النص المفهرس

صفحات 441-460

غير يوم جمعة، ولم يُحفظ عنه ◌َّ في هذا الاستسقاء صلاة(١).
الوجه الرابع: أنه ◌َّ# استسقى وهو جالس في المسجد، فرفع يديه،
ودعا اللَّهَ عز وجل، فحُفِظَ مِن دعائه حينئد: ((اللَّهُم اسْقِنا غَيْئاً مُغيئاً مَرِيعاً
طَبَقاً عَاجِلاً غَيْرَ رائِثٍ، نافِعاً غَيْرَ ضَارٍ))(٢).
الوجه الخامس: أنه ◌َ* استسقى عند أحجار الزيت قريباً من الزَّوراء،
وهي خارج باب المسجد الذي يُدعى اليوم باب السلام نحو قذفةِ حجر،
ينعطفُ عن يمين الخارج من المسجد(٣).
الوجه السادس: أنه مَ* استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون
إلى الماء، فأصاب المسلمينَ العطشُ، فشَكَوْا إلى رسول الله وَّهِ. وقال بعضُ
المنافقين: لو كان نبياً، لاستسقى لقومه، كما استسقى موسى لقومه، فبلغ
ذلك النبيَّ ◌َِّ؛ فقال: ((أَوَقَدْ قَالُوها؟ عَسَىَ رَبُّكمْ أَنْ يَسْقِيَكُمْ، ثُمَّ بَسَطَ يَدَيْهِ،
ودعا، فما ردَّ يديه من دعائه، حتى أظلَّهُمُ السَّحابُ، وأُمطِروا، فأفعمَ السيلُ
الوادي، فشرب الناس، فارتَوَوْا.
وحُفظ من دعائه في الاستسقاء: «اللَّهُم اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وانْشُر
رَحْمَتَك، وأَخْي بَلَدَكَ المَيِّتَ))(٤)، ((اللَّهُم اسْقِنا غَيْئاً مُغِيئاً مَريئاً، مريعاً، نافِعاً
(١) انظر ((سنن ابن ماجه)) (١٢٧٠) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في الدعاء في
الاستسقاء.
(٢) رواه أبو داود (١١٦٩) في الصلاة: باب رفع اليدين في الاستسقاء، والبيهقي
٣٥٥/٣ من حديث جابر بن عبد الله، وإسناده صحيح، وصححه الحاكم ٣٢٧/١،
ووافقه الذهبي. وقوله: مريعاً، أي: ذا مراعة وخصب، يقال: أمرعت البلاد: إذا
أخصبت. ويُروى: مُربعاً بالباء، أي: منبتاً للربيع.
(٣) رواه أبو داود (١١٦٨) في الصلاة: باب رفع اليدين في الاستسقاء، وألحمد ٢٢٣/٥
اللحم، وسنده صحيح، وصححه الحاكم ٣٢٧/١، ووافقه
عن عمير مولى ابي
الذهبي، ورواه النسائي ١٥٩/٣، والترمذي (٥٥٧) عن عمير مولى آبي اللحم عن
آبي اللحم - وهو وهم من أحد رواته.
(٤) رواه أبو داود (١١٧٦) في الصلاة: باب رفع اليدين في الاستسقاء من حديث =
٤٤١

٠٠
غير ضارِّ، عاجِلاً غَيْرَ آجِل))(١). وأُغيث بَّه في كل مرة استسقى فيها.
واستسقى مرة، فقام إليه أبو لُبابة فقال: يا رسول الله! إن التمر في .
المَرابد، فقال رسول الله وَّةَ: «اللَّهُم اسْقِنَا حَتَّى يَقومَ أبو لُبَابة عُرياناً، فَيَسُدَّ
ثَعْلَبَ مِرْبَدِهِ بإزاره))، فأمطرت، فاجتمعوا إلى أبي لُبابة، فقالوا: إنها لن تُقلِعَ
حتى تقوم عُرياناً، فتسُدَّ ثعلبَ مِربدك بإزارك كما قال رسول الله بَّر، ففعل،
فاستهلت السماء))(٢).
ولما كثر المطر، سألوه الاستصحاء، فاستصحى لهم، وقال: ((اللَّهُم
حَوَالَيْنَا ولا عَلَيْنَا، اللَّهُم على الآكام والجِبال، وَالظَّراب، ويُطونِ الأودية،
وَمَنَابِتِ الشَّجَر)»(٣).
وكان ◌َّة إذا رأى مطراً، قال: ((اللَّهُم صيَِّا نَافِعاً))(٤).
وكان يحسِرُ ثوبَه حتى يُصيبَه من المطر، فسئل عن ذلك، فقال: ((لَأَنَّهُ
حَديثُ عَهْدٍ بِرَبِّه))(٥).
قال الشافعي رحمه الله: أخبرني من لا أتهم عن يزيد بن الهاد، أن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإسناده حسن، ورواه مالك في ((الموطأ))
='
١٩٠/١، ١٩١ في الاستسقاء: باب ما جاء في الاستسقاء من حديث عمرو بن
شعيب مرسلاً. أن رسول الله ... وذكر الحديث.
(١) تقدم قبل قليل، وإسناده صحيح.
(٢) ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٢١٥/٢، وقال: رواه الطبراني في ((الصغير)) وفيه
من لا يعرف. ((وثعلب مربده)) ثعلبه: ثقبه الذي يسيل منه ماء المطر، والمربد:
موضع يجفف فيه التمر.
(٣) تقدم تخريجه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عند البخاري ومسلم والنسائي
ومالك في ((الموطأ)) والظراب: الجبال الصغار جمع الظَّرِب، والآكام جمع الأكمة:
وهي التل المرتفع من الأرض.
(٤) رواه البخاري ٤٣٠/٢ في الاستسقاء: باب ما يقال إذا مطرت، والنسائي ١٦٤/٣
في الاستسقاء: باب القول عند المطر من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٥) رواه مسلم (٨٩٨) في الاستسقاء: باب الدعاء في الاستسقاء، وأبو داود (٥١٠٠)
في الأدب: باب ما جاء في المطر.
٤٤٢

النبي ◌َ﴾ كان إذا سال السيل قال: ((اخرُجُوا بِنَا إلى هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ
طَهُوراً، فَتَطَهَّرَ منه، ونَحْمَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ))(١).
وأخبرني من لا أنَّهم، عن إسحاق بن عبد الله أن عمر كان إذا سال
السيلُ ذهب بأصحابه إليه، وقال: ما كان لِيجيء منْ مجيئه أحدٌ إلا تمسّحنا
به .
وكان ◌ٍَّ إذا رأى الغيمَ والريح، عُرِفَ ذلك في وجهه، فأقبل وأدبر،
فإذا أمطرت، سُرِّيَ عنه، وذهب عنه ذلك، وكان يخشى أن يكون فيه
العذاب. قال الشافعي: وروي عن سالم بنِ عبد الله عن أبيه مرفوعاً أنه كان
إذا استسقى قال: ((اللَّهُم اسْقِنَا غيئاً مُغيثاً هَنِيئاً مَرِيئاً غَدَقاً مُجلِّلاً عَامّاً طَبَقاً
سَخَاً دائماً، اللَّهُم اسْقِنَا الغَيْثَ، ولا تجعلنا من القَانِطين، اللهم إن بالعبادِ
والبِلادِ والبهائِم والخلق مِن اللأواءِ والجهد والضَّنْكِ ما لا نشكُوه إلاَّ إليك،
اللهم أَنْبِتْ لنا الزَّرَعَ، وأَدِرَّ لنا الضَّرْعَ، واسْقِنا مِن بركات السماء، وأنِتْ لنا
مِن بركات الأرضِ، اللهم ارفع عنا الجَهْدَ والجُوعَ والعُريَ، واكشِفْ عنا مِن
البلاء ما لا يكشِفُه غيرُك، اللهم إنا نستغفِرك، إنك كنتَ غفَّاراً، فأرسل
السماء علينا مِدراراً))(٢).
قال الشافعي رحمه الله: وأحبُ أن يدعوَ الإِمام بهذا، قال: وبلغني أن
النبي ◌َّ كان إذا دعا في الاستسقاء رفع يديه(٣) وبلغنا أن النبي وَّ كان يتمطَّر
(١) رواه الشافعي في ((الأم)) ٢٥٢/١ و٢٥٣ في الاستسقاء، والبيهقي في ((السنن
الكبرى» ٣٥٩/٣، قال البيهقي: هذا منقطع، وروي فيه عن عمر، وإسناده منقطع
فإن يزيد بن عبد الله بن الهاد لم يرو عن رسول الله مخ لل .
(٢)
هو في ((الأم)) ١/ ٢٥١، وفيه انقطاع بين الشافعي وسالم بن عبد الله.
(٣) ذكره مالك في ((الموطأ)) ١٩٢/١ وفي ((الأم)) بلاغاً ٢٢٣/١ وأخرج البخاري
٤٢٩/٤، ومسلم (٨٩٥) من حديث أنس بن مالك قال: كان النبي ◌َّ لا يرفع يديه
في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء وإنه يرفع حتى يُرى بياض إبطيه، وروى أبو
داود (١١٧١) من حديث أنس: كان يستسقي هكذا ومد يديه، وجعل بطونهما مما
يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه، وإسناده صحيح.
٤٤٣

صَدَلَى اللّه
في أول مطرة حتى يُصيبَ جسده. قال: وبلغني أن بعض أصحاب النبي
كان إذا أصبح وقد مُطِرَ الناس، قال: ((مُطِرنا بِنَوءِ الفَتْحِ، ثم يقرأ: ﴿ما يَفْتَحِ
اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢](١) .
طلب الإجابة عند نزول
الغيث
قال: وأخبرني من لا أتهم عن عبد العزيز بن عمر، عن مكحول، عن
النبي ◌َّ أنه قال: ((اطلبُوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة
الصلاة، ونزول الغيث))(٢)
وقد حَفطْتُ عن غير واحد طلبَ الإِجابة عند: نزول الغيث، وإقامة
الصلاة. قال البيهقي: وقد روينا في حديث موصول عن سهل بن سعد، عن
النبي ◌َّ ((الدعاء لا يُرَدُّ عِنْدَ النَّدَاءِ، وَعِنْدَ البَأْس، وتَحْتَ المَطَرِ))(٣). وروينا
عن أبي أمامة، عن النبيِ نََّ قال: ((تُفْتَحُ أبوابُ السماء، ويُستجابُ الدعاء
في أربعة مواطن: عند التقاء الصُّفوف، وعِنْدَ نُزُولِ الغَيْثِ، وعِنْدَ إِقَامَةِ
الصَّلاةِ، وَعِنْدَ رُؤْيَةِ الكَعْبَةِ))(٤).
فصل
في هديه # في سفره وعبادته فيه
كانت أسفاره وَّل* دائرةً بين أربعة أسفار: سفرِه لهجرته، وسفرِه للجهاد
وهو أكثرها، وسفرِه للعمرة، وسفرِه للحج.
(١) ورواه مالك في ((الموطأ)) ١٩٢/١ في الاستسقاء: باب الاستمطار بالنجوم بلاغاً
وإسناده معضل.
(٢) رواه الشافعي في ((الأم)) ٢٢٣/١ في الاستسقاء: باب طلب الإِجابة في الدعاء وهو
مرسل، لأن مكحولاً لم يدرك النبي ◌َّ.
(٣) رواه أبو داود (٢٥٤٠) في الجهاد: باب الدعاء عند اللقاء والبيهقي ٣/ ٣٦٠ بلفظ:
((ثنتان لا تردان أو قلما تردان: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم
بعضاً)) وسنده حسن، وصححه ابن حبان (٢٩٧) و (٢٩٨) وأما لفظة ((وتحت
المطر» فهي عند أبي داود والبيهقي بسند فيه مجهول.
(٤) رواه البيهقي (٣٦٠/٣) وفي سنده عفير بن معدان وهو ضعيف.
٤٤٤

وكان إذا أراد سفراً، أقرع بين نسائه، فأيَّتُهُن خرج سهمُها، سافر بها
معه، ولما حجّ، سافر بهن جميعاً.
وكان إذا سافر، خرج مِن أول النهار، وكان يستحِبُّ الخروجَ يوم
الخميس(١)، ودعا الله تبارك وتعالى أن يُبارك لأُمَّتِهِ في بُكورها(٢).
وكان إذا بعث سرية أو جيشاً، بعثهم من أول النهار، وأمرَ المسافرين
إذا كانوا ثلاثة أن يؤمّروا أحدهم(٣). ونهى أن يُسافر الرجل وحدَه(٤)، وأخبر
أن الراكِبَ شَيْطَانٌ، والرَّاكِبانِ شَيْطَانَانٍ، وَالثَّلاثَةُ رَكْبٌ(٥).
وذُكِرَ عنه أنه كان يقول حين ينهض للسفر («اللَّهُم إلَيْك تَوَجَّهْتُ، وبِكَ
اعْتَصَمْتُ، اللَّهُم اكْفِنِي مَا أَهمَّني وَمَا لاَ أَهْتَمُّ بِهِ، اللَّهُمَّ زَوِّدْني التَّقْوَى،
وَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَجِّهْنِي لِلِخَيْرِ أَيَنَمَا تَوَجَّهْتُ)) (٦).
(١) أخرجه البخاري ٨٠/٦ في الجهاد: باب من أراد غزوة فورى بغيرها، ومن أحب
الخروج إلى السفر يوم الخميس من حديث كعب بن مالك.
(٢) حديث صحيح أخرجه الدارمي ٢١٤/٢، وأبو داود (٢٦٠٦)، والترمذي (١٢١٢)،
وابن ماجه (٢٢٣٦)، وأحمد ٤١٦/٣ و٤١٧ و٤٣١ و٤٣٢ و٤ /٣٨٤ و٣٩٠ و٣٩١
من حديث يعلى بن عطاء عن عمارة بن حديد، عن صخر الغامدي وله شواهد منها
حديث علي عند عبد الله بن الإمام أحمد (١٣١٩) و (١٣٢٢) و (١٣٢٨)
و (١٣٣٨)، وحديث أبي هريرة وابن عمر عند ابن ماجه (٢٢٣٧) و (٢٢٣٨) وفي
الباب عن ابن مسعود، وبريدة، وابن عباس وجابر وعبد الله بن سلام، والنواس بن
سمعان، وعمران بن حصين، وكلها ضعاف، لكن بمجموعها يصح الحديث.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٦٠٨) و (٢٦٠٩) من حديث أبي هريرة وسنده حسن.
(٤) روى البخاري ٩٢/٦، والترمذي (١٦٧٣) من حديث ابن عمر مرفوعاً ((لو أن الناس
يعلمون ما في الوحدة ما أعلم، ما سار راكب بليل وحده)».
(٥) رواه مالك في ((الموطأ)) ٩٧٨/٢ في الاستئذان: باب ما جاء في الوحدة في السفر
للرجال والنساء، والترمذي (١٦٧٤) في الجهاد: باب ما جاء في كراهية أن يسافر
الرجل وحده، وأبو داود (٢٦٠٧) في الجهاد: باب في الرجل يسافر وحده،
وإسناده حسن، وصححه ابن خزيمة والحاكم.
(٦). رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) ص ١٨٥، وفي سنده عمرو بن مساور، وهو
ضعيف، وقال الحافظ في ((تخريج الأذكار)»: هذا حديث غريب.
٤٤٥

وكان إذا قُدِّمتَ إليه دابتُه ليركبها، يقول: ((بسم الله حين يضع رجله في
الرِّكاب، وإذا استوى على ظهرها، قال: الحمدُ للَّهِ الَّذي سَخَّرَ لَنَا هَذا وَمَا
كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبَّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، ثُمَّ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، الحَمْدُ لِلَّهِ،
الحَمْدُ لِلَّهِ، ثم يقول: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ثم يقولٌ: سُبْحَانَكَ
إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَاغْفِرٍ لِي إِنَّهَ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ)(١).
وكان يقول: ((اللَّهُم إنَّا نَسْألُكَ في سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ العَمَلِ
مَا تَرْضَى، اللَّهُمْ هَوَّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هُذا، وَاْوٍ عَنَّ بُعْدَهُ، اللَّهُم أَنْتَ الصَّاحِبُ
فِي السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَابَةِ
المُنْقَلَبِ، وَسُوءِ المَنْظَرِ فِي الأَهْلِ وَالمَالِ)) وإذا رجع، قالهن، وزاد فيهن:
آَيْبُون تَائِبُونَ عَابِدُون لِرَبِّنَا حَامِدُون(٢).
وكان هو وأصحابُه إذا عَلوا الثنايا، كبَّروا، وإذا هبطوا الأودية،
سبَّحوا(٣).
وكان إذا أشرف على قرية يُريد دخولَها يقولُ «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ
السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَرضين السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ ومَا
(١) رواه الترمذي (٣٤٤٣) في الدعوات: باب ما جاء ما يقول إذا ركب دابة، وأبو داود
(٢٦٠٢) في الجهاد: باب ما يقول الرجل إذا ركب، وسنده حسن، وصححه ابن
حبان (٢٣٨٠) و (٢٣٨١) والحاكم ٩٨/٢.
(٢) رواه مسلم (١٣٤٢) في الحج: باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره،
والترمذي (٣٤٤٤) في الدعوات: باب ما جاء ما يقول إذا ركب دابة، وأبو داود
(٢٥٩٩) في الجهاد: باب ما يقول الرجل إذا سافر، من حديث ابن عمر.
(٣) أخرج هذه الجملة أبو داود (٢٥٩٩) عقب حديث ابن عمر السابق، وأخرجه مسلم
بدونها وهي مدرجة ليست من الحديث بالسند الأول، وإنما أخرجها عبد الرزاق في
(المصنف)) ١٦٠/٥ عن ابن جريج قال: كان النبي ◌َّالر ... وهو معضل، فتفطن لهذا
الإدراج، فإنه دقيق جداً، وقد سها الإمام النووي رحمه الله عنه، فجعله في رياضه
وأذكاره من تمام الحديث ورده عليه الحافظ ابن حجر في ((أمالي الأذكار)» فيما نقله عنه
ابن علان في «الفتوحات الربانية» ١٤٠/٥.
٤٤٦

أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، أَسْأَلُكَ خَيْرَ هُذِهِ القَرْيَةِ وَخَيْرَ أهْلِهَا، وأَعُوذُ
بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا)) (١) .
وذكر عنه أنه كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أسألُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ القَرْيَة وَخَيْرِ
مَا جَمَعْتَ فِيهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشرِّ مَا جَمَعْتَ فِيهَا، اللَّهُمَّ ارزُقْنَا
جَنَاهَا، وَأَعِذْنَا مِنْ وَبَاهَا، وَحَبِّنَا إِلَى أَهْلِهَا، وَحَبِّبْ صَالِحِي أَهْلِهَا إِلَيْنَا)»(٢).
مبحث في قصر الصلاة
وكان يَقصُر الرُّبَاعية، فيُصليها ركعتين مِن حين يخرُج مسافراً إلى أن
يرجع إلى المدينة، ولم يثبت عنه أنه أتمَّ الرُّباعية في سفره البتة، وأما حديثُ
عائشة: أن النبي ◌َُّ كان يقصُرُ في السفر، ويُتِمُّ، ويُفْطِرُ ويَصُومُ، فلا
يَصحُ(٣). وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على
رسول اللّه وَّ انتهى، وقد روي: كان يقصُرُ وتُتِمُّ، الأول بالياء آخر الحروف،
والثاني بالتاء المثناة من فوق، وكذلك يُفطر وتَصوم، أي: تأخذ هي بالعزيمة
في الموضعين، قال شيخنا ابن تيمية: وهذا باطل ما كانت أم المؤمنين
(١) أخرجه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) ص ١٩٧، وابن حبان (٢٣٧٧) والحاكم
١٠٠/٢، من حديث صهيب، وسنده حسن، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وحسنه
الحافظ في ((أمالي الأذكار)».
(٢) رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) ص ١٩٦ عن عائشة قال الحافظ: في سنده
ضعف، لكنه يعتضد بحديث ابن عمر فساق سنده إليه ... ثم قال: وفي سنده من
ضعِّف، لكن توبع، فرواه مبارك بن حسان عن نافع عن ابن عمر قال: كنا نسافر مع
رسول الله و ◌َّر، فإذا رأى قرية يريد دخولها، قال: اللهم بارك لنا فيها ثلاث مرات اللهم
ارزقنا جناها، وجنبنا وباها وذكر بقية الحديث مثل حديث عائشة، وفي مبارك أيضاً
مقال، لكن يعضد بعض هذه الطرق بعضاً.
(٣) ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ١٥٧/٢ من حديث عائشة وقال: رواه البزار وفيه
المغيرة بن زياد واختلف في الاحتجاج به. وقال أحمد: ضعيف الحديث، له مناكير،
وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم، وروى
الشافعي ١٤/١، والدار قطني ٢٤٢/١، والبيهقي ١٤٢/٣ عن عائشة قالت: كل ذلك قد
فعل رسول الله وَّر قصر الصلاة وأتم وفي سنده طلحة بن عمرو المكي وهو متروك؛
وأخرجه الدارقطني من طريق أخرى عن عائشة وفيه سعيد بن محمد بن ثواب وهو
مجهول.
٤٤٧

لِتُخالف رسول الله وََّ وجميعَ أصحابه، فتصليَ خلاف صلاتهم، كيف
والصحيح عنها أنها قالت: إن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجرَ
رسول الله وَ ل﴿ إلى المدينة، زِيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاةُ السفر (١)
فكيف يُظن بها مع ذلك أن تُصليَ بخلاف صلاة النبي ◌َ # والمسلمين معه.
قلت: وقد أتمَّت عائشةُ بعد موت النبيِ مَّ، قال ابن عباس وغيره:
إنها تأوَّلت كما تأوَّل عثمان(٢) وإن النبي ◌َِّ كان يقصُر دائماً، فركَّب بعضُ
الرواة من الحديثين حديثاً، وقال: فكان رسول اللّه بِّمُ يقصُر وتُتم هي، فغلط
بعضُ الرواة، فقال: كان يقصُرُ ويُتِمُّ، أي: هو.
والتأويل الذي تأولته قد اختُلِف فيه، فقيل: ظنت أن القصر مشروط
بالخوف في السفر، فإذا زال الخوفُ، زال سببُ القصر، وهذا التأويل غيرُ
صحيح، فإن النبي وَلّ سافر آمِناً وكان يقصرُ الصلاة، والآية قد أشكلت على
عُمر وعلى غيره، فسأل عنها رسول الله وَّةٍ، فأجابه بالشِّفاء وأن هذا صَدَقَةٌ
مِنَ اللّهِ(٣) وشرع شرعه للأمة، وكان هذا بيانَ أن حكم المفهوم غيرُ مراد،
(١) رواه البخاري ٢/ ٤٧٠، ومسلم (٦٨٥).
(٢) رواه البخاري ٤٧٠/٢ في التقصير: باب يقصر إذا خرج من موضعه، ومسلم
(٦٨٥) في أول صلاة المسافرين، من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة أن
الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر. قال
الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم في السفر، قال: إنها تأولت كما تأول
عثمان. وقال الحافظ: والمنقول أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصاً
بمن كان شاخصاً سائراً، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره، فله حكم المقيم
فيتم، والحجة فيه ما رواه أحمد ٩٤/٤ بإسناد حسن عن عباد بن عبد الله بن الزبير
قال: لما قدم علينا معاوية حاجاً، صلى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم انصرف إلى دار
الندوة، فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان، فقالا: لقد عبت أمر ابن عمك لأنه
كان قد أتم الصلاة، قال: وكان عثمان حين أتم الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر
والعصر والعشاء أربعاً أربعاً، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة، قصر الصلاة، فإذا فرغ
من الحج وأقام بمنى، أتم الصلاة.
(٣) رواه مسلم (٦٨٦) في صلاة المسافرين: باب صلاة المسافرين، وأبو داود =
٤٤٨

وان الجُناح مرتفعٌ في قصر الصلاة عن الآمِن والخائف، وغايتُه أنه نوع
تخصيص للمفهوم، أو رفع له، وقد يقال: إن الآية اقتضت قصراً يتناول قصرَ
الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنُّقصان ركعتين، وقُيِّدَ ذلك بأمرين: الضرب
في الأرض، والخوفِ، فإذا وُجدَ الأمرانِ، أبيحَ القصران، فيُصلُّون صلاةَ
الخوف مقصورة عددُها وأركانُها، وإن انتفى الأمرانِ، فكانوا آمنين مقيمين،
انتفى القصران، فيُصلُّون صلاة تامة كاملة، وإن وُجِدَ أحدُ السببين، ترتب
عليه قصرُه وحدَه، فإذا وُجِدَ الخوفُ والإِقامة، قُصرت الأركانُ، واستوفي
العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، فإن وجد السفرُ
والأمنُ، قُصِرَ العددُ واستوفي الأركان، وسميت صلاة أمن، وهذا نوع قَصْرٍ ،
وليس بالقصر المطلق، وقد تُسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد،
وقد تُسمى تامة باعتبار إتمام أركانها، وأنها لم تدخل في قصر الآية، والأول
اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين، والثاني يدل عليه كلام الصحابة،
كعائشة وابن عباس وغيرهما، قالت عائشة: فُرِضَتِ الصلاةُ ركعتين ركعتين،
فلما هاجر رسولُ اللهِ وَّ﴿ إلى المدينة، زيد في صلاة الحضر، وأُقِرَّتْ صلاة
السفر. فهذا يدل على أن صلاة السفر عندها غيرُ مقصورة من أربع، وإنما
هي مفروضة كذلك، وأن فرض المسافر ركعتان. وقال ابنُ عباس: فرضَ اللهُ
الصَّلاَةَ على لسان نبيكم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف
ركعة متفق على حديث عائشة، وانفرد مسلم بحديث ابن عباس (١).
وقال عمر رضي الله عنه: صلاةُ السفر ركعتان، والجمعة ركعتان،
(١١٩٩)، والترمذي (٣٠٣٧)، وابن ماجه (١٠٦٥) عن يعلى بن أمية قال: قلت
=
لعمر بن الخطاب: (ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم
الذين كفروا) فقد أمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله الخلي﴾
عن ذلك، فقال: ((صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته)).
(١) رواه مسلم (٦٨٧)، وأبو عوانة ٣٣٥/٢، وأحمد (٢١٢٤) و (٢١٧٧) و (٢٢٩٣)،
وأبو داود (١٢٤٧)، والنسائي ١٦٩/٣.
=
٤٤٩
زاد المعاد ج ١-م١٥

والعيد ركعتان، تمامٌ غيرُ قصرٍ على لسان محمد ◌َّ، وقد خاب من
افترى (١). وهذا ثابت عن عمر رضي الله عنه، وهو الذي سأل النبي ◌َّ: ما
بالُنا نقصُر وقد أمِنَّا؟ فقال له رسولُ اللهِ مَّةِ: ((صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ بِهَا اللَّهُ عَلَيْكُمْ،
فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ».
ولا تناقضَ بين حديثيه، فإن النبي ◌َّلَه لما أجابه بأن هذه صدقةُ الله
عليكم، ودِينُه اليسر السمح، عَلِم عمرُ أنه ليس المرادُ من الآية قصرَ العدد
كما فهمه كثير من الناس، فقال: صلاة السفر ركعتان، تمامٌ غير قصر. وعلى
هذا، فلا دلالة في الآية على أن قصر العدد مباح منفي عنه الجناح، فإن شاء
المصلي، فعله، وإن شاء، أتم.
وكان رسول الله ◌َّ يُواظب في أسفاره على ركعتين ركعتين، ولم يُربِّع
قطُّ إلا شيئاً فعله في بعض صلاة الخوف، كما سنذكره هناك، ونبين ما فيه إن
شاء الله تعالى.
وقال أنس: خرجنا مع رسول الله ◌َله من المدينة إلى مكة، فكان يُصلي
ركعتين ركعتين حتى رجَعْنَا إلى المدينة. متفق عليه (٢).
ولما بلغ عبد الله بن مسعود أن عثمانَ بن عفان صلَّى بمِنى أربعَ ركعات
قال: إنَّا لِلَّه وإنَّا إليه راجِعون، صليتُ مع رسول الله وَّةٍ بِمِنى ركعتين،
(١) رواه النسائي ١١٨/٣ في تقصير الصلاة، وابن ماجه (١٠٦٤) في إقامة الصلاة: باب
تقصير الصلاة في السفر، وأحمد ٣٧/١، والطيالسي ١٢٤/١ دون قوله: ((وقد خاب
من افتری» وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٥٤٤).
(٢) رواه البخاري ٤٦٣/٢ في التقصير: باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر،
ومسلم (٦٩٣) في صلاة المسافرين: باب صلاة المسافرين، والترمذي (٥٤٨) في
الصلاة: باب ما جاء في كم تقصر الصلاة، والنسائي ١٢١/٣ في تقصير الصلاة:
باب المقام الذي يقصر بمثله الصلاة، وابن ماجه (١٠٧٧) في إقامة الصلاة: باب
كم يقصر الصلاة المسافر إذا أقام ببلدة.
٤٥٠

وصليتُ مع أبي بكر بمِنى ركعتين، وصليتُ مع عمر بن الخطاب بِمِنى
ركعتين، فليت حظي مِن أربع ركعاتٍ رَكْعَتَانِ متقبَّلْتَانِ. متفق عليه (١). ولم
يكن ابنُ مسعود لِيسترجع مِن فعل عثمان أحد الجائزين المخيَّرِ بينهما، بل
الأولى على قول، وإنما استرجع لما شاهده مِن مداومة النبي ◌َّ وخُلفائه
على صلاة ركعتين في السفر.
وفي ((صحيح البخاري)) عن ابن عمر رضي الله عنه قال: صحبتُ
رسول الله رَ ﴾، فكان في السفر لا يَزيد على ركعتين، وأبا بكر وعُمَرَ
وعُثمان(٢). يعني في صدر خلافة عثمان، وإلا فعثمان قد أتم في آخر
خلافته، وكان ذلك أحدَ الأسباب التي أُنكِرت عليه. وقد خرج لفعله
تأويلات،
أحدها: أن الأعراب كانوا قد حجُّوا تلك السنة، فأراد أن يُعلِّمَهم أن
فرضَ الصلاة أربع، لئلا يتوهّموا أنها ركعتان في الحضر والسفر، ورُدَّ هذا
التأويلُ بأنهم كانوا أحرى بذلك في حج النبي ◌َِّ، فكانوا حديثي عهد
بالإِسلام، والعهدُ بالصلاة قريبٌ، ومع هذا، فلم يُربِّعْ بهم النبي ◌ِّد.
التأويل الثاني: أنه كان إماماً للناس، والإِمام حيث نزل، فهو عمله
ومحل ولايته، فكأنه وطنه، ورُدَّ هذا التأويل بأن إمام الخلائق على الإِطلاق
رسول الله وَّل﴿ كان هو أولى بذلك، وكان هو الإِمامَ المطلق، ولم يُربِّع.
التأويل الثالث: أن مِنى كانت قد بُنيت وصارت قرية كثر فيها المساكن
في عهده، ولم يكن ذلك في عهد رسول الله وَّة، بل كانت فضاءً، ولهذا قيل
(١) رواه البخاري ٢/ ٤٦٥ في التقصير: باب الصلاة بمنى، ومسلم (٦٩٥) في تقصير
الصلاة: باب قصر الصلاة بمنى، والنسائي ١٢٠/٣ في تقصير الصلاة: باب الصلاة
بمنی.
(٢) رواه البخاري ٤٧٦/٢ في التقصير: باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة.
٤٥١

له: يا رسول الله ألا نبني لك بمِنى بيتاً يُظِلُّكَ مِن الحر؟ فقال: ((لاَ. مِنَى
مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ))(١). فتأوَّل عثمانُ أن القصر إنما يكون في حال السفر. ورُدَّ
هذا التأويلُ بأن النبي ◌َّ أقام بمكة عشراً يقصُر الصلاة.
التأويل الرابع: أنه أقام بها ثلاثاً، وقد قال النبي ◌ََّ: ((يُقيمُ المُهَاجِرُ
بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلاثًا))(٢) فسماه مقيماً، والمقيم غيرُ مسافر، ورُدَّ هذا التأويلُ
بأن هذه إقامة مقيدة في أثناء السفر ليست بالإقامة التي هي قسيم السفر، وقد
أقام ◌َليّ بمكة عشراً يقصُر الصلاة، وأقام بمِنى بعد نُسُكه أيامَ الجِمار الثلاث
يقصُر الصَّلاة.
التأويل الخامس: أنه كان قد عزم على الإقامة والاستيطان بمِنى،
واتخاذِها دارَ الخلافة، فلهذا أتم، ثم بدا له أن يرجع إلى المدينة، وهذا
التأويل أيضاً مما لا يقوى، فإن عثمانَ رضي الله عنه من المهاجرين الأولين،
وقد مَنع ◌َّ المهاجرين من الإقامة بمكة بعد نُسكهم، ورخَّص لهم فيها ثلاثة
أيام فقط، فلم يكن عُثمانُ لِيقيم بها، وقد منع النبيُّ ◌َلَّ من ذلك، وإنما
رخّص فيها ثلاثاً وذلك لأنهم تركوها لله، وما تُرِكَ لله، فإنه لا يُعاد فيه، ولا
يُسترجع، ولهذا منع النبي ◌َّ مِن شراء المتصدِّق لصدقته، وقال لعمر: ((لا
(١) رواه الترمذي (٨٨١) في الحج: باب ما جاء في أن منى مناخ من سبق، وأبو داود
(٢٠١٩) في المناسك: باب تحريم حرم مكة، وابن ماجه (٣٠٠٦) في المناسك:
باب النزول بمنى، والحاكم ٤٦٦/١، ٤٦٧، والدارمي ٧٣/٢، وأحمد ١٨٧/٦
و٢٠٧ كلهم من حديث إبراهيم بن المهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه مسيكة
عن عائشة وإبراهيم بن المهاجر لين الحفظ، ومسيكة أم يوسف لا يعرف حالها، ولا
يعرف روى عنها غير ابنها، ومع ذلك فقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وحسنه
الترمذي.
(٢) رواه البخاري ٢٠٨/٧ في فضائل أصحاب النبي سر: باب إقامة المهاجر بمكة بعد
قضاء نسكه، ومسلم (١٣٥٢) في الحج: باب جواز الإقامة بمكة للمهاجرَ من
حديث العلاء بن الحضرمي.
٤٥٢

تَشْتَرِهَا، وَلا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ))(١). فجعله عائداً في صدقته مع أخذها بالثمن.
التأويل السادس: أنه كان قد تأهّل بمنى والمسافر إذا أقام في موضع،
وتزوج فيه، أو كان له به زوجة، أتم، ويُروى في ذلك حديث مرفوع، عن
النبي ◌َّ. فروى عكرمة بن إبراهيم الأزدي، عن ابن أبي ذُباب، عن أبيه
قال: صلى عثمان بأهل مِنى أربعاً وقال: يا أيُّها الناسُ! لما قَدِمتُ تأمَّلت
بها، وإني سمعتُ رسول الله بََّ يقول: ((إذا تَأهَّل الرَّجُل بِبَلْدَةٍ، فإنَّه يُصَلِّي
بها صلاةَ مُقيم)). رواه الإمام أحمد رحمه الله في ((مسنده)) (٢) وعبد الله بن
الزبير الحُميدي في ((مسنده)) أيضاً، وقد أعله البيهقي بانقطاعه، وتضعيفه
عكرمة بن إبراهيم. قال أبو البركات ابن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب
الضعف، فإن البخاري ذكره في ((تاريخه)) ولم يطعن فيه، وعادتُه ذكر الجرح
والمجروحين، وقد نص أحمد وابن عباس قبله أن المسافر إذا تزوج، لزمه
الإِتمام، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، وأصحابهما، وهذا أحسن ما اعتُذِر
به عن عثمان.
وقد اعتُذِرَ عن عائشة أنها كانت أمَّ المؤمنين، فحيث نزلت كان وطنها،
وهو أيضاً اعتذار ضعيف، فإن النبي وَ لّ أبو المؤمنين أيضاً، وأمومة أزواجه
فرع عن أبوته، ولم يكن يُتم لهذا السبب. وقد روى هشام بن عُروة، عن
أبيه، أنها كانت تُصلي في السفر أربعاً، فقلت لها: لو صليتِ ركعتين،
فقالت: يا ابن أختي! إنه لا يشق عليّ(٣).
(١) رواه البخاري ٢٧٩/٣ في الزكاة: باب هل يشتري صدقته، ومسلم (١٦٢١) في
الهبات: باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه، و ((الموطأ)»
٢٨٢/١ في الزكاة: باب اشتراء الصدقة والعود فيها، والنسائي ١٠٩/٥ في الزكاة:
باب شراء الصدقة من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) ٦٢/١ وإسناده ضعيف.
(٣) رواه البيهقي في (السنن الكبرى)) ١٤٣/٣ في الصلاة: باب من ترك القصر في
٤٥٣

قال الشافعي رحمه الله: لو كان فرضُ المسافر ركعتين، لما أتمها
عثمان، ولا عائشة، ولا ابنُ مسعود، ولم يَجُزْ أن يُتمها مسافر مع مقيم، وقد
قالت عائشة: كلُّ ذلك قد فعل رسول الله وَّر، أتم وقصر، ثم روى عن
إبراهيم بن محمد، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة
قالت: كُلُّ ذلك فعل النبي ◌َّر، قصر الصلاة في السفر وأتم (١).
قال البيهقي: وكذلك رواه المغيرة بن زياد، عن عطاء، وأصح إسناد
فيه ما أخبرنا أبو بكر الحارثي، عن الدارقطني، عن المحاملي، حدثنا
سعيد بن محمد بن ثواب، حدثنا أبو عاصم، حدثنا عمر بن سعيد، عن
عطاء، عن عائشة، أن النبي ◌َّ، كان يقصرُ في الصلاةِ ويُتم، ويُفطر،
ويصوم.
قال الدارقطني: وهذا إسناد صحيح (٢). ثم ساق من طريق أبي بكر
النيسابوري، عن عباس الدوري، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا العلاء بن زهير،
حدثني عبد الرحمن بن الأسود، عن عائشة، أنها اعتمرت مع النبي ◌َّر من
المدينة إلى مكة، حتى إذا قَدِمت مكة، قالت: يا رسول الله! بأبي أنتَ
وأمي، قصرتَ وأتممتُ، وصمتَ وأفطرتُ. قال: أحسنتِ يا عائشة(٣).
وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذبٌ على عائشة،
ولم تكن عائشة لتُصلي بخلاف صلاة رسول الله وَّر وسائر الصحابة، وهي
تُشاهدهم يقصُرون، ثم تُتُم هي وحدها بلا موجب. كيف وهي القائلة:
السفر غير رغبة عن السنة، وإسناده صحيح، وصححه الزيلعي، وابن حجر.
(١) رواه الشافعي في ((الأم)) ١٥٩/١، و((المسند)) ١١٤/١، والدار قطني ٢٤٢/١
والبيهقي ١٤٢/٣، وطلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي متروك.
(٢) رواه البيهقي ١٤١/٣، والدارقطني ١٨٩/٢، وصحح إسناده كما نقله عنه المصنف.
(٣) رواه البيهقي ١٤٢/٣، والدارقطني ١٨٨/٢ وإسناده صحيح، وانظر ((نصب الراية))
١٩١/٢.
٤٥٤

فُرِضتِ الصلاةُ ركعتين ركعتين، فَزِيد في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاةُ السفر.
فكيف يُظن أنها تزيد على ما فرض الله، وتُخالف رسول الله ◌َّه وأصحابه.
قال الزهري لعروة لما حدثه عنها بذلك: فما شأنها كانت تُتم الصلاة؟
فقال: تأولت كما تأول عثمان(١). فإذا كان النبي ◌ََّ قد حسَّن فِعلها وأقرَّها
عليه، فما للتأويل حينئذ وجه، ولا يصح أن يُضاف إتمامُها إلى التأويل على
هذا التقدير، وقد أخبر ابنُ عمر، أن رسول الله وَّةٍ، لم يكن يَزِيدُ في السفر
على ركعتين، ولا أبو بكر، ولا عمر (٢). أفيُظَنُّ بعائشة أم المؤمنين
مخالفتهم، وهي تراهم يقصرون؟ وأما بعد موته ◌ََّ، فإنها أتمت كما أتم
عثمان، وكلاهما تأول تأويلاً، والحجة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم
مع مخالفة غيره له والله أعلم.
وقد قال أميةُ بن خالد لعبد الله بن عمر: إنا نجد صلاة الحضر، وصلاة
الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر في القرآن؟ فقال له ابنُ عمر: یا
أخي! إن الله بعث محمداً ◌َّ، ولا نعلم شيئاً، فإنما نفعل كما رأينا
محمداً ◌َّ يفعل(٣).
وقد قال أنس: خرجنا مع رسول الله ◌َّ﴾ إلى مكة، فكان يُصلي ركعتينٍ
ركعتينٍ، حتى رجعنا إلى المدينة (٤).
وقال ابن عمر: صحبتُ رسولَ الله بسلة، فكان لا يزيد في السفر على
ركعتين، وأبا بكر وعمر، وعثمان رضي الله عنهم(٥)، وهذه كلُّها أحاديثُ
صحيحة .
(١) تقدم تخريجه ص ٤٤٨ من رواية البخاري ومسلم.
(٢) تقدم تخريجه ص٤٥١.
(٣) رواه البيهقي في ((السنن)) ١٣٦/٣ وإسناده حسن.
(٤)
تقدم تخريجه ص ٤٥٠ .
تقدم تخريجه ص٤٥١ .
(٥)
٤٥٥

كان يقتصر في سفره
على الفرض والوتر
وسنة الفجر من الرواتب
فصل
وكان من هديه وَل* في سفره الاقتصارُ على الفرض، ولم يُحفظ عنه أنه
صلى سُنة الصلاة قبلَها ولا بعدَها، إلا ما كان من الوتر وسنة الفجر، فإنه لم يكن
ليدعهما حَضراً، ولا سفراً. قال ابنُ عمر وقد سئل عن ذلك: فقال: صحبتُ
النبي ◌ََّ، فلم أره يُسبِّح في السفر، وقال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولٍ
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١](١) ومراده بالتسبيح: السنة الراتبة، وإلا فقد
صحَّ عنهِ وَلّ، أنه كان يُسبِّح على ظهر راحلته حيث كان وجهه. وفي
((الصحيحين))، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ◌َّ يُصلي في السفر على
راحلته حيثُ توجهت، يُومىء إيماءً صلاة الليل، إلا الفرائضَ ويُوتر على
راحلته (٢).
قال الشافعي رحمه الله: وثبت عن النبي لة، أنه كان يتنفل ليلاً، وهو
يقصُر، وفي ((الصحيحين)): عن عامر بن ربيعة، أنه رأى النبي ◌ُّله يُصلي السُّبحة
بالليل في السفر على ظهر راحلته (٣). فهذا قيام الليل.
وسئل الإمام أحمد رحمه الله، عن التطوع في السفر؟ فقال: أرجو أن لا
ء
يكون بالتطوع في السفر بأسٌ، ورُوي عن الحسن قال: كان أصحابُ
رسول الله وَلم يُسافرون، فيتطوّعون قبل المكتوبة وبعدها (٤)، وروي هذا عن
(١) رواه البخاري ٤٧٦/٢ في التقصير: باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة، ومسلم
(٦٨٩) في صلاة المسافرين: باب صلاة المسافرين.
(٢) رواه البخاري ٤٠٧/٢ في الوتر: باب: الوتر في السفر، و ٤٧٤ في التقصير: باب
ينزل للمكتوبة، ومسلم (٧٠٠) في صلاة المسافرين: باب جواز صلاة النافلة على
الدابة في السفر.
(٣) رواه البخاري ٤٧٤/٢ في التقصير: باب ينزل للمكتوبة، ومسلم (٧٠١) في صلاة
المسافرين: باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت.
(٤) هو مرسل لأن الحسن لم يدرك رسول الله
٤٥٦

عمر، وعلي، وابنٍ مسعود، وجابرٍ، وأنس، وابنِ عباس، وأبي ذر.
وأما ابنُ عمر، فكان لا يتطوَّع قبلَ الفريضة ولا بعدَهَا، إلا مِن جوف الليل
مع الوتر، وهذا هو الظاهر من هدي النبي ◌ّ أنه كان لا يُصلي قبل الفريضة
المقصورة ولا بعدها شيئاً، ولكن لم يكن يمنعُ من التطوع قبلها ولا بعدها، فهو
كالتطوع المطلق، لا أنه سنة راتبة للصلاة، كسنة صلاة الإقامة، ويؤيد هذا أن
الرباعية قد خُففت إلى ركعتين تخفيفاً على المسافر، فكيف يجعل لها سنة راتبة
يُحافظ عليها وقد خفف الفرض إلى ركعتين، فلولا قصد التخفيف على المسافر،
وإلا كان الإِتمام أولى به، ولهذا قال عبد الله بن عمر: لو كنت مسبِّحاً، لأتممتُ،
وقد ثبت عنه وَّر، أنه صلى يوم الفتح ثمان ركعات ضُحى، وهو إذ ذاك مسافر.
وأما ما رواه أبو داود والترمذي في السنن، من حديث الليث، عن
صفوان بن سليم، عن أبي بُسرة الغفاري، عن البراء بن عازب، قال: سافرتُ
مع رسول الله وَّل ثمانيةَ عشر سفراً، فلم أره ترك ركعتين عند زَيْغِ الشمس
قبل الظهر(١). قال الترمذي: هذا حديث غريب. قال: وسألت محمداً عنه،
فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد، ولم يعرف اسم أبي بسرة ورآه
حسناً. وبسرة: بالباء الموحدة المضمومة، وسكون السين المهملة.
وأما حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي ◌َس® كان لا يدعُ أربعاً قبل
الظهر، وركعتينٍ بعدها، فرواه البخاري في ((صحيحه))(٢) ولكنه ليس بصريح
في فعله ذلك في السفر، ولعلها أخبرت عن أكثر أحواله وهو الإقامة،
والرجال أعلم بسفره من النساء، وقد أخبر ابن عمر أنه لم يزد على ركعتين،
(١) رواه أبو داود (١٢٢٢) في الصلاة: باب التطوع في السفر، والترمذي (٥٥٠) في
الصلاة: باب ما جاء في التطوع في السفر، وفي سنده أبو بسرة الغفاري وثقه
العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجاله ثقات، وفي الباب عن ابن عمر
عند الترمذي (٥٥٢) وحسنه.
(٢) تقدم تخريجه من رواية البخاري في أبواب التطوع ص٢٩٨ .
٤٥٧

ولم يكن ابن عمر يُصلي قبلها ولا بعدَها شيئاً. والله أعلم.
فصل
صلاته على راحلته
وكان من هديه ◌َّ صلاةُ التطوع على راحلته حيث توجّهت به، وكان
يُومىء إيماءً برأسه في ركوعه، وسجوده، وسجودُه أخفضُ مِن ركوعه، وروى
أحمد وأبو داود عنه، مِن حديث أنس، أنه كان يستقبِل بناقته القِيلَة عند تكبيرة
الافتتاح، ثم يُصلي سائرَ الصلاة حيث توجّهت به (١). وفي هذا الحديث نظر،
وسائر من وصف صلاته بَّ على راحلته، أطلقوا أنه كان يُصلي عليها قِبَلَ أيِّ
جهة توجّهت به، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإِحرام ولا غيرَها، كعامر بن
ربيعة، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأحاديثُهم أصحُّ مِن حديث أنس
هذا، والله أعلم.
وصلى على الراحلة، وعلى الحمار إن صح عنه، وقد رواه مسلم في
«صحیحه)) من حديث ابن عمر (٢).
وصلى الفرضَ بهم على الرواحل لأجل المطر والطين إن صح الخبرُ
بذلك، وقد رواه أحمد والترمذي والنسائي أنه عليه الصلاة والسلام انتهى إلى
مضيق هو وأصحابُه وهو على راحلته، والسَّماءُ مِن فوقهم، والبِلَّةُ من أسفلَ
(١) رواه أحمد في ((المسند)) ٢٠٣/٣، وأبو داود (١٢٢٥) في الصلاة: باب التطوع على
الراحلة والوتر، وإسناده حسن، وحسنه المنذري، وصححه غير واحد.
(٢) أخرجه مسلم (٧٠٠) (٣٥) في صلاة المسافرين: باب جواز صلاة النافلة على
الدابة، عن مالك عن عمرو بن يحيى المازني، عن سعيد بن يسار عن ابن عمر
قال: رأيت رسول الله صل على حمار وهو موجه إلى خيبر. قال الدارقطني وغيره:
هذا غلط من عمر بن يحيى المازني قالوا: وإنما المعروف في صلاة النبي ◌َُّ على
راحلة أو على البعير، والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس كما ذكره
مسلم (٧٠٢).
٤٥٨

منهم، فحضرتُ الصلاةُ، فأمر المؤذِّن فأذن، وأقام، ثم تقدَّم رسول الله لنَّاس على
راحلته، فصلى بهم يُومى إيماءً، فجعل السجود أخفضَ من الركوع(١). قال
الترمذي: حديث غريب، تفرد به عمر بن الرماح، وثبت ذلك عن أنس من فعله.
فصل
الجمع بين الصلاتين
وكان من هديه ◌َّه، أنه إذا ارتحل قبل أن تَزيغ الشمسُ، أخَّر الظهر إلى
وقت العصر، ثم نزل، فجمع بينهما، فإن زالت الشمسُ قبل أن يَرَتَحِلَ، صلَّى
الظهر، ثم ركب. وكان إذا أعجله السيرُ، أخّر المغربَ حتى يجمع بينها وبين
العشاء في وقت العشاء. وقد رُوي عنه في غزوة تبوك، أنه كان إذا زاغت الشمسُ
قبل أن يرتحِل، جمع بين الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخّر
الظهر حتى ينزل للعصر، فيصليهما جميعاً، وكذلك في المغرب والعشاء، لكن
اختلف في هذا الحديث، فمن مصحح له، ومن محسن، ومن قادح فيه، وجعله
موضوعاً كالحاكم، وإسناده على شرط الصحيح، لكن رُمي بعلَّة عجيبة، قال
الحاكم: حدثنا أبو بكر بن محمد بن أحمد بن بالويه، حدثنا موسى بن هارون،
حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي
كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن
وسة
الطُّفيل، عن معاذ بن جبل، أن النبي
إعلال عجيب للحاكم
لحديث صحيح
(١) رواه أحمد ١٧٤/٤، والترمذي (٤١١) في الصلاة: باب ما جاء في الصلاة على
الدابة في الطين والمطر، وفي سنده عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة وهو مستور،
وأبوه عثمان بن يعلى مجهول كما قال الحافظ في ((التقريب)) وقال الترمذي: هذا
حديث غريب تفرد به عمر بن الرماح البلخي لا يعرف إلا من حديثه، وقد روى عنه
غير واحد من أهل العلم .. وكذا روي عن أنس بن مالك أنه صلى في ماء وطين
على دابته. والعمل على هذا عند أهل العلم وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال أبو
بكر بن العربي: حديث يعلى ضعيف السند صحيح المعنى قال: الصلاة على الدابة
بالإيماء صحيحة إذا خاف من خروج الوقت، ولم يقدر على النزول لضيق الموضع،
أو لأنه عليه الطين والماء.
٤٥٩

تزِيغ الشمس، أخَّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، ويُصليَهما جميعاً، وإذا
ارتحل بعد زيغ الشمس، صلى الظهر والعصر جميعاً، ثم سار، وكان إذا ارتحل
قبل المغرب، أخَّر المغرب حتى يُصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب،
عجل العشاء فصلاًّها مع المغرب(١). قال الحاكم: هذا الحديث رواته أئمة
ثقات، وهو شاذ الإِسناد والمتن، ثم لا نعرف له علة نُعله بها. فلو كان الحديث
عن الليث، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، لعللنا به الحديث. ولو كان عن
يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، لعللنا به، فلما لم نجد له العلتين، خرج عن
أن يكون معلولاً، ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية،
ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عن أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عن أحد
ممن روى عن معاذ بن جبل غير أبي الطفيل، فقلنا: الحديث شاذ. وقد حدثوا
عن أبي العباس الثقفي قال: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا: على هذا الحديث علامةٌ
أحمد بن حنبل، وعليٍّ بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة،
وأبي خيثمة، حتى عد قتيبة سبعة من أئمة الحديث كتبوا عنه هذا الحديث، وأئمة
الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجّباً من إسناده ومتنه، ثم لَمْ يَبلُغْنَا عن أحد منهم
أنه ذكر للحديث عِلَّة، ثم قال: فنظرنا فإذا الحديث موضوع، وقتيبة ثقة مأمون،
ثم ذكر بإسناده إلى البخاري. قال: قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن
الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ قال: كتبته مع خالد بن
القاسم أبي الهيثم المدائني. قال البخاري: وكان خالد المدائني يُدخل الأحاديث
على الشيوخ.
قلت: وحکمه بالوضع علی هذا الحدیث غیرُ مسلّم، فإن أبا داود رواه عن
(١) ذكره الحاكم في كتابه ((علوم الحديث)) وأخرجه أحمد وأبو داود (١٢٢٠) والترمذي
(٥٥٣)، قال الحافظ في ((الفتح)) ٤٨٠/٢: وقد أعله جماعة من أئمة الحديث بتفرد
قتيبة عن الليث، وأشار البخاري إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة، حكاه
الحاكم في ((علوم الحديث)).
٤٦٠