النص المفهرس
صفحات 381-400
وأما من قال: إنَّها من حين يفتتح الإِمامُ الخطبة إلى فراغه من الصلاة، رد المصنف على بقية الأقوال فاحتج بما رواه مسلم في ((صحيحه))، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قال: قال عبد الله بن عمر: أسمعتَ أباك يُحدِّث عن رسول الله ◌ِّل في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قُلت: نعم سمعتُه يقول: سمعتُ رسول الله ◌ِ﴾ يقول: ((هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجلِس الإِمامُ إلى أن يقضِيَ الإِمام الصلاة))(١). وأما من قال: هي ساعة الصلاة، فاحتج بما رواه الترمذي، وابن ماجه، من حديث عمرو بن عوف المزني، قال: سمعت رسول الله اجَّ يقول: ((إنَّ في الجُمُعَةِ لَسَاعَةٌ لا يَسْأَلُ اللَّهَ العَبْدُ فِيهَا شَيْئاً إِلَّ آتاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ)). قالوا: يا رسولَ الله! أيةُ ساعة هِيَ؟ قال: ((حِينَ تُقَامُ الصَّلاة إلى الانْصِرَافِ مِنْهَا))(٢). ولكن هذا الحديث ضعيف، قال أبو عمر بن عبد البر: هو حديث لم يروه فيما علمتُ إلا كثيرُ بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، وليس هو ممن يُحتجُّ بحديثه. وقد روى روحُ بن عبادة، عن عوف، عن معاوية بن قرة، عن أبي بردة عن أبي موسى، أنه قال لعبد الله بن عمر: هي الساعة التي يخرج فيها الإِمامُ إلى أن تُقْضَى الصلاةُ. فقال ابن عمر: أصابَ اللَّهُ بك. وروى عبد الرحمن بن حُجَيْرَةَ، عن أبي ذر، أن امرأته سألته عن الساعة التي يُستجابُ فيها يومَ الجمعة للعبد المؤمن، فقال لها: هي مع رفع الشمس بيسير، فإن سألتني بعدها، فأنت طالق. واحتج هؤلاء أيضاً بقوله في حديث أبي هريرة «وهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي)) وبعد العصر لا صلاة في ذلك الوقت، والأخذ بظاهر الحديث أولى. قال أبو عمر: يحتج أيضاً من ذهب إلى هذا بحديث علي، عن النبي وسلم أنه قال: ((إذا زالت الشَّمْسُ، وفاءت الأَّفياءُ، ورَاحَتِ الأَزْواح، فاطلبوا إلى الله حوائجكم، فإنَّها (١) تقدم تخريجه ص ٣٧٧ وهو معل. (٢) تقدم تخريجه ص٣٧٨ وهو ضعيف. ٣٨١ ساعةُ الأوابين، ثم تلا: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلَّوَّابِينَ غَفُوراً﴾ (١) [الإسراء: ٢٥])). وروى سعيد بن جُبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: الساعةُ التي تُذكر يومَ الجمعة: ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. وكان سعيد بن جُبير، إذا صلى العصر، لم يُكلِّم أحداً حتى تغرب الشمس، وهذا هو قول أكثر السلف، وعليه أكثر الأحاديث. ويليه القول: بأنها ساعة الصلاة، وبقية الأقوال لا دليل عليها . ساعة الصلاة ساعة ترجى فيها الإجابة ولكنها ليست الساعة المخصوصة وعندي أن ساعة الصلاة ساعةٌ تُرجى فيها الإجابةُ أيضاً، فكلاهما ساعةُ إجابة، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخِرُ ساعة بعد العصر، فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم ولا تتأخر، وأما ساعةُ الصلاة، فتابعة للصلاة تقدمت أو تأخرت، لأن لاجتماع المسلمين وصلاتهم وتضرُّعهم وابتهالِهم إلى الله تعالى تأثيراً في الإِجابة، فساعة اجتماعهم ساعةٌ تُرجى فيها الإِجابةُ، وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها، ويكون النبي وَ لّ قد حضَّ أمته على الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في هاتين الساعتين . ونظير هذا قوله وَلّ وقد سُئل عن المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى، فقال: ((هُوَ مَسْجِدُكم هذا)) وأَشارَ إلى مَسْجِدِ المَدِينَةِ(٢). وهذا لا ينفي أن يكون مسجد قُباء الذي نزلت فيه الآية مؤسساً على التقوى، بل كلٌّ منهما مؤسّس على التقوى. (١) قال الحافظ في (الفتح)): ٣٤٧/٢، حكاه ابن المنذر عن أبي العالية، وروى نحوه في أثناء حديث عن علي، قال: وروى ابن عساكر من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: كانوا يرون الساعة المستجاب فيها الدعاء إذا زالت الشمس، وكأن مأخذهم في ذلك أنها وقت اجتماع الملائكة، وابتداء دخول وقت الجمعة، وابتداء الأذان ونحو ذلك. (٢) رواه مسلم (١٣٩٨) في الحج: باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي مية بالمدينة من حديث أبي سعيد الخدري، وفي الباب عن أبي بن كعب عند أحمد ١١٦/٥. ٣٨٢ وكذلك قولُه في ساعة الجمعة («هي ما بَيْنَ أن يجلس الإمامُ إلى أن تنقضي الصلاة)) لا يُنافي قوله في الحديث الآخر «فالتَمسُوها آخَرَ سَاعَة بَعْدَ العَصْر)). «ما تَعُدُّون الرَّقوبَ فيكم؟ قالوا: مَنْ لَمْ ويشبه هذا في الأسماء قوله يُولَد له، قال: ((الرَّقوبُ مَنْ لَمْ يُقَدِّم مِنْ وَلَده شَيْئاً)(١) . فأخبر أن هذا هو الرَّقوب، إذ لم يحصل له من ولده من الأجر ما حصل لمن قَدَّم منهم فرطاً، وهذا لا ينافي أن يُسمى من لم يولد له رقوباً. ما تَعُدُّونَ المُفْلسَ فيكم؟ قالوا: من لا درْهَمَ له ولا مَتَاعٍ. ومثله قوله قال: ((المُفْلسُ من يَأْتِي يَومَ القيامَة بحَّسَنات أمْثَال الجبال، ويأتي وقد لَظَمَ هذا، وضَرَبَ هذَا، وسَفَكَ دَمَ هذَا، فَيَأْخُذ هَذا منَ حَسَنَتَه، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِه)» الحديثَ(٢) . ومثلُه قولُه ◌َّ: ((ليس المسكينُ بهذا الطَّوَّاف الّذي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمتَان، والنَّمْرةُ والتَّمْرتَانِ، وَلَكنَّ المَسْكِينَ الَّذِي لَا يَسْألُ النَّاسَ، ولا يُتَفَطَّنُ لَهَ. فَيُتَصَدَّقَ عليه)(٣). (١) رواه أحمد في ((المسند)) ٣٨٢/١ و٣٨٣، ومسلم (٢٦٠٨) في ((البر والصلة)): باب فضل من يملك نفسه عند الغضب من حديث عبد الله بن مسعود. (٢) رواه أحمد في ((المسند)) ٣٠٣/٢ و٣٣٤ و٣٧٢، ومسلم (٢٥٨١) في ((البر والصلة)): باب تحريم الظلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله محلجر ... ((المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقُضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)). (٣) رواه مالك في ((الموطأ)) ٩٢٣/٢ في صفة النبي قال: باب ما جاء في المساكين والبخاري ٢٦٩/٣، ٢٧٠ في الزكاة: باب قول الله (لا يسألون الناس إلحافاً)، وفي = ٣٨٣ آخر ساعة من يوم الجمعة يعظمها جميع أهل الملل ولهذه الساعة هي آخِر ساعة بعد العصر، يُعظّمها جميع أهل الملل. وعند أهل الكتاب هي ساعة الإجابة، وهذا مما لا غرض لهم في تبديله وتحريفه، وقد اعترف به مؤمنُهم. متابعة المصنف لرد بقية الأقوال وأما من قال بتنقلها، فرام الجمع بذلك بين الأحاديث، كما قيل ذلك في ليلة القدر، وهذا ليس بقوي، فإن ليلةَ القدر قد قال فيها النبى محمدئيّ: وَمِيلاً. ((فالتَمِسُوها في خَامِسَةٍ تَبْقَى، في سَابِعَةٍ تَبْقَى، في تَاسِعَةٍ تَبْقَى))(١). ولم يجىء مثلُ ذلك في ساعة الجمعة. وأيضاً فالأحاديث التي في ليلة القدر، ليس فيها حديثٌ صريح بأنها ليلة كذا وكذا، بخلاف أحاديث ساعة الجمعة، فظهر الفرق بينهما. وأما قول من قال: إنَّها رُفعت، فهو نظيرُ قول مَن قال: إن ليلة القدر رُفِعَت، وهذا القائل، إن أراد أنَّها كانت معلومة، فرفع علمُها عن الأمة، فيقال له: لم يُرفع علمها عن كُلِّ الأمة، وإن رُفِعَ عن بعضهم، وإن أراد أن حقيقتها وكونَها ساعة إجابة رُفِعَتْ، فقولٌ باطل مخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة، فلا يعول عليه. والله أعلم. متابعة المصنف لخواص الجمعة الحادية والعشرون: أن فيه صلاة الجمعة التي خُصَّت من بين سائر الصلوات المفروضات بخصائص لا تُوجد في غيرها من الاجتماع، والعدد المخصوص، واشتراط الإقامة، والاستيطان، والجهر بالقراءة. وقد جاء من تفسير سورة البقرة: باب (لا يسألون الناس إلحافاً)، ومسلم (١٠٣٩) في الزكاة: = باب المسكين الذي لا يجد غنى، والنسائي ٨٥/٥ في الزكاة: باب تفسير المسكين .. (١) رواه البخاري ١٠٤/١، ١٠٥ في الإيمان: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، وفي صلاة التراويح: باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر، وفي الأدب: باب ما ينهى من السباب واللعن، وأخرجه أبو داود (١٣٨١) من حديث ابن عباس. ٣٨٤ التشديد فيها ما لم يأتِ نظيرُه إلا في صلاة العصر، ففي السنن الأربعة، من حديث أبي الجَعْدِ الضَّمْرِي - وكانت له صحبة - إن رسول الله بح ﴿ قال: ((مَنْ تَرَكَ ثَلاثَ جُمَع تَهاوُناً، طَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ))(١) قال الترمذي: حديث حسن، وسألت محمد بن إسماعيل عن اسم أبي الجعد الضمري، فقال: لم يُعرف اسمه، وقال: لا أعرِفُ له عن النبي ◌َلّ إلا هذا الحديث. وقد جاء في السنن عن النبي ◌َّ الأمرُ لمن تركها أن يتصدَّق بدينار، فإن لم يجد، فنصف دينار. رواه أبو داود، والنسائي من رواية قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب(٢). ولكن قال أحمد: قدامة بن وبرة لا يعرف. وقال يحيى بن معين: ثقة، وحُكي عن البخاري، أنه لا يصح سماعه من سمرة. وأجمع المسلمون على أن الجمعة فرضُ عين، إلا قولاً يُحكى عن الشافعي، أنها فرض كفاية، وهذا غلط عليه منشؤه أنه قال: وأما صلاة العيد، فتجب على كل من تجب عليه صلاةُ الجمعة، فظن هذا القائل أن العید لما كانت فرض كفاية، کانت الجمعة کذلك. وهذا فاسد، بل هذا نص من الشافعي أن العيد واجب على الجميع، وهذا يحتمل أمرين، أحدهما: أن (١) الترمذي (٥٠٠) في الصلاة: باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر، وأبو داود (١٠٥٢) في الصلاة: باب التشديد في ترك الجمعة، والنسائي ٨٨/٣ في الجمعة: باب التشديد في التخلف عن الجمعة، وابن ماجه (١١٢٥) في إقامة الصلاة: باب فيمن ترك الجمعة، وأحمد في ((المسند)) ٤٢٤/٣، ٤٢٥، وسنده حسن، وصححه ابن حبان (٥٥٤)، والحاكم ٢٨٠/١، ووافقه الذهبي، وله شاهد عند ابن ماجه (١١٢٦) من حديث جابر، وحسنه الحافظ، وصححه البوصيري وآخر من حديث أبي قتادة عند أحمد ٣٠٠/٥، وسنده حسن، وصححه الحاكم. (٢) رواه أبو داود (١٠٥٣) في الصلاة: باب كفارة من ترك الجمعة، والنسائي ٨٩/٣ في الجمعة: باب كفارة من ترك الجمعة من غير عذر، وأحمد ٨/٥ و١٤ وفي سنده قدامة بن وبرة وهو مجهول، ومع ذلك، فقد صححه ابن حبان (٥٨٢)، والحاكم ٢٨٠/١، ووافقه الذهبي، ورواه ابن ماجه (١١٢٨) من حديث الحسن، عن سمرة. ٣٨٥ زاد المعاد ج ١ - م١٣ يكون فرضَ عين كالجُمُعَةِ، وأن يكون فرضَ كفاية، فإن فرض الكفاية يجبُ على الجميع، كفرض الأعيان سواء، وإنما يختلفانِ بسقُوطه عن البعض بعد وجوبه بفعل الآخرین. الثانية والعشرون: أن فيه الخطبةَ التي يُقصد بها الثناءُ على الله وتمجيدُه، والشهادةُ له بالوحدانية، ولرسولِهِ ﴾.ب بالرسالةِ، وتذكيرُ العباد بأيامه، وتحذيرُهم من بأسه ونقمته، ووصيتُهم بما يُقَرِّبُهم إليه، وإلى جِنَانه، ونهيُهم عما يُقربهم من سخطه وناره، فهذا هو مقصود الخطبة والاجتماع لها. الثالثة والعشرون: أنه اليوم الذي يُستحب أن يُتُفرَّغ فيه للعبادة، وله على سائر الأيام مزية بأنواع مِن العبادات واجبة ومستحبة، فالله سبحانه جعل لأهل كل مِلَّةٍ يوماً يتفرغون فيه للعبادة، ويتخلَّون فيه عن أشغال الدنيا، فيومُ الجمعة يومُ عبادة، وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور، وساعةُ الإِجابة فيه كليلة القدر في رمضان. ولهذا من صح له يومُ جمعته وسلِم، سلمت له سائرُ جمعته، ومن صح له رمضان وسلم، سَلِمت له سائرُ سنته، ومن صحت له حَجتُه وسلِمت له، صح له سائرُ عمره، فيومُ الجمعة ميزانٌ الأسبوع، ورمضانُ ميزانُ العام، والحجُّ ميزانُ العمر. وبالله التوفيق. الرابعة والعشرون: أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام، وكان العيدُ مشتمِلاً على صلاة وقُربان، وكان يومُ الجمعة يومَ صلاة، جعل الله سبحانه التعجيلَ فيه إلى المسجد بدلاً من القربان، وقائماً مقامه، فيجتمع للرائح فيه إلى المسجد الصلاةُ، والقربان، كما في ((الصحيحين)) عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّةِ، أنه قال: ((مَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الأُولى، فَكَأنما قَرَّبَ بَدَنَّةً، ومَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، ومَنْ رَاحَ في السَّاعة الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشَاً أَفْرَنَ)(١) . (١) رواه البخاري ٣٠٤/٢، ٣٠٥ في الجمعة: باب فضل الجمعة، ومسلم (٨٥٠) في = ٣٨٦ وقد اختلف الفقهاء في هذه الساعة على قولين: أحدهما: أنها من أول النهار، وهذا هو المعروف في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. والثاني: أنها أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال، وهذا هو المعروف في مذهب مالك، واختاره بعضُ الشافعية، واحتجوا علیه بحجتين. إحداهما: أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، وهو مقابلُ الغُدوِّ الذي [سبأ: لا يكون إلا قبل الزوال، قال تعالى: ١٢]. قال الجوهري: ولا يكون إلا بعد الزوال. الحجة الثانية: أن السلف كانوا أحرصَ شيء على الخير، ولم يكونوا يَغْدون إلى الجمعة من وقت طلوع الشمس، وأنكر مالك التبكيرَ إليها في أول النهار، وقال: لم نُدرك عليه أهل المدينة. واحتج أصحابُ القول الأول، بحديث جابر رضي الله عنه عن النبي وَلّ: ((يَوْمُ الجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَة سَاعَةً)) (١). قالوا: والساعات المعهودة، هي الساعات التي هي ثنتا عشرة ساعة، وهي نوعان: ساعات تعديلية، وساعات زمانية، قالوا: ويدل على هذا القول، أن النبي ◌َّ، إنما بَلَغَ أدلة من قال بأن الساعة الأولى من أول النهار وترجيح المصنف له الجمعة: باب الطيب والسواك يوم الجمعة، ورواه أيضاً مالك في ((الموطأ)) ١/ ١٠١ = في الجمعة: باب العمل في غسل يوم الجمعة، والترمذي (٤٩٩) في الصلاة: باب ما جاء في التبكير إلى الجمعة، وأبو داود (٣٥٠) في الطهارة: باب في الغسل يوم الجمعة، والنسائي ٩٩/٣ في الجمعة: باب وقت الجمعة كلهم من حديث أبي هريرة ... وتمامه: ((ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذکر)». (١) رواه أبو داود (١٠٤٨) في الجمعة: باب الإجابة أية ساعة هي في يوم الجمعة، والنسائي ٩٩/٣ في الجمعة: باب وقت الجمعة وسنده قوي. ٣٨٧ المقصود بالساعة في قوله: ((من راح في الساعة الأولى» = بالساعات إلى ست، ولم يزد عليها، ولو كانت الساعة أجزاء صغاراً من الساعة التي تُفعل فيها الجمعة، لم تنحصر في ستة أجزاء، بخلاف ما إذا كان المُرادُ بها الساعات المعهودة، فإن الساعة السادسة متى خرجت، ودخلت السابعة، خرج الإِمامُ، وطُويتِ الصحفُ، ولم يُكتب لأحد قربان بعد ذلك، كما جاء مصرحاً به في ((سنن أبي داود)) من حديث علي رضي الله عنه، عن النبي ◌ِّهِ ((إذا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، غَدَتِ الشَّيَاطِينُ بِرَايَاتِهَا إلى الأَسْوَاقِ، فَيَرْمُونَ النَّاسَ بالترابيثِ أَو الرَّبَائِثِ وَيُبَّطُونَهُمْ عَنِ الجُمُعَةِ، وَتَغْدُو المَلائِكَةُ، فَتَجْلِسُ عَلَى أَبْوَابِ المَسَاجِدِ، فَيَكْتُبُونَ الرَّجُلَ مِنْ سَاعَةٍ، والرَّجُلَ مِنْ سَاعَتَيْنِ حَتَّى يَخْرُجَ الإِمَام)» (١). قال أبو عمر بن عبد البر: اختلف أهلُ العلم في تلك الساعات، فقالت طائفة منهم: أراد الساعاتِ مِن طلوع الشمس وصفائِها، والأفضلُ عندهم التبكيرُ في ذلك الوقت إلى الجمعة، وهو قولُ الثوري، وأبي حنيفة والشافعي، وأكثر العلماء، بل كلهم يستحب البكور إليها. قال الشافعي رحمه الله: ولو بكر إليها بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس، كان حسناً. وذكر الأثرم، قال: قيل لأحمد بن حنبل: كان مالك بن أنس يقول: لا ينبغي التهجيرُ يومَ الجمعة باكراً، فقال: هذا خلافُ حديث النبي ◌َلّ. وقال: سبحان الله إلى أي شيء ذهب في هذا، والنبي ◌َّ يقول: ((كالمُهْدِي جَزُوراً). قال: وأما مالك فذكر يحيى بن عمر، عن حرملة، أنه سأل ابن وهب عن تفسير هذه الساعات: أهو الغدُّو من أول ساعات النهار، أو إنما أراد بهذا القولِ ساعاتِ الرواح؟ فقال ابنُ وهب: سألتُ مالكاً عن (١) تقدم تخريجه وهو ضعيف، وقوله: بالربائث أي: يذكرونهم الحاجات، ليربثوهم بها عن الجمعة، يقال: ربثته عن الأمر: إذا حبسته وثبطته، والربائث: جمع ربيئة وهي الأمر الذي يحبس الإنسان عن مهامه، ورواية ((الترابيث)) قال الخطابي: ليست بشيء. ٣٨٨ هذا، فقال: أما الذي يقع بقلبي، فإنه إنما أراد ساعة واحدة تكونُ فيها هذه الساعاتُ، من راح من أول تلك الساعة، أو الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة، أو السادسة. ولو لم يكن كذلك، ما صُلِّيتِ الجُمُعَةُ حتَّى يكون النهارُ تسعَ ساعات في وقت العصر، أو قريباً من ذلك. وكان ابنُ حبيب، يُنكر مالك هذا، ويميل إلى القول الأول، وقال: قول مالك هذا تحريف في تأويل الحديث، ومحال من وجوه. وقال: يدلُّك أنه لا يجوز ساعات في ساعة واحدة: أن الشمس إنما تزول في الساعة السادسة من النهار، وهو وقت الأذان، وخروجِ الإِمام إلى الخطبة، فدل ذلك على أن الساعات في هذا الحديث هي ساعات النهار المعروفات، فبدأ بأول ساعات النهار، فقال: من راح في الساعة الأولى، فكأنَّما قرب بدنة، ثم قال: في الساعة الخامسة بيضة، ثم انقطع التهجير، وحان وقت الأذان، فشرحُ الحديث بيِّن في لفظه، ولكنه حُرِّفَ عن موضعه، وشُرِحَ بالخُلْفِ مِن القول، وما لا يكون، وزهَّد شارحُه الناسَ فيما رغبهم فيه رسولُ الله ب ـ18 من التهجير من أول النهار، وزعم أن ذلك كلَّه إنما يجتمع في ساعة واحدة قربَ زوال الشمس، قال: وقد جاءت الآثارُ بالتهجير إلى الجمعة في أول النهار، وقد سُقنا ذلك في موضعه من كتاب واضح السنن بما فيه بيان وكفاية. هذا كله قول عبد الملك بن حبيب، ثم رد عليه أبو عمر، وقال: هذا تحامل منه على مالك رحمه الله تعالى، فهو الذي قال القول الذي أنكره وجعله خُلفاً وتحريفاً من التأويل، والذي قاله مالك تشهد له الآثار الصحاح من رواية الأئمة، ويشهد له أيضاً العملُ بالمدينة عنده، وهذا مما يصحُّ فيه الاحتجاجُ بالعمل، لأنه أمر يتردّد كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء. فمن الآثار التي يحتج بها مالك، ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، أن النبي ◌ََّ قال: ((إذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، قَامَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوابٍ المَسْجِدِ مَلاَئِكَةٌ، يَكْتُبُونَ النَّاسَ، الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، فالمُهَجِّرُ إِلَى الجُمُعَةِ ٣٨٩ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِهِ كالمُهْدِي بَقَرَةَ، ثُمَّ الَّذِي يَليهِ كَالمُهْدِي كَبْشَاً، حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَة وَالْبَيْضَةَ، فإذَا جَلَسَ الإِمَامُ، طُويَتِ الصُّحُفُ، واسْتَمَعُوا الخُطْبَة))(١). قال: ألا ترى إلى ما في هذا الحديث، فإنه قال: يكتبونَ الناس الأول فالأول، فالمهجِّرُ إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه فجعل الأول مهجراً، وهذه اللفظة إنما هي مأخوذة من الهاجرة والتهجير، وذلك وقت النهوض إلى الجمعة، وليس ذلك وقتَ طلوع الشمس، لأن ذلك الوقت ليس بهاجرة ولا تهجير، وفي الحديث: ((ثمَّ الذي يليه، ثمَّ الذي يليه)). ولم يذكر الساعة. قال: والطرق بهذا اللفظ كثيرة، مذكورة في ((التمهيد))، وفي بعضها ((المتعجِّلُ إلى الجُمُعَةِ كالمُهْدِي بَدَنَةً)). وفي أكثرها («المهجِّرُ كالمُهْدِي جَزُورًا)) الحديث. وفي بعضها، ما يدل على أنه جعل الرائح إلى الجمعة في أول الساعة كالمُهدي بدنة، وفي آخرها كذلك، وفي أول الساعة الثانية كالمهدي بقرة، وفي آخرها كذلك. وقال بعض أصحاب الشافعي: لم يُرد ◌َِل بقوله: ((المهجِّرُ إلى الجُمُعَةِ كالمُهْدِي بَدَنَةً))، الناهض إليها في الهجير والهاجرة، وإنما أراد التارك لأشغاله وأعماله من أغراض أهل الدنيا للنهوض إلى الجمعة، كالمُهدي بدنة، وذلك مأخوذ من الهجرة وهو تركُ الوطن، والنهوضُ إلى غيره، ومنه سمِّي المهاجرون. وقال الشافعي رحمه الله: أحبُّ التبكير إلى الجمعة، ولا تُؤتی إلا مشياً. هذا كله كلامُ أبي عمر. قلت: ومدار إنكار التبكير أول النهار على ثلاثة أمور، أحدها: على لفظة الرواح، وإنها لا تكون إلا بعد الزوال، والثاني: لفظة التهجير، وهي إنما تكون (١) رواه البخاري ٣٣٦/٢ في الجمعة: باب الاستماع إلى الخطبة يوم الجمعة، ومسلم (٨٥٠) في الجمعة: باب فضل التهجير يوم الجمعة، والنسائي ٩٨/٣ في الجمعة: باب التبكير إلى الجمعة، وابن ماجه (١٠٩٢) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في التهجير إلى الجمعة . ٣٩٠ بالهاجرة وقت شدة الحر، والثالث: عمل أهل المدينة، فإنهم لم يكونوا يأتون من أول النهار. فأما لفظة الرواح، فلا ريب أنها تُطلق على المضي بعد الزوال، وهذا إنما يكون في الأكثر إذا قُرنت بالغُدوِّ، كقوله تعالى: ﴿غُدُوُهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]، وقوله مَّ: ((مَنْ غَدا إلى المَسْجِد وَرَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلاً في الجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ)(١) . وقول الشاعر. قديأتي الرواح بمعنى الذهاب ٠٠ نَرُوحُ وَنَغْدُوْ لِحَاجَاتِنَا وَحَاجَةُ مَنْ عَاشَ لا تَنْقَضِي(٢) وقد يُطلق الرواحُ بمعنى الذهاب والمضي، وهذا إنما يجيء، إذا كانت مجردة عن الاقتران بالغدو . وقال الأزهري في ((التهذيب)): سمعت بعضَ العرب يستعمِلُ الرواح في السير في كل وقت، يقال: راح القوم: إذا سارُوا، وغدَوْا كذلك، ويقول أحدهم لصاحبه: تروَّح، ويخاطب أصحابه، فيقول: رُوحوا أي: سيروا، ويقول الآخر: ألا تروحُونَ؟ ومِنْ ذلك ما جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة، وهو بمعنى المضي إلى الجمعة والخِفَّةِ إليها، لا بمعنى الرواح بالعشي(٣). (١) رواه أحمد في ((المسند)) ٥٠٩/٢، والبخاري ١٢٤/٢ في الجماعة: باب من جلس في المسجد ينتطر الصلاة، وفضل المساجد، ومسلم (٦٦٩) في المساجد: باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) البيت للصلتان السعدي من قصيدة أوردها الجاحظ في ((الحيوان)» ٤٧٧/٣ ومطلعها. ــرَكرُّ الغداة ومرُّالعشي أشابَ الصَّغير وأفنى الكبيـ أتى بعد ذلك يومٌ فتي إذا ليلة هرَّمت يومها نروح ... وتبقى له حاجة مابقي تموت مع المرء حاجاته وانظر تخريجها فيه . (٣) ((التهذيب)) ٢٢١/٥، ٢٢٢. ٣٩١ قد يأتي التهجير بمعنى التبكير وأما لفظ التهجير والمهجِّر، فمن الهجير، والهاجرة، قال الجوهري: هي نصف النهار عند اشتداد الحر، تقول منه: هجَّر النهارُ، قال امرؤ القيس: فَدَعْها وَسَلِّ الهَمَّ عنها بِجَسْرَةٍ ذَمُولٍ إذا صَامَ النَّهَارُ وهَجَّرًا(١) ويقال: أتينا أهلنا مهجِّرين، أي: في وقت الهاجرة، والتهجير والتهجُّر: السير في الهاجرة، فهذا ما يقرِّر به قولُ أهل المدينة . قال الآخرون: الكلام في لفظ التهجير، كالكلام في لفظ الرواح، فإنه يطلق ويُراد به التبكير . قال الأزهري في ((التهذيب)): روى مالك، عن سُمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّه: «لو يَعْلَمُ النَّاسُ ما في التَّهجير، لاسْتَبقوا إليه))(٢). وفي حديث آخر مرفوع: ((المهجِّرُ إلى الجُمُعةِ كالمُهْدِي بَدَنة))(٣). قال: ويذهب كثيرٌ من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث تفعيل من الهاجرة وقتَ الزوال وهو غلط، والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفي، عن النَّضر بن شُميل، أنه قال: التهجيرُ إلى الجمعة وغيرها: التبكير والمبادرة إلى كل شيء قال: سمعتُ الخليلَ يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث. قال الأزهري: وهذا صحيح، وهي لغة أهل الحجاز ومن جاورهم من قیس، قال لبید: (١) البيت في ديوانه ص ٦٣ من قصيدته التي مطلعها. وحلَّت سليمي بطنَ قَوَّ فعرعرا سمالك شوقٌ بعد ما كان أقصرا والجسرة: الناقة النشيطة، والذمول: التي تسير الذميل وهو سير سريع، ومعنى صام النهار: قام واعتدل، وهجر: من الهاجرة وشدة الحر. (٢) رواه مالك في ((الموطأ)) ٦٨/١ في الصلاة: باب ما جاء في النداء للصلاة، ورواه أيضاً البخاري ٧٨/٢ في الأذان: باب الاستهام وإقامتها. (٣) تقدم تخريجه ص ٣٩٠. ٣٩٢ .. فَمَا تُواصِلُهُ سَلْمَى وَمَا تَذَرُ (١) رَاحَ القَطِينُ بِهَجْرٍ بَعْدَ ما ابْتَكَرُوا فقرن الهَجر بالابتكار، والرواحُ عندهم: الذهاب والمضي، يقال: راح القوم: إذا خقُّوا ومَرُّوا أيّ وقت كان. وقوله ◌ََّ: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في التَّهْجِيرِ، لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ)» أراد به التكبيرَ إلى جميع الصَّلوات، وهو المضي إليها في أول أوقاتها، قال الأزهري: وسائر العرب يقولون: هَّر الرجل: إذا خرج وقت الهاجرة، وروى أبو عبيد عن أبي زيد: هجَّر الرجل: إذا خرج بالهاجرة. قال: وهي نصف النهار. ثم قال الأزهري: أنشدني المنذري(٢) فيما روى الثعلب، عن ابن الأعرابي في «نوادره)»، قال: قال جِعْئِنَةُ بنُ جوَّاس الرَّبعِي في ناقته: أَزْمَانَ أَنْتِ بِعُرُوضِ الجَفْرِ هَلْ تَذْكُرِينَ قَسَمِي ونَذْرِي عَلَيَّ إِنْ لَمْ تَنْهَضِي بِوِقْرِي إِذْ أَنْتِ مِضْرَارٌ جوادُ الحُضْرِ بِالخَالِدِيِّ لا بِصَاعِ حَجْرٍ بِأَرْبَعِينَ قُدِّرَتْ بِقَدْرِ يُهَجِّرُونَ بِهَجِيرِ الفَجْرِ وَتَصْحَبِي أَيَانِقاً في سَفْرٍ يَطْوُونَ أَعْرَاضَ الفِجَاجِ الغُبْرِ ثُمَّتَ تَمْشِي لَيْلَهُمْ فَتَسْرِي طَيَّ أَخِي النَّجْرِ بُرُودَ الَّجْرِ(٣) قال الأزهري: يُهجِّرون بهجير الفجر، أي: يبكرون بوقت السَّحَرِ. وأما كون أهل المدينة لم يكونوا يَرُوحون إلى الجمعة أوَّل النهار، فهذا غايةٌ عملهم في زمان مالك رحمه الله، وهذا ليس بحجة، ولا عند مَن يقول: إجماعُ (١) ديوانه ص ٤٥ . (٢) هو محمد بن جعفر أبو الفضل المنذري الهروي اللغوي الأديب أخذ العربية عن ثعلب والمبرد، وله عدة مصنفات روى عن الأزهري توفي ٣٢٩ هـ ((معجم الأدباء)) ٩٩/١. (٣) ((التهذيب)) ٤٣/٦، ٤٥، والجفر: موضع بنجد، وناقة مضرار: إذا كانت تَنْدُّ وتركب شقها من النشاط، والوقر: الثقل، والخالدي: ضرب من المكاييل، والأيانق جمع ناقة . ٣٩٣ أهل المدينة حجة، فإن هذا ليس فيه إلا تركُ الرواح إلى الجمعة من أول النهار، وهذا جائز بالضرورة. وقد يكون اشتغالُ الرجل بمصالحه ومصالح أهله ومعاشِه وغيرِ ذلك من أمور دينه ودنياه أفضلَ مِن رَوَاحه إلى الجمعة من أوَلَ النهار، ولا ريبَ أن انتظارَ الصلاة بعد الصلاة، وجلوسَ الرجل في مصلاه حتى يُصليَ الصلاة الأخرى، أفضلُ من ذهابه وعوده في وقت آخر للثانية، كما قال ◌َ﴾: ((والَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ، ثُمَّ يُصَلِّيهَا مَعَ الإِمامِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يُصَلِّي، ثُمَّ يَرُوحُ إِلى أَهْلِه))(١) وأخبر «أن الملائِكَة لم تَزَلْ تُصلي عليه ما دامَ في مُصلاه)) (٢) وأخبر ((أن انتظار الصلاة بعد الصلاة، مما يمحُو اللَّهُ به الخَطايا ويَرْفَعُ بِهِ الدرجات، وأنه الرِّباطُ)) (٣) وأخبر ((أن الله يُبَاهِي مَلاَئِكَتَه بِمَن قَضَى فَرِيضَةً وجَلَسَ يَنْتَظِرُ أُخْرَى)) (٤) وهذا يدل على أن من صلَّى الصبح، ثم جلس ينتظِرِ الجمعة، فهو أفضلُ ممن يذهب، ثم يجيء في وقتها، وكون أهل المدينة وغيرهم لا يفعلون ذلك، لا يدل على أنه مكروه، فهكذا المجيء إليها والتبكيرُ في أول النهار، والله أعلم. الخامسة والعشرون: أن للصدقة فيه مزيةً عليها في سائر الأيام، والصدقةُ فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع، كالصدقةِ في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر (١) رواه البخاري في ((صحيحه)) ١١٦/٢ في الأذان: باب فضل صلاة الفجر في جماعة، ومسلم (٦٦٢) في المساجد: باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد. من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه بلفظ ((ان أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإِمام أعظم أجراً من الذي يصليها ثم ينام)). (٢) رواه مالك في ((الموطأ)) ١٦٠/١ في قصر الصلاة: باب انتظار الصلاة والمشي إليها، والبخاري ١١٩/٢ في الأذان: باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، ومسلم (٦٤٩) في المساجد: باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة من حديث أبي هريرة. (٣) رواه مالك في ((الموطأ)) ١٦١/١ في قصر الصلاة: باب انتظار الصلاة والمشي إليها، ومسلم (٢٥١) في الطهارة: باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره من حديث أبي هريرة. (٤) رواه ابن ماجه (٨٠١) في المساجد والجماعات: باب لزوم المساجد وانتظار الصلاة من حديث عبد الله بن عمرو، وإسناده صحيح، وصححه البوصيري في ((الزوائد)). ٣٩٤ الشهور. وشاهدتُ شيخَ الإِسلام ابن تيمية قدس الله روحه، إذا خرج إلى الجمعة يأخذُ ما وجد في البيت من خبز أو غيره، فيتصدق به في طريقه سراً، وسمعتُه يقول: إذا كان الله قد أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله وَله، فالصدقة بين یدي مناجاته تعالی أفضلُ وأولی بالفضيلة. وقال أحمد بن زهير بن حرب: حدثنا أبي، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: اجتمع أبو هريرة، وكعب، فقال أبو هريرة: إن في الجمعة لساعةً لا يُوافِقها رجلٌ مسلم في صلاة يسألُ الله عز وجل شيئاً إلا آتاه إيّاه، فقال كعب: أنا أحدِّتُكم عن يوم الجمعة، إنه إذا كان يومُ الجمعة فَزِعت له السماواتُ والأرضُ، والبرُّ، والبحرُ، والجبال، والشجرُ، والخلائقُ كلُّها، إلا ابنَ آدم والشياطين، وحفَّت الملائكة بأبواب المسجد، فيكتُبون من جاء الأول فالأول حتى يخرج الإِمام، فإذا خرج الإِمام، طَوَوْا صُحُفَهم، فمن جاء بعدُ، جاء لحق الله، لما كُتب عليه، وحقٌّ على كُلِّ حالِم أن يغتسِل يومئذ كاغتساله من الجنابة، والصدقةُ فيه أعظمُ من الصدقة في سائر الأَيَّامِ، ولم تطلع الشمس ولم تغرُب على مثل يوم الجمعة. فقال ابن عباس: هذا حديث كعب وَأَبي هريرة، وأنا أرى إن كان لأهله طيبٌ يمسُّ منه(١) . يوم تجلي الله فيه لأوليائه في الجنة السادسة والعشرون: أنه يوم يتجلَّى الله عزَّ وجلَّ فيه لأوليائه المؤمنين في الجنة، وزيارتهم له، فيكون أقربُهم منهم أقربَهم من الإِمام، وأسبقهم إلى الزيارة أسبقَهم إلى الجمعة. وروى يحيى بن يمان، عن شريك، عن أبي اليقظان، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، في قوله عز وجل: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [قَ: ٣٥] قال: يتجلَّى لهم في كلِّ جمعة (٢) . وذكر الطبراني في «معجمه))، من حديث أبي نعيم المسعودي، عن المِنهال بن عمرو، عن أبي عُبيدة قال: قال عبد الله: سارعوا إلى الجُمُعةِ، فإن الله عز وجل يَبْرُز لأهلِ الجنة في كل جُمعَة في كَثِيبٍ مِنْ كافُور فيكونون منه في رجاله ثقات، وإسناده صحيح، وهو في ((المصنف)) (٥٥٥٨). (١) ٩ (٢) يحيى بن اليمان، وشريك القاضي، وشيخه ثلاثتهم ضعفاء، وذكره ابن كثير في (التفسير)) ٢٢٨/٤ من رواية البزار وابن أبي حاتم. ٣٩٥ القُرب على قدر تسارعهم إلى الجمعة، فيُحدِثُ اللَّهُ سُبحانه لهم مِن الكرامة شيئاً لم يكونوا قد رأوه قبل ذلك، ثم يَرجِعُون إلى أهليهم، فيُحدِّثونهم بما أحدث الله لهم. قال: ثم دخل عبدُ الله المسجد، فإذا هو برجلين، فقال عبدُ الله: رجلان وأنا الثالث، إن يشأِ اللَّهُ يُبارك في الثالث(١). وذكر البيهقي في ((الشُّعَبِ)) عن علقمة بن قيس قال: رُحت مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إلى جمعة، فوجد ثلاثة قد سبقوه، فقال: رابعُ أربعة، وما رابعُ أربعة ببعيد. ثم قال: إني سمعتُ رسولَ الله ◌َِّ يقول ((إنَّ النَّاسَ يَجْلِسُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ اللَّهِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إلى الجُمُعَةَ، الأول، ثُمَّ الثاني، ثُمَّ الثالث، ثُمَّ الرابع)). ثم قَالَ: وَمَا أَرْبَعُ أَرْبَعَةِ بِبَعِيدٍ(٢). قال الدارقطني في كتاب ((الرؤية)): حدثنا أحمد بن سلمان بن الحسن، حدثنا محمد بن عثمان بن محمد، حدثنا مروان بن جعفر، حدثنا نافع أبو الحسن مولى بني هاشم، حدثنا عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، رَأَى المُؤْمِنُونَ رَبَّهم، فَأَحْدَثُهُمْ عَهْداً بِالنَّظَرِ إِلَيهِ مَنْ بَكَّرَ في كُلِّ جُمُعَةٍ، وَتَرَاهُ المُؤْمِنَاتُ يَوْمَ الفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ))(٣). حدثنا محمد بن نوح، حدثنا محمد بن موسى بن سفیان السكري، حدثنا عبد الله بن الجهم الرازي، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن أبي طيبة، عن عاصم، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن أنس بن مالك رضي اللَّهِ عنه، عن رسول الله وَ﴾، قال: ((أَتَانِي جِبْرِيْلُ وَفِي يَدِهِ كَالِمِرْآَةِ الْبَيْضَاءِ فِيهَا كَالنُّكْتَةِ السَّوْدَاءِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذِهِ الجُمُعَةُ يَعْرِضُهَا اللَّهُ عَلَيْكَ لِتَكُونَ (١) ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ١٧٨/٢ وقال: رواه الطبراني في ((الكبير)) وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، فهو منقطع. (٢) ورواه ابن ماجه (١٠٩٤) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في التهجير إلى الجمعة، وإسناده حسن، حسنه المنذري في ((الترغيب والترهيب)) والبوصيري في ((الزوائد)). (٣) في سنده من لايعرف. ٣٩٦ لَكَ عِيداً ولِقَوْمِكَ مِنْ بَعْدِكَ، قُلْتُ: وَمَا لَنَا فيها؟ قَالَ: لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ، أَنْتَ فِيهَا الأَوَّلُ، واليَهُودُ وَالنَّصَارَى مِنْ بَعْدِكَ، وَلَكَ فِيهَا سَاعَةٌ لاَ يَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدٌ فِيهَا شَيْئاً هُوَ لَهُ قَسْمٌ إِلاَّ أَعْطَاهُ، أَوْ لَيْسَ لَهُ قَسْمٌ إِلاَّ أَعْطَاهُ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَأَعَاذُه اللَّهُ مِنْ شَرِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ، وإِلَّ دَفَعَ عَنْهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذُلِك. قال: قُلْتُ: وَمَا هذِهِ النُّكْتَةُ السَّوْدَاءُ؟ قَالَ: هِيَ السَّاعَةُ تَقُومُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَهُوَ عِنْدَنَا سَيِّدُ الأَيَّامِ، وَيَدْعُوهُ أَهْلُ الآخِرَةِ يَوْمَ المَزيدِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! وَمَا يَوْمُ المَزِيدِ؟ قالَ: ذلِكَ أَنَّ رَبَّكَ عَزَّ وَجَلَّ انَّخَذَ في الجَنَّةِ وَادِياً أَفْتَحَ مِنْ مِسْكِ أَبْيَضَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، نَزَلَ عَلَى كُرْسِيِّه، ثُمَّ حُفَّ الكُرْسِيُّ بِمَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، فَيَجِيءُ النَِّيُّونَ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَيْهَا، ثُمَّ حُفَّ المَنَابِرُ بِمَنَابِرَ مِنْ ذَهَبٍ، فَيَجِيءُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَيْهَا، وَيَجِيءُ أَهْلُ الغُرِفِ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَى الكُثُبِ، قَالَ: ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ، قال: فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَيَقُولُ: أَنَا الَّذِيِ صَدَقْتُكُمْ وَعْدِي، وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وهَذَا مَحَلُّ كَرَامَتِي فَسَلُونِي، فَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَى. قَالَ: رِضَايَ أَنزَلَكُمْ دَارِي، وَأَنَالَكُمْ كَرَامَتِي، فَسَلُونِي، فَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَى. قَالَ: فَيَشْهَدُ لَّهُمْ بِالرِضَى، ثُمَّ يَسْأَلُونَهُ، حَتَّى تَنْتَهِيَ رَغْبَتُهُمْ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنُّ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبٍ بَشَرٍ. قَالَ: ثُمَّ يَرْتَفِعُ رَبُّ العِزَّةِ، وَيَرْتَفِعُ مَعَهُ النَِّيُّونَ وَالشُّهَدَاءِ، ويَجِيءُ أَهْلُ الغُرَفِ إِلى غُرَفِهِم. قَال: كُلُّ غُرْفَةٍ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ لا وَصْلَ فِيهَا وَلاَ فَصْمَ، يَاقُوتَة حَمْرَاءُ، وغُرْقَةٌ مِنْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْراء، أَبوابُها وعَلَاَلِيْهَا وسقَائِفُهَا وَأَغْلاقُها مِنها أنهارُها مُطَّرِدَة متدلَِّة فِيهَا أَثْمَارُهَا، فِيها أَزْواجُهَا وخَدَمُها. قال: فَلَيْسُوا إِلَى شَيءٍ أَخْوَجَ مِنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الجُمُعَةِ لِيَزْدَادُوا مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ والنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الكَرِيمِ، فَذُلِكَ يَوْمُ المَزِيدِ)) (١). ولهذا الحديثِ عدةُ طرق، ذكرها أبو الحسن الدار قطني في كتاب ((الرؤية)). (١) إسناده ضعيف لضعف عثمان بن عمير وهو في ((مسند الشافعي)) بنحوه ١٤٨/١ في الجمعة: باب فضل يوم الجمعة وفي ساعة الإجابة. وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)» ١٠٨/٦ وزاد نسبته لابن أبي شيبة، والبزار، وأبي يعلى، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني في «الأوسط))، وابن مردويه، والآجري في ((الشريعة))، والبيهقي في الرؤية، وأبي نصر السجزي في ((الإبانة)). ٣٩٧ هو الشاهد في قوله تعالى: ﴿وشاهد ومشهود﴾ السابعة والعشرون: أنه قد فُشِّرَ الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه بيوم الجمعة، قال حُميد بن زنجويه: حدثنا عبد الله بن موسى، أنبأنا موسى بن عُبيدة، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهرَّة: ((اليَوْمُ المَوْعُودُ: يَوْمُ القِيَامَةِ، والْيَوْمُ المَشْهُودُ: هو يَوْمُ عَرَفَة، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ، وَلاَ غَرَبَتْ عَلَى أَفْضَلَ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، فِيهِ سَاعَةٌ لاَ يُوافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ فِيهَا بِخَيْرٍ إِلَّ اسْتَجَابَ لَهُ، أَوْ يَسْتَعِيذُهُ مِنْ شَرِّإِلاَّ أَعَاذَهُ مِنْهُ(١) . ورواه الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده))، عن روح، عن موسى بن عُبيدة. وفي ((معجم الطبراني))، من حديث محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضَمضم بن زرعة، عن شُريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسولُ اله ◌َّةِ: ((الْيَوْمُ المَوْعُودُ: يَوْمُ القِيَامَةِ، والشَّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، والمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ الجُمُعَةِ ذَخَرَهُ اللَّهُ لَنَا، وَصَلاةُ الوُسْطَى صَلاَةُ العَصْرِ(٢) وقد رُوي من حديث جُبير بن مطعم(٣) . (١) رواه الترمذي (٣٣٣٦) في التفسير: باب ومن سورة البروج، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث ضعفه يحيى بن سعيد وغيره من قبل حفظه، وذكره ابن كثير في ((التفسير)) ٤٩١/٤ وقال: وهكذا روى هذا الحديث ابن خزيمة من طرق عن موسى بن عُبيدة الربذي وهو ضعيف الحديث، وقد روي موقوفاً عن أبي هريرة وهو أشبه. وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)» ٣٣١/٦، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في (الأصول))، وابن جرير ١٢٩/٣٠، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في ((السنن)). محمد بن إسماعيل بن عياش عابوا عليه أنه لم يسمع من أبيه، وذكره الهيثمي في (٢) ((مجمع الزوائد)) ١٣٥/٧ في تفسير سورة البروج وقال: وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف. وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٣٢/٦، وزاد نسبته لابن جرير ١٢٩/٣٠ والطبراني. (٣) ذكره السيوطي ٣٣٢/٦، ونسبه لابن مردويه وابن عساكر. ٣٩٨ قلت: والظاهر - والله أعلم -: أنه من تفسير أبي هريرة، فقد قال الإِمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شُعبة سمعت علي بن زيد ويونس بن عبيد يحدثان عن عمارٍ مولى بني هاشم، عن أبي هريرة، أما علي بن زيد، فرفعه إلى النبي، وأما يونس، فلم يَعْدُ أبا هريرة أنه قال: في هذه الآية: ﴿وشَاهِدٍ وَمَشْهُود﴾ قال: الشاهِدُ: يومُ الجمعة، والمشهودُ يومُ عرفة، والموعودُ: يوم القيامة (١). هو اليوم الذي تفزع فيه الخلائق إلا الإنس والجن الثامنة والعشرون: أنه اليوم الذي تفزع منه السماواتُ والأرضُ، والجبالُ والبحارُ، والخلائقُ كلُّها إلا الإِنسَ والجِنَّ، فروى أبو الجوَّاب، عن عمّار بن رزيق، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: اجتمع كعب وأبو هريرة، فقال أبو هريرة: قال رسولُ اللهِ وََّ: ((إنَّ في الجُمُعَةِ لَسَاعَةٌ لا يُوافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرَ الذُّنْيَا والآخِرَة إلاّ أعطاه إياه)). فَقَالَ كَعْبٌّ: ألا أُحَدَّثكم عَنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فَزِعَتْ لَهُ السَّماواتُ والأَرْضُ، والجِبالُ، والبحار، والخلائق كلُّها إلا ابنَ آدم والشياطين، وحقَّتِ الملائكةُ بأبواب المساجد، فيكتُبُونَ الأَوَّلَ فالأَوَّل حتى يخرجَ الإِمامُ، فَإِذَا خَرَجَ الإِمامُ، طَوَوْا صُحُفَهُم، ومَنْ جَاءَ بَعْدُ جَاءَ لِحَقِّ اللَّهِ، ولِمَا كُتِبَ عَلَيْهِ، ويَحِقُّ عَلَى كُلِّ حالِم أَنْ يَغْتَسِلَ فيه، كاغتِسالِهِ مِنَ الجَنَابَةِ، والصَّدَقَةُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي سَائِرِ الأيَّامِ، وَلَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ وَلَمْ تَغْرُبْ عَلَى يَوْمٍ كَيَوْمِ الجُمُعةِ. قال ابن عباس: هذا حديث كعب وأبي هريرة، وأنا أرى، من كان لأهلهَ طِيب أن يمسَّ منه يومئذ (٢). وفي حديث أبي هُريرة: عن النبي ◌َّ ((لا تطلُعُ الشمسُ ولا تغرُّب على يوم أفضلَ مِن يوم الجمعة، وما من دابة إلا وهي تفزَعُ ليوم الجمعة إلا هذين الثَّقلين مِن الجن والإنس))، وهذا حديث صحيح (٣). وذلك أنه اليوم الذي تقومُ فيه الساعة، ويُطوى العالم، وتَخْرَب فيه الدنيا، ويُبعث فيه الناس إلى منازلهم من (١) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٢٩٨/٢، والحاكم ٥١٩/٢ مرفوعاً وموقوفاً، أما المرفوع، فضعيف لضعف علي بن زيد، وأما الموقوف، فسنده قوي. (٢) تقدم تخريجه ص٣٧٥ وهو صحيح. تقدم تخريجه ص٥٩ . (٣) ٣٩٩ الجنة والنار. هو اليوم الذي هدی الله هذه الأمة له التاسعة والعشرون: أنه اليومُ الذي ادَّخره الله لهذه الأمة، وأضلَّ عنه أهلَ الكِتاب قبلهم، كما في ((الصحيح))، من حديث أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((ما طلعتِ الشَّمْسُ، ولا غَرَبَتْ عَلَى يَوْمِ خَيْرٍ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، هَدَانا اللَّهُ لَهُ، وَضَلَّ النَّاسُ عَنْهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعِّ، هُوَّ لَنَا، وَللَّهُوَدِ يَوْمُ السَّبْت، ولِلنَّصَارَى يَوْمُ الأحَدِ))(١). وفي حديث آخر ((ذخره اللَّهُ لَنَا)). وقال الإِمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، عن حُصين بن عبد الرحمن، عن عمر بن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن عائشة قالت: بينا أنا عِند النبي ◌َّ، إذ استأذن رجلٌ من اليهود، فأذن له، فقال: السَّامُ عَلَيْكَ، قال النبي ◌َّهُ : وَعَلَيْكَ. قالت: فَهَمِمْتُ أن أَتَكلَّم، قالت: ثم دخل الثانية، فقال مِثلَ ذلك، فقال النبيِ نَّهُ: وَعَلَيْكَ، قالت: فَهَمَمْتُ أن أتكلّم، ثم دخل الثالثة، فقال: السَّامُ عليكم، قالت، فقلتُ: بل السَّامُ عَلَيْكُم، وغَضَبُ الله، إخوانَ القردة والخنازير، أَتُحَيُّون رسولَ الله بما لم يُحيِّه به اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. قالت: فنظر إليَّ فقال: مَهْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفُحْشَ وَلاَ النَّفَخُشَ، قَالُوا قَوْلاً فَرَدَدْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَضُرَّنَا شَيْئاً، وَلَزِمَهُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، إِنَّهُمْ لا يَحْسُدُونَنَا عَلَى شيءٍ كَمَا يَحْسُدُونَنَا عَلَى الجُمُعَةِ الَّتِي هَدَانَا اللَّهُ لَها، وضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلى القِبْلَةِ الَّتِي هَذَانَا اللَّهُ لَهَا، وضَلُّوا عَنْها، وعَلَى قَوْلِنَا خلف الإِمام: آمين(٢) . وفي (الصحيحين)) من حديث أبي هريرة، عن النبي وَّةُ، («نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدانًا اللَّهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، اليَهُودُ غَداً، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ)(٣). معنى بَيْدَ أنهم وفي ((بيد)) لغتان بالباء، وهي المشهورة، ومَيْدَ بالميم، حكاها أبو عبيد. (١) تقدم تخريجه ص٣٥٤. رواه أحمد ١٣٤/٦، ١٣٥ وسنده حسن، وله شواهد في الصحيح وغيره. (٢) (٣) تقدم تخريجه ص٣٥٣. ٤٠٠