النص المفهرس

صفحات 321-340

وكانت صلاته بالليل ثلاثةَ أنواع.
أحدها - وهو أكثرها: صلاته قائماً.
الثاني: أنه كان يُصلي قاعداً، ويركع قاعداً.
الثالث: أنه كان يقرأ قاعداً، فإذا بقي يسيرٌ من قراءته، قام فركع قائماً،
والأنواع الثلاثة صحت عنه.
وأما صفة جلوسه في محل القيام، ففي ((سنن النسائي))، عن عبد الله بن
شقيق، عن عائشة قالت: رأيتُ رسول الله ◌َّ يصلي متربِّعاً (١) قال النسائي: لا
أعلم أحداً روى هذا الحديثَ غيرَ أبي دواد، يعني الحفري، وأبو داود ثقة،
ولا أحسب إلا أن هذا الحديث خطأ والله أعلم.
فصل
وقد ثبت عنه رَّة أنه كان يُصلي بعد الوتر ركعتين جالساً تارة، وتارة يقرأ
فيهما جالساً، فإذا أراد أن يركع، قام فركع، وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي سَلَمة
قال: سألتُ عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله بكلّة، فقالت: كان يُصلي
الركعتان بعد الوتر
الّ حتى أصبح بآية (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)
=
وإسناده صحيح.
(١) رواه النسائي ٢٢٤/٣ في صلاة الليل: باب كيف صلاة القاعد من حديث أبي داود
الحفري، عن حفص بن غياث، عن حميد الطويل، عن عبد الله بن شقيق عن عائشة
رضي الله عنها ورجاله ثقات، وروى مالك في ((الموطأ)) ٨٩/١ بسند صحيح عن
عبد الله بن دينار أنه سمع عبد الله بن عمر وصلَّى إلى جنبه رجل، فلما جلس الرجل
في أربع تربع وثنى رجليه فلما انصرف عبد الله، عاب ذلك عليه، فقال الرجل :
فإنك تفعل ذلك، قال عبد الله بن عمر، فإني أشتكي. وروى هو والبخاري ٢٥٢/٢
من حديث عبد الله بن عبد الله بن عمر أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربع في الصلاة
إذا جلس، ففعلته وأنا يومئذ حديث السن، فنهاني عبدالله بن عمر، قال: إنما سنة
الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى، فقلت: إنك تفعل ذلك، فقال: إن
رجلي لا تحملاني.
٣٢١
زاد المعاد ج ١ -م١١

ثلاثَ عشرة ركعةً، يُصلي ثمان ركعات، ثم يُوتِر، ثم يُصلي ركعتين وهو جالس،
فإذا أراد أن يركع، قام فركع، ثم يُصلي ركعتين بين النداءِ والإِقامةِ مِن صلاة
الصبح(١). وفي ((المسند)) عن أم سلمة، أن النبي ◌َّةِ، كان يُصلي بعد الوتر
ركعتين خفيفتين وهو جالس(٢). وقال الترمذي: روي نحوُ هذا عن عائشة، وأبي
أمامة، وغيرٍ واحدٍ عن النبي إلّ.
وفي ((المسند)) عن أبي أمامة، أن رسول اللّه ◌َبٍ، كان يُصلي ركعتين بعد
الوتر وهو جالس، يقرأ فيهما بـ (إِذَا زُلْزِلَت) و (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)(٣).
وروى الدارقطني نحوَه من حديث أنس رضي الله عنه (٤).
وقد أشكل هذا على كثير من الناس، فظنوه معارضاً، لقوله مَدٍ: «اجْعَلُوا
آخِرَ صَلاَتِكُم بِالْلَّيْلِ وِتْراً» (٥). وأنكر مالك رحمه الله هاتين الركعتين، وقال
أحمد: لا أفعله ولا أمنعُ مَنْ فعله، قال: وأنكره مالك وقالت طائفة: إنما فعل
هاتين الركعتين، ليبين جوازَ الصلاة بعد الوتر، وأن فعله لا يقطع التنفُّل، وحملوا
قولُه: ((اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَئِكُم بِالْلَّيْلِ وِتْراً» على الاستحباب، وصلاة الركعتين بعده
على الجواز.
والصواب: أن يقال: إن هاتين الركعتين تجريان مجرى السنة، وتكميل
الوتر، فإن الوترَ عبادة مستقلة، ولا سيما إن قيل بوجوبه، فتجري الركعتان بعده
(١) رواه مسلم، (٧٣٨) في صلاة المسافرين: باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ◌ِيل
في الليل.
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) ٢٩٨/٦، ٢٩٩ ورجاله ثقات، وهو في معنى ما بعده.
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) ٢٦٠/٥، وإسناده حسن.
(٤) رواه الدارقطني ٤١/٢ وسنده ضعيف، وانظر ((نصب الراية)) ٢/ ١٣٧.
(٥) رواه أحمد في ((المسند)) ١١٩/٢، و١٣٥، و١٤٣، و١٥٠، والبخاري ٤٠٦/٢
في الوتر: باب ليجعل آخر صلاته وتراً، ومسلم (٧٥١) في صلاة المسافرين: باب
صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة مرة اخر الليل.
٣٢٢

مجرى سنة المغرب مِن المغرب، فإنها وتر النهار، والركعتان بعدها تكميل لها،
فكذلك الركعتان بعد وتر الليل، والله أعلم.
فصل
قنوت الوتر
ولم يُحفظ عنه ◌َّة أنه قنت في الوتر، إلا في حديث رواه ابن ماجه، عن
علي بن ميمون الرَّقي، حدثنا مخلد بن يزيد، عن سفيان، عن زُبيد اليامي، عن
سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب، أن رسول الله وَ ل
كان يُوتر فيقنُت قبل الركوع (١). وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: أختار القنوت
بعد الركوع، إنَّ كُلَّ شيء ثبت عن النبي ◌َّ في القنوت، إنما هو في الفجر لمَّا
رفع رأسه من الركوع، وقنوت الوتر أختارُه بعد الركوع، ولم يصحَّ عن النبي ◌ِّ
في قنوت الوتر قبلُ أو بعدُ شيء. وقال الخلاَّل: أخبرني محمد بن يحيى
الکحال، أنه قال لأبي عبد الله في القنوت في الوتر؟ فقال: لیس یُروی فیه عن
النبي ◌َّ شيء، ولكن كان عمر يقنُت من السنة إلى السنة.
وقد روى أحمد وأهل ((السنن)) من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما
قال: علَّمني رسول الله بٌَّ كلماتٍ أقولهن في الوتر: ((اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَیْتَ،
وَعَافِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَولَِّي فِيمَنْ تَوَلَيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا
قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لاَ يَذِلُ مَنْ وَلَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ))(٢).
(١) رواه النسائي ٢٣٥/٢، وابن ماجه (١١٨٢) ومحمد بن نصر في ((قيام الليل))
ص ١٣١ وسنده حسن، وفي الباب عن عبد الله بن مسعود عند الخطيب في ((كتاب
القنوت))، وعن ابن عباس عند أبي نعيم في ((الحلية)) وعن ابن عمر عند الطبراني في
((الأوسط)) وهي على ضعفها تقوي حديث أبي بن كعب.
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١٧١٨)، والترمذي (٤٦٤) في الصلاة، باب القنوت في
الوتر، وأبو داود (١٤٢٥) في الصلاة: باب القنوت في الوتر، والنسائي ٢٤٨/٣ في
صلاة الليل: باب الدعاء في الوتر، وابن ماجه (١١٧٨) في إقامة الصلاة، باب ما
جاء في القنوت في الوتر، والدارمي ٣٧٣/١، ٣٧٤، والبيهقي ٢٠٩/٤ وإسناده =
٣٢٣

زاد البيهقي والنسائي: ((وَلاَ يَعِزُّ من عَادَيْتَ)»(١).
وزاد النسائي في روايته: ((وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ))(٢).
وزاد الحاكم في ((المستدرك)) وقال: ((علَّمني رسولُ الله ◌َّ في وتري إذا
رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود. ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) ولفظه:
سمعتُ رسول الله ێ يدعو.
قال الترمذي: وفي الباب عن علي رضي الله عنه، وهذا حديث حسن
لا نعرِفُه إلا مِن هذا الوجه من حديث أبي الحوراء السعدي، واسمه ربيعة بن
شيبان، ولا نعرف عن النبي ◌َ ◌ّ في القنوت في الوتر شيئاً أحسنَ مِن هذا
انتھی.
والقنوت في الوتر محفوظ عن عمر، وابن مسعود، والرواية عنهم أصحُّ
من القنوت في الفجر، والروايةُ عن النبي ◌ََّ في قنوت الفجر، أصحُّ من
الرواية في قنوت الوتر. والله أعلم.
وقد روى أبو داود والترمذي والنسائي من حديث عليّ بن أبي طالب
رضي الله عنه، أن رسول اللهَ يَّ كان يقول في آخر وتره: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ
الدعاء في آخر الوتر
وبعده
صحيح، وصححه ابن حبان (٥١٢، ٥١٣) والحاكم في ((المستدرك)) ١٧٢/٣.
=
وهي زيادة صحيحة.
(١)
(٢)
وهي زيادة ضعيفة ضعفها الحافظ ابن حجر فيما نقله عنه ابن علان في «الفتوحات
الربانية)) ٢٩٢/٢، فقد قال بعد كلام: هذه الزيادة في هذا السند غريبة لا تثبت، ثم
ذكر أن سنده لا يخلو إما عن راوٍ مجهول أو انقطاع في السند، وقال بعد أن بين
ذلك: فتبين أن هذا السند ليس من شرط الحسن، لانقطاعه أو جهالة راويه، ولم
ينجبر بمجيئه من وجه آخر، وأيد انقطاعه بأن ابن حبان ذكر ذلك الراوي في أتباع
التابعين، ولو كان سمع من الحسن، لذكره في التابعين، وقد بالغ الشيخ (يعني
النووي) في (شرح المهذب)): إنه سند صحيح أو حسن، وكذا قال في ((الخلاصة))
ومع التعلیل الذي ذكرناه، فهو شاذ.
٣٢٤

بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لاَ أُحْصِي ثَنَاءً
عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ))(١). وهذا يحتمِل، أنه قبل فراغه منه
وبعده، وفي إحدى الروايات عن النسائي: كان يقولُ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلاته،
وتبؤَّأَ مضجعه، وفي هذه الرواية: ((لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ وَلَوْ حَرَصْتُ)). وثبت
عنه ◌َّ أنه قال ذلك في السجود، فلعله قاله في الصلاة وبعدها. وذكر
الحاكم في ((المستدرك)) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، في صلاة
النبي ◌َلٌ ووتره: ثم أوتر، فلما قضى صلاته، سمعته يقول: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ في
قَلْبِي نُوراً، وَفِي بَصَرِي نُوراً، وفي سَمْعِي نُوراً، وَعَنْ يَمِينِي نُوراً، وَعَنْ
شِمَالِي نُوراً، وَفَوقِي نُوراً، وَتَحْتِي نُوراً، وَأَمَامِي نُوراً، وَخَلْفِي نُوراً، وَاجْعَل
لِي يَوْمَ لِقَائِكَ نُوراً» (٢). قال كُريب: وسبع في القنوت، فلقيتُ رجلاً مِن ولد
العباس، فحدثني بهن، فذكر: ((لَحْمِي وَدَمِي، وَعَصَبِي وَشَعْرِي وَبَشَرِي))،
وذكر خصلتين، وفي رواية النسائي في هذا الحديث، وكان يقولُ في
سجوده(٣). وفي رواية لمسلم في هذا الحديث: فخرج إلى الصلاة يعني
صلاة الصبح، وهو يقول ... فذكر هذا الدعاء، وفي رواية له أيضاً، ((وفي
لِسَاني نُوراً وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُوراً، وَأَعْظِمْ لِي نُوراً)، وفي رواية له،
(وَاجْعَلْنِي نُوراً)) (٤).
(١) رواه الترمذي (٣٥٦١) في الدعوات: باب في دعاء الوتر، وأبو داود (١٤٢٧) في
الصلاة: باب القنوت في الوتر، والنسائي ٢٤٨/٣، ٢٤٩ في صلاة الليل: باب
الدعاء في الوتر، وابن ماجه (١١٧٩) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في القنوت في
الوتر، والحاكم في ((المستدرك)) ٣٠٦/١، وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما
قالا .
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٥٣٦/٣ وصححه، ووافقه الذهبي.
(٣) النسائي ٢١٨/٢ في الافتتاح فإن الدعاء في السجود من حديث ابن عباس في حديث
مبيته عند خالته ميمونة، وإسناده صحيح.
(٤) رواه مسلم (٧٦٣) في صلاة المسافرين: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه من
حديث ابن عباس أيضا في حديث المبيت.
٣٢٥

وذكر أبو داود، والنسائي من حديث أبي بن كعب، قال: ((كان
رسول الله بَّر يقرأ في الوتر، بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿قل يا أيها
الكافرون﴾ و﴿قل هو اللَّهُ أحد﴾، فإذا سلم قال: ((سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوس
ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، يَمِدُّ بها صَوْتَهُ فِي الثَّالِئَةِ ويرفع)). وهذا لفظ النسائي (١). زاد
الدار قطني ((رَبِّ المَلائِكَةِ وَالرُّوحِ)) (٢).
كيفية قراءته للقرآن
وكان رَّهُ يُقَطِّعُ قراءتَه، ويِقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ فيقول: ((الْحَمْدُ لِلِهِ رَبِّ
العَالَمِين، ويقِف: الرَّحْمُنِ الرَّحِيم، ويقِفُ: مَالِك يَوْمِ الدِّين)) (٣).
وذكر الزهري أن قراءة رسول الله وَل كانت آية آية، وهذا هو الأفضل،
الوقوفُ على رؤوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها، وذهب بعضُ القُرَّاء إلى
تتبع الأغراض والمقاصد، والوقوف عند انتهائها، واتباعُ هدي النبي ◌َّ وسنته
أولى. وممّن ذكر ذلك البيهقيُّ في ((شعب الإِيمان)) وغيره، ورجح الوقوف
على رؤوس الآي وإن تعلقت بما بعدها.
وكَان وَّهُ يُرتِّل السورة حتى تكونَ أطولَ مِنْ أَطْوَلِ منها، وقام بآية
يُرَدِّدُهَا حتى الصباح (٤).
(١) رواه أبو داود (١٤٢٣) في الصلاة: باب ما يقرأ في الوتر، والنسائي ٢٤٤/٣، ٢٤٥
في صلاة الليل: باب نوع اخر من القراءة في الوتر، وابن ماجه (١١٧١) في إقامة
الصلاة: باب ما جاء فيما يقرأ في الوتر، وإسناده صحيح.
(٢) رواه الدارقطني ص ١٧٥ في الوتر: باب ما يقرأ في ركعات الوتر والقنوت، وإسناده
صحیح.
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) ٣٠٢/٦، والترمذي (٢٩٢٨) في القراءات: باب في فاتحة
الكتاب، وأبو داود (٤٠٠١) في الحروف والقراءات، والحاكم في ((المستدرك))
٢٣٢/٢ في التفسير، وصححه ووافقه الذهبي وهو كما قالا، وقد تقدَّم.
(٤) حديث صحيح أخرجه أحمد ١٤٩/٥، وقد تقدَّم تخريجه، والآية التي كان يردِّدها
قوله تعالى: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحيكم).
٣٢٦

وقد اختلف الناسُ في الأفضل من الترتيل وقلة القراءة، أو السرعة مع
كثرة القراءة: أيهما أفضلُ؟ على قولين.
فذهب ابنُ مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وغيرُهما إلى أن الترتيلَ
والتدبر مع قلة القراءة أفضلُ مِن سرعة القراءة مع كثرتها. واحتج أربابُ هذا
القول بأن المقصود من القراءة فهمُّه وتدبُّره، والفقهُ فيه والعملُ به، وتلاوتُه
وحفظُه وسيلة إلى معانيه، كما قال بعض السلف: نزل القرآن لِيعمّل به،
فاتخذوا تلاوته عملاً، ولهذا كان أهلُ القرآن هم العالِمون به، والعاملون بما
فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب. وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما
فيه، فليس مِن أهله وإن أقام حروفه إقامةَ السهم.
قالوا: ولأن الإِيمان أفضلُ الأعمال، وفهمُ القرآن وتدبُّره هو الذي يُثمر
الإِيمان، وأما مجردُ التلاوة من غير فهم ولا تدبر، فيفعلها البرُّ والفاجرُ،
والمؤمن والمنافق، كما قال النبي ◌َّ: ((وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ،
كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا مُرِّ) (١).
والناس في هذا أربع طبقات: أهلُ القرآن والإيمان، وهم أفضل
الناس. والثانية: من عَدِم القرآن والإِيمان. الثالثة: من أوتي قرآناً، ولم يُؤْت
إيماناً، الرابعة: من أوتي إيماناً ولم يُؤْت قرآناً.
قالوا: فكما أن من أوتي إيماناً بلا قرآن أفضلُ ممن أوتي قرآناً بلا
(١) رواه أحمد في ((المسند)) ٣٩٧/٤، والبخاري ١٣/ ٤٤٧ في التوحيد: باب قراءة
الفاجر المنافق، وفي فضائل القرآن: باب فضل القرآن على سائر الكلام وباب إثم
من راءى بالقرآن أو تأكل به، وفي الأطعمة: باب ذكر الطعام، ومسلم (٧٩٧) في
صلاة المسافرين: باب فضيلة حافظ القرآن، وأبو داود (٤٨٢٩) في الأدب: باب
من يؤمر أن يجالس، والترمذي (٢٨٦٩) في الأمثال: باب ما جاء في مثل المؤمن
القارىء للقرآن وغير القارىء، والنسائي ١٢٥/٨ في الإيمان: باب مثل الذي يقرأ
من مؤمن ومنافق، وابن ماجه (٢١٤) في المقدمة: باب من تعلم القرآن وعلمه.
٣٢٧
هل الأفضل الترتيل مع
قلة القراءة أو السرعة مع
کثرتها؟

إيمان، فكذلك من أوتي تدبراً، وفهماً في التلاوة أفضلُ ممن أوتي كثرة قراءة
وسرعتها بلا تدبر. قالوا: وهذا هديُ النبي ◌ََّ، فإنه كانَ يرتِّل السورة حتى
تكون أطولَ من أطول منها، وقام بآية حتى الصباح.
وقال أصحابُ الشافعي رحمه الله: كثرة القراءة أفضلُ، واحتجوا
بحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّ: ((مَنْ قَرَأَ حَرْفاً مِنْ
كِتَابِ اللَّهِ، فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، لاَ أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ
أَلِفِ حَرْفٌ، وَلاَمٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ)). رواه الترمذي. وصححه(١).
قالوا: ولأن عثمان بن عفان قرأ القرآن في ركعة، وذكروا آثاراً عن كثير
من السلف في كثرة القراءة.
والصواب في المسألة أن يُقال: إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجلُّ
وأرفعُ قدراً، وثوابَ كثرة القراءة أكثرُ عدداً، فالأول: كمن تصدّق بجوهرة
عظيمة، أو أعتق عبداً قيمتُه نفيسة جداً، والثاني: كمن تصدّق بعدد كثير من
الدراهم، أو أعتق عدداً من العبيد قيمتُهم رخيصة، وفي ((صحيح البخاري))
عن قتادة قال: سألت أنساً عن قراءة النبي وَ لجر، فقال: كان يمدُّ مذًا(٢).
وقال شعبة: حدثنا أبو جمرة، قال: قلت لابن عباس : إني رجل سریعُ
القِراءة، وربما قرأتُ القرآن في ليلة مرة أو مرتين، فقال ابنُ عباس: لأن أقرأ
سورةً واحدة أعجبُ إِلَيَّ من أن أفعل ذَلِكَ الذي تفعل، فإن كنت فاعلاً ولا
بد، فاقرأْ قِراءَةً تُسْمِعُ أُذُنَيْك، وَيعيها قلبُك.
(١) رواه الترمذي (٢٩١٢) في ثواب القرآن: باب ما جاء فيمن قرأ حرفاً من القرآن ما له
من الأجر، وحسنه، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
(٢) رواه أحمد في ((المسند» ١٢٧/٣، ١٩٨، والبخاري ٧٩/٩ في فضائل القرآن: باب
من القراءة، والنسائي ١٧٩/٢ في الافتتاح: باب من الصوت بالقراءة، وابن ماجه
(١٣٥٣) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل.
٣٢٨

وقال إبراهيم: قرأ علقمةُ على ابن مسعود، وكان حسنَ الصوت،
فقال: رتِّل فِداك أبي وأمي، فإنه زينُ القرآن.
وقال ابن مسعود: لاَ تَهُذُّوا (١) الْقُرْآنَ هَذَّ الشِّعْرِ، وَلاَ تَنْشُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَل،
وَقِفُوا عِنْدَ عَجَائِهِ، وَحَرَّكُوا بِهِ القُلُوبَ، وَلاَ يَكُنْ هَمْ أَحَدِكُمْ آَخِرَ الشُّورَةِ.
وقال عبد الله أيضاً: إذا سمعتَ الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأصغِ
لها سمعك، فإنه خيرٌ تُؤمر به، أو شرٌّ تُصرف عنه.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: دخلت عليَّ امرأة وأنا أقرأُ (سورةَ
هُود) فقالت: يا عبد الرحمن: هكذا تقرأ سورة هود؟! والله إني فيها منذ ستةٍ
أشهر وما فرغتُ مِن قراءتها.
وكان رسولُ الله ◌َلاَ يُسِرُّ بالقراءة في صلاة الليل تارة، ويجهر بها تارة،
ويُطيل القيام تارة، ويخفِّفه تارة، ويُوتر آخر الليل - وهو الأكثر - وأوَّله
تارة، وأوسطَه تارة.
وكان يُصلي التطوع بالليل والنهار على راحلته في السفر قِبَلَ أي جهة
توجهت به، فيركع ويسجُد عليها إيماءً، ويجعل سجودَه أخفضَ مِن ركوعه،
وقد روى أحمد وأبو داود عن أنس بن مالك، قال: كانَ رسولُ الله ◌َيِّ إذا
أراد أن يُصلي على راحلته تطوعاً، استقبل القبلة، فكبر للصلاة، ثم خلّى عن
راحلته، ثم صلَّى أينما توجهت به (٢). فاختلف الرواة عن أحمد: هل يلزمه
أن يفعل ذلك إذا قدر عليه؟ على روايتين: فإن أمكنه الاستدارةُ إلى القبلة في
صلاته كلُّها مِثلَ أن يكون في مَحْمِل أو عمارية ونحوها، فهل يلزمه، أو
صلاة التطوع على
الراحلة
(١) الهذ: سرعة القراءة بغير تأمل، وقوله: نثر الدقل، أي: كما يتساقط الرُّطب الرديء
اليابس من العِذق إذا هُزَّ.
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) ١٢٦/٣، و٢٠٣، وأود (١٢٢٥) في الصلاة: باب
التطوع على الراحلة والوتر، وإسناده قوي.
٣٢٩

يجوز له أن يُصلَِّ حيث توجهت به الراحلةُ؟ فروى محمد بن الحكم عن
أحمد فيمن صلَّى في مَحْمِلٍ: أنه لا يُجزئُه إلا أن يستقبل القبلة، لأنه يمكنه
أن يدور، وصاحب الراحلة والدابة لا يُمكنه. وروى عنه أبو طالب أنه قال:
الاستدارةُ في المَحْمِلِ شديدة يُصلي حيث كان وجهه. واختلفت الرواية عنه
في السجود في المَحْمِلِ، فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال: وإن كان مَحْمِلاً
فقدر أن يسجد في المَحْمِلِ، فيسجد. وروى عنه الميموني، إذا صلَّى في
المَحْمِلِ أحبُّ إليَّ أن يسجد، لأنه يمكنه. وروى عنه الفضل بن زياد: يسجد
في المَحْمِلِ إذا أمكنه. وروى عنه جعفر بن محمد: السجود على المِرْفَقَةِ إذا
كان في المَحْمِلِ، وربما أسند على البعير، ولكن يُومىء ويجعل السجودَ
أخفضَ مِن الركوع، وكذا روى عنه أبو داود(١).
فصل
في هديه ◌َّ في صلاة الضحى
روى البخاري في ((صحيحه)) عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ما رأيتُ
رسول الله وٌَّ يُصلي سُبْحَةَ الضحى، وإني لأُسبِّحُها(٢). وروى أيضاً من حديث
من روى ترك النبي ( العر
فعلها
(١) أخرج أبو داود (١٢٢٧) في الصلاة: باب التطوع على الراحلة والوتر، والترمذي
(٣٥١) في الصلاة: باب ما جاء في الصلاة على الدابة حيثما توجهت به، والبيهقي
٥/٢، وابن خزيمة (١٢٧٠) عن جابر قال: بعثني رسول اللهِ وَّر في حاجة، قال:
فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع، وإسناده
صحيح.
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) ٨٦/٦، و١٧٧، و٢١٥، و٢٢٣، و٢٣٨، والبخاري
٤٦/٣ في التهجد: باب من لم يصل الضحى، ومسلم (٧١٨) في صلاة المسافرين:
باب استحباب صلاة الضحى وإن أقلها ركعتان، وأبو داود (١٢٩٣) في الصلاة:
باب صلاة الضحى. وتمامه: وإن كان رسول الله بَّ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل
به خشية أن يعمل به الناس، فيفرض عليهم.
٣٣٠

مُؤَرِّقِ العِجلي، قلتُ لابن عمر: أتُصلي الضحى؟ قال: لا، قلتُ: فَعُمَرُّ؟ قال:
لا، قلتُ: فأبو بكر؟ قال: لا. قلت: فالنبيُّ مََّ؟ قال: لا. إخالُه(١).
وذكر عن ابن أبي ليلى قال: ما حدثنا أحد أنه رأى النبي ◌ِ لا يُصلي الضحى
غيرَ أم هانىء، فإنها قالت: إن النبي ◌َِّ دخل بيتَها يومَ فتح مكة، فاغتسل،
وصلَّى ثمانَ ركعات، فلم أر صلاةً قطُّ أخفَ مِنها، غير أنهُ يُتْم الركوعَ
والسجود(٢).
وفي ((صحيح مسلم))، عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة هل كان
رسولُ اللهِ وَلَا يُصلي الضحى؟ قالت: لا إلا أن يجيءَ مِن مغيبه.
قلتُ: هل كان رسولُ اللهِ وَ يَقْرُنُ بين السور؟ قالت: مِن المفصَّل(٣).
وفي ((صحيح مسلم)) عن عائشة، قالت: كان رسولُ الله ◌َّ يُصلي الضحى
أربعاً، ويزيد ما شاء الله (٤). وفي ((الصحيحين)) عن أم هانىء، أن رسولَ اللَّهِ وَيّ
صلَّی يوم الفتح ثمان ركعات وذلك ضحی(٥) .
من روى صلاة النبي لها
وعدد ركعاتها
وقال الحاكم في ((المستدرك)): حدثنا الأصم، حدثنا الصغاني، حدثنا ابن
(١) رواه البخاري ٤٢/٣ في التهجد: باب صلاة الضحى في السفر.
(٢) رواه البخاري ٤٣/٣ في التطوع: باب صلاة الضحى في السفر، وفي تقصير
الصلاة: باب من تطوع في الصلاة في غير دبر الصلاة وقبلها، وفي المغازي: باب
منزل النبي ◌َلل يوم الفتح، ومسلم (٣٣٦) (٨٠) في صلاة المسافرين: باب
استحباب صلاة الضحى، والترمذي (٤٧٤) في الصلاة: باب ما جاء في صلاة
الضحى، وأبو داود (١٢٩١) في الصلاة: باب صلاة الضحى.
(٣) رواه مسلم (٧١٧) في صلاة المسافرين: باب استحباب صلاة الضحى، وأبو داود
(١٢٩٢) في الصلاة: باب صلاة الضحى، النسائي ١٥٢/٤ في الصوم: باب التقدم
قبل رمضان، وأحمد في ((المسند)) ١٧١/٦، و٢٠٤ و٢١٨.
(٤) رواه مسلم (٧١٩) في صلاة المسافرين: باب استحباب صلاة الضحى، وابن ماجه
(١٣٨١) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في صلاة الضحى.
(٥) تقدم تخريجه قريباً.
٣٣١

أبي مريم، حدثنا بكر بن مضر، حدثنا عمرو بن الحارث، عن بكر بن الأشج،
عن الضحاك بن عبد الله، عن أنس رضي الله عنه قال: رأيتُ رسول الله وَّ صلَّى
في سفر سُبْحةَ الضُّحى، صلَّى ثمانَ ركعات، فلما انصرف، قال: ((إِنِّي صَلَّيْتُ
صَلاَةَ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ، فَسَأَلْتُ رَبِّي ثَلاَثَاً، فَأَعْطَانِ اثْنَيْنِ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُهُ أَلَّ
يَقْتُلَ أُمَِّي بِالسَّنِينَ فَفَعَلَ، وسألتُه أَلاَّ يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوَّاً، فَفَعَلَ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ
يُلْبِسَهُمْ شِيَعاً فَأَبَى عَلَيَّ)). قال الحاكم صحيح (١). قلت: الضحاك بن عبد الله هذا
يُنظر من هو وما حاله؟
وقال الحاكم: في كتاب ((فضل الضحى)): حدثنا أبو بكر الفقيه، أخبرنا
بشر بن يحيى، حدثنا محمد بن صالح الدولابي، حدثنا خالد بن عبد الله بن
الحصين، عن هلال بن يساف، عن زاذان، عن عائشة رضي الله عنها قالت: صلَّى
رسولُ اللهِ وَّ الضحى، ثم قال: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، وَارْحَمْنِي، وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ
الثَّوَّابُ الرَّحِيمُ الغَفُورُ)». حتى قالها مائة مرة (٢).
حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أسد بن عاصم، حدثنا الحصين بن
حفص، عن سُفيان، عن عمر بن ذر، عن مجاهد، أن رسول الله ◌ََّه صلَّى
الضحى ركعتين، وأربعاً، وستاً وثمانياً(٣).
وقال الإِمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عثمان بن
عبد الملك العمري، حدثتنا عائشة بنت سعد، عن أم ذرة، قالت: رأيتُ عائشة
رضي الله عنها تُصلي الضُّحى وتقول: ما رأيتُ رسول الله وٌَّ يُصلي إلا أربعَ
(١) رواه الحاكم ٣١٤/١، وابن خزيمة (١٢٢٨) وأحمد في ((المسند)) ١٤٦/٣، ورجاله
ثقات خلا الضحاك بن عبد الله فإنه مجهول، ومع ذلك فقد صححه الحاكم ووافقه
الذهبي.
في سنده من لا يعرف.
(٢)
(٣) مرسل وفيه من لا يعرف.
٣٣٢

ركعات(١).
وقال الحاكم أيضاً: أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد المروزي، حدثنا أبو
قلابة، حدثنا أبو الوليد، حدثنا أبو عَوانة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن
عمرو بن مرة، عن عمارة بن عمير، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه أنه رأى
رسول الله ◌َّ يصلي صلاة الضحى(٢).
قال الحاکم أيضاً: حدثنا إسماعيل بن محمد، حدثنا محمد بن عدي بن
كامل، حدثنا وهب بن بقية الواسطي، حدثنا خالد بن عبد الله، عن محمد بن
صلى الضّحى ستَّ ركعات(٣)
٩١
قيس، عن جابر بن عبد الله، أن النبي
ثم روى الحاكم عن إسحاق بن بشير المحاملي، حدثنا عيسى بن موسى،
عن جابر، عن عمر بن صبح، عن مقاتل بن حيان، عن مسلم بن صبيح، عن
مسروق، عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، قالتا: كان رسول الله ◌َّ يُصلي
صلاة الضحى ثنتي عشرة ركعة، وذكر حديثاً طويلاً(٤).
وقال الحاكم: أخبرنا أبو أحمد بن محمد الصيرفي، حدثنا أبو قلابة
الرقاشي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضُمرة،
(١) رواه أحمد في ((المسند) ١٠٦/٦ وعثمان بن عبد الملك كذا ورد اسمه في
((المسند))، وذكره المزي فيمن روى عن عائشة بنت سعد، فقال: عثمان بن
محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر العمري، وهو مترجم في ((الجرح والتعديل))
١٦٥/٦، وقال: روى عنه خالد بن مخلد القطواني وإسماعيل بن أبي أويس،
وهشام بن عبيد الله الرازي، وباقي رجاله ثقات.
(٢) رجاله ثقات، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢٣٨/٢، ونسبه للطبراني في ((الكبير))
وقال: إسناده حسن.
(٣) محمد بن قيس لم یوثقه غیر ابن حبان.
(٤) عمر بن صبح متروك، وكذبه ابن راهويه وغيره، وسيذكر المؤلف فيما بعد أن الخبر
موضوع.
٣٣٣

عن علي رضي الله عنه، أن النبي و الر، كان يُصلي الضحى(١).
وبه إلى أبي الوليد. حدثنا أبو عوانة، عن حُصين بن عبد الرحمن، عن
عمرو بن مرة، عن عمارة بن عمير العبدي، عن ابن جبير بن مُطعم، عن
أبيه، أنه رأى رسول الله ◌َّ يُصلي الضحى(٢).
قال الحاكم: وفي الباب عن أبي سعيد الخُدري، وأبي ذر الغِفاري،
وزيد بن أرقم، وأبي هريرة، وبريدة الأسلمي، وأبي الدرداء، وعبد الله بن أبي
أوفى، وِتبان بن مالك، وأنس بن مالك، وعُتبة بن عبد الله السلمي،
ونعيم بن همَّار الغطفاني، وأبي أمامة الباهلي رضي الله عنهم، ومن النساء،
عائشة بنت أبي بكر، وأم هانىء، وأم سلمة رضي الله عنهن، كلهم شهدوا أن
النبي آل﴾ كان يُصليها.
وذكر الطبراني من حديث علي، وأنس، وعائشة، وجابر، أن النبي ◌َّ
كان يُصلي الضحى ست ركعات(٣).
فاختلف الناس في هذه الأحاديث على طرق، منهم من رجح رواية
الفعل على الترك بأنها مثبتة تتضمن زيادةَ علم خفيت على النافي. قالوا: وقد
يجوز أن يذهب علمُ مثل هذا على كثير من الناس، ويُوجد عند الأقل. قالوا:
بيان أدلة من رجح الفعل
على الترك
مع بيان العدد
(١) رجاله ثقات.
(٢) رجاله ثقات وقد مرَّ بنا في الصفحة السابقة.
(٣) حديث أنس ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٢٣٧/٢، وقال: رواه الطبراني في
الأوسط، وفيه سعيد بن مسلم الأموي، ضعفه البخاري وابن معين وجماعة، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يخطىء. وحديث جابر، وقال: رواه الطبراني في
الأوسط من رواية محمد بن قيس عن جابر، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، أما
حديث عائشة، فقد ذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢٣٥/٢ بلفظ، قالت عائشة ما صلَّى
النبي ◌َّ الضحى إلا يوم فتح مكة، وقال: رواه البزار ورجاله موثقون وفي بعضهم
كلام لا يضر. وحديث علي أن رسول الله مَ ليل كان يصلي من الضحى، وقال: ورواه
أحمد وأبو يعلى إلا أنه قال: يصلي الضحى، ورجال أحمد ثقات.
٣٣٤

وقد أخبرت عائشة، وأنس، وجابر، وأم هانىء، وعليُّ بنُ أبي طالب، أنه
صلاها. قالوا: ويؤيد هذا الأحاديثُ الصحيحة المتضمنةُ للوصية بها،
والمحافظة عليها، ومدح فاعلها، والثناءِ عليه، ففي ((الصحيحين)) عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي محمدٌ ◌ّل بصيامٍ ثلاثَةِ أيام مِن كل
شهر، وركعتي الضحى، وأن أُوتِرَ قبل أن أنام (١) .
وفي ((صحيح مسلم)) نحوه عن أبي الدرداء (٢).
وفي ((صحيح مسلم))، عن أبي ذر يرفعه، قال: ((يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلاَمَى
مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيْحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيْدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ
صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌّ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ،
ويُجْزِىءُ مِن ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى))(٣) .
وفي ((مسند الإمام أحمد))، عن معاذ بن أنس الجُهَني، أن رسول الله وَّة
قال: ((مَنْ قَعَدَ في مُصَلاَّهُ حينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكعتَي
الضُّحى لا يقُول إِلاَّ خَيْراً، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ خَطَايَاهُ وإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ»(٤).
وفي الترمذي، و((سنن ابن ماجه)) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال:
قال رسول الله وَّةُ: ((مَنْ حَافَظَ على سُبْحَةِ الضُّحَى، غُفِرَ لَهُ ذُنُوبُه وإِنْ كانَتْ
(١) رواه البخاري ٣/ ٤٧ في التطوع: باب صلاة الضحى في الحضر، وفي الصوم: باب
صيام أيام البيض، ومسلم (٧٢١) في صلاة المسافرين: باب استحباب ركعتي
الضحى، وأبو داود (١٤٣٢) في الصلاة: باب الوتر قبل النوم، والنسائي ٢٢٩/٣
في صلاة الليل: باب الحث على الوتر قبل النوم.
رواه مسلم (٧٢٢)، أبو داود (١٤٣٣).
(٢)
رواه مسلم (٧٢٠)، أبو داود (١٢٨٥).
(٣)
رواه أحمد في «المسند» ٤٣٩/٣، والبيهقي ٤٩/٣ وفيه ابن لهيعة وهو سيء
(٤)
الحفظ، وزبان بن فائد وهو ضعيف، وسهيل بن معاذ لا بأس به إلا في رواية زبان
عنه وهذه منها.
٣٣٥

مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ (١) .
وفي ((المسند)) والسنن، عن نعيم بن همَّار قال: سمعتُ رسول الله وَ﴾.
يقول: ((قال الله عز وجل: يا أَبْنَ آدَمَ لاَ تَعْجِزَنَّ عَنْ أَرْبَعِ رَكَعاتٍ في أَوَّلِ
النَّهارِ أَكْفِكَ آخِرَه(٢) ورواه الترمذي من حديث أبي الدرداء، وأبي ذر (٣).
وفي ((جامع الترمذي)) و((سنن ابن ماجه))، عن أنس مرفوعاً ((مَنْ صَلَّى
الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بَنَّى اللَّهُ لَهُ قَصْراً مِنْ ذَهَبٍ في الجنَّةَ»(٤).
وفي ((صحيح مسلم))، عن زيد بن أرقم أنه رأى قوماً يُصلُّون من
الضحى في مسجد قُباء، فقال: أما لقد عَلِموا أن الصلاة في غير هذه الساعة
أفضلُ إنَّ رسول الله ◌َّه قال: ((صَلاَةُ الأوَّابين حينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ»(٥) .
وقوله: ترمَضُ الفِصال، أي: يشتد حر النهار، فتجد الفِصال حرارةَ
الرمضاء. وفي ((الصحيح)) أن النبي ◌َّ صلى الضُّحى في بيت عِتبان بن مالك
(١) رواه الترمذي (٤٧٦) في الصلاة: باب ما جاء في صلاة الضحى، وابن ماجه
(١٣٨٢) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في صلاة الضحى، وأحمد في ((المسند)»
٤٤٣/٢ و٤٩٧ و٤٩٩، وفي سنده النهاس بن فهم وهو ضعيف كما قال الحافظ
في ((التقريب)).
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) ٢٨٦/٥ و٢٨٧، وأبو داود (١٢٨٩) في الصلاة: باب
صلاة الضحى، وإسناده صحيح. والدارمي ٣٣٨/١.
(٣) رواه الترمذي (٤٧٥) في الصلاة: باب ما جاء في صلاة الضحى، وإسناده قوي،
ويشهد له الذي قبله. ورواه أحمد ٦/ ٤٤٠ و٤٥١ من طريق آخر عن أبي الدرداء
وإسناده صحيح.
(٤) رواه الترمذي (٤٧٣)، وابن ماجه (١٣٨٠) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في صلاة
الضحى وفي سنده موسى بن أنس وهو مجهول.
(٥) رواه مسلم (٧٤٨) في صلاة المسافرين: باب صلاة الأوابين حين ترمض الفصال،
وأخرجه الدارمي ١/ ٣٤٠ في الصلاة: باب في صلاة الأوابين، وأحمد في («المسند»
٣٦٦/٤، و٣٦٧ و٣٧٢ و٣٧٥.
٣٣٦

ركعتين(١) .
وفي ((مستدرك)) الحاكم من حديث خالد بن عبد الله الواسطي، عن
محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله مَّةٍ قال: ((لا
يُحافِظُ عَلى صَلاةِ الضُّحَى إلا أَوَاب))(٢) وقال: ((هذا إسناد قد احتج بمثله
مسلمُ بن الحجاج، وأنه حدث عن شيوخه، عن محمد بن عمرو، عن أبي
سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ◌َّة، ((مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيءٍ ما
أَذِنَ لِنَبِيِّ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ))(٣) قال: ولعل قائلاً يقول: قد أرسله حماد بن سلمة،
وعبد العزيز بن محمد الدَّرَاوردي، عن محمد بن عمرو، فيقال له: خالد بن
عبد الله ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة.
ثم روى الحاكم: حدثنا عبدان بن يزيد، حدثنا محمد بن المغيرة
السكري، حدثنا القاسم بن الحكم العُرَني، حدثنا سليمان بن داود اليمامي،
حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله وَّة: ((إِنَّ لِلْجَنَّةِ باباً يُقالُ لَهُ بابُ الضُّحَى، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَة
نادَى مُنَادٍ: أَيْنَ الَّذِينَ كانوا يُداوِمونَ عَلى صلاة الضُّحَى، هذا بابُكم،
فاذْخُلُوه بِرَحْمَةِ اللَّهِ»(٤).
(١) سيأتي قريباً ص ٣٤٣.
(٢) رواه الحاكم في المستدرك ٣١٤/١، وابن خزيمة (١٢٢٤) وسنده حسن، وصححه
الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي مع أن محمد بن عمرو لم يخرج له مسلم
إلا في المتابعات.
(٣) رواه من غير الطريق التي ذكرها المصنف البخاري ٣٨٥/١٣ في التوحيد: باب ولا
تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له، وباب قول النبي ◌َّ: الماهر بالقرآن مع الكرام
البررة، وفي فضائل القرآن: باب من لم يتغن بالقرآن، ومسلم (٧٩٢) في صلاة
المسافرين: باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن، وأبو داود (١٤٧٣) في الصلاة:
باب استحباب الترتيل في القرآن، والنسائي ١٨٠/٢ في الافتتاح: باب تزيين القرآن
بالصوت، وأحمد في ((المسند» ٢٧١/٢ و٢٨٥ و٤٥٠.
(٤) وأخرجه الطبراني في (الأوسط)) ١/٥٩/١، وسليمان بن داود اليمامي، قال ابن =
٣٣٧

وقال الترمذي في ((الجامع)): حدثنا أبو كريبٍ محمد بن العلاء، حدثنا
يُونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني موسى بن فلان، عن
عمه ثُمامة بن أنس بن مالك، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلير:
(مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ، بَنَّى اللَّهُ لَهُ قَصْراً مِنْ ذَهَبٍ في الجَنَّةِ)).
قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (١). وكان أحمد يرى
أصحَّ شيء في هذا الباب حديثَ أم هانىء. قلت: وموسى ابن فلان هذا، هو
موسى بن عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك.
وفي ((جامعه)) أيضاً مِن حديث عَطية العَوْفي، عن أبي سعيد الخُدري،
قال: كانَ رسول الله وََّ يُصلي الضُّحَى حتى نقولَ: لا يدعُها، ويدعُها حتى
نقولَ: لا يُصليها(٢). قال: هذا حديث حسن غريب.
وقال الإِمام أحمد في («مسنده)) حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن
عياش، عن يحيى بن الحارث الذِّمَاري، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن
النبي ◌َّه، قال: ((مَنْ مَشى إلى صَلاةٍ مَكْتوبَةٍ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ، كانَ لَهُ كَأَجْرٍ
الحاجِّ المُحْرِم، ومَنْ مَشى إلى سُبْحَة الضُّحَى كَانَ لَهُ كَأَجْرِ المُعْتَمِرِ، وَصَلاةٌ
عَلى إِثْرِ صَلاةٍ لاَ لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّين)) قال أبو أمامة: الغدو والرواح
إلى هذِهِ المَساجِدِ مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ عزّ وَجَلّ (٣).
معين: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، واصطلاح البخاري أن من قال
=
فيه: منكر الحديث لا تحل الرواية عنه، وقال ابن حبان: ضعيف، وقال آخر:
متروك، ويحيى بن أبي كثير مدلس، وقد عنعن، فالخبر لا يصح.
(١) رواه الترمذي (٤٧٣) في الصلاة: باب ما جاء في صلاة الضحى، وابن ماجه
(١٣٨٠) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في صلاة الضحى، وموسى بن فلان مجهول
كما في ((التقريب))، وقد تقدَّم.
(٢) رواه الترمذي (٤٧٧) في الصلاة: باب ما جاء في صلاة الضحى، وأحمد في
(«المسند» ٢١/٣ و٣٥ عطية بن سعد العوفي، سيء الحفظ، فالسند ضعيف.
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) ٢٦٨/٥، وقد حُرِّفَ فيه اسم يحيى بن الحارث الذماري = .
٣٣٨

وقال الحاكم: حدثنا أبو العباس، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني
حدثنا أبو المورِّع محاضر بن المورِّع، حدثنا الأحوصُ بن حكيم، حدثني
عبد الله بن عامر الألهاني، عن منيب بن عيينة بن عبد الله السُّلمي، عن أبي
أمامة، عن رسول الله ◌َ﴿ل أنه كان يقول: ((مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في مَسْجِدٍ
جَمَاعَةٍ، ثُمَّ ثَبَتَ فِيهِ حَتَّى الضُّحَى، ثُمَّ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى، كانَ لَهُ كَأَجْرٍ
حاجٌ أَوْ مُعْتَمِرٍ تَام لَهُ حَجَّتُه وَعُمْرَتُه)»(١) .
وقال ابن أبي شيبة: حدثني حاتم بن إسماعيل، عن حُميد بن صخر،
عن المقبري، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بعث النبيُّ له
جيشاً، فأعظموا الغنيمةَ، وأسرعوا الكَرَّة. فقال رجل: يا رسول الله! ما رأينا
بعثاً قطُّ أسرعَ كرةً ولا أعظَمَ غنيمةَ من هذا الْبَعثِ، فقال: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَسرَعَ
كَرَّةٌ، وَأَعْظَمَ غَنِيمَةً: رَجُلٌ توضَّأَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْسَنَ وُضوءَهُ، ثُمَّ عَمَدَ إلى
المَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ صَلاةَ الغَدَاةِ، ثُمَّ أَعْقَبَ بِصلاةِ الضُّحَى، فَقَدْ أَسْرَعَ الكَرَّةَ
وَأَعْظَمَ الغَنِيمَةِ)(٢) .
وفي الباب أحاديث سوى هذه، لكن هذه أمثلُها. قال الحاكم: صحبتُ
جماعةً من أئمة الحديث الحفاظ الأثبات، فوجدتهم يختارون هذا العددَ،
يعني أربعَ ركعات، ويُصلون هذه الصلاة أربعاً، لتواتر الأخبار الصحيحة فيه،
إلى يحيى بن خالد الذهاري وإسناده حسن، ورواه أبو داود (١٢٨٨) مختصراً بلفظ
=
((صلاة في إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين)) وإسناده حسن.
(١) إسناده ضعيف.
(٢) سنده قابل للتحسين وأخرجه ابن حبان (٦٢٩) من طريق ابن أبي شيبة، وأورده
المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٤٢٧/١، ٤٢٨ وقال: رواه أبو يعلى ورجاله
رجال الصحيح والبزار، وبين البزار في روايته أن الرجل أبو بكر رضي الله عنه، وفي
الباب عن عبد الله بن عمرو عند أحمد من رواية ابن لهيعة، والطبراني بإسناد جيد.
٣٣٩

وإليه أذهب، وإليه أدعو اتِّباعاً للأخبار المأثورة، واقتداء بمشايخ الحديث
فیه .
قال ابن جرير الطبري - وقد ذكر الأخبارَ المرفوعةَ في صلاة الضُّحى
واختلاف عددها: وليس في هذه الأحاديث حديثٌ يدفع صاحبه، وذلك أن
من حكى أنه صلى الضحى أربعاً جائز أن يكون رآه في حال فعلِه ذلك، ورآه
غيرُه في حالٍ أخرى صلى ركعتين، وراه آخرُ في حال أخرى صلاها ثمانياً،
وسمعه آخر يحثُّ على أن يُصلي ستاً، وآخر يحثُّ على أن يُصلي ركعتين،
وآخر على عشر، وآخر على ثِنتي عشرة، فأخبر كلُّ واحد منهم عما رأى
وسمع. قال: والدليل على صحة قولنا، ما رُوِيَ عن زيد بن أسلم قال:
سمعتُ عبد الله بن عمر يقول لأبي ذر: أوصني يا عم، قال: سألتُ
رسول الله ◌ََّ كما سألتني، فقال: ((مَنْ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُكْتَبْ مِنَ
الغَافِلِينَ، وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعاً، كُتِبَ مِنَ العَابِدِين، ومَنْ صَلَّى سِتّ، لَمْ يَلْحَقْهُ
ذَلِكَ الْيَوْمَ ذَنْبٌ، وَمَنْ صَلَّى ثَمانِياً، كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ، ومَنْ صَلَّى عَشْراً بَنَى
اللَّهُ لَهُ بَيْتَ فِي الجَنَّةَ)) (١) .
وقال مجاهد: صلَّى رسولُ الله ◌ََّ يوماً الضُّحى ركعتين، ثم يوماً
أربعاً، ثم يوماً سِتّاً، ثم يوماً ثمانياً ثم تركَ. فأبان هذا الخبر عن صحة ما قلنا
من احتمال خبر كل مُخْبِرٍ ممن تقدم أن يكون إخبارُه لِما أخبر عنه في صلاة
الضُّحى على قدر ما شاهده وعاینه.
(١) رواه البزار، وفي سنده الحسين بن عطاء بن يسار المدني، قال أبو حاتم: منكر
الحديث، وقال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج به إذا انفرد، وأخرجه المنذري في
((الترغيب والترهيب)) ٤٣٠/١ من حديث أبي الدرداء، وقال: رواه الطبراني في
((الكبير)»: ورواته ثقات، وفي موسى بن يعقوب الزمعي خلاف، وقد روي عن
جماعة من الصحابة ومن طرق، وهذه أحسن أسانيده، وانظر ((مجمع الزوائد»
٢٣٧/٢، وفتح الباري ٤٤/٣ .
٣٤٠