر كله، ومسلم (٢٨٤) في الطهارة: باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات ... من حديث أنس بن مالك أن أعرابياً بال في المسجد، فقام إليه بعض القوم، فقال رسول الله : ((دعوه ولا تزرموه (أي: لا تقطعوا عليه بوله) فلما فرغ، دعا بدلو = ٢٤ المسيء في صلاته على الصلاة التي أخبرهم ي﴾ أنها ليست بصلاة، وأن فاعلها غيرُ مصلٍّ، بل هي صلاةٌ باطلة في دِينه فأَقَّره عليها لمصلحة تعليمه وقبوله بعد الفراغ، فإنه أبلغُ في التعليم والتعلُّم، قالوا: وقد قال ◌َّهِ: ((إذا أَمَرْتُكُم بِأَمْرٍ، فأتوا مِنْه ما اسْتَطَعْتُم، وإذا نَهَيْتُكم عن شيء فَاجْتَنِبُوه)) (١). قالوا: وقد ذُكِرَ في الحديث ما يَدُلُّ على أن الوِصال مِن خصائصه. فقال: (إنِّي لَسْتُ كَهَيْئِكُم)) ولو كان مباحاً لهم، لم يكن من خصائصه. قالوا: وفي ((الصحيحين)) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ◌َ: ((إذا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هاهنا، وأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنُ ها هنا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرِ الصَّائِم)) (٢). وفي ((الصحيحين)) نحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفى. قالوا: فجعله مفطراً حكماً بدخول وقت الفطر وإن لم يفطر، وذلك يُحيل الوِصال شرعاً. قالوا: وقد قال ◌َله: ((لا تَزَالُ أُمَّتي على الفِطْرة، أو لا تَزالُ أُمَّتِي بِخَيْرِ ما عَجَّلُوا الْفِطْرِ))(٣). من ماء، فصب عليه. وزاد مسلم في رواية: ثم إن رسول الله بَل دعاه، فقال له: ٠ = إن هذه المساجد لا تصلحُ لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن)» وفي رواية: دعوة وهريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)). (١) أخرجه البخاري ٢٢٠/١٣ في الاعتصام: باب الاقتداء بسنن رسول الله رَّ، ومسلم (١٣٣٧) في الحج: باب فرض الحج مرة في العمر، وفي الفضائل: باب توقيره وَّر وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، من حديث أبي هريرة. (٢) أخرجه البخاري ١٧١/٤ في الصوم: باب متى يحل فطر الصائم، ومسلم (١١٠٠) في الصوم: باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار. وحديث عبد الله بن أبي أوفى أخرجه البخاري ١٧٢/٤، ومسلم (١١٠١). (٣) أخرجه البخاري ١٧٣/٤، ومسلم (١٠٩٨) من حديث سهل بن سعد بلفظ ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)) وأخرجه ابن خزيمة (٢٠٦١) وابن حبان (٨٩١) بلفظ = ٠١٠٠ : وفي ((السنن)) عن أبي هريرة عنه، ((لا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِراً مَا عَجَّلَ النَّاسُ الفِطْرَ، إنَّ الْيَهُودَ والنَّارَى يُؤْخِّرُونِ)) (١) . وفي ((السنن)) عنه، قال: قال الله عز وجل: ((أَحَبُّ عِبَادِي إليَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا)(٢). وهذا يقتضي كراهة تأخير الفِطر، فكيف تركُه، وإذا كان مكروهاً، لم يكن عبادة، فإن أقلَّ درجات العبادة أن تكونَ مستحبة. والقول الثالث وهو أعدلُ الأقوال: أن الوصال يجوز من سَحر إلى سَحر، وهذا هو المحفوظ عن أحمد، وإسحاق، لحديث أبي سعيد الخُدري، عن النبي ◌َّ﴾: ((لا تُواصلوا فأيُّكم أراد أن يُواصل فليواصل إلى السِّحَر)). رواه البخاري(٣) . وهو أعدلُ الوِصال وأسهلُه على الصائم، وهو في الحقيقة بمنزلة عشائه إلا أنه تأخر، فالصائم له في اليوم والليلة أكلة، فإذا أكلها في السحر، كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره. والله أعلم. فصل وكان من هديه ◌َ﴾، أن لا يدخُل في صوم رمضان إلا برُؤيةٍ محقَّقة، أو بشهادة شاهدٍ واحد، كما صام بشهادة ابن عمر(٤)، وصام مرة بشهادة ثبوت رمضان ((لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم)) وسنده صحيح. = (١) أخرجه أبو داود (٢٣٥٣) في الصيام: باب ما يستحب من تعجيل الفطر، وأحمد في («المسند)) ٢/ ٤٥٠، وابن ماجه (١٦٩٨) وسنده حسن، وصححه ابن خزيمة (٢٠٦٠) وابن حبان (٨٨٩). (٢) أخرجه الترمذي (٧٠٠) وأحمد ٣٢٩/٢، وابن خزيمة (٢٠٦٢) وابن حبان (٨٨٦) من حديث أبي هريرة وفي سنده قرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل وهو ضعيف من قبل حفظه . (٣) ٤ /١٨١. أخرج أبو داود (٢٣٤٢) في الصوم: باب شهادة الواحد، والدار قطني ص ٢٢٧ عن أني رأيته، فصامه وأمر= ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله الله (٤) ٣٦ أعرابي(١)، واعتمد على خبرهما، ولم يُكلِّفْهما لفظَ الشهادة. فإن كان ذلك إخباراً، فقد اكتفى في رمضان بخبر الواحد، وإن كان شهادة، فلم يُكلِّف الشاهدَ لفظَ الشهادة. فإن لم تكن رؤيةٌ، ولا شهادةٌ، أكمل ◌ِدة شعبان ثلاثين يوماً. وكان إذا حال ليلةَ الثلاثين دون منظره غيمٌ أو سحاب، أكمل عِدَّة شعبان حكم صوم يوم الغيم ثلاثين يوماً، ثم صامه. ولم يكن يصوم يومَ الإِغِمام، ولا أمرَ به، بل أمر بأن تُكمَّل عِدة شعبان ثلاثين إذا غُمَّ، وكان يفعل كذلك، فهذا فعله، وهذا أمرُه، ولا يُناقِضُ هذا قولَه: ((فإنُ غُمَّ عَلَيْكُم فاقْدُرُوا له))(٢)، فإن القدر: هو الحِسابُ المقدَّر، والمراد به الإِكمال كما قال: ((فَأَكْمِلُوا العدَّة)) والمراد بالإِكمال، إكمالُ عدة الشهر الذي غُمَّ، كما قال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ((فأكْمِلُوا عِدَّة شَعبان))(١). وقال: ((لا تَصُوموا حَتَى تَروهُ، ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تَروه، فإن غُمّ عليكم فأكْمِلوا العدَّة))(٤). والذي أمر بإكمال عدته، هو الشهرُ الذي يغم، وهو = الناس بصيامه. وسنده قوي، وصححه ابن حبان (٨٧١) والحاكم ٤٢٣/١، وأقره الذهبي . (١) أخرجه الترمذي (٦٩١) وأبو داود (٢٣٤٠)، والسنائي ١٣١/٤، ١٣٢، وابن ماجه (١٦٥٢)، وابن حبان (٨٧٠)، والحاكم ٤٢٤/١ وابن خزيمة (١٩٢٣) من حديث سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبيِبَله، فقال: إني رأيت الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله، أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال أذِّن في الناس أن يصوموا غداً. وسماك في روايته عن عكرمة اضطراب، لكن يشهد له حديث ابن عمر المتقدم فيتقوى به. (٢) أخرجه البخاري ١٠٢/٤، ١٠٤ في الصوم: باب إذا رأيتم الهلال، فصوموا، ومسلم (١٠٨٠) في الصيام: باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، وأصحاب السنن من حديث عبد الله بن عمر . (٣) أخرجه البخاري ١٠٦/٤ من حديث أبي هريرة. (٤) أخرجه مالك ١/ ٢٨٧ في الصيام: باب ما جاء في رؤية الهلال من حديث ابن عباس وفيه انقطاع، وقد وصله أبو داود (٢٣٢٧) والترمذي (٦٨٨) من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس، وقال الترمذي: حسن صحيح، وأخرج مسلم = ٣٧ عند صيامه وعند الفطر منه، وأصرحُ من هذا قوله: ((الشَّهرُ تِسْعَةٌ وعِشْرون، فلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوه، فإنْ غُمَّ عليكم فَأَكْمِلُوا العِدَّة)) (١). وهذا راجع إلى أول الشهر بلفظه وإلى آخره بمعناه، فلا يجوز إلغاء ما دل عليه لفظُه، واعتبارُ ما دل عليه من جهة المعنى. وقال: ((الشَّهّرُ ثَلاثون والشَّهْرُ تِسْعَةٌ وعِشْرون، فإِنْ غُمَّ عليكم فَعُدُّوا ثَلاثين))(٢). وقال: ((لا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وأَفْطِرُوا لِرُؤْيِتِه، فإنْ حَالتْ دُونَهُ غَمَامَةَ فأكْمِلُوا ثلاثين)) (٣). وقال: ((لا تَقَدَّموا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوُا الهِلال، أوْ تُكْمِلوا العِذَّة، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلاَلَ، أَوْ تُكْمِلوا العِدَّة)) (٤). وقالت عائشة رضي الله عنها، كانَ رسولُ الله ◌ِّ يتحقَّظُ مِنْ هِلالِ شَعْبَانَ مَا لاَ يَتَحَفَّظُ مِنْ غيره، ثم يَصُومُ لِرُؤْيِهِ، فإن غُمَّ عَلَيْهِ، عَدَّ شَعْبَانَ ثَلاثين يَوْماً، ثُمَّ صَامَ. صححه الدارقطني وابن حبان (٥). = - نحوه (١٠٨١) من حديث أبي هريرة. (١) أخرجه البخاري ١٠٤/٤، ١٠٥ من حديث ابن عمر. (٢) أخرج مسلم في ((صحيحه)) (١٠٨٠) (١٥) من حديث ابن عمر مرفوعاً بلفظ: («الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام ثلاثين)). (٣) أخرجه الترمذي (٦٨٨) وأبو داود (٢٣٢٧) والنسائي ١٣٦/٤ من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس. (٤) أخرجه أبو داود (٢٣٢٦) والنسائي ١٣٥/٤، ١٣٦ من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه. وإسناده صحيح، وصححه ابن خزيمة (١٩١١) وابن حبان (٨٧٥). (٥) أخرجه أحمد ١٤٩/٦، وأبو داود (٢٣٢٦) وابن خزيمة (١٩١٠) والحاكم ٤٢٣/١، وابن حبان (٨٦٩) والبيهقي ٢٠٦/٤ والدارقطني ١٥٦/٢، ١٥٧ وسنده صحيح، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الدارقطني: هذا إسناد حسن صحيح. ٣٨ وقال: ((صُومُوا لِرُؤْيِهِ، وأَفْطِرِوا لِرُؤْيِهِ، فإنْ غُمَّ عَلَيْكُم، فاقْدُرُوا ثلاثین))(١). وقال: ((لا تَصُومُوا حَتَّى تَروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإنْ أُغْمِي عَلَيْكُم، فاقْدُرُوا لَهُ))( ٢) . وقال: ((لا تَقَدَّمُوا رَمَضَان)). وفي لفظ: ((لا تَقَدَّمُوا بَيْن يَدَيْ رَمَضَان بِيَومٍ، أَوْ يَوْمَيْن، إلاَّ رَجُلاً كان يَصُومُ صِيَاماً فَلْيَصُمْهُ))(٣) . والدليل على أن يومَ الإِمام داخلٌ في هذا النهي، حديثُ ابن عباس يرفعه: ((لا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَان، صُومُوا لِرُؤْيِهِ، وأَفْطِرُوا لِرُؤْيِهِ، فإن حَالَتْ دُونَهُ غَمَامَةٌ، فَأَكْمِلُوا ثَلاثينَ)» ذكره ابن حبان في («صحيحه»(٤). فهذا صريح في أن صومَ یوم الإِغمام مِن غیر رُؤیة، ولا إکمالِ ثلاثین صومٌ قَبْلَ رمضان. وقال: ((لا تَقَدَّموا الشَّهْرَ إلا أن تَرُوَا الهِلالَ، أو تُكْمِلُوا العِدَّة، ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلالَ، أَوْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ(٥). (١) أخرجه البخاري ١٠٦/٤، ومسلم (١٠٨١) (١٩) من حديث أبي هريرة. أخرجه مالك ٢٨٦/١ والبخاري ١٠٢/٤، ١٠٤، ومسلم (١٠٨٠) من حديث ابن عمر. (٢) أخرجه البخاري ١٠٩/٤ في الصوم: باب: لا يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين، (٣) ومسلم (١٠٨٢) من حديث أبي هريرة. (٤) أخرجه ابن حبان (٨٧٣) من حديث أبي الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس وسنده حسن، وأخرجه هو (٨٧٤) وابن خزيمة (١٩١٢) من حديث سماك قال: دخلت على عكرمة في اليوم الذي يشك فيه من رمضان وهو يأكل، فقال: أدن فكُلْ، فقلت: إني صائم، قال: والله لتدنونّ، قلت: فحدثني، قال: ثنا ابن عباس أن رسول الله- قال: ((لا تستقبلوا الشهر استقبالاً، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينك وبين منظره سحاب أو قترة، فأكملوا العدة ثلاثين)). (٥) تقدم تخريجه ص٣٨، من حديث حذيفة وهو صحيح. وقال: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيِتِهِ، فإنْ حَالَ بَيْنَكُم وبَيْنَهُ سَحَاب: فَأَكْمِلُوا العِدَّةِ ثَلاثين، ولا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبالاً))(١). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي النسائي: من حديث يونس، عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عباس يرفعه: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَعُدُّوا ثَلاثين يَوْماً، ثُمّ صُومُوا، ولا تَصُومُوا قَبْلَه يَوْماً، فإن حَال بَيْنَكُم وبينه سَحَابٌ، فَأَكْمِلُوا العِدَّة عِدَّةَ شعبان))(٢). وقال سماك: عن عكرمة: عن ابن عباس: تمارى الناسُ في رؤية هلال رمضان، فقال بعضُهم: اليومَ. وقال بعضهم: غداً. فجاء أعرابي إلى النبي ◌َّ﴾، فذكر أنَّه رآه، فقال النبي ◌ََّ: ((أَتَشْهَدُ أَنْ لا إله إلاَّ الله، وأَنَّ مُحَمَّداً رَسولُ الله؟ قال: نعم. فأمَر النبيُّ ◌َ﴾ بلالاً، فَنَادَى فِي النَّاسِ صُومُوا)). ثم قال: ((صُومُوا لِرُؤُنِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فعدوا ثَلاثين يَوْماً، ثُمَّ صُومُوا، ولا تَصُومُوا قَبْلَه يَوْماً»(٣) . وكل هذه الأحاديث صحيحةٌ، فبعضُها في ((الصحيحين)) وبعضها في ((صحيح ابن حبان))، والحاكم، وغيرهما، وإن كان قد أُعِلَّ بعضُها بما لا يقدَحُ في صحة الاستدلال بمجموعها، وتفسير بعضها ببعض، واعتبار بعضها ببعض، وكلها يُصدِّقُ بعضُها بعضاً، والمراد منها متفق عليه. فإن قيل: فإذا كان هذا هديَه .. فكيف خالفه عُمَرُ بن الخطاب، وعليُّ بنُ أبي طالب، وعبدُ الله بن عمر، وأنسُ بن مالك، وأبو هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحكمُ بن أيوب الغفاري، وعائشةُ وأسماء ابنتا أبي بكر، سرد المصنف لروايات من صام يوم الغيم (١) تقدم تخريجه ص٣٩، وأخرجه البيهقي ٢٠٧/٤، والترمذي (٦٨٨). (٢) أخرجه النسائي ١٥٣/٤، ١٥٤ في الصوم: باب صيام يوم الشك وسنده حسن. (٣) أخرجه الدارقطني في ((سننه)) ١٥٧/٢، ١٥٨، وقد تقدم دون قوله: ثم قال ... ٤٠