النص المفهرس
صفحات 421-440
بقوله: إن رسول الله ◌َّليل كان يفعل ذلك: أنه كان يُصلي الركعتين بعد الجمعة في بيته لا يُصليهما في المسجد، وهذا هو الأفضل فيهما، كما ثبت في ((الصحيحين)) عن ابن عمر أن رسول الله يلر كان يُصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته. وفي ((السنن)) عن ابن عمر، أنه إذا كان بمكة، فصلى الجمعة، تقدم، فصلّى ركعتين، ثم تقدم فصلَّى أربعاً، وإذا كان بالمدينة، صلى الجمعة، ثم رجع إلى بيته، فصلَّى ركعتين، ولم يُصل بالمسجد، فقيل له، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل ذلك(١). وأما إطالة ابن عمر الصلاة قبل الجمعة، فإنه تطوعٌ مطلق، وهذا هو الأولى لمن جاء إلى الجمعة أن يشتغل بالصلاة حتى يخرج الإِمام، كما تقدم من حديث أبي هريرة، ونُبيشة الهذلي عن النبي ◌َّ . قال أبو هريرة عن النبي ◌َّ: ((من اغتسل يوم الجمعة، ثم أتى المسجدَ، فصلَّى ما قُدِّرَ له، ثم أنصتَ حتى يَفْرُغَ الإِمامُ من خُطبته، ثم يُصلي معه، غُفِرَ له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضلُ ثلاثة أيَّامٍ))(٢). وفي حديث نُبيشة الهذلي: ((إن المسلمَ إذا اغتسل يومَ الجمعة، ثمّ أقبلَ إلى المسجد لا يُؤذي أحداً، فإن لم يجد الإِمام خَرج، صلَّى ما بدا له، وإن وجد الإِمامَ خرج، جلس، فاستمع وأنصت حتى يقضيَ الإِمامُ جمعته وكلامَه، إن لم يُغفر له في جُمعته تلك ذنوبه كلُّها أَنْ تكون كَفَّارةً للجمعة التي تليها)»(٣) هكذا كان هديُ الصحابة رضي الله عنهم. قال ابن المنذر: روينا عن ابن عمر: أنه كان يُصلي قبل الجمعة ثِنتي عشرة ركعة (٤). (١) رواه أبو داود (١١٣٠) في الصلاة: باب الصلاة بعد الجمعة وإسناده حسن. (٢) أخرجه مسلم (٨٥٧) في الجمعة: باب فضل من استمع وأنصت في الخطبة. (٣) تقدم تخريجه ص٣٧٤ وهو في ((المسند)) ٧٥/٥. تقدم تخريجه في صلاة التطوع. (٤) ٤٢١ وعن ابن عباس، أنه كان يصلي ثمان ركعات(١). وهذا دليل على أن ذلك كان منهم من باب التطوع المطلق، ولذلك اختلف في العدد المروي عنهم في ذلك، وقال الترمذي في ((الجامع)): ورُوي عن ابن مسعود، أنه كان يُصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً(٢). وإليه ذهب ابنُ المبارك والثوريُّ. وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانىء النيسابوري: رأيتُ أبا عبد الله، إذا كان يوم الجمعة يُصلي إلى أن يعلمَ أن الشمس قد قاربت أن تزول، فإذا قاربت، أمسك عن الصلاة حتى يُؤْذِّنَ المؤذِّن، فإذا أخذ في الأذان، قام فصلى ركعتين أو أربعاً، يَفصِل بينهما بالسلام، فإذا صلى الفريضة، انتظر في المسجد، ثم يخرج منه، فيأتي بعض المساجد التي بحضرة الجامع، فيُصلي فيه ركعتين، ثم يجلس، وربما صلَّى أربعاً، ثم يجلس، ثم يقوم، فيصلي ركعتين أخريين، فتلك ست ركعات على حديث علي، وربما صلى بعد الست ستاً أخر، أو أقل، أو أكثر. وقد أخذ من هذا بعضُ أصحابه رواية: أن للجمعة قبلها سنة ركعتين أو أربعاً، وليس هذا بصريح، بل ولا ظاهر، فإن أحمد كان يُمسك عن الصلاة في وقت النهي، فإذا زال وقت النهي، قام فأتم تطوعه إلى خروج الإِمام، فربما أدرك أربعاً، وربما لم يُدرك إلا ركعتين. ومنهم من احتج على ثبوت السنة قبلها، بما رواه ابن ماجه في ((سننه)) حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا يزيد بن عبد ربِّه، حدثنا بقية، عن مبشر بن عبيد، عن حجاج بن أرطاة، عن عطية العَوْفي، عن ابن عباس، قال: كان النبيِ وَ لهل يركع قبل الجُمعة أربعاً، لا يفصِل بينها في شيء منها. قال ابن (١) تقدم تخريجه في صلاة التطوع. ذكره الترمذي بعد الحديث (٥٢٣) في الصلاة: باب ما جاء في الصلاة قبل الجمعة (٢) وبعدها، فقال: وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعاً. وأخرجه عبد الرزاق (٥٥٢٤) عن معمر عن قتادة أن ابن مسعود كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات وبعدها أربع ركعات، وقتادة لم يسمع من ابن مسعود وأخرج عبد الرزاق أيضاً (٥٥٢٥) عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كان عبد الله يأمرنا أن نصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً، وسنده صحيح. ٤٢٢ ماجه: باب الصلاة قبل الجمعة، فذكره(١). وهذا الحديث فيه عدة بلايا، إحداها: بقية بن الوليد: إمام المدلسين وقد عنعنه، ولم یصرح بالسماع. الثانية: مبشر بن عُبيد، المنكر الحديث. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: شيخ كان يقال له: مبشر بن عبيد كان بحمص، أظنه كوفياً، روى عنه بقية، وأبو المغيرة، أحاديثُه أحاديث موضوعة كذب. وقال الدارقطني: مبشر بن عبيد متروك الحديث، أحاديثه لا يتابع عليها. الثالثة: الحجاج بن أرطاة الضعيف المدلس. الرابعة: عطية العوفي، قال البخاري: كان هشيم يتكلم فيه، وضعفه أحمد وغيره. وقال البيهقي: عطية العَوْفي لا يحتج به، ومبشر بن عبيد الحمصي منسوب إلى وضع الحديث، والحجاج بن أرطاة، لا يحتج به. قال بعضهم: ولعل الحديث انقلب على بعضٍ هؤلاء الثلاثة الضعفاء، لعدم ضبطهم وإتقانهم، فقال: قَبْلَ الجُمُعة أربعاً، وإنما هو بعد الجمعة، فيكون موافقاً لما ثبت في ((الصحيح)) ونظير هذا: قول الشافعي في رواية عبد الله بن عمر العمري: ((للفارس سهمان، وللراجل سهم)). قال الشافعي: كأنه سمع نافعاً يقول: للفرس سهمان، وللراجل سهم، فقال: للفارس سهمان، وللراجل سهم. حتى يكون موافقاً لحديث أخيه عبيد الله، قال: وليس يشكُّ أحد من أهل العلم في تقديم عبيد الله بن عمر على أخيه عبد الله في الحفظ. ذكر بعض الأحاديث المقلوبة قلت: ونظير هذا ما قاله شيخُ الإسلام ابن تيمية في حديث أبي هريرة (لا تَزَالُ جَهَّمُ يُلْقَى فِيهَا، وهي تَقُول: هَلْ مِنْ مَزيد؟ حتى يَضَعَ ربُّ العِزَّةِ فيها قدمَه، فَيَزْوِي بَعْضُها إلى بَعْض، وتقول: قَطْ، قَطْ. وأما الجنةُ: فيُنشىء (١) رواه ابن ماجه (١١٢٩) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في الصلاة قبل الجمعة، وإسناده ضعيف جداً. قال البوصيري في ((الزوائد)»: إسناده مسلسل بالضعفاء. ٤٢٣ الله لها خلقاً))(١) فانقلب على بعض الرواة فقال: أما النار، فينشىء الله لها خلقاً. قلت: ونظيرُ هذا حديثُ عائشة ((إن بلالاً يُؤْذِّن بِلَيل، فكُلُوا واشرَبُوا حتى يُؤذِّن ابنُ أم مكتوم)) وهو في ((الصحيحين))(٢)، فانقلب على بعض الرواة، فقال: ابنُ أم مكتوم يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن بلال)». ونظيره أيضاً عندي حديث أبي هريرة ((إذا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلاَ يَبْرُدْ كمَا بَيْرُكُ الْبَعِيرُ وليضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكِبَتَيْهِ»(٣) وأظنه وَهِمَ - والله أعلم - فيما قاله رسولُه الصادق المصدوق، ((وليضع ركبتيه قبل يديه)). كما قال وائل بن حُجر: كان رسولُ الله ◌َ﴿ إذا سجد، وضع ركبتيه قبل يديه (٤). وقال الخطابي وغيره: وحديثُ وائل بن حُجر، أصح من حديث أبي هريرة. وقد سبقت المسألة مستوفاة في هذا الكتاب والحمد لله. وكان ◌َّيّ إذا صلى الجمعة، دخل إلى منزله، فصلى ركعتين سُنَّتَها، السنة بعد الجمعة (١) رواه البخاري ٤٥٨/٨ في تفسير سورة (ق): باب قوله: (وتقول هل من مزيد)، ومسلم (٢٨٤٦) في الجنة: باب النار يدخلها الجبارون، والترمذي (٢٥٦٠) في الجنة: باب ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار. (٢) رواه البخاري ٨٧/٢ في الأذان: باب الأذان قبل الفجر، وفي الصوم: باب قول النبي ◌َ ◌ّ لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ومسلم (١٠٩٢) في الصيام: باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر. (٣) رواه أبو داود (٨٤٠) و (٨٤١) في الصلاة: باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه، والنسائي ٢٠٧/٢ في الافتتاح: باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده، والترمذي (٢٦٩) في الصلاة: باب ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين في السجود وأحمد في ((المسند)) ٣٨١/٢، وهو حديث صحيح، وقد أخطأ المؤلف رحمه الله في فهمه، فظن أنه وهم، وقد تقدم تفصيل ذلك. (٤) رواه الترمذي (٢٦٨) في الصلاة: باب ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين في السجود، وأبو داود (٨٣٨) في الصلاة: باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه، والنسائي ٢٠٧/٢ في الافتتاح: باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده، وفي سنده شريك القاضي وهو سيء الحفظ . ٤٢٤ وأمر مَنْ صلاها أن يُصليَ بعدها أربعاً. قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية: إن صلى في المسجد، صلى أربعاً، وإن صلى في بيته، صلى ركعتين. قلتُ: وعلى هذا تدل الأحاديث، وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر أنه كان إذا صلَّى في المسجد، صلى أربعاً، وإذا صلى في بيته، صلى ركعتين(١). وفي ((الصحيحين)): عن ابن عمر، أن النبي ◌ّ، كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته(٢). وفي ((صحيح مسلم))، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َِّ، ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الجُمُعَةِ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ))(٣). والله أعلم. فصل في هديه رقم٣ في العيدين كان ◌َّه يُصلي العيدين في المُصَلَّى، وهو المصلَّى الذي على باب المدينة الشرقي، وهو المصلَّى الذي يُوضع فيه مَحْمِلُ الحاج، ولم يُصلِّ العيدَ بمسجده إلا مرةً واحدة أصابهم مطر، فصلَّى بهم العيدَ في المسجد إن ثبت الحديث، وهو في سنن أبي داود وابن ماجه(٤)، وهديُه كان فِعلهما في المصلَّى دائماً. وكان يلبَس للخروج إليهما أجملَ ثيابه، فكان له حُلَّة يلبَسُها للعيدين (١) رواه أبو داود (١١٣٠) في الصلاة: باب الصلاة بعد الجمعة، وإسناده قوي. (٢) رواه البخاري ٣٥٤/٢ في الجمعة: باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها، ومسلم (٨٨٢) في الجمعة: باب الصلاة بعد الجمعة، والترمذي (٥٢١) في الصلاة: باب ما جاء في الصلاة قبل الجمعة وبعدها، وأبو داود (١١٣٢) في الصلاة: باب الصلاة بعد الجمعة، والنسائي ١١٣/٣ في الجمعة: باب صلاة الإمام بعد الجمعة. (٣) رواه مسلم (٨٨١). (٤) رواه أبو داود (١١٦٠) في الصلاة: باب يصلي بالناس في المسجد إذا كان يوم مطر، وابن ماجه (١٣١٣) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في صلاة العيد في المسجد إذا كان مطر. وفي سنده عيسى بن عبد الأعلى بن أبي فروة وهو مجهول، وكذا شيخه أبو يحيى عبيد الله التيمي. ٤٢٥ والجمعة، ومرة كان يَلبَس بُردَيْن أخضرين، ومرة بُرداً أحمر، وليس هو أحمرَ مُصمَتاً كما يظنُّه بعضُ الناس، فإنه لو كان كذلك، لم يكن بُرداً، وإنما فيه خطوط حمر كالبرود اليمنية، فسمي أحمر باعتبار ما فيه من ذلك. وقد صح عنه بَّ مِن غير معارضٍ النهيُ عن لُبس المعصفر والأحمر، وأمر عبد الله بن عمرو لما رأى عليه ثوبين أحمرين أن يَحرِقَهما (١) فلم يكن ليكره الأحمر هذه الكراهة الشديدة ثم يلبَسُه، والذي يقُوم عليه الدليل تحريمُ لِباس الأحمر، أو كراهيتُه كراهية شديدة. وكان ◌َّه يَأْكُل قبلَ خروجه في عيد الفطر تمراتٍ، ويأكلهن وتراً، وأما في عيد الأضحى، فكان لا يَطْعَمُ حتى يَرجِعَ مِن المصلَّى، فيأكل من أُضحيته. وکان يغتسل للعيدين، صح الحديث فيه، وفيه حديثان ضعيفان: حديث ابن عباس، من رواية جُبارة بن مُغَلِّس (٢)، وحديث الفاكِه بن سعد، من رواية يوسف بن خالد السمتي(٣). ولكن ثبت عن ابن عمر مع شِدة اتِّباعه للسُنَّة، أنه کان یغتسل یوم العید قبل خروجه (٤) وكان ◌ٍَّ يخرج ماشياً، والعَنَزَةُ تُحمل بين يديه، فإذا وصل إلى المصلَّى، نُصِبت بين يديه ليصليَ إليها، فإن المصلَّى كان إذ ذاك فضاءً لم يكن فيه بناءٌ ولا حائط، وكانت الحربةُ سُترتَه(٥). (١) رواه مسلم (٢٠٧٧)، (٢٢) في اللباس: باب النهي عن لبس الرجل الثوب المعصفر، والنسائي ٢٠٣/٨ في الزينة: باب ذكر النهي عن لبس المعصفر. (٢) رواه ابن ماجه (١٣١٥) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في الاغتسال في العيدين ولفظه قال: كان رسول الله ◌َّر يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى. وجبارة بن المغلس ضعيف، وشيخه حجاج بن تميم ضعيف أيضاً. (٣) رواه ابن ماجه (١٣١٦) ويوسف بن خالد السمتي كذبه غير واحد، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث. (٤) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ١٧٧/١ في العيدين: باب العمل في غسل العيدين، وإسناده صحيح، وهو في ((المصنف)) (٥٧٥٤). (٥) رواه البخاري ٣٨٦/٢ في العيدين: باب حمل العنزة أو الحربة بين يدي الإمام يوم العيد، وابن ماجه (١٣٠٤) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في الحربة يوم العيد واللفظ له من حديث ابن عمر. ٤٢٦ وكان يُؤَخِّر صلاة عيد الفطر، ويُعجِّل الأضحى، وكان ابنُ عمر مع شدة اتباعه للسنة، لا يخرُج حتى تطلع الشمسُ، ويُكبِّر من بيته إلى المصلى. وكان مَّيّ إذا انتهى إلى المصلَّى، أخذ في الصلاة من غير أذان ولا إقامة (١) ولا قول: الصلاة جامعة، والسنة: أنه لا يُفعل شيء من ذلك. ولم يكن هو ولا أصحابُه يُصلون إذا انتهوا إلى المصلَى شيئاً قبل الصلاة ولا (٢) بعدها (٢). وكان يبدأ بالصلاة قبلَ الخُطبة، فيُصلِّي ركعتين، يكبِّر في الأولى سبعَ تكبيرات مُتوالية بتكبيرة الافتتاح، يسكُت بين كُل تكبيرتين سكتةً يسيرة، ولم يُحفَظُ عنه ذكرٌ معين بين التكبيرات، ولكن ذُكرَ عن ابن مسعود أنه قال: يَحمَدُ اللَّهَ، ويُثني عليه، ويصلِّي على النبي ◌ِّ، ذكرهَ الخلال. وكان ابنُ عمر مع تحريه للاتباع، یرفع یدیه مع كُلِّ تكبيرة. وكان ◌ِّيّ إذا أتم التكبير، أخذ في القراءة، فقرأ فاتحة الكتاب، ثم قرأ بعدها (ق والقرآن المجيد) في إحدى الركعتين، وفي الأخرى، (اقتربَت السَّاعَةُ وانشقَّ القَمَرُ)(٣). (١) أخرجه البخاري ٣٧٥/٢، ٣٧٧، ومسلم (٨٨٦) (٦) من حديث عطاء، عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى، وأخرجه مسلم (٨٨٧) وأبو داود (١١٤٨) والترمذي (٥٣٢) من حديث جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله وَّر العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة. (٢) رواه البخاري ٣٩٦/٢ في العيدين: باب الصلاة قبل العيد وبعدها، والترمذي (٥٣٧) في الصلاة: باب ما جاء لا صلاة قبل العيد ولا بعدها، والنسائي ١٩٣/٣ في العيدين: باب الصلاة قبل العيدين وبعدها، وابن ماجه (١٢٩١) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها. كلهم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفي الباب عن أبي سعيد الخدري، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. (٣) رواه مسلم (٨٩١) في العيدين: باب ما يقرأ به في صلاة العيدين من حديث أبي واقد الليثي، والنسائي ١٨٤/٣ في العيدين: باب القراءة في العيدين بـ (ق، = ٤٢٧ وربما قرأ فيهما (سبِّح اسمَ ربِّك الأعلى)، و (هل أتاك حديثُ الغَاشية)(١) صح عنه هذا وهذا، ولم يَصِحّ عنه غيرُ ذلك. فإذا فرغ من القراءة، كبّر وركع، ثم إذا أكمل الركعة، وقام من السجود، كبَّر خمساً متوالية، فإذا أكمل التكبيرَ، أخذ في القراءةِ، فيكون التكبيرُ أَوَّل ما يبدأ به في الركعتين، والقراءة يليها الركوع، وقد رُوي عنه رَّل أنه والى بين القراءتين، فكبر أولاً، ثم قرأ وركع، فلما قام في الثانية، قرأ وجعل التكبير بعد القراءة، ولكن لم يثبت هذا عنه، فإنه من رواية محمد بن معاوية النيسابوري. قال البيهقي : رماه غيرُ واحد بالكذب. وقد روى الترمذي من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده، أن رسول الله وَّرَ كَبَّر في العيدين في الأولى سبعاً قَبْلَ القِرَاءَةِ، وفي الآخِرَة خمساً قَبْلَ القراءة(٢). قال الترمذي: سألت محمداً يعني البخاريّ عن هذا الحديث، قال: ليس في الباب شيء أصحَّ مِن هذا، وبه أقول، وقال: وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده في هذا الباب، هو صحيح أيضاً. واقتربت)، والترمذي (٥٣٤) في الصلاة: باب ما جاء في القراءة في العيدين، وابن = ماجه (١٢٨٢) في إقامة الصلاة باب ما جاء في القراءة في صلاة العيدين. (١) رواه مسلم (٨٧٨) في الجمعة، وعبد الرزاق (٥٧٠٦)، والترمذي (٥٣٣)، والنسائي ١٨٤/٣، وابن ماجه (١٢٨١) من حديث النعمان بن بشير. (٢) أخرجه الترمذي (٥٣٦) في الصلاة: باب التكبير في العيدين، وابن ماجه (١٢٧٩) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في كم يكبر الإِمام في صلاة العيدين، والدار قطني ١٨١/١، والطحاوي ٣٩٩/٢، والبيهقي ٢٨٦/٣ من حديث كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده وإسناده ضعيف لكلامهم في كثير بن عبد الله، وإنما حسنه الترمذي الشواهده الكثيرة ففي الباب عن عائشة أخرجه أبو داود (١١٤٩)، وابن ماجه -(١٢٨٠)، والطحاوي ٣٩٩/٢، والحاكم ٢٩٨/١، والدار قطني ١٨١/١، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد ٢/ ١٨٠ ، وأبي داود (١١٥١)، وابن ماجه (١٢٧٨)، وسنده حسن، وانظر ((نصب الراية)) ٢١٦/٢، ٢١٩. ٤٢٨ قلت: يُريد حديثه أن النبي ◌َّ كَبَّر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة، سبعاً في الأُولى، وخمساً في الآخرة، ولم يُصل قبلها ولا بعدها. قال أحمد: وأنا أذهب إلى هذا. قلت: وكثير بن عبد الله بن عمرو هذا ضرب أحمد على حديثه في ((المسند)) وقال: لا يُساوي حديثُه شيئاً، والترمذي تارة يُصحح حديثه، وتارة يُحسنه، وقد صرح البخاريُّ بأنه أصحُّ شيء في الباب، مع حكمه بصحة حديث عمرو بن شعيب، وأخبر أنه يذهب إليه. والله أعلم. كان يخطبهم في العيد قائماً على الأرض وكان ◌َّة إذا أكمل الصلاةَ، انصرف، فقام مُقابِل الناس، والناسُ جلوس على صفوفهم، فيعِظهم ويُوصيهم، ويأمرهم وينهاهم، وإن كان يُريد أن يقطع بعثاً قطعه، أو يأمر بشيء أمر به (١). ولم يكن هُنالك مِنبر يرقى عليه، ولم يكن يُخْرِجُ منبر المدينة، وإنما كان يخطبهم قائماً على الأرض، قال جابر: شهِدتُ مع رسولِ الله وَّ الصلاة يومَ العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر بتقوى الله، وحثَّ على طاعته، ووعظ النَّاس، وذكَّرهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكَّرهُن، متفق عليه (٢). وقال أبو سعيد الخُدري: كانَ النبيُّ نَّهَ يخرُج يوم الفِطر والأضحى إلى المُصلَّى، فأول ما يَبدأُ به الصَّلاةُ، ثم ينصرِفُ، فيقُوم مقابِلَ الناس، والناسُ جلوس على صفوفهم ... الحديث. رواه مسلم (٣). وذكر أبو سعيد الخُدري: أنه # كان يخرج يوم العيد، فيُصلي بالناس ركعتين، ثم يُسَلِّمُ، فيقف على راحلته مستقبِلَ الناس وهم صفوف جلوسٌ، فيقول: ((تَصَدَّقوا))، فأكثرُ من يتصدق النساء، بالقُرط والخاتم والشيء. فإن كانت له حاجة يُريد أن يبعث بعثاً يذكره لهم، وإلا انصرف (٤). وقد كان يقع لي أن هذا وهم، فإن النبي رَّة، إنما كان يخرج إلى العيد (١) أخرجه البخاري ٣٧٤/٢ من حديث أبي سعيد الخدري. (٢) أخرجه البخاري ٢/ ٣٧٧، ومسلم (٨٨٥). (٣) (٨٨٩) في أول صلاة العيدين. (٤) إسناده صحيح، وسيذكر المصنف رجال السند بعد قليل. ٤٢٩ ماشياً، والعنزة بين يديه، وإنما خطب على راحلته يومَ النحر بمِنى، إلى أن رأيتُ بَقِي بنَ مَخْلَد الحافظ قد ذكر هذا الحديث في ((مسنده)) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا عبد الله بن نُمير، حدَّثنا داود بن قيس، حدَّثنا عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخُدري، قال: كان رسول الله وَّ يخرُجُ يَوْمَ العِيد مِنْ يَومِ الفِطر، فيُصلي بالناس تَيْنِكَ الركعتين، ثم يُسلم، فيستقبل الناس، فيقول: ((تَصَدَّقُوا)). وكان أكثرُ من يتصدق النساء وذكر الحديث. ثم قال: حذَّثنا أبو بكر بن خلاَّد، حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا داود، عن عِياض، عن أبي سعيد: كان النبيُّ ◌َّه يخرُج في يوم الفطر، فيُصلي بالناس، فيبدأ بالركعتين، ثم يستقبلُهم وهم جلوس، فيقول: (تَصَدَّقُوا)) فذكر مثله وهذا إسنادُ ابن ماجه إلا أنه رواه عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن داود(١). ولعله: ثم يقوم على رجليه، كما قال جابر: قام متكئاً على بلال، فتصحَّف على الكاتب: براحلته. والله أعلم. فإن قيل: فقد أخرجا في ((الصحيحين)) عن ابن عباس، قال شهدتُ صلاةَ الفِطر مع نبي الله وَّةَ، وأبي بكر، وعمر، وعثمانَ رضي الله عنهم، فكلُّهم يُصَلِّيها قبل الخطبة، ثم يخطُب، قال: فنزل نبي الله وَّة، كأني أنظر إليه حين يُجَلِّسُ الرِّجالَ بيده، ثم أقبل يشقُّهم حتى جاء إلى النساء ومعه بلال، فقال: ﴿يَا أَيُّها النَّبِيُّ إذا جَاءكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَابِعْنَكَ علىْ أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِالله شَيْئاً﴾ [الممتحنة: ١٢]. فتلا الآية حتى فرغ منها، الحديثَ(٢). (١) أخرجه ابن ماجه (١٢٨٨) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في الخطبة في العيدين وإسناده صحيح، وهو في ((المسند) ٣٦/٣ و٤٢ و٥٤، و((المصنف)) (٥٦٣٤) و ((سنن البيهقي) ٢٩٧/٣. (٢) رواه البخاري ٣٨٨/٢، ٣٨٩ في العيدين: باب موعظة الإمام النساء يوم العيد، ومسلم (٨٨٤) في العيدين: باب صلاة العيدين، ورواه أيضاً أبو داود (١١٤٣) و (١١٤٤) في الصلاة: باب الخطبة يوم العيد، والنسائي ١٨٤/٣ في العيدين: باب الخطبة في العيدين بعد الصلاة، وابن ماجه (١٢٧٣) في إقامة الصلاة: باب ما جاء = ٤٣٠ وفي ((الصحيحين)) أيضاً، عن جابر، أن النبي ◌َّ قام، فبدأ بالصلاة، ثم خطب النَّاسَ بَعْدُ، فلما فرغ نبِيُّ الله ◌َّهِ، نزل فأتى النساء فذكَّرهن، الحديث(١). وهو يدل على أنه كان يخطب على منبر، أو على راحلته، ولعله كان قد بُني له منبر من لَبِنٍ أو طين أو نحوه؟ قيل: لا ريب في صحة هذين الحديثين، ولا ريب أن المِنبر لم يكن يُخْرَج من المسجد، وأول من أخرجه مروان بن الحكم، فَأَنْكِرَ عليه، وأما منبر اللَّبن والطين، فأول من بناه كثيرُ بن الصلت في إمارة مروان على المدينة، كما هو في «الصحيحين)) (٢) فلعله ◌َ لَّ كَانَ يقوم في المصلَّى على مكان مرتفع، أو دُكان وهي التي تسمى مِصْطَبة، ثم ينحدر منه إلى النساء، فيقِف عليهن، فيخطبهُن، فيعِظهن، ويذكِّرُهن. والله أعلم. وكان يفتتح خُطَبه كلَّها بالحمد الله، ولم يُحفظ عنه في حديث واحد، أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير، وإنما روى ابن ماجه في ((سننه)) عن سعد القرظ مؤذِّن النبي ◌َّ أنَّه كان يُكثر التكبير بَيْنَ أضعافِ الخطبة، ويكثر التكبير في خطبتي العيدين(٣). وهذا لا يدل على أنه كان يفتتحها به. وقد اختلف الناسُ في افتتاح خُطبة العيدين والاستسقاء، فقيل: يُفتتحان بالتكبير، وقيل تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وقيل: يُفتتحان بالحمد. قال شيخ كان يفتتح خطبه بالحمدلة = في صلاة العيدين من حديث ابن عباس رضي الله عنه. (١) رواه البخاري ٣٨٨/٢، ومسلم (٨٨٥)، وأبو داود (١١٤١) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. (٢) رواه البخاري ٣٧٤/٢ في العيدين: باب الخروج إلى المصلى بغير منبر، ومسلم (٨٨٩) في العيدين: باب صلاة العيدين. ورواه أيضا أبو داود (١١٤٠) في الصلاة: باب الخطبة يوم العيد، وابن ماجه (١٢٧٥) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في صلاة العيدين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وكثير بن الصلت بن معدي کرب الكندي كان كاتبا لعبد الملك بن مروان على الرسائل. (٣) رواه ابن ماجه (١٢٨٧) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في الخطبة في العيدين، وفي سنده عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد المؤذن وهو ضعيف، وسعد بن عمار مجهول. ٤٣١ الإِسلام ابن تيمية: وهو الصواب، لأن النبي ◌َّ﴾ قال: ((كلُّ أَمْرٍ ذي بالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ الله، فَهُوَ أَجْذَمُ))(١). وکان يفتتح خطبه كلّها بالحمد لله. ورخص ـ# لمن شهد العيد، أن يجلس للخطبة، وأن یذهب، ورخّص لهم إذا وقع العيدُ يومَ الجمعة، أن يجتزئوا بصلاة العيد عن حضور الجمعة (٢). وكان ◌َّه يُخالف الطريقَ يوم العيد، فيذهب في طريق، ويرجعُ في آخر (٣) فقيل: ليسلِّمَ على أهل الطريقين، وقيل: لينال بركتَه الفريقان، وقيل: (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٨٦٩٧)، وأبو داود (٤٨٤٠) في الأدب: باب الهدي في الكلام، وابن ماجه (١٨٩٤) في النكاح: باب خطبة النكاح، وابن حبان في (صحيحه)) ١٣٥/١ تحقيق أحمد شاكر رحمه الله، وفي إسناده قرة بن عبد الرحمن المعافري قال أحمد: منكر الحديث جداً، وعن ابن معين: إنه ضعيف، وقال أبو داود بعد أن أخرجه من حديث قرة مسنداً: رواه يونس وعقيل وشعيب وسعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن النبي 88 مرسلاً، ومع ذلك فقد حسنه ابن الصلاح والنووي. (٢) روى أبو داود (١٠٧٣) في الصلاة: باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، وابن ماجه (١٣١١) في إقامة الصلاة: باب ما جاء فيما إذا اجتمع العيدان في يوم من حديث أبي هريرة عن رسول الله رَّر قال: ((قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء، أجزأه من الجمعة وإنا مُجمِّعُون)) وسنده حسن، وصححه البوصيري في ((الزوائد))، وفي الباب عن زيد بن أرقم عند أحمد ٣٧٢/٤، وأبي داود (١٠٧٠)، والنسائي ١٩٤/٣، وابن ماجه (١٣١٠)، وفي سنده إياس بن أبي رملة الشامي لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، وعن ابن عمر عند ابن ماجه (١٣١٢) وسنده ضعيف. وقال ابن قدامة المقدسي في ((المغني)) ٣٥٨/٢: وإن اتفق عيد في يوم جمعة، سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد إلا الإمام، فإنها لا تسقط عنه إلا ألا يجتمع له من يصلي به الجمعة، وقيل: في وجوبها على الإِمام روايتان، وممن قال بسقوطها الشعبي والنخعي والأوزاعي، وقيل: هذا مذهب عمر وعثمان وعلي وسعيد وابن عمر وابن عباس وابن الزبير، وقال أكثر الفقهاء: تجب الجمعة. (٣) رواه البخاري ٣٩٢/٢ في العيدين: باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد من حديث جابر بن عبد الله ولفظه: كان النبي ◌َ ل# إذا كان يوم عيد خالف الطريق، ورواه= ٤٣٢ ليقضيَ حاجة من له حاجة منهما، وقيل: ليظهر شعائِرَ الإِسلام في سائر الفِجاج والطرق، وقيل: ليغيظ المنافقين برؤيتهم عِزَّة الإِسلام وأهله، وقيام شعائره، وقيل: لتكثر شهادةُ البِقاع، فإن الذاهب إلى المسجد والمصلَّى إحدى خطوتيه ترفعُ درجة، والأخرى تحطُّ خطيئة حتى يرجع إلى منزله، وقيل وهو الأصح: إنه لذلك كُلِّه، ولغيره من الحِكَم التي لا يخلو فعلُه عنها. وروي عنه، أنه كان يُكبِّر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَللَّهِ الحَمْدُ (١) . التكبير من فجر يوم عرفة فصل في هديه ◌َّ في صلاة الكسوف لما كَسَفَتِ الشَّمسُ، خرجَ بَّهَ إلى المسجد مُسرِعاً فزِعاً يجُزُّ رداءه، وكان كُسُوفُها في أوَّل النهار على مقدار رُمحين أو ثلاثة مِن طلوعها، فتقدَّم، فصلَّى ركعتين، قرأ في الأولى بفاتحة الكتاب، وسورة طويلة، جهر بالقراءة، ثم ركع، الترمذي ٥٤١، وابن ماجه (١٣٠١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ورواه أبو = داود (١١٥٦) وابن ماجه أيضاً (١٢٩٩) من حديث ابن عمر، ورواه ابن ماجه (١٣٠٠) من حديث أبي رافع. (١) روى ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأسود قال: كان عبد الله بن مسعود يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر يقول: ((الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد)» ورجاله ثقات، وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن حسين بن علي عن زائدة، عن عاصم، عن شقيق، عن علي أنه كان يكبر بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق. وإسناده صحيح: وقال الحاكم في ((المستدرك)) ٢٩٩/١: فأما من فعل عمر وعلي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود، فصحيح عنهم التكبير من غداة عرفة إلى آخر أيام التشريق، وأخرج الدارقطني في ((سننه)) ص ١٨٢ عن ابن عمر، وأبي سعيد الخدري وزيد بن ثابت وعثمان بن عفان بأسانيد عدة أنهم كانوا يكبرون بعد الظهر من يوم النحر إلى الظهر من آخر أيام التشريق. ٤٣٣ زاد المعاد الجزء الأول فأطال الركوع، ثم رفع رأسه من الركوع، فأطال القيام وهو دون القيام الأول، وقال لما رفع رأسه: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ))، ثم أخذ في القراءة، ثم ركع، فأطال الركوع وهو دون الركوع الأولِ، ثم رفع رأسه من الركوع، ثم سجد سجدة طويلة فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى مِثْلَ ما فعل في الأولى، فكان في كُلِّ ركعة رُكوعان وسُجودان، فاستكمل في الركعتين أربعَ ركعات وأربعَ سجدات، ورأى في صلاته تلك الجنة والنار، وهمَّ أن يأخذ عُنقوداً من الجنة، فيُريَهم إياه، ورأى أهل العذاب في النار، فرأى امرأة تخدِشُها هِرَّةٌ ربطتها حتى ماتت جُوعاً وعطشاً، ورأى عمرو بن مالك يجر أمعاءَه في النار، وكان أولَ من غيَّر دين إبراهيم، ورأى فيها سارِقَ الحاج يُعذَّب، ثم انصرف، فخطب بهم خطبة بليغة، حُفِظَ منها قوله: ((إنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلا لِحَياتِهِ، فإذا رَأيْتُمْ ذَلِكَ، فَادْعوا الله وكَبِّروا، وصَلُوا، وتَصَدَّقُوا يا أُمَّةَ مُحَمَّد، والله مَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ الله أَنْ يزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُه، يا أمَّة مُحَمَّد، والله لَوْ تَعْلَمون ما أَعْلَمْ لَضَحِكْتُمْ قَليلاً، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً» . وقال: ((لَقَدْ رَأيْتُ في مَقَامِي هذا كُلَّ شَيءٍ وُعِدتُم به، حَتَّى لَقَدْ رأيتُني أريد أن آخذَ قِطفاً مِن الجنة حِينَ رأيتُمُوني أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رأيتُ جَهَنَّم يَحْطِم بَعْضُها بَعْضَاً حِينَ رَأيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ». وفي لفظ: وَرَأيْتُ النَّارَ فلم أرَ كاليوم مَنْظراً قَطُّ أَفْظَعَ منها، ورَأيْتُ أكثَر أهْلِ النَّارِ النِّسَاءَ. قالُوا: وَبِمَ يا رَسُول الله؟ قال: بِكُفْرِهِنَّ. قيل: أيكفُرنَ بالله؟ قالَ: يَكْفُرنَ العَشيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَان، لو أَحْسَنْتَ إلى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهِ، ثُمَّ رأت مِنكَ شَيْئاً، قالت: مَا رَأيْتُ مِنكَ خَيْراً قطُ . ومنها: ((ولَقَدْ أُوحِي إليَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنون في القُبُورِ مِثْلَ، أوْ قَرِيباً مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّال، يُؤْتِى أَحَدُكُم فَيُقال له: ما عِلْمُكَ بِهَذا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤمِنُ أو قال: المُوقِنُ، فيقول: مُحَمَّد رَسُولُ الله، جاءنَا بالبَيِّئَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنا، وآمَنَّا، واتَّبَعْنَا، فيُقالُ لَهُ: نَمْ صَالِحاً فَقَدْ عَلِمْنَا إِن كُنْتَ لُمُؤْمِناً، وأمَّا المُنافِقُ أَوْ قَالَ: ٤٣٤ المُرْتابُ، فيَقُول: لا أدْرِي، سمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُون شَيْئاً، فقُلْتُه))(١). وفي طريق أخرى لأحمد بن حنبل رحمه الله، أنه وَّ لما سَلَّمَ، حَمِدَ الله، وأثنى عليه، وشَهدَ أن لا إلَه إلاَّ الله، وأنَّه عبدُه ورسولُه، ثم قال: ((أَيُّهَا النَّاسُ، أُنْشِدُكُم بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمونَ أَنِّي قَصَّرْتُ في شيءٍ مِنْ تَبْلِغِ رِسَالاتِ ربِّي لِمَا أُخْبَرتُموني بِذَلِك؟ فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ رِسَالاَتِ رَبِّكَ، وَنَصَحْتَ لأُمَّتِكَ، وَقَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ)). ثُمَّ قَال: ((أمَّا بَعْدُ فإنَّ رِجَالاَ يَزْعَمُونَ أَنَّ كُسُوفَ هذِهِ الشَّمْس، وكُسُوفَ هَذا القَمَرِ، وَزَوَالَ هذه النُّجُومِ عَنْ مَطالِعها لِمَوْتٍ رِجَالٍ عُظَمَاءَ مِنْ أَهْلِ الأرْضِ، وإِنَّهُم قَدْ كَذَبُوا، وَلَكِنَّهَا آيَاتَّ مِنْ آيَاتِ الله تَبَارَكَ وَتَعَالِى يَعْتَبِرُ بِهَا عِبَادُهُ، فَيَنْظُرُ مِنْ يُحْدِثُ مِنْهُمْ تَوْبَةٌ، وايْمُ الله اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ قُمْتُ أُصَلِّي مَا أَنْتُم لاقُوه مِنْ أمْرٍ دُنْيَكُمْ وَآخِرَتِكُم، وإِنَّهُ - واللَّهُ أَعْلَمُ - لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلاثَون كَذَّاباً آخرُهُم الأعْوَرُ الدَّجَّلُ، مَمْسُوحِ العَيْنِ الْيُسْرى، كَأَنَّهَا عَيْنُ أَبِي تحيى لِشَيْخِ حِينَئِذٍ مَنَ الأَنْصَارِ، بَيْنَه وبَيْنَ حُجرَة عائشة، وإِنَّه مَتَى يَخْرُجْ، فَسَوْفَ يَزْعُمُ أَنَّهَ اللَّهُ، فَمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ واتّبَعَهُ، لَمْ يَنْفَعْهِ صَالِحٌ مِنْ عَمَلِهِ سَلَفَ، وَمَنْ كَفَر به وكَذَّبِه، لَمْ يُعاقَبْ بشيءٍ مِنْ عَمَلِهِ سَلَفَ، وإنَّ سَيَظْهَرُ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إلَّ الحَرَمَ وَبَيْتَ المَقْدِس، وإنه يَحْصُرِ المُؤمنين في بَيْت (١) أخرجه البخاري ٤٣٨/٢، ٤٣٩ في الكسوف: باب الصدقة في الكسوف، وباب خطبة الإمام في الكسوف، وباب هل يقول: كسفت الشمس أو خسفت، وباب لا تنكسف الشمس لموت أحد ولا لحياته، وباب الجهر في القراءة في الكسوف، ومسلم (٩٠١) في الكسوف: باب صلاة الكسوف و (٩٠٣) والموطأ ١٨٦/١، ١٨٧ من حديث عائشة، وأخرجه البخاري ٤٤٧/٢ في الكسوف: باب صلاة الكسوف جماعة، وفي الإِيمان: باب كفران العشير، وكفر دون كفر، وفي المساجد: باب من صلى وقدامه تنور أو نار ... وفي صفة الصلاة: باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة، وفي بدء الخلق: باب صفة الشمس والقمر، وفي النكاح: باب كفران العشير، ومسلم (٩٠٧) في الكسوف: باب ما عرض على النبي ◌َّ في صلاة الكسوف، والموطأ ١٨٦/١، ١٨٧ من حديث ابن عباس، وأخرجه مسلم (٩٠٤) من حديث جابر، وأخرجه البخاري ٢٥١/١ في الوضوء: باب من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل، ومسلم (٩٠٥) والموطأ ١٨٨/١، ١٨٩ من حديث أسماء. ٤٣٥ المَقْدِس، فَيُزَلْزَلُونَ زِلِزَالاَ شَدِيدَاً، ثُمَّ يُهلِكُه الله عزَّ وجَلَّ وَجُنودَه، حتَّى إِنَّ ◌ِذْمَ الحَائِطِ أَوْ قَالٍ: أَصْلَ الحَائِطِ، وأصْلَ الشَّجَرَةِ لِيُنَادي: يا مُسْلمُ، يا مُؤْمِنُ، هذَا يَهُودِيٌّ، أَوْ قَالَ: هَذَا كَافِرٌ، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ قَالَ: وَلَنْ يَكُونَ ذُلِكَ حَتَّى تَرَوْا أُمُوراً يَتَفَاقَمُ بَيْنَكم شَأْنُهَا فِي أَنْفُسِكم، وتساءلونَ بَيْنَكم: هَلْ كَانَ نَبِّكُمْ ذَكَرَ لَكُمْ مِنْهَا ذِكْراً: وحتَّى تَزُولَ جِبَالٌ عَنْ مَراتِبها، ثمَّ على أثَر ذَلِكَ القَبْصُ)) (١). فهذا الذي صح عنه رَّ من صفة صلاة الكسوف وخطبتها. وقد رُوي عنه أنه صلاها على صفات أخر . بيان الاختلاف في صفة صلاة الكسوف منها: كُلّ ركعة بثلاث ركوعات (٢). ومنها: كل ركعة بأربع ركوعات (٣). ومنها: إنها كإحدى صلاة صُلِّيت كل ركعة بركوع واحد، ولكن كِبار الأئمة، لا يُصححون ذُلك، كالإِمام أحمد، والبخاري، والشافعي، ويرونه غلطاً. قال الشافعي وقد سأله سائل، فقال: روى بعضُهم أن النبي ◌َّ صلَّى بثلاث ركعاتٍ في كل ركعة، قال الشافعي: فقلتُ له: أتقول به أنت؟ قال: لا، ولكن لِم لم تقل به أنت وهو زيادةٌ على حديثكم؟ يعني حديثَ الركوعين في الركعة، فقلتُ: هو من وجه منقطع، ونحن لا نثبت المنقطع على الانفراد، ووجهٍ نراه - والله أعلم - غلطاً، قال البيهقي: أراد بالمنقطع قولَ عبيد بن عمير: حدثني من أصدِّق، قال عطاء: حسبته يُريد عائشة ... الحديث، وفيه: فركع في (١) أخرجه أحمد ١٦/٥ وفي سنده ثعلبة بن عباد العبدي لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، وأخرجه مختصراً أبو داود (١١٨٤)، والنسائي ١٤٠/٣ . (٢) رواه مسلم (٩٠١) في الكسوف: باب صلاة الكسوف، وأبو داود (١١٧٧) في الصلاة: باب صلاة الكسوف، والنسائي ١٢٩/٣ و١٣٠ في الكسوف: باب نوع آخر من صلاة الكسوف من حديث عبيد بن عمير عن عائشة رضي الله عنها. (٣) رواه مسلم (٩٠٨) و (٩٠٩) في الكسوف: باب ما عرض على النبي بَّ في صلاة الكسوف، وأبو داود (١١٨٣) في الصلاة: باب من قال أربع ركعات في صلاة الكسوف. ٤٣٦ كلِّ ركعة ثلاثَ رُكوعات وأربعَ سجدات (١). وقال قتادة: عن عطاء، عن عُبيد بن عمير، عنها: ست ركعات في أربع سجدات (٢). فعطاء، إنما أسنده عن عائشة بالظن والحسبان، لا باليقين، وكيف يكون ذلك محفوظاً عن عائشة، وقد ثبت عن عُروة، وعَمرة، عن عائشة خلافه(٣) وعروة وعمرة أخصُّ بعائشة وألزمُ لها من عُبيد بن عمير وهما اثنان، فروايتُهما أولى أن تكون هي المحفوظة. قال: وأما الذي يراه الشافعي غلطاً، فأحسبه حديثَ عطاء عن جابر: ((انكسفتِ الشمسُ في عهد رسول الله وََّ يومَ ماتَ إبراهيمُ بن رسول الله ◌َّهَ، فقال الناسُ: إنما انكسفت الشَّمسُ لموت إبراهيم، فقام النبي ◌َّة، فصلَّى بالنَّاس سِتَ ركعات في أربع سجدات الحدیث(٤). قال البيهقي: من نظر في قصة هذا الحديث، وقصة حديث أبي الزبير، علم أنهما قصة واحدة، وأن الصلاة التي أخبر عنها إنما فعلها مرة واحدة، وذلك في يوم توفي ابنه إبراهيم عليه السلام. قال: ثم وقع الخلافُ بين عبد الملك يعني ابن أبي سُليمان، عن عطاء، عن جابر، وبين هشام الدستوائي، عن أبي الزُّبير، عن جابر في عدد الركوع في كل ركعة، فوجدنا رواية هشام أولى، يعني أن في كل ركعة ركوعين فقط، لكونه مع أبي الزبير أحفظ من عبد الملك، ولموافقة روايته في عدد الركوع رواية عَمرة وعروة عن عائشة، ورواية كثير بن عباس، وعطاء بن يسار، عن ابن عباس، ورواية أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو، ثم رواية يحيى بن سليم وغيره، وقد خُولف عبدُ الملك في روايته عن عطاء، فرواه ابنُ جريج وقتادة، عن عطاء، عن عُبيد بن عمير: ست ركعات في أربع سجدات، فرواية هشام عن أبي الزبير عن جابر التي لم يقع فيها الخلافُ ويُوافقها عدد كثيرٌ أولى من روايتي عطاء اللتين إنما تقدم تخريجه قریباً. (١) (٢) تقدم تخريجه . (٣) تقدم . (٤) تقدم تخريجه. ٤٣٧ إسنادُ أحدِهما بالتوهم، والأخرى يتفرد بها عنه عبدُ الملك بن أبي سليمان، الذي قد أُخِذَ عليه الغلطُ في غير حديث. قال: وأما حديثُ حبيب بن أبي ثابت، عن طاوُوس، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّيّة، أنه صلى في كسوف، فقرأ، ثم ركع، ثم قرأ، ثم ركع، ثم قرأ، ثم ركع، ثم قرأ، ثم ركع، ثم سجد قال: والأخرى مثلها، فرواه مسلم في ((صحيحه) (١) وهو مما تفرد به حبيب بن أبي ثابت، وحبيب وإن كان ثقة، فكان يُدلس، ولم يُبين فيه سماعَه مِن طاووس، فيُشبه أن يكون حمله عن غير موثوق به، وقد خالفه في رفعه ومتنه سليمانُ المكي الأحول، فرواه عن طاووس، عن ابن عباس مِن فعله ثلاثَ ركعات في ركعة. وقد خُولف سليمان أيضاً في عدد الركوع، فرواه جماعة عن ابن عباس مِن فعله، كما رواه عطاء بن يسار وغيره عنه، عن النبي ◌َّ، يعني في كل ركعة ركوعان. قال: وقد أعرض محمد بن إسماعيل البخاري عن هذه الروايات الثلاث، فلم يُخرِّج شيئاً منها في ((الصحيح)) لمخالفتهن ما هو أصح إسناداً، وأكثر عدداً، وأوثق رجالاً، وقال البخاري في رواية أبي عيسى الترمذي عنه: أصحُّ الروايات عندي في صلاة الكسوف أربعُ ركعات في أربع سجداتٍ . قال البيهقي: ورُوي عن حذيفة مرفوعاً ((أربع ركعات في كل ركعة))، وإسناده ضعيف(٢). ورُوي عن أبيِّ بنِ كعب مرفوعاً ((خمس ركوعات في كل ركعة))(٣). وصاحبا الصحیح لم يحتجا بمثل إسناد حديثه. قال: وذهب جماعة من أهل الحديث إلى تصحيح الروايات في عدد (١) رقم (٩٠٩). (٢) رواه البيهقي في (السنن الكبرى)) ٣٥٩/٣، وأورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٢٠٨/٢ وقال: رواه البزار وفيه محمد بن أبي ليلى وفيه كلام ... وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق سيء الحفظ جداً. (٣) رواه أبو داود (١١٨٢) في الصلاة: باب من قال أربع ركعات وفي إسناده أبو جعفر الرازي وهو ضعيف. ٤٣٨ الركعات، وحملوها على أن النبي وَلّ فعلها مراراً، وأن الجميع جائز، فممن ذهب إليه إسحاقُ بن راهويه، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبو بكر بن إسحاق الضبعي، وأبو سليمان الخطابي، واستحسنه ابن المنذر. والذي ذهب إليه البخاري والشافعي من ترجيح الأخبار أولى لما ذكرنا من رجوع الأخبار إلى حكاية صلاته * يومَ تُوفي ابنه . قلت: والمنصوصُ عن أحمد أيضاً أخذُه بحديث عائشة وحده في كل ركعة ركوعان وسجودان. قال في رواية المروزي: وأذهب إلى أن صلاة الكسوف أربعُ ركعات، وأربعُ سجدات، في كل ركعة ركعتان وسجدتان، وأذهب إلى حديث عائشة، أكثرُ الأحاديث على هذا. وهذا اختيارُ أبي بكر وقدماء الأصحاب، وهو اختيارُ شيخنا أبي العباس ابن تيمية. وكان يُضعِّفُ كُلَّ ما خالفه من الأحاديث، ويقول: هي غلط، وإنما صلَّى النبي ◌ِّر الكسوفَ مرة واحدة يومَ مات ابنُه ابراهيم. والله أعلم. وأمر ◌َّ في الكسوف بذكرِ الله، والصلاةِ، والدعاء، والاستغفار والصدقة، والعتاقة، والله أعلم. فصل في هديه رَّ في الاستسقاء ثبت عنه رَلة، أنه استسقى على وجوه. أحدها: يومَ الجمعة على المنبر في أثناء خطبته، وقال: ((اللَّهُم أَغِثْنا، اللَّهُمْ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمْ اسْقِنا، اللَّهُمْ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا))(١). الوجه الثاني: أنه رَُّ وعد الناسَ يوماً يخرجُون فيه إلى المصلَّى، فخرج لما طلعت الشمسُ متواضعاً، متبذِّلاً، متخشِّعاً، مترسِّلاً، (١) أخرجه البخاري ٤١٧/٢، ٤٢١، ٤٢٣، ومسلم (٨٩٧) في الاستسقاء: باب الدعاء في الاستسقاء، والنسائي ٣/ ١٦٠، ١٦١ في الاستسقاء: باب ذكر الدعاء من حديث أنس بن مالك. ٤٣٩ متضِّرعاً(١)، فلما وافى المصلَّى، صَعِدَ المنبر - إن صح، وإلا ففي القلب منه شيء - فحمد الله وأثنى عليه وكبَّره، وكان مما حُفِظَ من خطبته ودعائه: ((الحَمْدُ لِلَّه رَبِّ العالمين، الرَّحْمُنِ الرَّحيم، مالِكِ يَوْم الدِّين، لا إله إلاَّ اللَّهُ، يَفْعَلُ ما يُريد، اللَّهُم أَنْتَ اللَّهُ لا إله إلا أنت، تَفْعَل ما تُريدُ، اللَّهُم لا إلا إله إلا أَنْتَ، أَنْتَ الغَنِيُّ وَنَحْنِ الفُقَراءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الغَيْثَ، واجْعَل ما أَنْزَلْتَه علينا قُوَّةً لَنَا، وَبلاغَاً إلى حين))(٢). ثم رفع يديه، وأخذ في التضرُّع، والابتهال، والدعاء، وبالغ في الرفع حتى بدا بياضُ إبطيه، ثم حوَّل إلى الناس ظهَره، واستقبل القبلة، وحوَّل إذ ذاك رداءَه وهو مستقبل القبلة، فجعل الأيمنَ على الأيسر، والأيسر على الأيمن، وظهرَ الرداء لبطنه، وبطنه لظهره، وكان الرداء خميصةً سوداء، وأخذ في الدعاء مستقبلَ القِبلة، والناسُ كذلك، ثم نزل فصلَّى بهم ركعتين كصلاة العيد من غير أذان ولا إقامة ولا نداءِ البتة، جهر فيهما بالقراءة، وقرأ في الأولى بعد فاتحة الكتاب: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعَلَى﴾، وفي الثانية: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ . الوجه الثالث: أنه ◌ّ استسقى على منبر المدينة استسقاء مجرداً في (١) رواه أبو داود (١١٦٥) في الصلاة: باب جماع أبواب صلاة الاستسقاء، وابن ماجه (١٢٦٦)، والطحاوي ١/ ١٩١، ١٩٢، والنسائي ١٥٦/٣ في الاستسقاء: باب الحال التي يستحب للإمام أن يكون عليها إذا خرج، والترمذي (٥٥٨) في الصلاة: باب ما جاء في صلاة الاستسقاء وإسناده حسن، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه ابن خزيمة (١٤٠٥) و (١٤٠٨) وابن حبان (٦٠٣) من حديث ابن عباس. (٢) رواه أبو داود بطوله وبنحوه (١١٧٣) من حديث عائشة رضي الله عنها وفي سنده يونس بن يزيد الأيلي قال في ((التقريب)): ثقة إلا أن في روايته عن غير الزهري خطأ وهذا منها، ومع ذلك فقد صححه ابن حبان (٦٠٤) والحاكم ٣٢٨/١، ووافقه الذهبي. وقال أبو داود: هذا حديث غريب إسناده جيد، وروى بعضه الحاكم ٣٢٦/١، والدارقطني ٦٦/٢ من حديث ابن عباس، وفي سنده محمد بن عبد العزيز قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وأبو عبد العزيز مجهول الحال وأخرج البخاري في «صحيحه» ٤١٥/٢ من حديث عبد الله بن زيد أن النبي لم خرج إلى المصلى، فاستسقى، فاستقبل القبلة، وحول رداءه، وصلى ركعتين. ٤٤٠