النص المفهرس
صفحات 1-20
زَارُ المعاد في هدي خير العباد ابن قيم الجوزية الإمَام المُحدِّثِ المفَسِالفَقِيهِشِمِ الدّين أَبِي عَبْدِالله محمدبن أبي بكر الزرعي الدّشِفِي (٦٩١ - ٧٥١ هـ ) حَقّقَ نصُوصَه، وفَرَّعَ أماديُهُ، وَعَلَّنَ عَلَيه شُعَيْبُ الأرْنَؤُوُطِ عَبْدُ القَادِرِ الأرنَوُوط الجزء الَشَاني مؤسسة الرسالة 3 3. زَارُ المِعَاد في هدي خيرالعباد ٢ غسالة للطباعة والنشر والتوزيع وعلى المصيطية شارع حبيب أبي شهلا بناء المسكن تلفاكس: (٩٦١١) ٨١٥١١٢ - ٢١٩٠٢٩ - ٦٠٢٢٤٢ ص.ب . : ١١٧٤٦٩ برقياً: بيوشران بيروت - لبنان Al-Resalah PUBLISHERS BEIRUT LEBANON Telefax: (9611) 815112-319039-603243 PO. Box: 117460 E-mail: Resalahla cyherist.net.th Web Location: Http://www.resalah.com ے جميع الحقوق محفوظة للنّاشِرْ الطّعَة الثّالِثَة طبعة جَديدَة مُنقَّحَّة وَمَزِيدَة ١٤١٨ هـ / ١٩٩٨م حقوق الطبع محفوظة ١٩٧٩Cم. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه. ولا يُسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. فصل في هديه ◌َّ في الصدقة والزكاة هديُه في الزكاة، أكمل هدي في وقتها، وقدْرِها، ونصابها، وَمَنْ تَجبُ عليه، ومَصْرِفِها. وقد راعى فيها مصلحةَ أرباب الأموال، ومصلحة المساكين، وجعلها الله سبحانه وتعالى طُهرةً للمال ولصاحبه، وقيَّد النعمة بها على الأغنياء، فما زالت النعمةُ بالمال على من أدَّى زكاته، بل يحفظُه عليه ويُنميه له، ويدفعُ عنه بها الآفاتِ، ويجعلُها سُوراً عليه، وحِصناً له، وحارساً له. ثم إنه جعلها في أربعة أصناف من المال: وهي أكثرُ الأموال دَوَراناً بين الأصناف التي تجب فيها الخلق، وحاجتُهم إليها ضرورية. الزكاة أحدها: الزرع، والثمار. الثاني: بهيمةُ الأنعام: الإِبل، والبقر، والغنم. الثالث: الجوهران اللذان بهما قوام العالم، وهما الذهب والفضة. الرابع: أموالُ التجارة على اختلاف أنواعها . ثم إنه أوجبها مرَّةً كلَّ عام، وجعل حول الزروع والثمار عند كمالِها واستوائها، وهذا أعدلُ ما يكون، إذ وجوبُها كلَّ شهر أو كُلَّ جمعة يضُرُّ بأرباب الأموال، ووجوبُها في العمر مرة مما يضرُّ بالمساكين، فلم يكن أعدلَ مِن وجوبها كُلَّ عام مرة. وقت وجوبها ثم إنه فاوت بين مقادير الواجب بحسب سعي أرباب الأموال في تحصيلها، نصاب الزكاة وسهولةِ ذلك، ومشقته، فأوجب الخُمس فيما صادفه الإنسان مجموعاً محصّلاً من الأموال، وهو الرِّكاز(١). ولم يعتبر له حولاً، بل أوجب فيه الخمسَ متى ظفر به . وأوجب نصفه وهو العشر فيما كانت مشقةُ تحصيله وتعبه وكُلفته فوقَ ذلك، وذلك في الثمار والزروع التي يُباشر حرث أرضها وسقيها وبذرها، ويتولَّى اللَّهُ سقيها مِن عنده بلا كُلفة من العبد، ولا شراء ماءٍ، ولا إثارة بئرٍ ودولاپٍ. وأوجب نصف العُشر، فيما تولى العبد سقيَه بالكُلفة، والدَّوالي، والنواضح، وغيرها. وأوجب نِصف ذلك، وهو ربعُ العشر، فيما كان النَّماء فيه موقوفاً على عمل متصلٍ من رب المال، بالضرب في الأرض تارة، وبالإدارة تارة، وبالتربص تارة، ولا ريب أن كُلفة هذا أعظم مِن كُلفة الزرع والثمار، وأيضاً فإن نمو الزرع والثمار أظهرُ وأكثر من نمو التجارة، فكان واجبها أكثر من واجب التجارة، وظهور النمو فيما يُسقى بالسماء والأنهار، أكثر مما يسقى بالدوالي والنواضح، وظهورهُ فيما وجد محصلاً مجموعاً، كالكنز، أكثر وأظهر من الجميع . (١) أخرج مالك في ((الموطأ) ٨٦٨/٢، ٨٦٩، والبخاري. ٢٨٩/٣، ومسلم (١٧١٠) والترمذي (٦٤٢) و (١٣٧٧) وأبو داود (٣٠٨٥) والنسائي ٤٥/٥ من حديث أبي هريرة أن رسول الله ◌ٍَّ قال: ((جرح العجماء جُبار، والبئر جُبار، والمعدن جُبار، وفي الركاز الخمس)) والركاز: اسم للمال المدفون في الأرض، وذكر مالك في ((الموطأ)) ونقله عنه أبو عُبيد في ((الأموال)) ص ٣٩٣: أن الركاز دفن الجاهلية الذي يؤخذ من غير أن يطلب بمال، ولا يتكلف له كبير عمل، وروى البيهقي في ((المعرفة)) من طريق الربيع قال: قال الشافعي: والركاز الذي فيه الخمس: دفن الجاهلية ما وجد في غير ملك لأحد، وقال الحسن البصري فيما رواه عنه أبو داود: الركاز: الكنز العادي، أي: القديم وكأنه منسوب إلى عاد لقدمها، وهم يقولون لكل قدیم: عادي. ٦ ثم إنه لما كان لا يحتمل المواساةَ كلُّ مال وإن قلَّ، جعل للمال الذي تحتمله المواساة نُصُباً مقدَّرةً المواساة فيها، لا تُجْحِفُ بأرباب الأموال، وتقع موقِعها من المساكين، فجعل للوَرِقِ مائتي درهم(١)، وللذهب عشرين مثقالاً (٢)، وللحبوبِ والثمار خمسةً أوسق(٣)، وهي خمسة أحمال من أحمال إبل العرب، وللغنم أربعين شاة، وللبقر ثلاثين بقرة، وللإبل خمساً، لكن لما كان نصابها لا يحتمل المواساة من جنسها، أوجب فيها شاة. فإذا تكررت الخمس خمس مرات وصارت خمساً وعشرين، احتمل نصابُها واحداً منها، فكان هو الواجب. ثم إنه لما قَدَّرَ سِنَّ هذا الواجب في الزيادة والنقصان، بحسب كثرة الإِبل وقلَّتِها من ابن مَخاضٍ، وبنت مخاض، وفوقه ابنُ لَبُون، وبنت لَبون، وفوقه الحِقُّ والحِقَّة، وفوقَه الجَذَعُ والجَذَّعَةِ(٤)، وكلما كثُرت الإِبِلُ، زاد السِّن إلى أن (١) أخرج الترمذي (٦٢٠) وأبو داود (١٥٧٤)، وابن ماجه (١٧٩٠) عن علي رضي الله عنه قال، قال رسول الله بل: ((قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَة من كل أربعين درهماً درهماً، وليس في تسعين ومائة شيء فإذا بلغ مائتين، ففيها خمسة دراهم)) وفي حديث أبي بكر رضي الله عنه في فريضة الصدقات المخرج في البخاري ٢٥٤/٣: وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة، فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها)) والرقة: الفضة. وهو قول أكثر أهل العلم لا زكاة في الخيل ولا في العبد، إلا أن تكون للتجارة، فتجب في قيمتها زكاة التجارة يُروى ذلك عن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد صاحبا الإمام أبي حنيفة. (٢) أجمع العلماء على أنه لا تجب الزكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالاً. (٣) أخرج مالك في ((الموطأ)) ٢٤٤/١، والبخاري ٢٥٥/٣، ومسلم (٩٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صل قال: ((ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الوَرِق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإِبل صدقة)) والوسق: ستون صاعاً، والصاع: خمسة أرطال وثلث: بالرطل البغدادي، وهو مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً. (٤) ابنة المخاض من الإبل: هي التي أتى عليها حول، وطعنت في السنة الثانية، سميت ابنة مخاض، لأن أمها تمخض بولد آخر، والذكر ابن مخاض، والمخاض : = ٧ يصل السِّنُ إلى مُنتهاه، فحينئذٍ جعل زيادة عدد الواجب في مقابلة زيادة عدد المال. فاقتضت حكمته أن جعل في الأموال قَدْراً يحتمل المواساة، ولا يُجحِفُ بها، ويكفي المساكين، ولا يحتاجُون معه إلى شيء، ففرض في أموال الأغنياء ما يكفي الفقراء، فوقع الظلمُ من الطائفتين، الغنيُّ يمنعُ ما وجب عليه، والآخذ يأخذ ما لا يستحقه، فتولَّد من بين الطائفتين ضررٌ عظيم على المساكين وفاقةٌ شديدة، أوجبت لهم أنواع الحيل والإلحاف في المسألة، والربُّ سبحانه تولَّى قَسْمَ الصدقة بنفسه، وجزَّأها ثمانيةَ أجزاء، يجمعُها صِنفانٍ من الناس، أحدهما: من يأخذ لحاجة، فيأخذ بحسب شدة الحاجة، وضعفها، وكثرتِها، وقلَّتِها، وهم الفقراءُ والمساكين، وفي الرقاب، وابن السبيل. والثاني: من يأخذ لمنفعته وهم العاملون عليها، والمؤلَّةُ قلوبُهم، والغارِمون لإصلاح ذات البين، والغُزاةُ في سبيل الله، فإن لم يكن الآخِذُ محتاجاً، ولا فيه منفعة للمسلمين، فلا سهم له في الزكاة . أصناف من يأخذ الزكاة فصل وكان من هديه وَّ إذا علم من الرجل أنه مِن أهل الزكاة، أعطاه، وإن سأله أحدٌ من أهل الزكاة ولم يَعْرِفْ حاله، أعطاه بعد أن يخبره أنه لا حظّ فيها لِغني ولا لقوي مکتسِب(١). إعطاؤه من هو أهل للزكاة الحوامل. وابنة اللبون: هي التي أتى عليها حولان، وطعنت في السنة الثالثة، لأن = أمها تصير لبوناً بوضع الحمل، والذكر ابن لبون. والحقة: هي التي أتى عليها ثلاث سنين، وطعنت في الرابعة سميت بها، لأنها تستحق الحمل والضراب، والذكر حق، والجذعة: التي تمت لها أربع سنين، وطعنت في الخامسة، لأنها تجذع السن فيها. (١) أخرجه أبو داود (١٦٣٣) في الزكاة: باب من يعطى الصدقة، والنسائي ٩٩/٥، ١٠٠ في الزكاة: باب مسألة القوي المكتسب عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال : = ٨ وكان يأخذها من أهلها، ويضعُها في حقها. وكان من هديه، تفريقُ الزكاة على المستحقين الذين في بلد المال، وما تفريق الزكاة على فضلَ عنهم منها حُمِلَت إليه، ففرَّقها هوٍّ، ولذلك كان يبعث سُعاته إلى المستحقين من أهل البلد البوادي، ولم يكن يبعثُهم إلى القُرى، بل أمر معاذ بن جبل أن يأخذ الصدقة من أغنياء أهل اليمن، ويُعطيها فقراءهم، ولم يأمره بحملها إليه. ولم يكن من هديه أن يبعث سُعاته إلا إلى أهل الأموال الظاهرة مِن المواشي بعث السُّعاة لجباية والزروع والثمار، وكان يبعثُ الخارِصَ فيخرُصُ على أرباب النخيل تمرَ نخيلهم، الزكاة وينظر كم يجيء منه وَسْقاً، فَيَحْسِبُ عليهم من الزكاة بقدره (١)، وكان يأمر = أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي ◌َّل في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه، فرانا جلدين، فقال: ((إن شئتما أعطيتكما ولا حظَّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب)) وإسناده صحيح. وأخرج مسلم في صحيحه (١٠٤٤) في الزكاة: باب من تحل له المسألة من حديث قبيصة بن مخارق الهلالي أن النبي تالية. قال له: ((إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حَمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلَّت له المسألة حتى يصيب قِواماً من عيش، أو قال: سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال: سِداداً من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت)) وقوله: تحمل حمالة، أي: تكفل كفالة، والحميل: الكفيل، وهو أن يكون بين القوم تشاحن في دم أو مال، فسعى رجل في إصلاح ذات بينهم، وضمن مالاً يبذل في تسكين العداوة، وإطفاء الحقد، فإنه يحل له السؤال، ويعطى من الصدقة قدر ما تبرأ ذمته عن الضمان وإن كان غنياً. والجائحة: هي الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها، والسحت: الحرام. (١) روى الشافعي في ((مسنده) ٢٣١/١، ٢٣٢ من حديث ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيِّب عن عتاب بن أسيد أن رسول الله قال: ((في زكاة الكرم يخرص كما يخرص النخل، ثم يؤدي زكاته زبيباً كما يؤدي زكاة النخل تمراً)) وأخرجه أبو داود (١٦٠٣) والترمذي (٦٤٤) وابن ماجه (١٨١٩) والبيهقي ١٢٢/٤، وسعيد بن المسيب لم يدرك عتاباً، فقد قال أبو داود: لم يسمع منه، وقال ابن قانع: لم = ٩ الخَارِصَ أن يدعَ لهم الثلثَ أو الرُّبعَ، فلا يخرصه عليهم (١) لما يعروُ النخيلَ مِن النوائب، وكان هذا الخرصُ لكي تُحصى الزكاةُ قبل أن تؤكل الثمارُ وتُصْرَمَ، ولِيتصرَّف فيها أربابها بما شاؤوا، ويضمنوا قدرَ الزكاة، ولذلك كان يبعث الخارِصَ إلى من ساقاه من أهل خيبر وزارعه، فيخرُص عليهم الثمارَ والزروع، ويُضمّنُهم شطرَها، وكان يبعثُ إليهم عبد الله بن رواحة، فأرادوا أن يَرشُوه، فقال عبد الله: تُطعموني الشُّحتَ؟! والله لقد جئتكم من عند أحبِّ الناس إليَّ، ولأنتُم يدركه، وقال المنذري: انقطاعه ظاهر، لأن مولد سعيد في خلافة عمر، ومات :: عتاب يوم مات أبو بكر، ونحوه لابن عبد البر، على أن بعضهم قال: دعوى الإِرسال بمعنى الانقطاع مبني على قول الواقدي: إن عتاباً مات يوم مات أبو بكر، لكن ذكر ابن جرير الطبري أنه كان عاملاً لعمر على مكة سنة إحدى وعشرين، وقد ولد سعيد لسنتين مضتا من خلافة عمر، فسماعه من عتاب ممكن، فلا انقطاع. وقال النووي رحمه الله: هذا الحديث وإن كان مرسلاً، لكنه اعتضد بقول الأئمة، ورواه الشافعي بإسناده أن رسول الله - كان يبعث من يخرص على الناس كرومهم وثمارهم، وأخرج البخاري ٢٧٢/٣ عن أبي حميد الساعدي قال: غزونا مع النبي مثل غزوة تبوك، فلما جاء وادي القرى إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي لأصحابه: اخرصوا، وخرص رسول اللّه ◌َلَ عشرة أوسق، فقال لها: احصي ما يخرج منها ... )) والخرص هو حزر ما على النخل من الرطب تمراً، حكى الترمذي عن بعض أهل العلم أن تفسيره أن الثمار إذا أدركت من الرطب والعنب مما تجب فيه الزكاة بعث السلطان خارصاً يخرص عليهم فيقول: يخرج من هذا كذا وكذا زبيباً، وكذا وكذا تمراً، فيحصيه، وينظر مبلغ العشر، فيثبته عليهم، ويخلي بينهم وبين الثمار، فإذا جاء وقت الجذاذ، أخذ منهم العشر، وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها، والبيع من زهوها وإيثار الأهل والجيران والفقراء لأن في منعهم منها تضييقاً لا يخفى. (١) أخرجه أبو داود (١٦٠٥) والترمذي (٦٤٢)، والنسائي ٤٢/٥ وابن حبان (٧٩٨) من حديث سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ماي قال: ((إذ خرصتم، فجذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع)) وفي سنده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، وسكت عليه الحافظ في ((الفتح)) ٢٧٤/٣، وقد قال بظاهر الحديث الليث بن سعد وأحمد وإسحاق، وغيرهم. ١٠ أبغضُ إليَّ من عِدَّتِكم مِن القِردةِ والخنازير، ولا يحمِلُني بُعضي لك وحُبِّي إياه، أن لا أعدل عليكم، فقالوا: بهذا قامت السماواتُ والأرض (١). بعض الأصناف التي لا تجب فيها الزكاة ولم يكن من هديه أخذُ الزكاة من الخيل، والرقيق، ولا البغال، ولا الحمير، ولا الخضراوات ولا المباطخ والمقاتي والفواكه التي لا تُكال ولا تُدَّخر إلا العنب والرُّطب فإنه كان يأخذ الزكاة منه جملة ولم يفرق بین ما یبس منه وما لم ییبس. فصل زكاة العسل واختلف عنه ◌َّر في العسل، فروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء هلالٌ أحد بني مُتْعان إلى رسول الله ◌َّه بعشُور نحل له، وكان سأله أن يَحميَ وادياً يُقال له: سَلَبَة، فحمى له رسول الله وَّ ذلك الوادي، فلما ولي عُمَرُ بن الخطاب رضي الله عنه، كتب إليه سفيانُ بن وهب يسألُه عن ذلك، فكتب عمر: إن أدَّى إليك ما كان يُؤْدِّي إلى رسول الله ◌َّهُ مِن عُشور نحله، فاحم له سَلَبَةٍ، وإلا فإنما هو ذُباب غيثٍ يأكلُهُ مَنْ يَشَاءُ(٢). وفي رواية في هذا الحديث ((مِنْ كُل عشر قِرَبٍ قِربة))(٣) . وروى ابن ماجه في (سننه)) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنه أخَذَ مِن العَسَل العُشْرَ(٤). (١) رواه مالك في ((الموطأ)) ٧٠٣/٢، و٧٠٤ في المساقاة: باب ما جاء في المساقاة من حديث ابن شهاب عن سليمان بن يسار أن رسول الله ◌َّة كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر ... ورجاله ثقات لكنه مرسل، وأخرجه أبو داود (٣٤١٠) وابن ماجه (١٨٢٠) بنحوه من حديث ابن عباس وسنده حسن. (٢) رواه أبو داود رقم (١٦٠٠) و(١٦٠١) و (١٦٠٢) في الزكاة: باب زكاة العسل والنسائي ٤٦/٥ في الزكاة: باب زكاة النحل. وسنده حسن. (٣) أخرجه أبو داود (١٦٠٢) وأبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال ص (٥٩٨) وسنده حسن. (٤) أخرجه ابن ماجه (١٨٢٤) وسنده حسن في الشواهد. ١١ وفي («مسند الإمام أحمد)»، عن أبي سيَّارة المتعي، قال: قلت: يا رسول الله! إن لي نحلاً. قال: ((أدِّ العُشْرَ)) قلت: يا رسول الله! احْمِها لي، فحماها لي(١). وروى عبد الرزاق، عن عبد الله بن مُحَرَّرٍ عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كتب رسولُ اللهِنَّهَ إلى أهل اليمن، أن يُؤْخَّذَ مِنَ العَسَلِ العُشْرُ(٢). قال الشافعي: أخبرنا أنس بن عياض، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن أبيه عن سعد بن أبي ذُباب، قال: قدِمتُ على رسول الله ؟ فأسلمتُ ثم قلتُ: يا رسول الله! اجعل لقومي من أموالهم ما أسلموا عليه، ففعل رسولُ الله ◌َّة، واستعملني عليهم، ثم استعملني أبو بكر، ثم عُمَرُ رضي الله عنهما. قال: وكان سعد من أهل السَّراةِ، قال: فكلمتُ قومي في العسل، فقلت لهم: فيه زكاة، فإنه لا خير في ثمرة لا تزكَّى. فقالوا: كم ترى؟ قلتَ: العشرَ. فأخذت منهم العشرَ، فلقيتُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخبرتُه بما كان. قال: فقبضَهُ عمر، ثم جعل ثمنه في صدقات المسلمين (٣). ورواه الإمام أحمد، ولفظه للشافعي. (١) رواه أحمد في ((المسند) ٢٣٦/٤ وابن ماجه (١٨٢٣) في الزكاة: باب زكاة العسل والطيالسي ١٧٤/١، ١٧٥، والبيهقي ١٢٦/٤ وعبد الرزاق (٦٩٧٣) من حديث سليمان بن موسى، عن أبي سيارة المتعي وهو منقطع، لأن سليمان بن موسى لم يدرك أحداً من الصحابة . (٢) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٦٩٧٢)، والبيهقي ١٢٦/٤، وعبد الله بن محرر متروك. (٣) أخرجه الشافعي في ((مسنده) ٢٤٠/١، ٢٤١ وفي ((الأم)) ٣٣/٢ ورجاله ثقات إلا عبد الرحمن، فإنه لم يوثقه غير ابن حبان، وأخرجه أحمد ٧٩/٤، والبيهقي ١٢٧/٤ وابن أبي شيبة ٢٠/٣ وأبو عبيد في ((الأموال)) (٤٩٦) و (٤٩٧)، وفي سنده منیر بن عبد الله ضعفه غیر واحد. ١٢ واختلف أهلُ العلم في هذه الأحاديث وحكمها، فقال البخاري: ليس في زکاة العسل شيء يصح، وقال الترمذي: لا يَصِحُّ عن النبي ټلل*في هذا الباب کثیرُ شيء. وقال ابن المنذر: ليس في وجوب صدقة العسل حديث يثبت عن رسول الله ◌ٍَّ ولا إجماع، فلا زكاة فيه، وقال الشافعي: الحديثُ في أن في العسل العشرَ ضعيف، وفي أنه لا يؤخذ منه العشر ضعيف إلا عن عمر بن عبد العزيز. من قال: ليس في العسل الزكاة قال هؤلاء: وأحاديث الوجوب كلُّها معلولة، أما حديث ابن عمر، فهو من رواية صدقة بن عبد الله بن موسى بن يسار، عن نافع عنه، وصدقة، ضعَّفه الاِمام أحمد، ويحيى بن معين، وغيرهما، وقال البخاري: هو عن نافع، عن النبي مرسل، وقال النسائي: صدقة ليس بشيء، وهذا حديث منكر . وأما حديث أبي سيَّارة المتعي، فهو من رواية سليمان بن موسى عنه، قال البخاري: سليمان بن موسى لم يدرك أحداً من أصحاب رسول الله وَّة . وأما حديث عمرو بن شعيب الآخر، أن النبي ◌َّ أخذ من العسل العشر، ففيه أسامة بن زيد بن أسلم يرويه عن عمرو، وهو ضعيف عندهم، قال ابن معين: بنو زيد ثلاثتُهم ليسوا بشيء، وقال الترمذي: ليس في ولد زيد بن أسلم ثقة . وأما حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: فما أظهر دلالته لو سلم من عبد الله بن محرَّر راويه عن الزهري، قال البخاري في حديثه هذا: عبد الله بن محرَّر متروك الحديث، وليس في زكاة العسل شيء يصح. وأما حديث الشافعي رحمه الله: فقال البيهقي: رواه الصلت بن محمد، عن أنس بن عياض، عن الحارث بن عبد الرحمن (هو ابن أبي ذباب)، عن منير بن عبد الله، عن أبيه، عن سعد بن أبي ذباب، وكذلك رواه صفوان بن عيسى، عن الحارث بن أبي ذباب. قال البخاري: عبد الله والد منير، عن ١٣ سعد بن أبي ذباب، لم يصح حديثه، وقال علي بن المديني: منير هذا لا نعرفه إلا في هذا الحديث، كذا قال لي. قال الشافعي: وسعد بن أبي ذباب، يحكي ما يدل على أن رسول الله قلة لم يأمره بأخذ الصدقة من العسل، وإنما هو شيء رآه فتطوع له به أهله. قال الشافعي: واختياري أن لا يُؤخذ منه، لأن السنن والآثار ثابتة فيما يُؤخذ منه، وليست ثابتة فيه فكأنه عفو . وقد روى يحيى بن آدم، حدثنا حُسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه قال: ليس في العسل زكاةٌ (١). قال يحيى: وسئل حسن بن صالح عن العسل؟ فلم يرَ فيه شيئاً. وذكر عن معاذ أنه لم يأخذ من العسل شيئاً. قال الحُميدي: حدثنا سفيان، حدثنا إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس، عن معاذ بن جبل، أنه أتى بوقص البقر والعسل، فقال معاذ: كلاهما لم يأمرني فيه رسول الله وَّل بشيء(٢). وقال الشافعي: أخبرنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر، قال: جاءنا كتابٌ من عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى أبي وهو بمنى، أن لا يأخذ من الخيل ولا من العسل صدقة (٣) . وإلى هذا ذهب مالك، والشافعي. من قال: في العسل زكاة وذهب أحمد، وأبو حنيفة، وجماعة، إلى أن في العسل زكاة، ورأوا أن هذه الآثار يقوي بعضها بعضاً، وقد تعددت مخارجُها، واختلفت طُرقها، ومرسَلُها يُعضَدُ بمسندها. وقد سئل أبو حاتم الرازي، عن عبد الله والد منير، عن سعد بن أبي ذباب، يصح حديثه؟ قال: نعم. قال هؤلاء: ولأنه يتولد من نور (١) رجاله ثقات، لكنه مرسل. (٢) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٦٩٦٤) والبيهقي ١٢٧/٤ ورجاله ثقات لكنه مرسل. والوَقَصُ: ما دون النصاب، وفي ((المصنف)) سألوه عما دون ثلاثين بقرة. (٣) رواه مالك في ((الموطأ)) ٢٧٧/١ و٢٧٨ في الزكاة: باب ما جاء في صدقة الرقيق والخيل والعسل، وإسناده صحيح. ١٤ الشجر والزهر، ويُكال ويُذَّخر، فوجبت فيه الزكاة كالحبوب والثمار. قالوا: والكلفة في أخذه دون الكلفة في الزرع والثمار، ثم قال أبو حنيفة: إنما يجب فيه العشرُ إذا أخذ من أرض العشر، فإن أُخِذ من أرض الخراج، لم يجب فيه شيء عنده، لأن أرض الخراج قد وجب على مالكها الخراج لأجل ثمارها وزرعها، فلم يجب فيها حق آخر لأجلها وأرض العشر لم يجب في ذمته حق عنها، فلذلك وجب الحقُّ فیما يكون منها. وسؤَّى الإِمام أحمد بين الأرضين في ذلك، وأوجبه فيما أُخِذَ مِن ملكه أو موات، عُشرية كانت الأرض أو خراجية. ثم اختلف الموجِبون له: هل له نصاب أم لا؟ على قولين. أحدهما: أنه يجب في قليله وكثيره، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله، والثاني: أن له نصاباً معيناً، ثم اختلف في قدره، فقال أبو يوسف: هو عشرة أرطال. وقال محمد بن الحسن: هو خمسة أفراق، والفرق ستة وثلاثون رطلاً بالعراقي. وقال أحمد: نصابه عشرة أفراق، ثم اختلف أصحابه في الفرق، على ثلاثة أقوال. أحدها: إنه ستون رطلاً، والثاني: إنه ستة وثلاثون رطلاً. والثالث: ستة عشر رطلاً، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، والله أعلم. فصل وكان ◌َّ إذا جاءه الرجلُ بالزكاة، دعا له. فتارةً يقول: ((اللَّهُمَّ بَارِك فيه وفي إبلِهِ)) (١). وتارة يقول: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ)) (٢). ولم يكن من هديه أخذُ كرائم الأموال دعاؤه ◌َ لجابي الزكاة النهي عن الأخذ من كرائم (١) رواه النسائي ٣٠/٥ في الزكاة: باب الجمع بين المتفرق والتفريق بين المجتمع من حديث وائل بن حجر وإسناده صحيح. (٢) رواه البخاري ٢٨٦/٣ في الزكاة: باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة، ومسلم (١٠٧٨) في الزكاة: باب الدعاء لمن أتى بصدقته، وأبو داود (٥٩٠) في = ١٥ الأموال في الزكاة، بل وسط المال، ولهذا نهى معاذاً عن ذلك(١). فصل التصرف في الصدقة وكان ◌َّ ينهي المتصدِّق أن يشتريَ صدقته (٢)، وكان يُبيح للغني أن يأكل من الصدقة إذا أهداها إليه الفقير، وأكل ◌َّ مِن لحم تُصدِّقَ به علي بريرةَ وقال: ((هَوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ ولنا مِنْها هَدِيه)×(٣) . وكان أحياناً يستدين لمصالح المسلمين علي الصدقة، كما جهّز جيشاً فَنَفِدَتِ الإِبل، فأمر عبد الله بن عمرو أن يأخذ من قِلائص الصدقة (٤)، وكان يَسِمُ الزكاة: باب دعاء المصدق لأهل الصدقة، والنسائي ٣١/٥ في الزكاة: باب صلاة = الإِمام على صاحب الصدقة. من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: اللهم صل عليهم، فأتاه أبي أبو أوفى بصدقته، فقال: ((اللهم صل على آل أبي أوفى)) وآل أبي أوفى: هو أبو أو فى نفسه. (١) أخرج البخاري ٢٥٥/٣، ومسلم (١٩) من حديث ابن عباس أن معاذاً قال: بعثني رسول اللهِ لل قال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك. فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)). (٢) أخرج مالك ١/ ٢٨٢، والبخاري ٣٠٤/٥، ومسلم (١٦٢١) من حديث ابن عمر أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله، فوجده يباع، فأراد أن يبتاعه، فسأل رسول الله ◌َّةٍ عن ذلك، فقال: لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك)). (٣) رواه أحمد في ((المسند) ١٢٣/٦ و١٧٩، والبخاري ٤٨٢/٩ في الأطعمة: باب الأدم، ومسلم (١٥٠٤) في العتق: باب إنماء الولاء لمن أعتق، ومالك في ((الموطأ)) ٥٦٢/٢ في الطلاق: باب ما جاء في الخيار من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو جملة من حديث طويل. (٤) أخرجه أبو داود (٣٣٥٧) في البيوع: باب في الرخصة في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة وأحمد (٧٠٢٥) والحاكم ٥٦/٣، ٥٧ من حديث عبد الله بن عمرو، وفي = ١٦ إبل الصَّدَقَةِ بيده (١)، وكان يَسِمُها في آذانها . وكان إذا عراه أمر، استسلف الصدقة من أربابها، كما استسلف من العباس رضي الله عنه صدقة عامين(٢). سنده جهالة واضطراب لكن أخرجه الدارقطني ص ٣١٨ من طريق ابن وهب أخبرني = ابن جريج أن عمرو بن شعيب أخبره عن أبيه عن جده ... وسنده حسن، وذكره البيهقي ٢٨٧/٥، ٢٨٨ من طريق الدارقطني وصححه، وأشار إليه الحافظ في ((الفتح)) ٣٤٧/٤. (١) أخرج البخاري ٣/ ٢٩٠ في الزكاة: باب وسم الإمام إبل الصدقة من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: غدوت إلى رسول الله يَّة بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه، فوافيته وفي يده الميسم يسم إبل الصدقة، وفي رواية له في الذبائح ٩/ ٥٨٠: يسم شاة حسبته قال: في آذانها، وفي رواية للبخاري أيضاً: ٢٣٧/١٠، ومسلم (٢١١٩) وهو يسم الظهر الذي قدم عليه في الفتح. (٢) أخرج أبو داود (١٦٢٤) وأحمد ١٠٤/١، والترمذي (٦٧٩)، وابن ماجه (١٧٩٥) والدار قطني ١٢٣/٢، والبيهقي ١١١/٤ من حديث الحجاج بن دينار عن الحكم بن عتيبة، عن حُجيّة بن عدي، عن علي رضي الله عنه أن العباس رضي الله عنه سأل النبي ◌َّ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك وقال أبو داود: روى هذا الحديث هشيم عن منصور بن زاذان، عن الحكم، عن الحسن بن مسلم عن النبي ◌َّر، وحديث هشيم أصح يريد أن هذه الرواية المرسلة أصح من المتصلة، وقال الدارقطني: اختلفوا على الحكم في إسناده، والصحيح عن الحسن بن مسلم مرسل، وفي الدارقطني من طريق موسى بن طلحة أن النبي قال: ((إنا كنا احتجنا، فتعجلنا من العباس صدقة ماله سنتين)) وهذا مرسل، ورواه أيضاً موصولاً بذكر طلحة فيه، وإسناد المرسل أصح، وفيه أيضاً من حديث ابن عباس أن النبي ◌َ بعث عمر ساعياً، فأتى العباس، فأغلظ له فأخبر النبي ◌َله، فقال: إن العباس قد أسلفنا زكاة ماله العام والعام المقبل، وفي إسناده ضعف، وأخرج أيضاً هو والطبراني من حديث أبي رافع نحو هذا، وإسناده ضعيف أيضاً، ومن حديث ابن مسعود أن النبي مر تعجل من العباس صدقته سنتين، وفي إسناده محمد بن ذكوان وهو ضعيف، قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٦٤/٣ بعد أن ذكر ما تقدم: وليس ثبوت هذه القصة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق. ١٧ فصل في هديه ◌َّ في زكاة الفطر من تجب عليه ومقدارها فرضها رسولُ الله ◌َّ على المسلم، وعلى مَنُ يَمُونُهُ مُنْ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ، ذَكَرِ وأُنْثَى، حرِّ وَعَبْدٍ، صاعاً مِنْ تمْرٍ، أو صاعاً مِنْ شَعيرٍ، أو صاعاً مِنْ أَقِطِ، أو صاعاً مِنْ زبيبٍ (١). وروي عنه: أو صاعاً من دقيق، وروي عنه: نصف صاع من بُرِّ(٢). والمعروف: أن عمر بن الخطاب جعل نصف صاع من بر مكان الصاع من هذه الأشياء، ذكره أبو داود (٣). وفي ((الصحيحين)) أن معاوية هو الذي قَوَّم ذلك (٤) وفيه عن النبي ◌َّ آثار مرسلة، ومسندة، يُقوَّي بعضها بعضاً. (١) أخرج مالك في ((الموطأ)) ٢٨٤/١، والبخاري ٢٩٢/٣، ومسلم (٩٨٤) من حديث ابن عمر أن رسول الله ◌َله: ((فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين)). وأخرج مالك أيضاً ٢٨٤/١، والبخاري ٢٩٤/٣، ومسلم (٩٨٥) من حديث أبي سعيد الخدري قال: كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقِطٍ، أو صاعاً من زبيب)). (٢) هو جزء من حديث رواه أبو داود (١٦١٨) والنسائي ٥٢/٥ وهذه الجملة «أو صاعاً من دقيق)) وهم من سفيان بن عيينة، كما ذكر أبو داود، وقال النسائي: ثم شك سفيان، فقال: دقيق أوسلت، يعني صاعاً منه، نقول: ولم يذكر أحد الدقيق غير سفيان، وأخرجه الدارقطني من طريق سليمان بن أرقم عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت. وقال: لم يروه بهذا الإِسناد غير سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث. (٣) أخرجه أبو داود (١٦١٤) وسنده حسن. (٤) رواه البخاري ٢٩٥/٣، ٢٩٧ في الزكاة: باب صاع من زبيب، ومسلم (٩٨٥) في الزكاة: باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير، وأبو داود (١٦١٦)، والنسائي ٥٣/٥ في الزكاة: باب الشعير من حديث أبي سعيد الخدري. ١٨ فمنها: حديث عبد الله بن ثعلبة أَو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صُعير، عن أبيه قال: قال رسول الله وَّ﴾: ((صائحٌ مِنْ بُرِّ أو قَمْح على كُلِّ اثْنَين)) رواه الإمام أحمد وأبو داود(١) . وقال عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي آل﴾ بعث منادياً في فِجاج مَكَّة، ألا إن صدقة الفِطْرِ وَاجِبَةٌ على كُلِّ مُسْلِم، ذَكَرٍ أَو أُنْثَى، حُرِّ أو عَبْدٍ، صغيرٍ أَو كبيرٍ، مُدَّانِ مِنْ قَمْحِ أَو سواهُ صاعاً مِنْ طَعام))(٢). قال الترمذي: حديث حسن غريب . حَلحاله وروى الدارقطني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله أَمَرَ عَمْرو بن حزم في زكاةِ الفِطْرِ بِنِصْفِ صاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ (٣). وفيه سليمان بن موسى، وثقه بعضهم وتكلم فيه بعضهم. قال الحسنُ البصري: خطب ابنُ عباس في آخر رمضانَ على منبر البصرة فقال: أَخْرِجُوا صَدِقَةَ صَوْمِكُمْ، فكأَنَّ النَّاس لَمْ يَعْلَمُوا. فقال: مَنْ هَا هُنَا مِنْ أَهل المدينةِ؟ قُومُوا إلى إِخوانِكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ، فَرِضَ رَسُولُ الله ◌َيِّ هذهِ الصَّدقةَ صاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَو شعيرٍ، أو نِصْفَ صاعٍ مِنْ قَمْحِ على كُلِّ حُرِّ، أَو مملوكٍ، ذَكَرٍ أَو أُنثى، صغيرٍ أَو كبيرٍ، فلما قَدِمَ عَلَيِّ رَضِيَ الله عنْهُ رأی رُخصَ (١) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٤٣١/٥، و٤٣٢ وأبو داود (١٦١٩) و (١٦٢٠) و (١٦٢١) والطحاوي ٤٥/٢، والدار قطني ١٤٧/٢ وعبد الرزاق (٥٧٨٥) والحاكم ٢٧٩/٣. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) ٤٠٨/٢، وحاصل ما يعلل هذا الحديث أمران، أحدهما: الاختلاف في اسم أبي صعير والاختلاف في لفظ الحديث، ثم قال ٤٢٣/٢. وقال البيهقي: الأخبار الثابتة تدل على أن التعديل بمدَّين من قمح کان بعد رسول الله قال﴾ . . أخرجه الترمذي (٦٧٤) في الزكاة: باب ما جاء في صدقة الفطر، وحسنه. (٢) (٣) أخرجه الدارقطني ٢/ ١٤٥. وفي سنده أيضاً محمد بن شرحبيل الصنعاني، ضعفه الدار قطني. ١٩ السِّعْرِ قال: قَدْ أَوسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُم، فَلَوْ جَعَلْتُمُوهُ صاعاً مِنْ كُلِّ شَيءٍ». رواه أبو داود وهذا لفظه، والنسائي وعنده: فقال علي: أَمَا إذ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُم، فَأَوْسِعُوا، اجْعَلُوها صاعاً مِنْ بُرِّ وَغَيْرِهِ(١). وكان شيخنا رحمه الله: يُقوِّي هذا المذهب ويقول: هو قياس قولِ أحمد في الكفارات، أن الواجب فيها من البُرِّ نصفُ الواجب من غيره. فصل وكان من هديه ◌َّ إخراج هذه الصدقة قبل صلاة العيد، وفي ((السنن)) عنه: أنه قال: ((مَنْ أَذَّاها قَبْلَ الصَّلاة، فَهِي زَكاةٌ مَقْبُولة، ومَنْ أَذَّاها بَعْدَ الصَّلاة فَهِي صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقاتِ))(٢). وقت إخراج صدقة الفطر وكذا الأضحية وفي ((الصحيحين))، عن ابن عمر، قال: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَّ بِزكاةِ الفِطْرِ أَن تُؤْذَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاس إلى الصَّلاةَ(٣). (١) أخرجه أبو داود (١٦٢٢) في الزكاة: باب من روى نصف صاع من قمح، والنسائي ٥٢/٥ في الزكاة: باب الحنطة، ورجاله ثقات إلا أن الحسن لم يصرح بالسماع من ابن عباس. (٢) أخرجه أبو داود (١٦٠٩)، وابن ماجه (١٨٢٧) كلاهما في الزكاة: باب صدقة الفطر، والدارقطني ص ٢١٩، والحاكم ٤٠٩/١ من حديث أبي يزيد الخولاني (وسماه الحاكم يزيد بن مسلم فوهم) عن سياربن عبد الرحمن، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فرض رسول الله وَليّ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات» وسنده قوي. (٣) رواه البخاري ٢٩١/٣ في الزكاة: باب صدقة الفطر، ومسلم (٩٨٦) في الزكاة: باب الأمر بإخراج زكاة الفطر قبل الصلاة، والترمذي (٦٧٧) وأبو داود (١٦١٠) والنسائي ٥٤/٥. والأمر بذلك للاستحباب عند الجمهور، وخالف ابن حزم، فقال: الأمر فيه للوجوب، فيحرم تأخيرها عن ذلك الوقت. ٢٠