النص المفهرس
صفحات 361-380
وذكر أبو نعيم في ((صفة الجنة)) من حديث المسعودي، عن المنهال، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: سارعوا إلى الجُمُعة في الدنيا، فإن الله تبارك وتعالى يَبْرُزُ لأهل الجنة في كل جمعة على كثيب من كافور أبيض، فيكونون منه سبحانه بالقرب على قدر سُرعتهم إلى الجمعة، ويُحْدِثُ لهم من الكرامة شيئاً لم يكونوا رأوه قبل ذلك، فيرجِعون إلى أهليهم وقد أحدث (١) لهم (١) . فصل في مبدإ الجمعة قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، قال: حدثني عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: كنت قائدَ أبي حين كُفَّ بصرُه، فإذا خرجتُ به إلى الجمعة، فسمع الأذانَ بها، استغفر لأبي أمامة أسعد بنِ زُرارة، فمكث حيناً على ذلك فقلت: إن هذا لعجز ألا أسأله عَنْ هذا، فخرجتُ به كما كنتُ أخرج، فلما سمع الأذان للجمعة، استغفرَ له، فقلت : يا أبتاه! أرأيتَ استغفارَك لأسعد بنِ زُرارة كلما سمعتَ الأذان يومَ الجمعة؟ قال: أيْ بُنَيَّ! كان أسعدُ أولَ من جمَّع بنا بالمدينة قبل مَقْدَم رسول الله ◌َّهَ فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِن حَرَّة بني بَياضة في نقيع يُقال له: نقيع الخَضَماتِ. قلتُ: فكم كُنتم يومئذ؟ . قال: أربعون رجلاً. (١) المسعودي - وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود المسعودي - قد اختلط قبل موته، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود يروي عن أبيه ولم يسمع منه. فالإِسناد ضعيف ومنقطع. (٢) أخرجه ابن هشام في ((السيرة النبوية)) ٤٣٥/١، وأبو داود (١٠٦٩) في الصلاة: باب الجمعة في القرى، وابن ماجه (١٠٨٢) في إقامة الصلاة: باب في فرض الجمعة، والحاكم ٢٨١/١، والبيهقي ١٧٦/٣ وسنده قوي، فقد صرَّح ابن إسحاق بالتحديث = ٣٦١ قال البيهقي، ومحمد بن إسحاق إذا ذكر سماعه من الراوي، وكان الراوي ثقة، استقام الاسنادُ، وهذا حديث حسن صحيح الاسناد انتهى. ءِ ء قلت: وهذا كان مبدأ الجمعة. ثم قَدم رسولُ الله ◌َّ المدينة، فأقام بقُباء في بني عمرو بن عوف، كما قاله ابنُ إسحاق يوم الاثنين، ويومَ الثلاثاء، ويومَ الأربعاء، ويومَ الخميس، وأَسَّس مسجدَهم، ثم خرج يومَ الجمعة، فأدركته الجمعةُ في بني سالم بن عوف، فصلاَّها في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانت أوَّل جمعة صلاها بالمدينة، وذلك قبل تأسيس مسجده (١). قال ابن إسحاق: وكانت أوَّل خطبة خطبها رسولُ الله ◌َلّ فيما بلغني عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن - ونعوذ بالله أن نقول على رسول الله ما لم يقُلْ - أنه قام فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: ((أمَّا بَعْدُ أيُّها النَّاسُ، فَقَدِّمُوا لَأَنْفُسكم تَعْلَمُنَّ وَاللَّه لَيُصْعَقَنَّ أحَدُكم، ثُمَّ لَيَدَعَنَّ غَنَمَه لَيْس لها رَاعٍ، ثُمَّ ليقولَنَّ لَّهُ رَبُّهُ ولَيْس ◌َهُ تُرْجِمان، ولا حاجبٌ يَحْجُبُهُ دُونِه: أَلَمْ يَأْتِكَ رَسولي، فَبَلَّغَك، وأَتَيْتُكْ مَالاَ، وأَفْضَلْتُ عَلَيْكَ، فَمَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِك، فَلَنْظُرَنَّ يميناً وشمالاً، فلا يَرِى شَيئاً، ثُمَّ لَيَنْظُرَنَّ قُدَّامَه فَلاَ يَرَىْ غَيْرَ جَهَنَّم، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ مِنَ النَّارِ ولو بشقٌّ مِنْ تَمْرَة، فَلْيَفْعَل، ومن لَمْ يَجد، فَبِكَلَمَّةٍ طَيِّة، فَإِنَّ بَهَا تُجْزِى الحَسنةُ بعَشْرَ أَمْثَالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)) (٢). عند ابن هشام والحاكم والبيهقي، فانتفت شبهة تدليسه، لكن لا حجة فيه على = اشتراط الأربعين كما لا يخفى. والنقيع: بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مدة، فإذا نضب الماء، أنبت الكلأ، ومرة بني بياضة: قرية على ميل من المدينة. (١) ذكره ابن هشام في ((السيرة النبوية)) ٤٩٤/١. (٢) ذكرها ابن هشام في ((السيرة النبوية)) ١/ ٥٠٠، ٥٠١ وابن إسحاق رأى أبا سلمة بن عبد الرحمن ولم يرو عنه، وأبو سلمة بن عبد الرحمن يروي عن بعض الصحابة ولم يدرك رسول الله ﴾ فإنه قد توفي سنة ٩٤ هـ . ٣٦٢ قال ابن إسحاق: ثم خطب رسولُ اللهَ وَّل مرة أخرى، فقال: ((إن الحمد لله أَحْمَدُهُ وأَسْتَعِينُه، نَعوذُ بالله مِنْ شُرور أنْفُسِنا، وسَيِّئَاتِ أعْمالِنَا مَنْ يَهْدِه الله، فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ، فلا هادِيَ له، وأَشْهَدُ أن لا إله إلاَّ اللَّهُ وَحْدَه لا شَريكَ له، إِنَّ أَحْسَنَ الحَديث كِتابُ الله، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَيَّنَه الله في قلبه، وأدخله في الإِسلام بعد الكفر، فاختارَه على ما سواه مِنْ أحاديث النَّاس، إنَّه أَحْسَنُ الحديثِ وأَبْلغُه، أَحِبُّوا ما أَحَبَّ اللَّهُ، أَحِبُّوا اللَّهَ مِنْ كُلِّ قُلوبِكُم، ولا تَمَلُّوا كَلامَ اللَّهِ وذِكْرَه، ولا تَقْسُ عنه قُلوبُكم، فإنَّه مِنْ كُلِّ مَا يَخْلُقُ الله يَخْتَارُ وَيَصْطَفِي، قد سمَّاه الله خِيرَته مِنَ الأعمال، ومُصطفَاهُ من العِبَادِ والصَّالِحِ مِنَ الحديث، ومِنْ كُلِّ مَا أُوتِيَ النَّاسُ من الحَلالِ وَالحَرَامِ، فاعْبُدُوا الله ولا تُشْرِكوا به شَيْئاً، واتَّقوه حَقَّتُقَاتِهِ، واصْدُقُوا اللَّهَ صَالِحَ ما تقولون بأفْواهِكم، وَتَحابُوا بِرُوحِ اللَّهِ بَيْنَكم، إنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ أَنْ يُنْكَثَ عَهْدُه، والسَّلامُ عَلَيْكمْ وَرَحْمَة الله وبركاته)(١) . وقد تقدم طرف من خطبته عليه السلام عند ذكر هديه في الخطب. فصل وکان من هدیه ێّ تعظیمُ هذا الیوم وتشریفُه، وتخصيصُه بعبادات يختص بها عن غيره. وقد اختلف العلماء: هل هو أفضلُ، أم يوم عرفة؟ على قولين: هما وجهان لأصحاب الشافعي. وكان ◌َّة يقرأ في فجره بسورتي (آلم تنزيل) و (هل أتى على الإنسان)(٢). خواص يوم الجمعة وهي ثلاث و ثلاثون (١) ذكره ابن هشام في ((السيرة النبوية)) عن ابن إسحاق ٢/ ٥٠٠ بغير إسناد. (٢) رواه مسلم (٨٧٩) في الجمعة: باب ما يقرأ في يوم الجمعة من حديث ابن عباس أن النبي ◌َ ◌ّ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: (الم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإِنسان حينٌ من الدهر) وأن النبي ◌َّ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين، ورواه الترمذي أيضاً (٥٢٠) في الصلاة: باب ما جاء في ما يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة، وأبو داود (١٠٧٤) في الصلاة: باب ما يقرأ به في صلاة الصبح يوم الجمعة، والنسائي ١٥٩/٢ في الافتتاح: باب القراءة في الصبح يوم = ٣٦٣ ويظن كثير ممن لا علم عنده أن المراد تخصيصُ هذه الصلاة بسجدة زائدة، ويسمونها سجدة الجمعة، وإذا لم يقرأ أحدُهم هذه السورة، استحبَّ قراءة سورة أخرى فيها سجدة، ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة، دفعاً لتوهم الجاهلين، وسمعت شيخَ الإِسلام ابن تيمية يقول: إنما كان النبيُّ ◌َّل يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة، لأنهما تضمنتا ما كان ويكون في يَومِها، فإنهما اشتملتا على خلق آدم، وعلى ذِكر المعاد، وحشر العباد، وذلك يكون يومَ الجمعة، وكان في قراءتهما في هذا اليوم تذكيرٌ للأمة بما كان فيه ويكون، والسجدة جاءت تبعاً ليست مقصودة حتى يقصِدَ المصلي قراءتها حيثُ اتفقت. فهذه خاصة من خواص يوم الجمعة . الخاصة الثانية: استحبابُ كثرة الصلاة على النبي ◌ّ- فيه وفي ليلته، لقوله ◌َّ: ((أكثِرُوا مِنَ الصلاة عَلَّي يوم الجُمُعة وَلَيْلَةُ الجُمُعة))(١). ورسول الله ◌َّ سيدُ الأنام، ويوم الجمعة سيدُ الأيام، فللصلاة عليه في هذا اليوم مزيةٌ ليست لغيره مع حكمة أخرى، وهي أن كل خير نالته أمتُه في الدنيا والآخرة، فإنما نالته على يده، فجمع الله لأمته به بين خيري الدنيا والآخرة، فأعظمُ كرامة تحصل لهم، فإنما تحصل يوم الجمعة، فإن فيه بعثَهم إلى منازلهم وقصورِهم في الجنَّة، وهو يومُ المزيد لهم إذا دخلوا الجنَّة، وهو يوم عيد لهم في الدنيا، ويوم فيه يُسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم، ولا يَرُدُّ سائلهم، وهذا كلُّه إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده، فمِن شكرِه وحمده، وأداءِ القليل من حقه ◌َّ أن نُكثِرَ من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته. الخاصة الثالثة: صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإِسلام، ومِن أعظم الجمعة، وأحمد في ((المسند)) ٢٢٦/١ و٣٣٤ و٣٤٠، ورواه مسلم أيضاً (٨٨٠) في الجمعة: باب ما يقرأ يوم الجمعة، والنسائي ١٥٩/٢ في الافتتاح: باب القراءة في الصبح يوم الجمعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (١) أخرجه البيهقي من حديث أنس، وهو حسن. ٣٦٤ مجامع المسلمين، وهي أعظمُ مِن كل مجمع يجتمعون فيه وأفرضُه سوى مجمع عرفة، ومن تركها تهاوناً بها، طبع اللَّهُ على قلبه، وقُربُ أهل الجنة يومَ القيامة، وسبقُهم إلى الزيارة يومَ المزيد بحسب قُربهم من الإِمام يومَ الجمعة وتبكيرهم. الخاصة الرابعة: الأمر بالاغتسال في يومها، وهو أمرٌ مؤكد جداً، ووجوبه أقوى مِن وجوب الوتر، وقراءة البسملة في الصلاة، ووجوب الوضوءِ من مس النساء، ووجوب الوضوءِ مِن مسِّ الذكر، ووجوب الوضوءِ من القهقهة في الصلاة، ووجوب الوضوءِ من الرُّعاف، والحجامة، والقيء، ووجوب الصلاة على النبي ◌َّ* في التشهد الأخير، ووجوب القراءة على المأموم. وللناس في وجوبه ثلاثةُ أقوال: النفيُ والإِثبات، والتفصيلُ بين من به رائحة يحتاج إلى إزالتها، فيجب عليه، ومن هو مستغن عنه، فيستحب له، والثلاثة لأصحاب أحمد. الخاصة الخامسة: التطيب فيه، وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع. الخاصة السادسة: السِّواك فيه، وله مزية على السواك في غيره. الخاصة السابعة: التبكير للصلاة. الخاصة الثامنة: أن يشتغل بالصلاة، والذكر، والقراءة حتى يخرج الإِمام. الخاصة التاسعة: الإنصات للخطبة إذا سمعها وجوباً في أصح القولين، فإن تركه، كان لاغياً، ومن لغا، فلا جمعة له، وفي ((المسند)) مرفوعاً ((والذي يقول لِصاحِبِهِ: أَنصِتْ، فَلا جُمُعَةً لَهُ)) (١). (١) أخرجه مطولاً أحمد ٩٣/١، وأبو داود (١٠٥١) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه بلفظ ((ومن قال يوم الجمعة لصاحبه: صه، فقد لغا، ومن، لغا فليس له في جمعته تلك شيء)) وفي سنده مجهول، وأخرجه البخاري ٣٤٣/٢، ومسلم (٨٥١) ومالك في ((الموطأ)) ١٠٣/١ من حديث أبي هريرة دون قوله: ((ومن لغا = ٣٦٥ الخاصة العاشرة: قراءة سورة الكهف في يومها، فقد روي عن النبي مسجلة ((مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، سَطَعَ لَهُ نُورٌ مِنْ تَحْتِ قَدَمِهِ إلى عَنَانِ السَّمَاءِ يُضيء بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وغُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الجُمُعَتَيْنِ)(١) . وذكره سعيد بن منصور مِن قول أبي سعيد الخُدري وهو أشبه. الحادية عشرة: إنه لا يُكره فعلُ الصلاة فيه وقتَ الزوال عند الشافعي رحمه الله ومن وافقه، وهو اختيارُ شيخنا أبي العباس بن تيمية، وَلَم يكن اعتمادُه على حديث ليث، عن مجاهد، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبي وَّر، أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يومَ الجمعة. وقال: إنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ إلاَّ يَوْمَ فليس له في جمعته تلك شيء)) ولفظه إذا قلت لصاحبك: ((أنصت والإمام يخطب = يوم الجمعة فقد لغوت)) وروى أبو داود (٣٤٧) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً (من اغتسل يوم الجمعة، ثم مس من طيب امرأته إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة، كانت كفارة لما بينهما، ومن لغا أو تخطى، كانت له ظهراً» وسنده حسن، وصححه ابن خزيمة (١٨١٠). (١) حديث صحيح أخرجه الحاكم ٣٦٨/٢، والبيهقي من حديث نعيم بن حماد، عن هشيم، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً، ونعيم بن حماد كثير الخطأ، وباقي رجاله ثقات، وأخرجه الدارمي في («مسنده» ٤٥٤/٢ موقوفاً على أبي سعيد ورجاله ثقات، ومثله لا يقال بالرأي، فله حكم الرفع. وفي الباب عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله تخلي: ((من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين)) أخرجه أبو بكر بن مردويه في تفسيره، فيما ذكره المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٣٣/٢، وقال: بإسناد لا بأس به. وفي الباب عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله مثل: ((من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة، وإن خرج الدّجّال، عصم منه)) أخرجه الضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) من طريق عبد الله بن مصعب عن منظور بن زيد بن خالد الجهني، عن علي بن الحسين عن أبيه، عن علي، وعبد الله بن مصعب، ضعفه ابن معين. ٣٦٦ الجُمُعَةِ (١) - وإنما كان اعتماده على أن من جاء إلى الجمعة يُستحب له أن يُصلِّيَ حتى يخرج الإِمام، وفي الحديث الصحيح ((لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِن دُهْنِهِ، أَوْ يَمَنُ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذا تَكَلَّمَ الإِمَامُ إلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأخْرَى)). رواه البخاري (٢) فندبه إلى الصلاة ما كُتِب له، ولم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإِمام، ولهذا قال غيرُ واحد من السلف، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتبعه عليه الإِمام أحمد بن حنبل: خروجُ الإِمام يمنع الصلاة، وخطبتُه تمنع الكلام، فجعلوا المانع من الصلاة خروجَ الإِمام، لا انتصاف النهار. وأيضاً، فإن الناس يكونون في المسجد تحت السقوف، ولا يشعرُون بوقت الزوال، والرجلُ يكون متشاغِلاً بالصلاة لا يدري بوقت الزوال، ولا يُمكنه أن يخرج، ويتخطَّى رقاب الناس، وينظُر إلى الشمس ويرجِعَ، ولا يشرع له ذلك. وحديث أبي قتادة هذا، قال أبو داود: هو مرسل لأن أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة، والمرسل إذا اتصل به عمل، وَعَضَدَهُ قياسٌ، أو قولُ صحابي، أو كان مرسله معروفاً باختيار الشيوخ ورغبتهِ عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين ونحو ذلك مما يقتضي قوته، عُمِلَ به. وأيضاً، فقد عضده شواهد أخر، منها ما ذكره الشافعي في كتابه فقال: روي عن إسحاق بن عبد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، أن النبي ◌َّ نَهى عَنِ الصَّلاةِ نِصفَ النهار حتى تزول الشمسُ إلا يومَ الجمعة (٣). ١١) رواه أبو داود (١٠٨٣) في الصلاة: باب الصلاة يوم الجمعة قبل الزوال، وليث بن أبي سليم ضعيف، وفيه انقطاع. (٢) رواه البخاري ٣٠٨/٢، ٣٠٩ في الجمعة: باب الدهن للجمعة، وباب لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة . (٣) أخرجه الشافعي ١/ ٥٢، وإبراهيم بن محمد شيخ الشافعي، وإسحاق بن عبد الله بن = ٣٦٧ هكذا رواه رحمه الله في كتاب ((اختلاف الحديث)) ورواه في ((كتاب الجمعة)): حدثنا إبراهيم بن محمد، عن إسحاق، ورواه أبو خالد الأحمر، عن شيخ من أهل المدينة، يقال له: عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ . وقد رواه البيهقي في ((المعرفة)) من حديث عطاء بن عجلان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: كان النبيُّ نَّه ينهى عن الصلاة نصفَ النهار، إلا يومَ الجمعة. ولكن إسناده فيه من لا يحتج به، قاله البيهقي، قال: ولكن إذا انضمت لهذه الأحاديث إلى حديث أبي قتادة أحدثت بعضَ القوة. قال الشافعي: من شأن الناس التهجيرُ إلى الجمعة، والصلاةُ إلى خروج الإِمام، قال البيهقي: الذي أشار إليه الشافعي موجود في الأحاديث الصحيحة، وهو أن النبي وَّ رغَب في التبكير إلى الجمعة، وفي الصلاة إلى خروج الإِمام من غير استثناء، وذلك يُوافِقِ هذه الأحاديث التي أُبيحت فيها الصلاة نصف النهار يومَ الجمعة، وروينا الرُّخصة في ذلك عن عطاء، وطاووس، والحسن، ومكحول. قلت: اختلف الناسُ في كراهة الصلاةِ نِصفَ النهار على ثلاثة أقوال أحدها: أنه ليس وقت كراهة بحال، وهو مذهب مالك. الثاني: أنه وقت كراهة في يوم الجمعة وغيرها، وهو مذهب أبي حنيفة، والمشهور من مذهب أحمد. والثالث: أنه وقت كراهة إلا يومَ الجمعة، فليس بوقت كراهة، وهذا مذهب الشافعي. الثانية عشرة: قراءة (سورة الجمعة) و (المنافقين)، أو (سبح والغاشية) في صلاة الجمعة، فقد كان رسول الله مخ لل يقرأ بهن في الجمعة، ذكره مسلم في ((صحيحه)(١). (١) رواه مسلم في ((صحيحه)) (٨٧٧) في الجمعة: باب ما يقرأ في صلاة الجمعة من = أبي فروة متروكان. ٣٦٨ وفيه أيضاً: أنه مَ ﴿، كان يقرأ فيها بـ (الجُمُعةِ) و (هَلْ أتاك حديثُ الغاشية)(١) ثبت عنه ذلك كلُّه. ولا يُستحب أن يقرأ مِن كل سورة بعضَها، أو يقرأ إحداهما في الركعتين، فإنه خلافُ السنة، وجُهَّالُ الأئمة يُداومون على ذلك. الثالثة عشرة: أنه يومُ عيد متكرِّر في الأسبوع، وقد روى أبو عبد الله بن ماجه في ((سننه)) من حديث أبي لُبابة بنِ عبدِ المُنذر قال: قال رسول الله وَّه: ((إن يَومَ الجُمُعَةِ سَيِّدُ الأيَّامِ، وأَعْظَمُها عِنْدَ الله، وهُوَ أَعْظَمُ عِنْدَ الله مِنْ يَوْمِ الأَضْحَى، وَيَوْمِ الفِطْرِ، فيه خَمْسُ خِلالٍ: خَلَقَ الله فيه آدم، وأَهْبَطَ فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفَّى اللَّهُ آدم، وفيه ساعَةٌ لا يَسْأَلُ اللَّهَ العَبْدُ فيها شيئاً إلاَّ أعطاه، ما لم يسألْ حراماً، وفيه تقومُ السَّاعَةُ، ما مِنْ مَلَكِ مُقَرَّبٍ، ولا سماءٍ، ولا أَرْضٍ، وَلَا رِبَاحٍ، ولا جِبالٍ، ولا شَجَرٍ إلا وهُنَّ يُشْفِقْنَ مِنْ يَوْمِ الجمعة)»(٢) . الرابعة عشرة: إنه يُستحب أن يلبَس فيه أحسَنَ الثياب التي يقدِرُ عليها، فقد روى الإمام أحمد في «مسنده)) من حديث أبي أيوب قال: سمعتُ رسول الله ◌ِّ يقول: ((مَنِ اغْتَسَلَ يوم الجُمُعةِ وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كانَ له، ولَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثيابِهِ، ثُمَّ خَرَجَ وعليه السَّكِينَةُ حتَّى يَأْتِيَ المسجدَ، ثُمَّ يَرْكَعَ إنْ بَدا له، ولَمْ يُؤْذِ أحداً، ثُمَّ أَنْصَتَ إذا خَرَج إمامُه حتَّى يُصَلِّيَ، كانت كَفَّارَةً لما بينهما(٣). حديث أبي هريرة، ورواه أيضاً أبو داود (١١٢٤) في الصلاة: باب ما يقرأ به في = الجمعة، والترمذي (٥١٩) في الصلاة: باب ما جاء في القراءة في صلاة الجمعة، وابن ماجه (١١١٨) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في القراءة في الصلاة يوم الجمعة . (١) رواه مسلم (٨٧٨) من حديث النعمان بن بشير. (٢) أخرجه ابن ماجه (١٠٨٤) في إقامة الصلاة: باب في فضل الجمعة، وأحمد في ((المسند)) ٤٣٠/٣. وإسناده حسن كما قال البوصيري في ((الزوائد)). (٣) رواه أحمد في ((المسند)) ٤٢٠/٥ وإسناده حسن، وصححه ابن خزيمة (١٧٧٥). ٣٦٩ وفي ((سنن أبي داود))، عن عبد الله بن سلام، أنه سمع رسول الله وَّ يقول على المِنْبَر في يَوْمِ الجُمُعة: ((ما على أحَدِكم لو اشْتَرى تَوْبين لِيَومِ الجُمُعة سِوى ثَوْبَيْ مِهْنِه))(١). وفي ((سنن ابن ماجه))، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي ◌َّ خطب الناسَ يومَ الجمعة، فرأى عليهم ثيابَ النِّمار، فقال: ((ما علىُ أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ سَعَةً أَنْ يَتَخِّذَ ثَوبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنِه))(٢). الخامسة عشرة: أنه يستحب فيه تجميرُ المسجد، فقد ذكر سعيدُ بن منصور، عن نعيم بن عبد الله المُجْمِر، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أن يُجمَّرَ مسجدُ المدينة كُلَّ جُمعة حين ينتصِفُ النهار. قلت: ولذلك سمي نعيم المُجْمِر . السادسة عشرة: أنه لا يجوزُ السفرُ في يومها لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها، وأما قبله، فللعلماء ثلاثةُ أقوال، وهي روايات منصوصات عن أحمد، أحدها: لا يجوز، والثاني: يجوز، والثالث: يجوز للجهاد خاصة. وأما مذهب الشافعى رحمه الله، فيحرم عنده إنشاء السفر يومَ الجمعة بعد الزوال، ولهم في سفر الطاعة وجهان، أحدهما: تحريمه، وهو اختيار النووي، والثاني: جوازه وهو اختيار الرافعي. (١) رواه أبو داود (١٠٧٨) في الصلاة: باب اللبس للجمعة، وابن ماجه (١٠٩٥) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في الزينة واللفظ له وإسناده صحيح، كما قال البوصيري في ((الزوائد)). (٢) رواه ابن ماجه (١٠٩٦) وابن خزيمة (١٧٦٥) وفي سنده زهير بن محمد التميمي، ورواية أهل الشام عنه غير مستقيمة وضعف بسببها، والراوي عنه هنا عمرو بن أبي سلمة التنيسي أبو حفص الدمشقي، لكن يشهد له الحديث الذي قبله، فهو صحيح به . ٣٧٠ وأما السفر قبل الزوال، فللشافعي فيه قولان: القديم: جوازه، والجديد: أنه كالسفر بعد زوال. وأما مذهب مالك، فقال صاحب ((التفريع)(١): ولا يسافر أحدٌ يوم الجمعة بعد الزوال حتى يُصليَ الجمعة، ولا بأس أن يُسافر قبل الزوال، والاختيارُ: أن لا يسافر إذا طلع الفجر وهو حاضر حتى يُصليَ الجمعة. وذهب أبو حنيفة إلى جواز السفر مطلقاً، وقد روى الدار قطني في ((الأفراد))، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول اللهلَ﴾لي قال: ((مَنْ سَافَرَ مِنْ دارٍ إقامَتِهِ يومَ الجُمُعةِ، دَعَتْ عَلَيهِ المَلائِكةُ ألا يُصْحَب في سَفَرِه)). وهو من حديث ابن لهيعة . وفي ((مسند الإمام أحمد)) من حديث الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس قال: بعثَ رسولُ اللهِّ عبد الله بن رواحة في سرية، فوافق ذُلِكَ يَوْمَ الجمعة، قال: فغدا أصحابُه، وقال: أتخلَّفُ وأُصلي مع رسولِ الله ◌َّه، ثم ألحقهم، فلما صلَّى النبيِّه، رآه، فقال: ما مَنَعَك أَنْ تَغْدُوَ مَع أصْحَابِك؟ فقال: أردتُ أن أصلَّ معك، ثم ألحقَهم، فقال: ((لَوْ أَنْفَقْتَ مَا في الأَرْضِ ما أدْرَكْتَ فَضْلَ غَدْوَتِهم(٢) . وأُعِلَّ هذا الحديثُ، بأن الحكم لم يسمع من مقسم (٣) . (١) هو عبيد الله بن الحسن بن الجلاب البصري أبو القاسم فقيه أصولي توفي عند منصرفه من الحج سنه ٣٧٨ هـ مترجم في ((الديباج المذهب)) ص ١٤٦. (٢) رواه أحمد في ((المسند)) ٢٢٤/١، والترمذي (٥٢٧) في الصلاة: باب ما جاء في السفر يوم الجمعة . (٣) وفي سنده أيضاً الحجاج بن أرطأة، وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس وقد عنعن، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه: قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة أحاديث ٣٧١ هذا إذا لم يَخَفِ المسافرُ فَوتَ رفقته، فإن خاف فوت رفقته وانقطاعَه بعدهم، جاز له السفرُ مطلقا، لأن هذا عذر يُسقط الجمعة والجماعة. ولعل ما روي عن الأوزاعي - أنه سئل عن مسافر سمع أذان الجمعة وقد أسرج دابته، فقال: لِيمضِ على سفرهِ - محمولٌ على هذا، وكذلك قولُ ابن عمر رضي الله عنه: الجمعة لا تحبِسُ عن السفر. وإن كان مرادهم جوازَ السفر مطلقاً، فهي مسألة نزاع. والدليل: هو الفاصل، على أن عبد الرزاق قد روى في ((مصنفه)) عن معمر، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين أو غيره، أن عمر بن الخطاب رأى رجلاً عليه ثيابُ سَفَرٍ بعد ما قضى الجمعة، فقال: ما شأنُك؟ قال: أردتُ سفراً، فكرِهْتُ أن أخرُجَ حتى أصلي، فقال عمر: إن الجمعة لا تمنعُك السفرَ ما لم يحضُرْ وقتُها (١). فهذا قول من يمنع السفر بعد الزوال، ولا يمنع منه قبله. وذكره عبد الرزاق أيضاً عن الثوري، عن الأسود بن قيس، عن أبيه قال: أبصرَ عمرُ بن الخطاب رجلاً عليه هَيْئَةُ السَّفرِ، وقال الرجلُ: إن اليومَ يومُ جمعة ولولا ذلك، لخرجتُ، فقال عُمر: إن الجمعة لا تحبِسُ مسافراً، فاخرُج ما لم یَحِنِ الرواح (٢). وذكر أيضاً عن الثوري، عن ابن أبي ذئب، عن صالح بن كثير، عن الزهري قال: خرج رسول الله ◌َّله مسافراً يومَ الجمعة ضُحى قبل الصلاة(٣). وذكر عن معمَر قال: سألت يحيى بن أبي كثير: هل يخرج الرجل يومَ الجمعة؟ فكرهه، فجعلت أحدِّثه بالرخصة فيه، فقال لي: قلما يخرج رجل في وعدها شعبة، وليس هذا الحديث فيما عدَّ شعبة وكأن هذا الحديث لم يسمعه الحكم من مقسم. (١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٥٥٣٦) ورجاله ثقات. (٢) ((المصنف)) (٥٥٣٧) ورجاله ثقات. (٣) ((المصنف)) (٥٥٤٠) وهو مرسل، وصالح بن كثير مجهول. ٣٧٢ يوم الجمعة إلا رأى ما يكرهه، لو نظرت في ذلك، وجدتَه كذلك(١). وذكر ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن أبي عطية، قال: إذا سافر الرجُلُ يوم الجمعة، دعا عليه النهارُ أن لا يُعَانَ على حاجته، ولا يُصاحب في سفره(٢). وذكر الأوزاعي، عن ابن المسيِّب، أنه قال: السفر يومَ الجمعة بعد الصلاة. قال ابن جُريج: قلت لعطاء: أبلغك أنه كان يُقال: إذا أمسى في قرية جامعة مِن ليلة الجمعة، فلا يذهب حتى يُجمِّعَ؟ قال: إن ذلك ليُكره. قلت: فمِن يوم الخميس؟ قال: لا، ذلك النهار فلا يضره(٣). السابعة عشرة: أن للماشي إلى الجمعة بكل خُطوة أجرَ سنة صيامَها وقيامَها، قال عبد الرزاق: عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، قال: قال رسول الله رَّهُ: ((من غَسَّلَ واغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وبَكَّرَ وابْتَكَرَ، ودَنا مِنَ الإِمام، فَأَنْصَتَ، كانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوها صِيامُ سَنَةٍ وقيامُها، وذُلِكَ على اللَّهِ يسير))(٤). ورواه الإِمام أحمد في ((مسنده)). وقال الإِمام أحمد: غسَّل، بالتشديد: جامع أهله، وكذلك فسَّره وكيع . الثامنة عشرة: أنه يوم تكفير السيِّئات، فقد روى الإمام أحمد في (١) ((المصنف)) (٥٥٤١). (٢) ((المصنف)) (٥٥٤٢). (٣) ((المصنف)) (٥٥٤٣). (٤) ((المصنف)) (٥٥٧٠) وأحمد في ((المسند)» ٨/٤، ورواه الترمذي (٤٩٦) في الصلاة باب ما جاء في فضل الغسل يوم الجمعة، وأبو داود (٣٤٥) في الطهارة: باب الغسل للجمعة، والنسائي ٩٥/٣ في الجمعة: باب فضل غسل يوم الجمعة، وابن ماجه (١٠٨٧) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في الغسل يوم الجمعة، وإسناده صحيح، وصححه ابن خزيمة (١٧٥٨) و (١٧٦٧). ٣٧٣ ((مسنده) عن سلمان قال: قال لي رسول الله ◌َ ل﴾: ((أَتَدْري ما يَوْمُ الجُمُعة؟)) قلت: هُوَ اليومُ الذي جَمِعَ اللَّهُ فيه أَباكُم آدم قال: ((ولكنِّي أَدْري ما يَومُ الجُمُعة، لا يَتَطَهَّرُ الرَّجُلُ فَيُحْسِنُ طُهُورَهُ، ثُمَّ يأتي الجُمُعة، فَيُنْصِتُ حَتَّى يَقْضِيَ الإِمامُ صَلاتَهُ، إلا كانت كَفَّارَةً لما بَيْنَه وبَيْنَ الجُمُعةِ المُقْبِلَة ما اجْتُنِبَتِ المَقْتَلةُ(١) . وفي ((المسند)) أيضاً من حديث عطاء الخراساني، عن نُبيشة الهُذلي، أنه كان يُحدِّث عن رسول الله ◌َّ: ((إنَّ المُسْلِمَ إذا اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى المَسْجِدِ لا يُؤْذِي أَحَداً، فَإِن لَمْ يَجِدِ الإِمَامَ خَرَجَ، صَلَّى مَا بَدَا لَهُ، وَإِنْ وَجَدَ الإِمَامَ قد خَرَجَ، جَلَسَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ حَتَّى يَقْضِيَ الإِمَامُ جُمُعَتَهُ وكَلامَهُ، إن لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِي جُمُعَتِهِ تِلْك ذُنُوبُه كلُّها، أن تَكُون كَفَّارَةً لِلْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيها(٢) . وفي ((صحيح البخاري))، عن سلمان قال: قال رسول الله ◌َل: ((لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّمِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فلا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثنينٍ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إلا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجُمُعةِ الأُخْرَى)(٣) . وفي ((مسند أحمد))، من حديث أبي الدرداء، قال: قال رسولُ الله ◌َيٍّ : ((مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعة، ثُمَّ لَبِسَ ثِيَابَه، وَمَسَّ طيباً إن كان عِنْدَه، ثُمَّ مَشى (١) (رواه أحمد في المسند)) ٤٣٩/٥، ورجاله ثقات، لكن فيه عنعنة هشيم، والمغيرة بن مقسم، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٧٤/٢، وقال: رواه الطبراني في ((الكبير)»: وإسناده حسن. (٢) رواه أحمد في ((المسند)) ٧٥/٥، قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٦/٢، ٧. رواه أحمد، وعطاء لم يسمع من نبيشة فيما أعلم، وقال الهيثمي في ((المجمع» ١٧١/٢: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، خلا شيخ أحمد، وهو ثقة. (٣) تقدم تخريجه ص٣٦٧. ٣٧٤ إلى الجُمُعة وعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، ولم يَتَخَطَّ أَحَداً، ولم يُؤْذِهِ، وركَعَ ما قُضِي له، ثُمَّ انتظرَ حتَّى يَنْصَرِفَ الإِمامُ، غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَ الجُمُعَتَيْنِ»(١). التاسعة عشرة: أن جهنم تُسَجَّرُ كُلَّ يومٍ إلا يومَ الجمعة. وقد تقدم حديثُ أبي قتادة في ذلك، وسر ذلك - والله أعلم - أنه أفضل الأيام عِند الله، ويقعُ فيه من الطاعات، والعبادات، والدعوات، والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى، ما يمنع من تسجير جهنم فيه. ولذلك تكُون معاصي أهل الإِمان فيه أقلَّ مِن معاصيهم في غيره، حتى إن أهلَ الفجور ليمتنعون فيه مما لا يمتنعون منه في يوم السبت وغيره. وهذا الحديث الظاهر منه أن المراد سَجْرُ جهنم في الدنيا، وأنها تُوقد كلَّ يوم إلا يومَ الجمعة، وأما يوم القيامة، فإنه لا يُفَتَّرِ عَذَابُها، ولا يُخَفَّفُ عن أهلها الذين هم أهلُها يوماً من الأيام، ولذلك يَدْعون الخزنةَ أن يدعوا ربَّهم ليخفف عنهم يوماً من العذاب، فلا يُجيبونهم إلى ذلك. العشرون: أن فيه ساعةَ الإِجابة، وهي الساعة التي لا يسأل اللَّهَ عبدٌ مسلم فيها شيئاً إلا أعطاه، ففي ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَالَ: ((إنَّ في الجُمُعَةِ لَساعَةً لا يُوافِقُها عبدٌ مُسلمٌ وهو قائِم يُصلِّي يسألُ الله شَيْئاً إِلَّ أعْطَاهُ إِيَّاهُ، وقال: بِيدِهِ يُقَلِّلها))(٢). (١) رواه أحمد في ((المسند)) ١٩٨/٥ من حديث حرب بن قيس عن أبي الدرداء، وحرب لم يسمع من أبي الدرداء لكن يشهد له حديث أبي سعيد وأبي هريرة عند أحمد، وحديث أبي ذر عن أحمد أيضاً، فهو صحيح بها. (٢) رواه البخاري ٣٤٤/٢ في الجمعة: باب الساعة التي في يوم الجمعة، وفي الطلاق باب الإِشارة في الطلاق، وفي الدعوات: باب الدعاء في الساعة التي في يوم الجمعة، ومسلم (٨٥٢) في الجمعة: باب في الساعة التي في يوم الجمعة، ورواه أيضاً النسائي ١١٥/٣ في الجمعة: باب الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة، وابن ماجه (١١٣٧) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في الساعة التي ترجى في الجمعة . ٣٧٥ وفي المسند من حديث أبي لُبابة بن عبد المنذر، عن النبي ◌َّ قال: ((سيِّدُ الأيَّام يومُ الجُمُعَة، وأَعْظَمُها عِنْدَ الله، وأعظم عِنْدَ الله مِنْ يومِ الفِطْرِ، وَيَوْمِ الأَضْحِى، وفيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ آدَمَ، وأَهْبَطَ اللَّهُ فِيهِ آدَمَ إلى الأرْضِ، وفيه تَوَفَّى الله عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ، وفيه ساعةٌ لا يَسْأَلُ اللَّهَ العبدُ فِيهَا شَيْئاً إِلَّ آتاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ ما لم يَسْأَلْ حَرَاماً، وفيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، ما مِنْ مَلَكِ مُقَرَّبٍ، ولا أرْضٍ، ولا رِياحٍ، ولا بَحْرٍ، ولا جِبالٍ، ولا شَجَرٍ، إلا وهُنَّ يُشْفِقْنَ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَة)»(١) . فصل بيان اختلاف الناس في ساعة الإجابة وقد اختلف الناس في هذه الساعة: هل هي باقية أو قد رُفِعت؟ على قولين، حكاهما ابن عبد البر وغيرُه، والذين قالوا: هي باقية ولم تُرفع، اختلفوا، هل هي في وقت من اليوم بعينه، أم هي غيرُ معينة؟ على قولين. ثم اختلف من قال بعدم تعيينها: هل هي تنتقل في ساعات اليوم، أو لا؟ على قولين أيضاً، والذين قالوا بتعيينها، اختلفوا على أحد عشر قولاً . قال ابن المنذر: روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: هي مِن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعدَ صلاة العصر إلى غروبِ الشمس. الثاني: أنها عند الزوالِ، ذكره ابن المنذر عن الحسن البصري، وأبي العالية . الثالث: أنها إذا أذن المؤذِّن بصلاة الجمعة، قال ابن المنذر: روينا ذلك عن عائشة رضي الله عنها. الرابع: أنها إذا جلس الإِمامُ على المنبر يخطُب حتى يفرغ، قال ابن المنذر: رويناه عن الحسن البصري. (١) رواه أحمد في ((المسند)) ٤٣٠/٣، وابن ماجه (١٠٨٤) وقد تقدم ص٣٦٩ وهو حسن . ٣٧٦ الخامس: قاله أبو بردة: هي الساعة التي اختار الله وقتها للصلاة. السادس: قاله أبو السوار العدوي، وقال: كانوا يرون أن الدعاء مستجاب ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة. السابع: قاله أبو ذر: إنها ما بين أن ترتفع الشمس شبراً إلى ذراع. الثامن: أنها ما بين العصر إلى غروب الشمس، قاله أبو هريرة، وعطاء، وعبد الله بن سلام، وطاووس، حكى ذلك كله ابن المنذر. التاسع: أنها آخرُ ساعة بعد العصر، وهو قول أحمد، وجمهور الصحابة، والتابعين. العاشر: أنها من حين خروج الإِمام إلى فراغ الصلاة، حكاه النووي وغيره. الحادي عشر: أنها الساعة الثالثةُ من النهار، حكاه صاحب ((المغني)) فيه. وقال كعب: لو قسم الإِنسان جمعة في جمع، أتى على تلك الساعة. وقال عمر : إن طلبَ حاجة في يوم لیسیر. وأرجح هذه الأقوال: قولان تضمنتهما الأحاديثُ الثابتة، وأحدهما أرجح من الآخر . الأول: أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة، وحجة هذا القول ما روى مسلم في ((صحيحه)) من حديث أبي بُردة بن أبي موسى، أن عبد الله بن عمر قال له: أسمعتَ أباك يُحدِّث عن رسول الله وَلّ في شأن ساعة الجمعة شيئاً؟ قال: نعم سمعتُه يقول: سمعتُ رسولَ الله ◌ِ لَ يقول: ((هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إلى أن تُقْضَى الصَّلاةُ)) (١). دليل من قال بأن ساعة الإجابة من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة (١) رواه مسلم (٨٥٣) في الجمعة: باب في الساعة التي في يوم الجمعة من حديث ابن وهب، عن مخرمة، عن أبيه، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال لي عبد الله بن عمر أسمعت أباك يحدِّث عن رسول الله في شأن ساعة الجمعة؟ قال: ١= ٣٧٧ وروى ابن ماجه، والترمذي، من حديث عمرو بن عوف المزني، عن النبيِِّ قال: ((إنَّ في الجُمُعة سَاعةً لا يسألُ اللَّهَ العبدُ فيها شيئاً إلاَّ آتاه اللَّهُ إِيَّهُ)» قالوا: يا رسول الله! أَيَّةُ سَاعَةٍ هِيَ؟ قال: ((حِينَ تُقَامُ الصَّلاةُ إلى الانْصِراف مِنْها))(١) . ترجيح المصنف بأنّها بعد العصر مع أدلته والقول الثاني: أنها بعد العصر، وهذا أرجحُ القولين، وهو قول عبد الله بن سلام، وأبي هريرة، والإمام أحمد، وخلق. وحجة هذا القول ما رواه أحمد في (مسنده)) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، أن النبيِّ قال: ((إنَّ في الجُمعة ساعةً لا يُوافِقُها عَبْدٌ مسلم يَسأَلُ الله فِيهَا خَيْراً إِلَّ أعْطَاه إيَّاهُ وهِيَ بَعْدَ = قلت: نعم سمعته يقول: سمعت رسول الله : يقول: ((هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة)) وقد أعل بالانقطاع والاضطراب، أما الانقطاع، فلأن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه، قال أحمد عن حماد بن خالد عن مخرمة نفسه، وكذا قال سعيد بن أبي مريم، عن موسى بن سلمة، عن مخرمة وزاد: إنما هي كتب كانت عندنا، قال علي ابن المديني: لم أسمع أحداً من أهل المدينة يقول: عن مخرمة: إنه قال في شيء من حديثه: سمعت أبي، ولا يقال: مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة وهو كذلك هنا، لأنا نقول: وجود التصريح من مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كاف في دعوى الانقطاع، وأما الاضطراب، فقد رواه أبو إسحاق وواصل الأحدب، ومعاوية بن قرة وغيرهم عن أبي بردة من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة، وأبو بردة كوفي، فهو أعلم بحديثه من بكير المدني، وهم عدد، وهو واحد، ولذا جزم الدار قطني بأن الموقوف هو الصواب. (١) رواه ابن ماجه (١١٣٨) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في الساعة التي ترجى في الجمعة، والترمذي (٤٩٠) في الصلاة: باب ما جاء في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة، وفي سنده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، وهو ضعيف، ومع ذلك فقد قال الترمذي حسن غريب، وقال المنذري في ((الترغيب والترهيب)): كثير بن عبد الله واه بمرة، وقد حسن له الترمذي هذا وغيره، وصحح له حديثاً في الصلح، فانتقد الحفاظ تصحيحه له، بل وتحسينه، والله أعلم. وقال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)): ورواه ابن أبي شيبة من طريق مغيرة عن واصل الأحدب، عن أبي بردة قوله. ٣٧٨ العَصْرِ)) (١). وروى أبو داود والنسائي، عن جابر، عن النبي ◌َّ، قال: ((يومُ الجُمُعةِ اثْنَا عَشَرَ سَاعَةً، فِيهَا سَاعَةٌ لاَ يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئاً إلاَّ أَعْطَاهُ، فالْتَمِسُوها آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ)) (٢). وروى سعيد بن منصور في ((سننه)) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن ناساً من أصحاب رسول الله مّ اجتمعوا، فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة، فتفرَّقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة . وفي ((سنن ابن ماجه)): عن عبد الله بن سلام، قال: قُلْتُ ورسولُ اللَّهِ وَإِّ جالِس: إنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِ الله (يعني التوراة) في يَوْمِ الجُمُعَة سَاعَة لا يُوافِقُها عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يُصلي يسألُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئاً إِلاَّ قَضَى اللَّهُ لَّهُ حَاجَتَهُ قَالَ عَبْدُ اللهِ: فأشارَ إليَّ رسولُ اللَّهِ وَ لَأو بَعْضَ سَاعَةٍ. قلت: صدقتَ يا رسُولَ الله، أو بَعْضَ سَاعة. قلت: أَيُّ ساعةٍ هي؟ قال: ((هي آخرُ ساعةٍ من سَاعات النَّهار)). قلتُ: إنها ليست ساعةً صلاة، قال: بلى إن العبدَ المؤمنَ إذا صلَّى، ثم جَلَسَ لا يُجْلِسُهُ إلاَّ الصَّلاَةَ، فهو في صَلاةٍ (٣). سـ (١) رواه أحمد في ((المسند)) ٢٧٢/٢ من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وفي سنده محمد بن سلمة الأنصاري وهو مجهول مترجم في ((الميزان)) و ((اللسان)) لكن يشهد له ما بعده. (٢) رواه أبو داود (١٠٤٨) في الصلاة: باب الإجابة أية ساعة هي في يوم الجمعة، والنسائي ٩٩/٣، ١٠٠ في الجمعة: باب وقت الجمعة، وإسناده جيد، وصححه الحاكم ٢٧٩/١، ووافقه الذهبي، وصححه أيضاً النووي، وحسنه الحافظ ابن حجر: قال الترمذي: وقال أحمد (يعني ابن حنبل) أكثر الحديث في الساعة التي ترجى إجابة الدعوة أنها بعد صلاة العصر، وترجى بعد زوال الشمس وانظر ((الفتح)) ٣٥١/٢. (٣) أخرجه ابن ماجه (١١٣٩) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في الساعة التي ترجى في الجمعة وإسناده حسن. ٣٧٩ وفي ((مسند أحمد)) من حديث أبي هريرة، قال: قيل للنبي : لأي شيء سُمِّيَ يوم الجمعة؟ قال: ((لأنَّ فيها طُبِعَتْ طينَةُ أبيك آدَمَ، وفيها الصَّعْقَةُ والْبَعْثَةُ، وفيها البَطْشَةُ، وفي آخِرِ ثَلاثِ سَاعَاتٍ مِنْهَا سَاعَةٌ مَنْ دَعَا الله فِيهَا اسْتُجِيبَ لَهُ))(١). وفي ((سنن أبي داود))، والترمذي، والنسائي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قالَ رسولُ اللهِّهِ: ((خَيْرُ يَوْمِ طَلَّعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَة، فيه خُلِقَ آدَمُ، وفيه أُهْبِطَ، وفيه تِيبَ عليه، وفيه مات، وفيه تقومُ السّاعة، وما مِنْ دابَّةٍ إلا وهي مُصيخَةٌ يَوْمَ الجُمُعَة، من حين تُصبِحُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقاً من السَّاعَة، إلا الجنَّ والإِنِسَ، وفيه ساعةٌ لا يُصادفها عَبْدٌ مُسْلِمٌ وهو يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حاجةٌ إلَّ أعطاهُ إِيَّاها)) قال كعب: ذلك في كلِّ سنةٍ يوم؟ فقلتُ: بل في كل جُمُعَةٍ قال: فقرأ كعبٌ التوراة، فقال: صدق رسول الله ◌َ﴾. قال أبو هريرة: ثُمَّ لَقِيْتُ عبدَ الله بنَ سلام، فحدثته بمجلِسي مَعَ كَعْبٍ، فَقالَ عَبْدُ الله بنُ سلام: وقد علمتُ أَيَّة سَاعَةٍ هِيَ. قال أبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: أَخْبِرِنِي بِهَا، فَقَالَ عَبْدُ الله بنُ سَلاَم: هي آَخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، فقلت: كَيْفَ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَ: ((لا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي)» وتِلْكَ السَّاعَةُ لا يُصَلَّى فِيهَا؟ فقال عبدُ الله بن سلام: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ الله ◌ِّ: ((من جَلَسَ مَجْلِساً يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ، فَهُوَ فِي صَلاَةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ))؟ قال: فقلت: بلى. فقال: هُوَ ذَاكَ(٢). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي ((الصحيحين)) بعضه. (١) رواه أحمد في ((المسند» ٣١١/٢، وفي سنده الفرج بن فضالة، وهو ضعيف، وعلي بن أبي طلحة لم يسمع من أبي هريرة. (٢) رواه أبو داود (١٠٤٦) في الصلاة: باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، والترمذي (٤٩١) في الصلاة: باب ما جاء في الساعة التى ترجى في يوم الجمعة، والنسائي ١١٤/٣، ١١٥ في الجمعة: باب ذكر الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة، ورواه أيضا مالك في الموطأ)) ١٨٢/١، و١٨٣ وإسناده صحيح، وقد تقدم ص٣٥٥. ٣٨٠