النص المفهرس

صفحات 281-300

وقال أبو حنيفة رحمه الله: كُلُّه بعد السلام.
وقال مالك رحمه الله: كُلُّ سهو كان نقصاناً في الصلاة، فإن سجوده قبل
السلام، وكُلُّ سهو كان زيادة في الصلاة، فإن سجوده بعد السلام، وإذا اجتمع
سهوانٍ: زيادة ونقصان، فالسجودُ لهما قبل السلام.
قال أبو عمر بن عبد البر: هذا مذهبُه لا خلاف عنه فيه، ولو سجد أحد
عنده لسهوه بخلاف ذلك، فجعل السجود كلَّه بعد السلام، أو كلَّه قبل السلام، لم
يكن عليه شيء، لأنه عنده من باب قضاء القاضي باجتهاده، لاختلاف الآثار
المرفوعةِ، والسلفِ من هذه الأمة في ذلك.
وأما الإِمام أحمد رحمه الله، فقال الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يُسأل عن
سجود السهو: قبل السلام، أم بعده؟ فقال: في مواضع قبل السلام، وفي مواضع
بعده، كما صنع النبي ◌َّلة حين سلّم من اثنتين، ثم سجد بعد السلام، على حديث
أبي هريرة في قصة ذي الیدین.
ومن سلم من ثلاث سجد أيضاً بعد السلام على حديث عمران بن
حصين(١) . وفي التحري يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود، وفي القيام
من اثنتين يسجد قبل السلام على حديث ابن بُحينة وفي الشك يَبني على اليقين،
ويسجدُ قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري (٢) وحديثٍ عبد الرحمن بن
عوف(٣) .
(١) رواه مسلم (٥٧٤) وأبو داود (١٠١٨)، والنسائي ٢٦/٣ في السهو: وابن ماجه
(١٢٧٥).
(٢) رواه مسلم (٥٧١) والترمذي (٣٩٦) وأبو داود (١٠٢٤) والنسائي ٢٧/٣ وابن ماجه
(١٢١٠).
(٣) رواه أحمد ١٩٠/١، والترمذي (٣٩٨)، وابن ماجه (١٢٠٩)، والبيهقي ٣٣٢/٢،
والطحاوي ٤٣٢/١ و٤٣٣، ورجاله ثقات، وصححه الحاكم ٣٢٤/١، ووافقه
الذهبي.
٢٨١

قال الأثرم: فقلتُ لأحمد بن حنبل: فما كان سِوى هذه المواضع؟ قال:
يسجدُ فيها كلِّها قبل السلام، لأنه يُتم ما نقص من صلاته، قال: ولولا ما روي عن
النبي ◌ِّه، لرأيتُ السجودَ كلَّه قبل السلام، لأنه من شأن الصلاة، فيقضيه قبل
السلام، ولكن أقولُ: كل ما روي عن النبي ◌َّ أنه سجد فيه بعد السلام، فإنه
یسجد فيه بعد السلام، وسائر السهو يسجد فيه قبل السلام.
وقال داود بن علي: لا يسجد أحد للسهو إلا في الخمسة المواضع التي
سجد فیھا رسول الله ٹلل . انتهى.
وأما الشكُّ، فلم يَعرِض له ◌َّ، بل أمر فيه بالبناء على اليقين، وإسقاط
الشك، والسجود قبل السلام. فقال الإِمامُ أحمد: الشكُّ على وجهين: اليقين،
والتحري، فمن رجع إلى اليقين، ألغى الشك، وسجَد سجدتي السهو قبل السلام
على حديث أبي سعيد الخدري، وإذا رجع إلى التحرِّي وهو أكثرُ الوهم، سجد
سجدتي السهو بعد السلام على حديث ابن مسعود الذي يرويه منصور. انتهى.
وأما حديث أبي سعيد، فهو ((إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى
أَثَلاَثَاً أَمْ أَرْبَعَاً، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْبَيْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ
بُسَلِّمَ))،
وأما حديثُ ابن مسعود، فهو ((إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ
الصَّوَابَ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنٍ)) متفق عليهما. وفي لفظ ((الصحيحين)): (ثُمَّ
يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنٍ)) وهذا هو الذي قال الإِمامُ أحمد، وإذا رجع إلى
التحري، سجد بعد السلام.
والفرق عنده بين التحري واليقين، أن المصلي إذا كان إماماً بنى على غالب
ظنِّه وأكثرِ وهمه، وهذا هو التحري، فيسجدُ له بعد السلام على حديثٍ ابن
مسعود، وإن كان منفرداً، بنى على اليقين، وسجد قبل السَّلام على حديثٍ أبي
سعيد، وهذه طريقةُ أكثر أصحابه في تحصيلٍ ظاهر مذهبه. وعنه: روايتان
٢٨٢

أخريان: إحداهما: أنه يبني على اليقين مطلقاً، وهو مذهب الشافعي ومالك،
والأخرى: على غالب ظنه مطلقاً، وظاهر نصوصه إنما يدل على الفرق بين
الشك، وبين الظن الغالب القوي، فمع الشكِّ يبني على اليقين، ومع أكثرِ الوهم
أو الظنِّ الغالب يتحرَّى، وعلى هذا مدارُ أجوبته. وعلى الحالين حملُ الحديثين،
والله أعلم.
وقال أبو حنيفة رحمه الله في الشك: إذا كان أوّلَ مَا عَرَضَ له، استأنفَ
الصلاة، فإن عرض له كثيراً، فإن كان له ظنٍّ غالب، بنى عليه، وإن لم يكن له
ظن، بنى على اليقين.
فصل
ولم يكن من هديه ◌َّه تغميضُ عينيه في الصلاة، وقد تقدم أنه كان في
التشهد يُومىء ببصره إلى أصبعه في الدعاء، ولا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إشارتَه(١).
وذكر البخاري في ((صحيحه)) عن أنس رضي الله عنه قال: كان قِرَامٌ
لعائشة، سترت به جانِبَ بيتها، فقال النبيُّ ◌ََّ: ((أَمِيطِي عَنِّي قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لاَ
تَزَالَ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلاَتِي))(٢). ولو كان يُغمض عينيه في صلاته، لما
عَرَضَتْ له في صلاته. وفي الاستدلال بهذا الحديث نظرٌ، لأن الذي کان یعرِض
له في صلاته: هل تذكُّر تلك التصاوير بعد رؤيتها، أو نفس رؤيتها؟ هذا محتمل،
وهذا محتمل، وأبينُ دلالةٌ منه حديثُ عائشة رضي الله عنها، أن النبي ◌َّ صلَّى
في خَمِيصَةٍ لها أعلامٌ، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: ((اذْهَبُوا
لم يكن من هديه تغميض
عينيه في الصلاة
(١) أخرجه أحمد في ((المسند» ٣/٤، والنسائي ٢٩/٣، وأبو داود (٩٩٠) من حديث
عبد الله بن الزبير، وسنده حسن.
(٢) رواه البخاري ٤٠٨/١ في الصلاة: باب إذا صلَّى في ثوب مصلب أو تصاوير هل
تفسد صلاته، وفي اللباس: باب كراهية الصلاة في التصاوير، وأحمد في («المسند»
١٥١/٣ و٢٨٣.
٢٨٣

بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وأُتُونِي بِانْبِجَانِيَّةٍ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفاً عَنْ
صَلاَتِي)) (١). وفي الاستدلال بهذا أيضاً ما فيه، إذ غايتُه أنه حانت منه التفاتة إليها،
فشغلته تلك الالتفاتةُ ولا يدُلُّ حديثُ التفاته إلى الشِّعب لما أرسل إليه الفارس
طليعة، لأن ذلك النظرَ والالتفاتَ منه كان للحاجة، لاهتمامه بأمورِ الجيش، وقد
يدُلُّ على ذلك مَدُّ يده في صلاة الكسوف ليتناولَ العُنقود لما رأى الجنة، وكذلك
رؤيتهُ النَّارَ وصاحبةَ الهرة فيها، وصاحِبَ الِمِحْجَنِ(٢) وكذلك حديثُ مدافعته
للبهيمة التي أرادت أن تمر بين يديه، وردّه الغلامَ والجارية، وحجزُه بين
الجاريتين، وكذلك أحاديثُ ردِّ السلام بالإشارة على من سلم عليه وهو في
الصلاة، فإنه إنما كان يُشير إلى من يراه، وكذلك حديثُ تعرُّضٍ الشيطان له فأخذه
فخنقه، وكان ذلك رؤيةَ عين، فهذه الأحاديثُ وغيرُها يُستفاد مِن مجموعها العلمُ
بأنه لم يكن يُغْمِضُ عينيه في الصلاة . .
وقد اختلف الفقهاء في كراهته، فكرِهه الإِمامُ أحمد وغيرُه، وقالوا: هو
(١) رواه البخاري ٤٠٦/١، ٤٠٧ في الصلاة: باب إذ صلَّى في ثوب له أعلام، وفي
صفة الصلاة: باب الالتفات في الصلاة، وفي اللباس: باب الأكسية والخمائص،
ومسلم (٥٥٦) في المساجد: باب كراهية الصلاة في ثوب له أعلام، وأبو داود
(٩١٤) في الصلاة: باب النظر في الصلاة، والنسائي ٧٢/٢ في القبلة: باب الرخصة
في الصلاة في خميصة لها أعلام، وأحمد في ((المسند» ٣٧/٦ و٤٦ و ١٧٧ و١٩٩
و ٢٠٨، والأنبجانية: كساء يتخذ من الصوف له خمل ولا علم له، وهي من أدون
الثياب الغليظة .
(٢)
أخرجه البخاري ٤٤٧/٢، ٤٤٨ من حديث ابن عباس، وأخرجه مسلم (٩٠٤) (١٠)
في الكسوف: باب ما عرض على النبي ◌ُ ◌ّ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار
وأحمد ٣١٨/٣ من حديث جابر، ورواه أحمد في المسند ١٨٨/٢، والنسائي
١٤٩/٣ في الكسوف: باب القول في السجود في صلاة الكسوف من حديث شعبة
عن عطاء بن السائب عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص وهذا إسناد صحيح،
فإن شعبة سمع من عطاء قبل الاختلاط، ورواه أحمد ٢٤٥/٤ من حديث المغيرة بن
شعبة .
٢٨٤

فعلُ اليهود، وأباحه جماعة ولم يكرهوه، وقالوا: قد يكونُ أقربَ إلى تحصيل
الخشوع الذي هو روحُ الصلاة وسرُّها ومقصودها.
والصواب أن يُقال: إن كان تفتيحُ العين لا يُخِلُّ بالخشوع، فهو أفضل،
وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما
يُشوش عليه قلبه، فهنالك لا يُكره التغميضُ قطعاً، والقولُ باستحبابه في هذا
الحال أقربُ إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة، والله أعلم.
فصل
فیما کان رسول الله ێ﴾ یقوله بعد انصرافه من الصلاة،
وجلوسِه بعدَها، وسرعةِ الانتقال منها، وما شرعه
لأمته من الأذكار والقراءة بعدها
كان إذا سلم، استغفر ثلاثاً، وقال: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ، وَمِنْكَ السَّلاَمُ،
تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ»(١) .
ولم يمكث مستقبِلَ القِبلة إلا مقدارَ ما يقولُ ذلك، بل يُسرع الانتقالَ إلى
المأمومين.
وكان ينفتِل عن يمينه وعن يساره، وقال ابن مسعود: رأيتُ رسول الله وَ له
كثيراً ينصرِف عن يساره.
وقال أنس: أكثرُ ما رأيتُ رسولَ الله ◌َِّ ينصرف عن يمينه، والأول في
(١) رواه مسلم (٥٩١) في المساجد: باب استحباب الذكر بعد الصلاة، والترمذي
(٣٠٠) في الصلاة: باب ما يقول إذا سلم من الصلاة، وأبو داود (١٥١٣) في
الصلاة: باب ما يقول الرجل إذا سلم، والنسائي ٦٨/٣ في السهو: باب الاستغفار
بعد التسليم، وابن ماجه (٩٢٨) في الإقامة: باب ما يقال بعد التسليم، وأحمد في
(«المسند» ٢٧٥/٥ و٢٧٩ من حديث ثوبان رضي الله عنه، وفي الباب عن عائشة عند
مسلم (٥٩٢).
٢٨٥

((الصحيحين))(١). والثاني في ((مسلم))(٢).
وقال عبد الله بن عمرو: رأيتُ رسول الله ورِ ◌ّ ينفتِلُ عن يمينه وعن يساره في
الصلاة(٣).
ثم كان يُقْبِلُ على المأمومين بوجهه، ولا يخصُّ ناحيةً منهم دون ناحية.
وكان إذا صلى الفجرَ، جلس في مصلاه حتى تَطْلُعَ الشمسُ (٤).
وكان يقولُ في دُبُر كلِّ صلاة مكتوبة: ((لاَ إله إِلَّ الله وَحْدَه لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ
المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ
(١) رواه البخاري ٢٨٠/٢ في الصلاة: باب الانفتال والانصراف عن اليمين وعن
الشمال، ومسلم (٧٠٧) في صلاة المسافرين: باب جواز الانصراف من الصلاة عن
اليمين وعن الشمال، وأبو داود (١٠٤٢) في الصلاة: باب كيف الانصراف من
الصلاة، والنسائي ٨١/٣ في السهو: باب الانصراف من الصلاة، وأحمد في
((المسند)) ٣٨٣/١ و٤٢٩ و ٤٦٤.
(٢) رواه مسلم (٧٠٨) في صلاة المسافرين: باب جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين
والشمال، والنسائي ٨١/٣ في السهو: باب الانصراف من الصلاة ولفظه: عن
السدي قال: سألت أنساً كيف أنصرف إذا صليت عن يميني أو عن يساري قال: أما
أنا فأكثر ما رأيت رسول الله مل* ينصرف عن يمينه.
(٣) رواه ابن ماجه (٩٣١) في الإقامة: باب الانصراف من الصلاة، وأحمد في ((المسند))
١٧٤/٢ و١٩٠ و٢١٥ ولفظه عند أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
قال: ((رأيت رسول الله وَلّ ينفتل عن يمينه وعن شماله، ورأيته يصلي حافياً ومنتعلاً،
ورأيته يشرب قائماً وقاعداً) وإسناده حسن، وفي الباب عن عائشة عند النسائي
٨٢/٣ وسنده حسن، وعن هُلب عند الترمذي (٢٠١) وأبي داود (١٠٤١) وابن
ماجه (٩٢٩) وسنده حسن في الشواهد.
(٤) رواه مسلم في ((صحيحه)) (٦٧٠) في المساجد: باب فضل الجلوس في مصلاه بعد
الفجر من حديث جابر بن سمرة، وإسناده حسن من أجل سماك بن حرب، ورواه
النسائي ٨٠/٣، ٨١.
٢٨٦

مِعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ» (١)
٠
وكان يقول: ((لا إله إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهَ، لاَ إلهَ إلَّ اللَّهُ، وَلاَ نَعْبُدُ إلَّ إِيَّهُ،
لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَّهُ الفَضْلُ، وَلَهُ النَّنَاءُ الْحَسَنُ، لاَ إلهَ إلَّ اللَّهُ، مُخلصينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ
كَرِهَ الْكَافِرُونَ))(٢) .
وذكر أبو داود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن رسول الله حل﴾ كان
إذا سلَّم من الصلاة قال: ((اللَّهُمَّ اغْفرْ لي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ،
وَمَا أعْلَنْثَ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُّ بِهِ مِنِّي، أنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لاَ
إلهَ إلاَّ أنْتَ))(٣).
(١) رواه البخاري ٢٧٥/٢ و٢٧٦ في صفة الصلاة: باب الذكر بعد الصلاة، وفي
الدعوات: باب الدعاء بعد الصلاة، وفي الرقاق: باب ما يكره من قيل وقال، وفي
القدر: باب لا مانع لما أعطى الله، وفي الاعتصام: باب ما يكره من كثرة السؤال،
ومسلم (٥٩٣) في المساجد: باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، وأبو
داود (١٥٠٥) في الصلاة: باب ما يقول الرجل إذا سلم، والنسائي ٣/ ٧٠، ٧١ في
السهو: باب نوع آخر من القول عند انقضاء الصلاة كلهم من حديث وراد كاتب
للمغيرة، قال: أملى علي المغيرة في كتاب إلى معاوية أن النبي مثل كان يقول في دبر
كل صلاة مكتوبة ... وقوله: ((ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) قال الخطابي: الجَد: الغنى
ويقال: الحظ، و ((من)) في قوله: ((منك)) بمعنى البدل قال الشاعر فليت لنا من ماء زَمزمَ
شربة مبرَّدَة باتَتْ على الظمآن يريد: ليت لنا بدل ماء زمزم، وفي ((الصحاح)) مَعنى (منك))
هنا: عندك، أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنما ينفعه العمل الصالح.
(٢) رواه مسلم (٥٩٤) في المساجد: باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وأبو داود (١٥٠٦)
في الصلاة: باب مايقول الرجل إذا سلم، والنسائي ٦٩/٣، ٧٠ في السهو: باب التهليل
وباب عدد التهليل والذكر بعد التسليم من حديث أبي الزبير، عن عبد الله بن الزبير.
(٣) رواه أبو داود (١٥٠٩) في الصلاة: باب ما يقول الرجل إذا سلم، وإسناده صحيح،
وأخرجه الترمذي (٣٤١٩) في الدعوات، وقال: حديث حسن صحيح.
٢٨٧

هذه قطعة من حديث علي الطويل الذي رواه مسلم(١) في استفتاحه عليه
الصلاة والسلام، وما كان يقوله في ركوعه وسجوده.
ولمسلم فيه لفظان.
أحدُهما: إن النبي ـٍ كان يقوله بين التشهد والتسليم، وهذا هو الصواب.
والثاني: كان يقوله بعد السلام، ولعله كان يقوله في الموضعين، والله أعلم.
وذكر الإِمام أحمد عن زيد بن أرقم قال: كان رسولُ الله ◌ٍَّ يقولُ في دُبُرِ
كُلِّ صلاة: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيءٍ وَمَلِيْكَهُ، أَنَا شَهيدٌ أَنَّكَ الرَّبُّ وَحْدَكَ لاَ
شَرِيكَ لَكَ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيءٍ، أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ،
اللَّهُمَّ رَبََّا وَرَبَّ كُلِّ شَيءٍ، أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ العِبَادَ كُلَّهُمْ إِخْوَةٌ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ
شَيءٍ، اجْعَلْني مُخْلِصَاً لَكَ وَأَهْلِي فِي كُلِّ سَاعَة مِنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ يَا ذَا الجَلاَلِ
وَالإِكْرَامِ، اسْمَعْ وَاسْتَجِبْ، اللَّهُ أَكْبَرُ الأَكْبْرُ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، اللَّهُ
أَكْبَرُ الأَكْبَرُ، حَسِْيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، اللَّهُ أَكْبَرُ الأَكْبَرُ)) ورواه أبو داود(٢).
وندب أمَّته إلى أن يقولُوا في دُبر كل صلاة: سُبحانَ اللَّهِ ثلاثاً وثلاثين
والحمدُ للَّهِ كذلك، واللَّهُ أكبرُ كذلك، وتمام المائة: لا إلهَ إلا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ
له، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ على كُلِّ شيءٍ قدير(٣) .
وفي صفة أخرى: التكبيرُ أربعاً وثلاثين فتتم به المائة (٤) .
(١)
رقم (٧٧١) (٢٠١) و (٢٠٢).
(٢) رواه أبو داود (١٥٠٨) في الصلاة: باب ما يقول الرجل إذا سلم، وأحمد في
((المسند)» ٣٦٩/٤ وفي إسناده داود بن راشد الطفاوي أبو بحر الكرماني ثم البصري
الصائغ، وهو لين الحديث كما قال الحافظ في ((التقريب)) وراويه عن زيد بن أرقم
وهو أبو مسلم البجلي لم يوثقه غير ابن حبان.
رواه مسلم (٥٩٧) في المساجد: باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته من
(٣)
حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٤) رواه مسلم (٥٩٦) في المساجد: باب استحباب الذكر بعد الصلاة، والنسائي ٧٥/٣=
٢٨٨

وفي صفة أخرى: ((خمساً وعشرين تسبيحة، ومثلها تحميدة، ومثلها
تكبير .. مثلها لا إله إلا اللَّهُ وحدَه لا شَرِيكَ له، له الملكُ وله الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شيءٍ قَدِیر١٧)
وفي صفةٍ أخرى: ((عشر- سحات، وعدم تحميدات، وعشر
تكبيرات))(٢).
في السهو: باب نوع آخر من عدد التسبيح، والترمذي (٣٤٠٩) في الدعوات: باب
=
كم يسبح بعد الصلاة من حديث كعب بن عجرة عن رسول الله بقَّ قال: ((معقّبات لا
يخيب قائلون (أو فاعلهن) دبر كل صلاة مكتوبة، ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث
وثلاثون تحمیدة، وأربع وثلاثون تكبيرة».
(١) رواه الترمذي (٣٤١٠) في الدعوات: باب كم يسبح بعد الصلاة، والنسائي ٧٦/٣
في السهو: باب نوع آخر من التسبيح من حديث زيد بن ثابت قال: أمرنا أن نسبح
دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ونحمده ثلاثاً وثلاثين ونكبره أربعاً وثلاثين، قال: فرأى
رجل من الأنصار في المنام فقال: أمركم رسول الله وسلّ أن تسبحوا في دبر كل صلاة
ثلاثاً وثلاثين وتحمدوا الله ثلاثاً وثلاثين وتكبروا أربعاً وثلاثين؟ قال: نعم. قال:
فاجعلوها خمساً وعشرين واجعلوا التهليل معهن، فغدا على النبي ◌ُّ فحدثه، فقال:
((افعلوا)) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح وهو كما قال، وفي الباب عن ابن
عمر عند النسائي ٧٦/٣ وسنده قوي.
(٢) رواه النسائي ٥١/٣ في السهو: باب الذكر بعد التشهد من حديث أنس رضي الله عنه
قال: جاءت أم سليم إلى النبي ◌َّه فقالت: يا رسول الله علمني كلمات ادعو بهن في
صلاتي قال: ((سبحي الله عشراً، واحمديه عشراً، وكبريه عشراً، ثم سليه حاجتك
يقل نعم نعم)) وسنده حسن. وروى النسائي ٧٤/٣ في السهو: باب عدد التسبيح بعد
التسليم من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلّ: ((خلتان لا يحصيهما
رجل مسلم إلا دخل الجنة وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل)) قال: قال
رسول الله مثل: ((الصلوات الخمس، يسبح أحدكم في دبر كل صلاة عشراً ويحمد
عشراً ويكبر عشراً وذكر الحديث ... )) ورواه الترمذي (٣٤٠٧) في الدعوات: باب
كم يسبح بعد الصلاة، وأبو داود (٥٠٦٥) في الأدب: باب في التسبيح عند النوم
من حديث شعبة عن عطاء بن السائب عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، وإسناده
صحيح، فإن شعبة روى عن عطاء قبل الاختلاط .
٢٨٩
زاد المعاد ج ١ - م١٠

وفي صفة أخرى: ((إحدى عشرة)) كما في ((صحيح مسلم)) في بعضٍ روايات
حديث أبي هريرة ((وَيُسَبِّحُونَ، وَيَحْمَدُونَ، وَيُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صلاة ثلاثاً وثلاثين،
إحدى عشرة، وإحدى عشرة، وإحدى عشرة، فذلك ثلاثة وثلاثون))(١). والذي
يظهر في هذه الصفة، أنها مِن تصرف بعض الرواة وتفسيره، لأَن لفظ الحديث:
(يُسَبِّحُونَ وَيَحْمَدُونَ، وَيُكَبِّرُونَ دُبْرَ كُلِّ صلاة ثلاثاً وثلاثين)) وإنما مُرَادُه بهذا أن
يكون الثلاث والثلاثون في كل واحدة من كلماتِ التسبيح والتحميد والتكبير، أي
قولوا: ((سُبحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ للَّه، والله أكبر، ثلاثاً وثلاثين)) لأن راوي الحديث
سُمي عن أبي صالح السمان، وبذلك فسره أبو صالح قال: ((قولوا: ((سُبحانَ اللَّهِ،
والحمدُ للهِ، والله أكبر، حتی یکون منهن کُلُّهن ثلاث وثلاثون)).
وأما تخصيصُه بإحدى عشرة، فلا نظير له في شيء من الأذكار بخلاف
المائة، فإن لها نظائر، والعشر لها نظائرُ أيضاً، كما في السنن من حديث أبي ذر،
أن رسول الله ◌َ﴿ قال: ((مَنْ قَالَ فِي دُبْرِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَهُوَ ثَانِ رِجْلَيْهِ قَبْلَ أَنْ
يَتَكَلَّمَ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّت، كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ عَشْرَ
سَيَِّاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ يَوْمَهُ ذُلِكَ كُلَّهُ فِي حِرْزٍ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ،
وَحُرِسَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يَنْبَغِ لِذَنْبِ أَنْ يُدْرِكَهُ فِي ذُلِكَ الْيَوْمِ إِلَّ الشِّرْكَ بِاللَّهِ))،
قال الترمذي: حديث حسن صحيح(٢) .
(١) رواه مسلم (٥٩٥) في المساجد: باب استحباب الذكر بعد الصلاة عن أبي هريرة عن
رسول الله هم أنهم قالوا: يا رسول الله: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم
المقيم بمثل حديث قتيبة عن الليث إلا أنه أدرج في حديث أبي هريرة قول أبي
صالح: ثم رجع الفقراء إلى آخر الحديث وزاد في الحديث: يقول سهيل: إحدى
عشرة، إحدى عشرة، فجميع ذلك کله ثلاثة وثلاثون.
(٢) رواه الترمذي (٣٤٧٠) في الدعوات: باب (٦٤) وفي سنده شهر بن حوشب وهو
ضعيف، ورواه أحمد في ((المسند» ٢٢٧/٤ من حديث شهر بن حوشب عن
عبد الرحمن بن غنم الأشعري ولم يذكر أبا ذر، وعبد الرحمن بن غنم مختلف في =
٢٩٠

وفي ((مسند الإمام أحمد)) من حديث أم سلمة، أنه يَّ علَّم ابنته فاطمة لما
جاءت تسأله الخادم، فأمرها: أن تسبِّحَ الله عند النوم ثلاثاً وثلاثين، وتحمدَه ثلاثاً
وثلاثين، وتُكبِّره ثلاثاً وثلاثين، وإذا صلَّت الصبحَ أن تقول: ((لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ
لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ، وَبَعْدَ
صَلَةِ المَغْرِبِ، عَشْرَ مَرَّت))(١).
وفي ((صحيح ابن حبان)) عن أبي أيوب الأنصاري يرفعه: ((مَنْ قَالَ إِذَا
صحبته لكن له شاهد دون قوله: ((من قال دبر كل صلاة وهو ثان رجليه)) عند أحمد
=
٦٠/٤، وأبي داود (٥٠٧٧) وابن ماجه (٣٨٦٧) من حديث أبي عياش الزرقي أن
رسول الله قال: ((من قال إذا إصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك
وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل، وكتب له
عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من
الشيطان حتى يمسي، وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح)) وسنده
حسن، وأخرج أحمد ٤٢٠/٥ من حديث أبي أيوب بسند صحيح ((من قال حين
يصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت،
وهو على كل شيء قدير عشر مرات كتب الله له بكل واحدة قالها عشر حسنات،
وحط الله عنه عشر سيئات، ورفعه الله بها عشر درجات، وكن له كعشر رقاب، وكن
له مسلحة من أول النهار إلى آخره، ولم يعمل يومئذ عملاً يقهرهن، فإن قال حين
یمسي فمثل ذلك».
(١) رواه أحمد في ((المسند)) ٢٩٨/٦ وفي سنده شهر بن حوشب، والقسم الأول منه
صحيح أخرجه البخاري ١٠١/١١، ١٠٣، ومسلم (٢٧٢٧) من حديث علي
رضي الله عنه أن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحى في يدها، وأتى النبي ◌َّ سبي
فانطلقت، فلم تجده، ولقيت عائشة، فأخبرتها، فلما جاء النبي يسير أخبرته عائشة
بمجيء فاطمة إليها، فجاء النبي ◌َّ إلينا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال
النبي ◌َّ: على مكانكما، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدمه على صدري ثم قال: ألا
أعلمكما خيراً مما سألتما إذا أخذتما مضاجعكما أن تكبرا الله أربعاً وثلاثين،
وتسبحاه ثلاثاً وثلاثين، وتحمداه ثلاثاً وثلاثين، فهو خير لكما من خادم)، والقسم
الثاني من الحديث يشهد له حديث أبي أيوب الذي بعده.
٢٩١

أَصْبَحَ: لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ
قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ، كُتِبَ لَهُ بِهِنَّ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ بِهِنَّ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ
لَهُ بهنَّ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكُنَّ لَهُ عِدْلَ عَتَاقَةِ أَرْبَعِ رِقَابٍ، وَكُنَّ لَهُ حَرَساً مِنَ الشَّيْطَانِ
حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَالَهُنَّ إِذَا صَلَّى المَغْرِبَ دُبْرَ صَلاتِهِ فَمِثْلُ ذُلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ) (١).
وقد تقدم قولُ النبي ◌َِّ في الاستفتاح «اللَّهُ أكبرُ عشراً، والحمدُ للَّهِ عشراً،
وسبحانَ اللَّهِ عشراً، وَلاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ عَشْراً، ويستغفِرُ الله عشراً، ويقول: اللَّهُمَّ
اغفر لي، وَاهْدِني وارزقني عشراً، ويتعوذ مِن ضِيق المقام يوم القيامة عشراً»
فالعشر في الأذكار والدعوات كثيرة. وأما الإِحدى عشرة، فلم يجىء ذكرُها في
شيء من ذلك البتة إلا في بعض طُرق حديث أبي هريرة المتقدم والله أعلم.
وقد ذكر أبو حاتم في ((صحيحه))، أن النبي لةٍ كان يقولُ عند انصرافه من
صلاته: ((اللَّهُمَّ أصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي جَعَلْتَهُ عِصْمَةً أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَِّي
جَعَلْتَ فِيهَا مَعَاشِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ
نِقْمَتِكَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا
الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ»(٢).
(١) (٢٣٤١) ((موارد الظمان))، وأحمد في ((المسند)) ٤١٥/٥ وفي سنده عبد الله بن يعيش
راويه عن أبي أيوب لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، ويشهد له حديث
أم سلمة المتقدم، وحديث معاذ بن جبل عند الطبراني، قال المنذري في ((الترغيب
والترهيب)) ٢٦٩/١: إسناده حسن.
(٢) رواه ابن حبان (٥٤١) من حديث ابن أبي السري قال: قرىء على حفص بن ميسرة
وأنا أسمع قال: حدثني موسى بن عقبة، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه أن كعباً
حلف له بالله الذي فلق البحر لموسى أنا نجد في التوراة أن دواد النبي مج كان إذا
انصرف من الصلاة قال ... وابن أبي السري وهو محمد بن المتوكل ضعيف كثير
الغلط له مناكير كثيرة: وجاء في صحيح مسلم (٢٧٢٠) من حديث أبي هريرة من
غير تقييد أنه م # كان يقول: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح
لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة
زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر)).
٢٩٢

وذكر الحاكم في ((مستدركه)) عن أبي أيوب أنه قال: ما صليتُ وراء
نبيكم رَّ إلا سمعتُه حِين ينصرِفُ مِن صلاته يقول: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خطَايَايَ
وَذُنُوبِي كُلَّهَا، اللَّهُمَّ أَنْعِمْنِي وَأَحْيِنِي وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي لِصَالِحِ الأعْمَالِ
والأَخلاَقِ، إِنَّهُ لاَ يَهْدِي لِصَالِحِهَا إِلَّ أَنْتَ، وَلاَ يَصْرِفُ عَنْ سَبِّهَا إِلَّ أَنْتَ))(١).
وذكر ابن حبان في ((صحيحه)) عن الحارث بن مسلم التميمي قالَ: قال لي
النبيُّ ◌ٍَّ: ((إِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ، فَقُلْ قَبْلَ أَنت تَتَكَلَّم: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ سَبْعَ
مَرَّاتٍ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ مِنْ يَوْمِكَ، كَتَبَ اللَّهُ لَكَ جَواراً مِنَ النَّارِ، وَإِذَا صَلَّيْتَ
المَغْرِبَ، فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ؛ فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ مِنْ
لَيْلَتِكَ كَتَبَ اللَّهُ لَكَ جِوَاراً مِنَ النَّارِ)»(٢).
وقد ذكر النسائي في ((السنن الكبير)) من حديث أبي أمامة قال: قال
رسولُ الله ◌َّ: ((مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِي فِي دُبْرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ، لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ
الجَنَّةِ إِلاَّ أَنْ يَموتَ))(٣). وهذا الحديثُ تفرد به محمد بن حمير، عن محمد بن
زياد الألهاني، عن أبي أمامة، ورواه النسائي عن الحسين بن بشر، عن محمد بن
(١) رواه الحاكم ٤٦٢/٣، وفي سنده محمد بن سنان القزاز وهو ضعيف، وعمر بن
مسكين لم يوثقه غير ابن حبان، وقال البخاري: لا يتابع عليه. وفي الباب عن أبي
أمامة عند ابن السني (١١٤) وفي سنده علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف.
(٢) رواه ابن حبان (٢٣٤١) وأبو داود (٥٠٧٩) وفي سنده مجهول، فهو ضعيف.
(٣) ورواه ابن حبان من حديث محمد بن حمير، عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي
أمامة وإسناده صحيح، وقال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٢٦١/٢: رواه
النسائي والطبراني بأسانيد أحدها صحيح، وقال شيخنا أبو الحسن: هو على شرط
البخاري، وابن حبان في كتاب الصلاة، وصححه، وزاد الطبراني في بعض طرقه:
((قل هو الله أحد)) وإسناده بهذه الزيادة جيد أيضاً وقال الهيثمي في المجمع
١٠٢/١٠: رواه الطبراني في ((الكبير)) و ((الأوسط)» بأسانيد وأحدها جيد.
وحديث أبي أمامة أخرجه ابن السني رقم (١٢٠) وحديث المغيرة بن شعبة
أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) ٢٢١/٣، وسنده حسن.
م
٢٩٣

حمير. وهذا الحديثُ مِن الناس مَن يصححه، ويقول: الحسين بن بشر قد قال
فيه النسائي: لا بأس به، وفي موضع آخر: ثقة. وأما المحمدان، فاحتج بهما
البخاري في ((صحيحه)) قالوا: فالحديث على رسمه، ومنهم من يقول: هو
موضوع، وأدخله أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه في الموضوعات، وتعلق على
محمد بن حمیر، وأن أبا حاتم الرازي قال: لا يُحتج به، وقال يعقوب بن سفيان:
ليس بقوي، وأنكر ذلك عليه بعضُ الحفاظ، ووثقوا محمداً، وقال: هُو أجلُّ من
أن يكون له حديثٌ موضوع، وقد احتج به أجلُّ من صنف في الحديث الصحيح،
وهو البخاري، ووثقه أشدُّ الناس مقالة في الرجال يحيى بن معين، وقد رواه
الطبراني في ((معجمه)) أيضاً من حديث عبد الله بن حسن عن أبيه، عن جده قال:
قال رسول الله ◌َّهِ: ((مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي دُبْرِ الصَّلاَةِ المَكْتُوبَةِ، كَانَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ
إِلَى الصَّلاَةِ الأُخْرَى»(١). وقد رُوي هَذَا الحديثُ مِن حديث أبي أمامة، وعلي بن
أبي طالب، وعبد الله بن عمر، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وأنس بن
مالك، وفيها كُلِّها ضعف، ولكن إذا انضم بعضها إلى بعض مع تباين طرقها
واختلافِ مَخَارِجها، دلت على أن الحديث له أصل وليس بموضوع. وبلغني
عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدَّس الله روحَه أنه قال: ما تركتُها عقيبَ
كُلِّ صلاة. وفي المسند والسُّنن، عن عُقبة بن عامر قال: أمرني رسولُ اللَّهِ وَّ:
أن أقرأ بالمُعَوِّذَاتِ في دُبُرٍ كُلِّ صَلاَةٍ)(٢). ورواه أبو حاتم ابن حبان في
(١) وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ١٤٨/٢، وقال: رواه الطبراني في الكبير وإسناده
حسن .
(٢) رواه أحمد في) المسند)) ٢١١/٤، وأبو داود (١٥٢٣) في الصلاة: باب في
الاستغفار، والترمذي (٢٩٠٥) في ثواب القرآن: باب ما جاء في المعوذتين،
والنسائي ٦٨/٣ في السهو: باب الأمر بقراءة المعوذات بعد التسليم، وابن حبان
(٢٣٤٧) والحاكم في ((المستدرك)) ٢٥٣/١ وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما
قالا .
٢٩٤

((صحيحه))، والحاكم في ((المستدرك))، وقال: صحيح على شرط مسلم. ولفظ
الترمذي ((بالمعوذتين)).
وفي ((معجم الطبراني))، و ((مسند أبي يعلى المَوْصِلي)) من حديث عمر بن
نبهان، وقد تُكُلِّم فيه عن جابر يرفعه: ((ثَلاثٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ مَعَ الإِيمَانِ، دَخَلَ مِنْ
أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ شَاءَ، وَزُوِّجَ مِنَ الحُورِ العِينِ حَيْثُ شَاءَ، مَنْ عَفَا عَنْ قَاتِلِهِ، وَأَذَّى
دَيْناً خَفِيَّاً، وَقَرَأَ في دُبْرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)). فقال أبو
بكرٍ رضي الله عنه: ((أَوْ إِحْدَاهُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ»: قَالَ: (أَوْ إِحْدَاهُنَّ))(١).
وأوصى معاذاً أن يقول في دُبْرِ كُلِّ صلاةٍ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ
وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ))(٢).
وَدُبُرُ الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا يُرجِّح أن يكون قبل
السلام، فراجعته فيه، فقال: دُبُرُ كُلِّ شيء منه، كدُبُرِ الحيوان.
فصل
وكان رسولُ الله ◌َّهُ إذا صلى إلى الجدار، جعل بينه وبينه قدر ممرّ الشاة،
ولم يكن يتباعَدُ منه، بل أمر بالقُرب من السُّترة، وكان إذا صلَّى إلى عُود أو عَمود
أو شَجرة، جعله على حاجبه الأيمنِ أو الأيسر، ولم يَصْمُدْ له صمداً، وكان يَرْكُزُ
الحَربة في السفر والبرِّيَّة، فيُصلي إليها، فتكون سترتَه، وكان يُعَرِّض راحلته،
فيُصلي إليها، وكان يأخذُ الرحل فيَعْدِلُه فيصلي إلى آخِرِتِه(٣)، وأمر المصلي أن
السترة في الصلاة
(١) وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ١٠٢/١٠، ونسبه إلى أبي يعلى، وقال: وفيه عمر بن
نبهان وهو متروك.
(٢) رواه أبو داود (١٥٢٢) في الصلاة: باب في الاستغفار، والنسائي ٥٣/٣ في السهو:
باب نوع اخر من الدعاء، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٢٣٤٥).
(٣) أخرجه البخاري ٤٧٩/١ في السترة: باب الصلاة إلى الراحلة ... وقوله: يعرض،
بضم الياء وتشديد الراء المكسورة، أي: يجعلها عرضاً، وقوله: يعدله، بفتح أوله
وسكون العين وكسر الدال، أي: يقيمه تلقاء وجهه.
٢٩٥

يستترِ ولو بِسهم أو عصا، فإن لم يجد فليخطَّ خطاً في الأرض(١). قال أبو داود:
سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: الخطُّ عرضاً مثلُ الهلال. وقال عبد الله: الخط
بالطول، وأما العصا، فتُنصب نصباً، فإن لم يكن سُترة، فإنه صح عنه أنه يقطع
صلاتَه، ((المرأةُ والحِمارُ والكلبُ الأسودُ)). وثبت ذلك عنه من رواية أبي ذر (٢)،
وأبي هُرَيْرَةَ (٣)، وابن عباس(٤)، وعبد الله بن مُغَفَّل(٥). ومعارِض هذه الأحاديث
قسمان: صحيح غير صريح، وصريح غير صحيح، فلا يترك العمل بها لمعارض
هذا شأنه. وكان رسولُ الله ◌َّ* يصلي وعائشةُ رضي الله عنها نائمة في
(١) أخرجه أبو داود (٦٨٩) وابن ماجه (٩٤٣) من حديث أبي هريرة، وفي سنده
مجهولان، وقال ابن قدامة في ((المحرر)): وهو حديث مضطرب الإسناد.
(٢) رواه مسلم (٥١٠) في الصلاة: باب قدر ما يستر المصلي عن أبي ذر قال: قال
رسول الله #: ((إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة
الرحل، فإن لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة
والكلب الأسود، قلت: يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من
الكلب الأصفر قال: يا ابن أخي سألت رسول الله رَّة كما سألتني فقال: ((الكلب
الأسود شيطان)). ورواه الترمذي (٣٣٨) في الصلاة: باب ما جاء أنه لا يقطع الصلاة
إلا الكلب والحمار والمرأة، وأبو داود (٧٠٢) في الصلاة: باب ما يقطع الصلاة،
والنسائي ٦٣/٢ في القبلة: باب ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع، وابن ماجه
(٩٥٢) في الإقامة: باب ما يقطع الصلاة.
(٣) رواه مسلم (٥١١) في الصلاة: باب قدر ما يستر المصلي عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله ◌َيّة: يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة
الرحل. ورواه ابن ماجه (٩٥٠) في الإقامة: باب ما يقطع الصلاة.
(٤) رواه أبو داود (٧٠٣) في الصلاة: باب ما يقطع الصلاة، وابن ماجه (٩٤٩) في
الإقامة: باب ما يقطع الصلاة عن ابن عباس عن النبي ◌َُّ قال: ((يقطع الصلاة
الكلب الأسود والمرأة الحائض)). قال أبو داود: رفعه شعبة، أي روى الحديث
مرفوعاً شعبة عن أصحاب قتادة، وأما غيره كسعيد وهشام فرووه عن قتادة موقوفاً
علی ابن عباس.
(٥) رواه ابن ماجه (٩٥١) في الإقامة: باب ما يقطع الصلاة عن عبد الله بن المغفل عن
النبي (* قال: ((يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار)) وفيه عنعنة الحسن.
٢٩٦
٠

قبلته(١). وكأنَّ ذلك ليس كالمَارِّ، فإن الرجل محرَّم عليه المرورُ بين يدي
المصلي، ولا يُكره له أن يكون لابثاً بين يديه، وهكذا المرأةُ يقطع مرورُها الصلاةَ
دون لُبثها، والله أعلم.
(١) رواه البخاري ومسلم وقد تقدَّم، وروى البخاري ٤٨٥/١ في السترة: باب من قال:
لا يقطع الصلاة شيء، ومسلم (٥١٢) (٢٧٠) من حديث عائشة أنه ذكر عندها ما
يقطع الصلاة: الكلب والحمار والمرأة، فقالت: شبهتمونا بالحمر والكلاب، والله
لقد رأيت النبي ◌َل يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة ... وروى
مالك في ((الموطأ)) ١٥٥/١، ١٥٦ والبخاري ٤٧٢/١، ومسلم (٥٠٤) عن ابن
عباس قال: ((أقبلت راكباً على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله مثله.
يصلي بالناس بمنى، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت، فأرسلت الأتان ترتع،
ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد)) وروى أبو داود (٧١٩) والدار قطني
ص ١٤١، والبيهقي ١٧٨/٢ من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله وَ ل: ((لا
يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم، فإنما هو شيطان)» وفي سنده مجالد بن
سعيد وهو سيء الحفظ، لكن يتقوى بما أخرجه الدارقطني ص ١٤١ من طريق
سليم بن عامر، عن أبي أمامة مرفوعاً ((لا يقطع الصلاة شيء)) وذكره الهيثمي في
المجمع ٦٢/٢ عن الطبراني في ((الكبير)) وحسن إسناده، وبما رواه الدار قطني أيضاً
من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة مرفوعاً ((لا يقطع صلاة
المرء امرأة ولا كلب ولا حمار وأدرأ من بين يديك ما استطعت)) وبما رواه من
حديث أنس مرفوعاً ((لا يقطع الصلاة شيء)) وهذه الشواهد يشد بعضها بعضاً فيتقوى
بها الحديث، وقال الحافظ: وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن علي وعثمان
وغيرهما نحو ذلك موقوفاً، وفي ((الموطأ)) ١٥٦/١ عن ابن شهاب عن سالم بن
عبد الله أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي
المصلي وإسناده صحيح. ففي هذه النصوص دليل لأكثر أهل العلم من الصحابة
فمن بعدهم أنه لا يقطع صلاة المصلي شيء مرَّ بين يديه، وهو قول علي وعثمان
وابن عمر، وبه قال ابن المسيب والشعبي وعروة، وإليه ذهب مالك والثوري
والشافعي وأصحاب الرأي. وقال الإِمام أحمد: يقطع الصلاة الكلب الأسود، وفي
النفس من المرأة والحمار شيء.
٢٩٧

فصل
في هديه ◌َّ في السنن الرواتب
كان ◌َّ يُحافظ على عشر ركعات في الحضر دائماً، وهي التي قال فيها ابن
عمر: ((حَفِظْتُ مِن النبيِ ◌َّ عشرَ ركعات: ركعتين قبل الظّهرِ، وركعتين بعدَها،
وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتينِ بعد العشاء في بيته، وركعتينٍ قبلَ صلاةٍ
الصُّبح)) (١). فهذه لم يكن يدعُها في الحضر أبداً، ولما فاتته الركعتانِ بعد الظهر،
قضاهما بعد العصر، وداوم عليهما، لأنه يََّ كان إذا عَمِلَ عَملاً أثبته، وقضاء
السنن الرواتب في أوقات النهي عام له ولأمته، وأما المداومة على تلك الركعتين
في وقت النهي، فمختص به كما سيأتي تقريرُ ذلك في ذكر خصائصه إن شاء الله
تعالى. وكان يُصلِّي أحياناً قبلَ الظهر أربعاً، كما في ((صحيح البخاري)) عن عائشة
رضي الله عنها أنه ◌َّةَ: ((كَانَ لاَ يَدَعُ أَرْبَعاً قَبْلَ الظُّهْر، وركعتين قبل الغداة))(٢).
فَإِمَّا أن يُقال: إنه ◌ََّ كان إذا صلَّى في بيته صَلّى أربعاً، وإذا صلَّى في المسجد،
صلَّى ركعتين، وهذا أظهر، وإِمَّا أن يُقال: كان يفعلُ هذا، ويفعلُ هذا، فحكى
كلٌّ مِن عائشة وابن عمر ما شاهده، والحديثان صحيحان لا مطعن في واحد
منهما. وقد يُقال: إن هذه الأربعَ لم تكن سنةَ الظهر، بل هي صلاةٌ مستقِلة كان
(١) رواه البخاري ٤٨/٣ في التطوع: باب الركعتين قبل الظهر، وباب ما جاء في التطوع
مثنى مثنى، وباب التطوع بعد المكتوبة، وفي الجمعة: باب الصلاة بعد الجمعة
وقبلها، ومسلم (٧٢٩) في صلاة المسافرين، والترمذي (٤٣٣) في الصلاة: باب ما
جاء أنه يصليهما في البيت، وأبو داود (١٢٥٢) في الصلاة: باب تفريع أبواب
التطوع، والنسائي ١١٩/٢ في الإمامة: باب الصلاة بعد الظهر و((الموطأ)) ١٦٦/١
في قصر الصلاة في السفر: باب العمل في جامع الصلاة، وأحمد في ((المسند))
١١٧/٢.
(٢) رواه البخاري ٤٨/٣ في التطوع: باب الركعتين قبل الظهر، وأبو داود (١٢٥٣) في
الصلاة: باب تفريع أبواب التطوع، والنسائي ٢٥٦/٣ في صلاة الليل: باب
المحافظة على الركعتين قبل الفجر.
٢٩٨

يُصليها بعد الزوال، كما ذكره الإِمام أحمد عن عبد الله بن السائب، أن
رسولَ اللَّهِ وَ ﴿ كان يُصلي أربعاً بعد أن تزولَ الشمس، وقال: ((إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ
فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَأُحِبُ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ)(١).
وفي السنن أيضاً عن عائشةَ رضي الله عنها، أن رسولَ اللَّهِ بِّرَ، كان إذا لم
يُصلِّ أربعاً قبل الظهر، صلاهُنَّ بعدها))(٢). وقال ابن ماجه: كان رسولُ الله ◌ِّل إذا
فاتته الأربعُ قبل الظهر، صلاَّها بعد الركعتين بعد الظهر))(٣). وفي التِّرمذي عن
علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ((كان رسولُ اللَّهِ وَّه يُصلي أربعاً قبل
الظهر، وبعدها ركعتين)) (٤). وذكر ابن ماجه أيضاً عن عائشة: كانَ رسولُ اللَّهِ وَيل
(يُصلي أربعاً قبل الظهر، يُطيل فِيهِنَّ القِيام، ويحسن فيهن الركوعَ والسجود))(٥)
فهذه - والله أعلم - هي الأربع التي أرادت عائشة أنه كان لا يدعهن. وأما سنةٌ
الظهر، فالركعتان اللتانِ قال عبدُ الله بن عمر، يُوضح ذلك أن سائرَ الصلواتِ
سنتُها ركعتانِ ركعتانِ، والفجرِ مع كونها ركعتين، والناس في وقتها أفرغُ ما
يكونون، ومع هذا سنتُها ركعتانٍ، وعلى هذا، فتكونُ هذه الأربعُ التي قبل الظهر
ورداً مُستَقِلاً سببُهُ انتصافُ النهار وزوالُ الشمس. وكان عبدُ اللَّهِ بنُ مسعود يُصلي
بعد الزوال ثمان ركعات، ويقول: إنَّهنَّ يَعْدِلْنَ بمثلهن مِن قيامِ الليل. وسِرُّ هذا -
(١) رواه أحمد في ((المسند)) ٤١١/٣، والترمذي (٤٧٨) في الصلاة: باب ما جاء في
الصلاة عند الزوال، وإسناده حسن، وفي الباب عن أبي أيوب عند الطيالسي
١١٣/١، وهو حسن في الشواهد.
(٢) رواه الترمذي (٤٢٦) في الصلاة: باب ما جاء في الركعتين بعد الظهر، وإسناده
حسن.
(٣) رواه ابن ماجه (١١٥٨) وهو حسن بما قبله.
(٤)
الترمذي (٤٢٤) في الصلاة: باب ما جاء في الأربع قبل الظهر وسنده حسن.
رواه ابن ماجه (١١٥٦) في إقامة الصلاة: باب في الأربع ركعات قبل الظهر، وفي
(٥)
إسناده قابوس بن أبي ظبيان الجنبي، وهو لين الحديث كما قال الحافظ في
((التقریب» وباقي رجاله ثقات.
٢٩٩

والله أعلم - أن انتصاف النهار مقابل لانتصاف الليل، وأبوابُ السماء تُفتح بعد
زوال الشمس، ويحصلُ النزول الإلهي بعد انتصاف الليل، فهما وقتا قرب
ورحمة، هذا تُفتح فيه أبوابُ السماء، وهذا ينزِل فيه الربُّ تبارك وتعالى إلى سماء
الدنيا. وقد روى مسلم في ((صحيحه)) من حديث أمّ حبيبة قالت: سمعتُ
رسولَ اللّهِ وَلَه يقول: ((مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ
في الجَنَّةِ». وزاد النسائي والترمذي فيه: ((أَرْبَعاً قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بعدها،
وركعتينٍ بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر)). قال
النسائي: ((وركعتين قبل العصر)) بدل ((وركعتين بعد العشاء)) وصححه
الترمذي(١). وذكر ابن ماجه عن عائشة ترفعه: ((مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْ
السُّنَّةِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ: أَرْبِعاً قَبْلَ الُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَها، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ
المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ)) (٢). وذكر أيضاً عن أبي
هُرَيْرة، عن النبي ◌َُّ نحوه وقال: ((ركعتينٍ قبل الفجر، وركعتينٍ قبل الظهر،
وركعتينٍ بعدها، وركعتينٍ أظنه قال: قبل العصر، وركعتينٍ بعد المغرب أظنه
قال: وركعتينٍ بعد العشاء الآخرة))(٣). وهذا التفسير، يحتَمِل أن يكونَ مِن كلام
(١) رواه مسلم (٧٢٨) في صلاة المسافرين: باب فضل السنن الراتبة، والترمذي (٤١٥)
في الصلاة: باب ما جاء فيمن صلَّى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة، وأبو داود
(١٢٥٠) في الصلاة: باب تفريع أبواب التطوع، والنسائي ٢٦١/٣ في صلاة الليل:
باب ثواب من صلَّى في اليوم والليلة ثنتي عشرة ركعة، وابن ماجه (١١٤١) في
الإقامة: باب ما جاء في ثنتي عشرة ركعة من السنة، وصححه ابن حبان (٦١٤)،
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهو كما قال.
(٢) رواه ابن ماجه (١١٤٠) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في ثنتي عشرة ركعة من
السنة، ورواه الترمذي (٤١٤) في الصلاة: باب ما جاء فيمن صلَّى في يوم وليلة
اثنتي عشرة ركعة من السنة، والنسائي ٢٦٠/٣ و٢٦١ في صلاة الليل: باب ثواب
من صلَّى في اليوم والليلة ثنتي عشرة ركعة وسنده حسن، وهو في معنى حديث أم
حبيبة .
(٣) رواه ابن ماجه (١١٤٢) والنسائي ٢٦٤/٣، وسنده حسن.
٣٠٠