النص المفهرس
صفحات 141-160
((السنن)) عنه أيضاً بََّ قال: ((الإِسْبَالُ في الإِزَارِ، وَالقَمِيصِ وَالعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ
شَيْئَا مِنْهَا خُيَلاَءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ))(١) وفي ((السنن)) عن ابن عمر أيضاً
قال: مَا قَال رَسُولُ اللهِوَّرَ فِي الإِزَارِ، فَهُوَ فِي القَمِيصِ(٢)، وكذلك لُبس الدنيء
من الثياب يُذَُّ في موضع، ويُحمد في موضع، فيُدْم إذا كان شُهرةً وخيلاء ويمدح
إذا كان تواضعاً واستكانة، كما أن لبس الرفيع من الثياب يُدم إذا كان تكبِّراً وفخراً
وخيلاء، ويُمدح إذا كان تجملاً وإظهاراً لنعمة الله، ففي ((صحيح مسلم)) عن ابن
مسعود قال: قال رسولُ الله ◌َّهَ: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَيَّةٍ
خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلاَ يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ))،
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُ أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنَاً، وَنَعْلِي حَسَنَةٌ، أَفَمِنَ
الكِبْرِ ذَاكَ؟ فَقَالَ: ((لا، إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُ الجَمَالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ
النَّاسِ))(٣).
١
وفي فضائل أصحاب النبي ◌َّ: باب قول النبي ◌ِّرُ ((لو كنت متخذاً خليلاً) وفي
=
الأدب: باب من أثنى على أخيه بما يعلم، ورواه مسلم (٢٠٨٥) في اللباس: باب
تحريم جر الثوب خيلاء، والترمذي (١٧٣٠) في اللباس: باب ما جاء في كراهية جر
الإزار، وأبو داود (٤٠٨٥) في اللباس: باب ما جاء في إسبال الإزار، والنسائي
٢٠٦/٨ في الزينة: باب التغليظ في جر الإِزار، وابن ماجه (٣٦٠٧) في اللباس:
باب من لبس ثوب شهرة.
(١) رواه أبو داود (٤٠٩٤) في اللباس: باب في قدر موضع الإزار، والنسائي ٢٠٨/٨
في الزينة: باب إسبال الإزار، وابن ماجه (٣٥٧٦) في اللباس: باب طول القميص
کم هو من حديث ابن عمر، وسنده حسن.
(٢) رواه أبو داود (٤٠٩٥) في اللباس: باب قدر موضع الإِزار، وإسناده قوي.
(٣) رواه مسلم (٩١) في الإيمان: باب تحريم الكبر بلفظ ((لا يدخل الجنة من كان في
قلبه مثقال ذرة من كبر)) قال رجل: إن الرجل يُحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة
قال: ((إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق وغمط الناس)) ورواه مسلم
بلفظ ((لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد
في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء» وأخرجه أبو داود (٤٠٩١) وابن ماجه (٤١٧٣)
وأحمد ٣٩٩/١ و٤١٢ و٤١٦ و٤٥٦. بطر الحق: دفعه وإنكاره ترفعاً وتجبراً، =
١٤١
فصل
هديه # في الطعام
وكذلك كان هديُهُ وََّ، وسيرتُه في الطعام، لا يردُّ موجوداً، ولا يتكلف
مفقوداً، فما قُرِّبَ إليه شيءٌ من الطيبات إلا أكله، إلا أن تعافَه نفسُه، فيتركَه من
غير تحريم، وما عاب طعاماً قطُّ، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه، كما ترك أكل
الضَّبِّ لمَّا لَمْ يَعْتَدْهُ ولم يحرمه على الأمة، بل أُكِلَ على مائدته وهو ينظر.
وأكل الحلوى والعسل، وكان يُحبهما، وأكل لحم الجزور، والضأن،
والدجاج، ولحم الحُبارى، ولحم حِمار الوحش، والأرنب، وطعام البحر، وأكل
الشواء، وأكل الرُّطبَ والتمرَ، وشرب اللبنَ خالصاً ومشوباً، والسويق، والعسل
بالماء، وشرب نقيع التمر، وأكل الخَزِيرَة، وهي حَسَاء يتخذ من اللبن والدقيق،
وأكل القِئَّاء بالرُّطَبِ، وأكل الأَقِطَ، وأكل التمر بالخبز، وأكل الخبز بالخل، وأكل
الثريد، وهو الخبز باللحم، وأكل الخبز بالإهالة، وهي الودك، وهو الشحم
المذاب، وأكل من الكَبِدِ المَشْوِيَّةِ، وأكل القَدِيد، وأكلَ الدُّبَّاء المطبوخةَ، وكان
يُحبُّها وأكلَ المسلوقةَ، وأكلَ الثريدَ بالسَّمْن، وأكلَ الجُبْنَ، وأكلَ الخبز بالزيت،
وأكل البطيخ بالرُّطَبِ، وأكل التمر بِالزّيْدِ، وكان يُحبه، ولم يكن يردُّ طَيِّباً، ولا
يتكلفه، بل كان هديه أكلَ ما تيسر، فإن أعوزه، صَبَرَ حتى إنه ليريِطُ على بطنه
الحجر من الجوع، ويُرى الهلالُ والهلالُ والهلالُ، ولا يُوقد في بيته نارٌ. وكان
معظمُ مطعمه يُوضع على الأرض في الشُّفرة، وهي كانت مائدته، وكان يأكل
بأصابعه الثلاث، ويلعَقُها إذا فرغ، وهو أشرفُ ما يكون من الأكلة، فإن المتكبِّرَ
يأكل بأصبع واحدة، والجَشِعُ الحريصُ يأكل بالخمس، ويدفع بالراحة.
وغمط الناس: احتقارهم. وقوله: ((لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة من خردل
من إيمان)) فالمراد به دخول الكفار وهو دخول الخلود، لأن كثيراً من العصاة
يدخلون النار ويعذبون فيها كما ثبت في الصحيح، ثم يخرجون منها بالشفاعة، فلا
يبقى فيها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
١٤٢
وكان لا يأكل مُتْكِئاً، والاتكاء على ثلاثة أنواع، أحدها: الاتكاء على
الجنب، والثاني: التربُّع، والثالث: الاتكاء على إحدى يديه، وأكله بالأخرى،
والثلاث مذمومة.
وكان يسمي اللَّه تعالى على أول طعامه، ويحمده في آخره فيقول عند
انقضائه: ((الْحَمْدُ للهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلاَ مُوَذَّعٍ وَلاَ مُسْتَغْنَىّ
عَنْهِ رَبّنَا))(١). وربما قال: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ، مَنَّ عَلَيْنَا فَهَدَانًا،
وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكُلَّ بَلاَءٍ حَسَنٍ أَبْلاَنَا، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَ مِنَ الطَّعَامِ،
وَسَقَى مِنَ الشَّرابِ، وَكَسَا مِنَ الْعُرِي، وَهَدَى مِنَ الضَّلاَلَةِ، وَبَصَّرَ مِنَ العَمَى،
وَفِضَّلَ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقَ تَفْضِيلاً، الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ))(٢).
وربما قال: ((الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى، وَسَوَّغَهُ))(٣).
وكان إذا فرغ مِن طعامه لَعِقَ أصابعه، ولم يكن لهم مناديلُ يمسحون بها
أيديهم، ولم يكن عادتهم غسلَ أيديهم كلما أكلوا.
وكان أكثرُ شربه قاعداً، بل زجر عن الشرب قائماً (٤) وشرب مرَّة
(١) أخرجه البخاري ٥٠١/٩، ٥٠٢ في الأطعمة: باب ما يقول إذا فرغ من طعامه،
والترمذي (٣٤٥٢) في الدعوات: باب ما يقول إذا فرغ من الطعام، وأبو داود
(٣٨٤٩) في الأطعمة: باب ما يقول الرجل إذا طعم، وابن ماجه (٣٢٨٤) في
الأطعمة: باب ما يقال إذا فرغ من الطعام، والحاكم في ((المستدرك)) ١٣٦/٤.
وقوله: غير مكفي، من الكفاية، ولا مودع، أي غير متروك الطلب. وقوله:
ربنا: بالنصب على النداء أو بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف.
(٢) رواه ابن حبان (١٣٥٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وسنده قوي.
(٣) رواه أبو داود (٣٨٥١) في الأطعمة: باب ما يقول الرجل إذا طعم، وابن حبان
(١٣٥١) من حديث أبي أيوب الأنصاري، وتتمته: ((وجعل له مخرجاً)) وإسناده
صحیح.
(٤) رواه مسلم (٢٠٢٤) في الأشربة: باب كراهية الشرب قائماً، والترمذي (١٨٨٠) في
الأشربة: باب في النهي عن الشرب قائماً، وأبو داود (٣٧١٧) في الأشربة: باب في=
١٤٣
قائماً(١). فقيل: هذا نسخ لنهيه، وقيل: بل فعله لبيان جواز الأمرين، والذي
يظهر فيه - والله أعلم - أنها واقعة عين شرب فيها قائماً لعذر، وسياق القصة يدل
عليه، فإنه أتى زمزم وهم يستقون منها، فأخذ الدَّلو، وشرب قائماً.
والصحيح في هذه المسألة: النهي عن الشرب قائماً، وجوازه لعذر يمنع من
القعود، وبهذا تجمع أحاديث الباب، والله أعلم (٢) .
وكان إذا شرب، ناول مَنْ على يمينه، وإن كان مَنْ على يساره أكبر منه(٣).
الشرب قائماً، وابن ماجه (٣٤٢٤) في الأشربة: باب الشرب قائماً، وأحمد في
=
(«المسند» ١٩٩/٣ و٢٥٠ و٢٩١ من حديث أنس رضي الله عنه.
(١) أخرجه البخاري ٧١/١٠ في الأشربة: باب الشرب قائماً، وأبو داود (٣٧١٨) في
الأشربة: باب في الشرب قائماً من طريق النزال عن علي رضي الله عنه، وأخرجه
الترمذي (٤٨) في الطهارة: باب ما جاء في وضوء النبي ◌َّر، والنسائي ٨٧/١ في
الطهارة: باب الانتفاع بفضل الوضوء من طريق أبي حية عنه، ولفظه عند البخاري: ((أتى
علي رضي الله عنه على باب الرحبة، فشرب قائماً، فقال: إن ناساً يكره أحدهم أن
يشرب وهو قائم وإني رأيت رسول الله (يسير فعل كما رأيتموني فعلت)).
(٢) قال الحافظ في ((الفتح)) ٧٣/١٠، ٧٤: وسلك العلماء في ذلك مسالك:
أحدها: الترجيح وأن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي.
الثاني : دعوی نسخ أحاديث النھي.
الثالث: الجمع بين الخبرين بضرب من التأويل.
ثم قال: وسلك آخرون في الجمع بحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه،
وأحاديث الجواز على بيانه، وهي طريقة الخطابي وابن بطال في آخرين، وهذا أحسن
المسالك وأسلمها وأبعدها من الاعتراض، وقد أشار الأثرم إلى ذلك أخيراً فقال: إن
ثبتت الكراهة حملت على الإرشاد والتأديب لا على التحريم، وبذلك جزم الطبري وأيده
بأنه لو كان جائزاً ثم حرمه، أو كان حراماً، ثم جوزه، لبين النبي ◌َّ ذلك بياناً واضحاً،
فلما تعارضت الأخبار بذلك جمعنا بينها بهذا.
(٣) أخرج البخاري ٦٦/١٠ في الأشربة: باب شرب اللبن بالماء من حديث أنس بن مالك
أنه رأى رسول الله وَ ◌ّل شرب لبناً وأتى داره، فحلبت شاة، فشِبت لرسول الله محصله من
البئر، فتناول القدح، فشرب، وعن يساره أبو بكر، وعن يمينه أعرابي، فأعطى الأعرابي
فضله، ثم قال: (( الأيمن فالأيمن)).
١٤٤
فصل
في هديه في النكاح ومعاشرته ل أهله
صح عنه رََّ من حديث أنس رضي الله عنه، أنه وَّه قال: ((حُبِّبَ إليَّ، مِن
دُنْيَاكُم: النِّسَاءُ، والطَّيْبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ))(١) هذا لفظُ الحديث،
ومن رواه ((حبب إليَّ من دنياكم ثلاث))، فقد وهم، ولم يقل ◌ّ: ((ثلاث))
والصلاة ليست من أمور الدنيا التي تُضاف إليها. وكان النساء والطيب أحبَّ شيءٍ
إليه، وكان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وكان قد أعطي قوة ثلاثين في
الجماع وغيره، وأباح الله له من ذلك ما لم يُبحه لأحد من أمته.
وكان يقسم بينهن في المبيت والإيواء والنفقة، وأما المحبة فكان يقول:
((اللَّهُمَّ هُذا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تَلُمْنِي فِيمَا لاَ أَمْلِكُ)) (٢) فقيل: هو الحب
والجماع، ولا تجب التسوية في ذلك، لأنه مما لا يُملك.
وهل كان القَسْمُ واجباً عليه، أو كان له معاشرتهن من غير قسم؟ على
قولين للفقهاء.
فهو أكثر الأمة نساءً، قال ابن عباس: تزوجوا، فَإِنّ خيرَ هذه الأُمةِ أكثرها
.
نساءٌ(٣).
(١) رواه النسائي ٧/ ٦١ في عشرة النساء: باب حب النساء، وأحمد في ((المسند)) ١٢٨/٣
و ١٩٩ و ٢٨٥، وسنده حسن، وصححه الحاكم ١٦٠/٢ من طريق آخر، ووافقه
الذهبي.
(٢) أخرجه الترمذي (١١٤٠) في النكاح: باب ما جاء في التسوية بين الضرائر، وأبو داود
(٢١٣٤) في النكاح: باب في القسمة بين النساء والنسائي ٧/ ٦٤ في عشرة النساء: باب
ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض، وابن ماجه (١٩٧١) في النكاح: باب القسمة بين
النساء، والدارمي ١٤٤/٢ في النكاح: باب القسمة بين النساء، وابن حبان (١٣٠٥)
والحاكم في ((المستدرك)) ١٨٧/٢ من حديث عائشة رضي الله عنها، وصححه الحاكم،
ووافقه الذهبي، وهو كما قالا .
(٣) أخرجه البخاري ٩٩/٩ عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: هل تزوجت؟ قلت : =
١٤٥
وطلق ◌َّه، وراجع، وآلى إيلاءً مؤقتاً بشهر، ولم يظاهر أبداً، وأخطأ من
قال: إنه ظاهر خطأً عظيماً، وإنما ذكرته هنا تنبيهاً على قبح خطئه ونسبته إلى ما
برّأه الله منه .
وكانت سيرته مع أزواجه حسنَ المعاشرة، وحسنَ الخلق.
وكان يُسَرِّبُ إلى عائشة بناتِ الأنصار يلعبن معها(١). وكان إذا هويت شيئاً
لا محذورَ فيه تابعها عليه، وكانت إذا شربت من الإناء أخذه، فوضع فمه في
موضع فمها وشرب، وكان إذا تعرقت عَرْقاً - وهو العَظْمُ الذي عليه لحم - أخذه
فوضع فمه موضع فمها، وكان يتكىء في حَجْرِها، ويقرأ القرآن ورأسه في
حَجْرِها، وربما كانت حائضاً، وكان يأمرها وهي حائض فَتَتَّزِرُ ثم يُباشرها، وكان
يقبلها وهو صائم، وكان من لطفه وحسن خُلُقه مع أهله أنه يمكِّنها من اللعب،
ويريها الحبشة وهم يلعبون في مسجده، وهي متكئة على منكبيه تنظر، وسابقها
في السفر على الأقدام مرتين، وتدافعا في خروجهما من المنزل مرة.
وكان إذا أراد سفراً، أقرع بين نسائه، فأيتهنّ خرج سهمها، خرج بها معه،
ولم يقضٍ للبواقي شيئاً، وإلى هذا ذهب الجمهور.
وكان يقول: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلي))(٢).
وربما مد يده إلى بعض نسائه في حضرة باقيهن (٣).
لا، قال: فتزوج، فإن خير هذه الأمة أكثرها نساءً.
(١) أي يرسلهن سرباً سرباً ويردهن إليها.
(٢) رواه الترمذي (٣٨٩٢) في المناقب: باب فضل أزواج النبي { شهر، والدارمي ١٥٩/٢ في
النكاح: باب حسن معاشرة النساء، وابن حبان ((موارد» (١٣١٢) في النكاح: باب عشرة
النساء من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح وهو كما
قال. ورواه ابن ماجه (١٩٧٧) في النكاح: باب حسن معاشرة النساء من حديث ابن
عباس، وسنده حسن في الشواهد.
(٣) روى مسلم (١٤٦٢) من حديث أنس رضي الله عنه قال: كان للنبي لي تسع نسوة، فكان=
١٤٦
وكان إذا صلى العصر، دار على نسائه، فدنا منهن واستقرأ أحوالهن، فإذا
جاء الليل، انقلب إلى بيت صاحبة النَّوبة، فخصها بالليل. وقالت عائشة: كان لا
يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ في مُكْثِهِ عِنْدَهُنَّ في القَسْمِ، وقلَّ يومٌ إلا كان يطوف علينا
جميعاً، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغَ التي هو في نوبتها، فيبيت
عندها(١).
وكان يقسم لثمان منهن دون التاسعة، ووقع في ((صحيح مسلم))(٢) من
قول عطاء أن التي لم يكن يقسم لها هي صفية بنت حُيَيٍّ، وهو غلط مِن
عطاء رحمه الله، وإنما هي سودة، فإنها لما كَبِرَتْ وهبت نوبتها لعائشة.
وكان رَّ يقسِم لعائشة يومها ويومَ سودة، وسبب هذا الوهم - والله
أعلم ــ أنه كان قد وَجَدَ على صفيّة في شيء، فقالت لعائشة: هل لَكِ أن
تُرضي رسول الله وَِّ عني، وأَهبَ لَكِ يومي؟ قالت: نعم، فقعدت عائشةُ إلى
جنب النبي ◌َِّ في يوم صفية، فقال: ((إلَيْكِ عَنِّي يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّه لَيْسَ يَوْمَكِ))
فقالَت: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤتيه من يشاء وأخبرته بالخبرِ، فرضِيَ عنها (٣). وإنما
كانت وهبتها ذلك اليومَ وتلك النَّوبة الخاصة، ويتعين ذلك، وإلا كان يكون
إذا قسم بينهنّ لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع، فكن يجتمعن كل ليلة في بيت التي
=
يأتيها، فكان في بيت عائشة، فجاءت زينب، فمد يده إليها، فقالت: هذه زينب، فكف
النبي # يده.
(١) أخرجه أبو داود (٢١٣٥) في النكاح: باب في القسم بين النساء، وسنده حسن وتمامه:
ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله رضي: يا رسول الله
يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله وَلّه منها. وخبر تنازل سودة عن يومها لعائشة أخرجه
البخاري ٢٧٤/٩، ومسلم (١٤٦٣) وأزواجه التسعة هن: عائشة، وحفصة، وسودة،
وزينب، وأم سلمة، وأم حبيبة، وميمونة، وجويرية، وصفية، رضي الله عنهن جميعاً،
وسودة رضي الله عنها لما كبرت جعلت يومها لعائشة فكان رسول الله ◌َ لا يقسم لثمان.
(٢) رقم (١٤٦٥).
(٣) رواه ابن ماجه (١٩٧٣) في النكاح: باب المرأة تهب يومها لزوجها، وفي إسناده
سمية البصرية، الراوية عن عائشة وهي لا تعرف، وباقي الإسناد رجاله ثقات.
١٤٧
القسم لسبع منهن، وهو خلاف الحديث الصحيح الذي لا ريب فيه أن القسم
كان لثمانٍ، والله أعلم. ولو اتفقت مثل هذه الواقعة لمن له أكثر من زوجتين،
فوهبت إحداهن يومها للأخرى، فهل للزوج أن يُوالِيَ بين ليلة الموهوبة
وليلتها الأصلية وإن لم تكن ليلة الواهبة تليها، أو يجب عليه أن يجعل ليلَتها
هي الليلة التي كانت تستحقها الواهبة بعينها؟ على قولين في مذهب أحمد
وغيره.
وكان ◌ََّ يأتي أهلَه آخرَ الليل، وأوله، فَكَانَ إذا جامع أول الليل، ربما
اغتسل ونام، وربما توضأ ونام. وذكر أبو إسحاق السَّبيعي عن الأسود عن
عائشة أنه كان ربما نام، ولم يمس ماء(١) وهو غلط عند أئمة الحديث، وقد
أشبعنا الكلام عليه في كتاب ((تهذيب سنن أبي داود)» وإيضاح علله
ومشكلاته.
وكان يطوف على نسائه بغسل واحد، وربما اغتسل عند كل واحدة،
(١) رواه أبو داود (٢٨٨) في الطهارة: باب في الجنب يؤخر الغسل، والترمذي (١١٨)
في الطهارة: باب في الجنب ينام قبل أن يغتسل، وابن ماجه (٥٨٣) في الطهارة:
باب في الجنب ينام كهيئته لا يمس ماء من حديث سفيان وغيره عن أبي إسحاق عن
الأسود، عن عائشة وسنده قوي، ونقل الحافظ تصحيحه عن الدار قطني والبيهقي،
وقال: ويؤيده ما رواه هشيم عن عبد الملك عن عطاء عن عائشة مثل رواية أبي
إسحاق عن الأسود، وما رواه ابن خزيمة (٢١١) وابن حبان (٢٣٢) عن ابن عمر
أنه سأل النبي ◌َّ أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: ((نعم ويتوضأ إن شاء)) وإسناده
صحيح، وأخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٣٠٦) (٢٤) بلفظ: ((نعم ليتوضأ ثم لينم
حتى يغتسل إذا شاء))، وروى الإمام أحمد ١٠١/٦ و٢٥٤ وابن أبي شيبة ١٧٣/٢/ ٢
من حديث مطرف عن عامر الشعبي، عن عائشة قالت: كان رسول الله وَّر يبيت
جنباً، فيأتيه بلال، فيؤذنه بالصلاة، فيقوم فيغتسل، فأنظر إلى تحدر الماء من رأسه،
ثم يخرج فأسمع صوته في صلاة الفجر، ثم يظل صائماً. قال مطرف: فقلت لعامر:
في رمضان؟ قال: نعم سواء رمضان أو غيره، وسنده صحيح. وبما تقدم يتبين لك
خطأ المصنف في دعواه أن الحديث غلط عند أئمة الحديث.
١٤٨
فعل هذا وهذا.
وكان إذا سافر وَقَدِمَ، لم يطرُقْ أهله ليلاً، وكان ينهى عن ذلك(١).
فصل
في هديه وسيرته بملي في نومه وانتباهه
كان ينامُ على الفراش تارة، وعلى النِّطع تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى
الأرض تارة، وعلى السرير تارة بين رِمَالِهِ، وتارة على كِساء أسود. قال عبَّاد بن
تميم عن عمه: رأيتُ رسول الله وَّ مُستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رِجليه على
الأخرى(٢).
وكان فراشه أَدَماً حشوُه لِيف. وكان له مِسْحٌ ينام عليه يثنى بثَنيتين، وثُني له
يوماً أربع ثنيات، فنهاهم عن ذلك وقال: ((رُدُّوه إلَى حَالِهِ الأَوَّلِ، فَإِنَّه مَنَعَنِي
صَلاَتِي اللَّيْلَة))(٣). والمقصود أنه نام على الفراش، وتغطى باللِّحاف، وقال
لنسائه: ((مَا أَتَانِي جِبْرِيلُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرَ عَائِشَة)»(٤).
وكانت وسادتُهُ أَدَماً حشوها ليف.
(١) أخرج البخاري ٢٩٦/٩، ٢٩٧، ومسلم ١٥٢٧/٣ (١٨٢) من حديث جابر قال:
قال رسول الله بَّة: ((إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلاً)) وروى البخاري
٤٩٣/٣، ومسلم (١٩٢٨) من حديث أنس أنه مجهّز كان لا يطرق أهله ليلاً، وكان
يأتيهم غدوة أو عشية.
(٢) أخرجه البخاري ٣٣٤/١٠ و٦٨/١١، ومسلم (٢١٠٠).
(٣) رواه الترمذي في ((الشمائل)) رقم (٣٢٢) من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن
عائشة وهو منقطع.
(٤) رواه البخاري ٧/ ٨٤ في فضائل أصحاب النبي ◌َّ: باب فضل عائشة، وفي الهبة:
باب قبول الهدية، وباب من أهدی إلی صاحبه وتحری بعض نسائه دون بعض،
والترمذي (٣٨٧٤) في المناقب: باب من فضل عائشة رضي الله عنها، والنسائي
٦٨/٧ و٦٩ في عشرة النساء: باب حب الرجل بعض نسائه أكثر من بعض.
١٤٩
وكان إذا أوى إلى فراشه للنوم قال: ((بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَحْيَا وَأَمُوتُ))(١).
وكان يجمع كفَّيْهِ ثم ينفُث فيهما، وكان يقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُو اللَّهُ أَحَدٌ﴾
و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم يمسح بهما ما استطاع من
جسده، يبدأُ بهما على رأسه، ووجهه، وما أقبلَ مِنْ جسده، يفعل ذلك ثلاث
مرات(٢).
وكان ينام على شِقِّه الأيمن، ويضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، ثم
يقول: ((اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ))(٣). وكان يقول إذا أوى إلى فراشه:
(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآَوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لاَ كَافِيَ له وَلاَ مُؤْويَ))
ذكره مسلم (٤). وذكر أيضاً أنه كان يقول إذا أوى إلى فراشه: ((اللَّهُمَّ رَبَّ
(١) رواه البخاري ٩٦/١١ في الدعوات: باب ما يقول إذا نام، وباب وضع اليد اليمنى
تحت الخد الأيمن، وباب ما يقول إذا أصبح، وفي التوحيد: باب السؤال بأسماء الله
تعالى. والترمذي (٣٤١٣) في الدعوات: باب ما يدعو به عند النوم، وأبو داود
(٥٠٤٩) في الأدب: باب ما يقول عند النوم من حديث حذيفة رضي الله عنه،
وأخرجه مسلم (٢٧١١) في الذكر والدعاء: باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع،
من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.
(٢) رواه البخاري ١٠٧/١١، وأبو داود (٥٠٥٦)، والترمذي (٣٣٩٩) من حديث عائشة
رضي الله عنها.
(٣) رواه أبو داود (٥٠٤٥) في الأدب: باب ما يقول عند النوم، والترمذي (٣٣٩٥) في
الدعوات: باب من الأدعية عند النوم من حديث حذيفة، وصححه هو وابن حبان
(٢٣٥٠) من حديث البراء، والحافظ في ((الفتح)) ٩٨/١١، وأخرجه أحمد ٤٠٠/١
و٤١٤ و٤٤٣ من حديث ابن مسعود ٢٨٧/٦، ٢٨٨ من حديث حفصة، وصححه
الحافظ أيضاً.
(٤) رواه مسلم (٢٧١٥) في الذكر والدعاء: باب ما يقول عند النوم، والترمذي (٣٣٩٣)
في الدعوات: باب ما جاء في الدعاء إذا أوى إلى فراشه، وأبو داود (٥٠٥٣) في
الأدب: باب ما يقول عند النوم، وأحمد في ((المسند» ١٥٣/٣ و١٦٧ و٢٨٨ كلهم
من حديث أنس رضي الله عنه.
١٥٠
السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، وَرَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيءٍ، فَالِقَ الحَبِّ
وَالنَّوى، مُنْزِلَ الثَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ، وَالفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّكُلِّ ذِي شَرِّ أَنْتَ آَخِذٌ
بِنَاصِيتِهِ، أَنْتَ الأَوَّلُ فَيْسَ قَبْلَكَ شَيءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ، فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيءٌ، وَأَنْتَ
الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ، فَلَيْسَ دُونَكَ شَيءٌ، اقْضٍ عَنَّ الدَّينَ،
وَأَغْنِنَا مِنَ الفقْرِ))(١).
وكان إذا استيقظ من منامه في الليل قال: ((لاَ إِلَه إِلَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ، اللَّهُمَّ
إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْماً، وَلاَ تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذ
هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ))(٢).
وكان إذا انتبه من نومه قال: «الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ
التُّشُور))(٣). ثم يتسؤَّك، وربما قرأَ العشر الآيات من آخر (آل عمران) من
قوله: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمُوَاتِ والأَرْضِ ... ﴾ إِلى آخرها [آل عمران:
(١) رواه مسلم (٢٧١٣) في الذكر والدعاء: باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع،
والترمذي (٣٣٩٧) في الدعوات: باب من الأدعية عند النوم، وأبو داود (٥٠٥١)
في الأدب: باب ما يقول عند النوم، وأحمد في ((المسند)) ٣٨١/٢ و٤٠٤ و٥٣٦.
كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) رواه أبو داود (٥٠٦١) في الأدب: باب ما يقول الرجل إذا تعارَّ من الليل، وفي
سنده عبد الله بن الوليد بن قيس التجيبي المصري، وهو لين الحديث، كما قال
الحافظ في ((التقريب)) ومع ذلك فقد صححه ابن حبان (٢٣٥٩) والحاكم ٥٤٠/١،
ووافقه الذهبي.
(٣) رواه البخاري ١١١/١١ في الدعوات: باب ما يقول إذا أصبح، وباب ما يقول إذا
نام، وباب وضع اليد اليمنى تحت الخد الأيمن، وفي التوحيد: باب السؤال بأسماء
الله تعالى من حديث حذيفة رضي الله عنه. وأخرجه مسلم (٢٧١١) في الذكر
والدعاء: باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع من حديث البراء بن عازب
رضي الله عنه، وأخرجه الترمذي (٣٤١٣) في الدعوات: باب ما يدعو به عند النوم،
وأبو داود (٥٠٤٩) في الأدب: باب ما يقول عند النوم، وابن ماجه (٣٨٨٠) في
الدعاء: باب ما يدعو به إذا انتبه من الليل، كلهم من حديث حذيفة رضي الله عنه.
١٥١
١٩٠ - ٢٠٠](١). وقال: ((اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاواتِ والأَرْضِ وَمَنْ
فِيهنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ
الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقُّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبُّونَ حَقٌّ،
وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ،
وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ،
وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ))(٢).
وكان ينام أول الليل، ويقوم آخره، وربما سهر أول الليل في مصالح
المسلمين، وكان تنامُ عيناه، ولا ينامُ قلبُه. وكان إذا نام، لم يُوقظوه حتى يكونَ
هو الذي يستقيظ. وكان إذا عرَّس بليل، اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عرَّس
قبيل الصبح، نصب ذراعه، ووضع رأسه على كفه (٣)، هكذا قال الترمذي. وقال
(١) رواه البخاري ١/ ٢٥٠ في الوضوء: باب قراءة القرآن بعد الحدث، ومسلم (٧٦٣)
في صلاة المسافرين: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه عن عبد الله بن عباس، أنه
بات ليلة عند ميمونة زوج النبي ◌ّ (وهي خالته) فاضطجعت في عرض الوسادة
واضطجع رسول الله بَّر وأهله في طولها، فنام رسول الله رَّل حتى إذا انتصف الليل
أو قبله بقليل استيقظ رسول الله مجلة فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ العشر
الآيات الخواتيم من سورة آل عمران ثم قام إلى شن معلقة، فتوضأ منها فأحسن
وضوءه، ثم قام يصلي. قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع ... الحديث.
(٢) أخرجه البخاري ١٠١/١١ في الدعوات: باب الدعاء إذا انتبه بالليل، وفي التهجد:
باب التهجد بالليل، وفي التوحيد: باب قول الله تعالى (وهو الذي خلق السموات
والأرض بالحق) وباب قول الله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) وباب
قول الله تعالى (يريدون أن يبدلوا كلام الله) ومسلم (٧٦٩) في صلاة المسافرين:
باب الدعاء في صلاة الليل، و((الموطأ) ٢١٥/١ في القرآن: باب ما جاء في
الدعاء، والترمذي (٣٤١٤) في الدعوات: باب ما جاء ما يقول إذا قام من الليل إلى
الصلاة، والنسائي ٢١٠/٣ في صلاة الليل: باب ذكر ما يستفتح به القيام، وابن
ماجه (١٣٥٥) في الإقامة: باب ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل، وأحمد
في «المسند» ٢٩٨/١ و٣٠٨ و٣٥٨.
(٣) أخرجه الترمذي في ((الشمائل)) (٢٥٧)، وإسناده قوي.
١٥٢
أبو حاتم في ((صحيحه)): كان إذا عرَّس بالليل، توسد يمينه، وإذا عرَّس قبيل
الصبح، نصب ساعده، وأظن هذا وهماً، والصواب حديث الترمذي.
وقال أبو حاتم: والتعريس إنما يكون قُبيل الصبح.
وكان نومه أعدلَ النوم، وهو أنفع ما يكون من النوم، والأطباء يقولون: هو
ثلث الليل والنهار، ثمان ساعات.
فصل
في هدیه ټ# في الركوب
ركب الخيلَ والإِل والبغال والحمير، وركب الفرس مُسْرَجَةً تارة، وَعَرِيًّا أخرى،
وكان يُجريها في بعض الأحيان، وكان يركب وحده، وهو الأكثر، وربما أردف
خلفه على البعير، وربما أردف خلفه، وأركب أمامه، وكانوا ثلاثة على بعير،
وأردف الرجال، وأردف بعضَ نسائه، وكان أكثرَ مراكبه الخيلُ والإِل. وأمّا
البغال، فالمعروف أنه كان عنده منها بغلة واحدة أهداها له بعضُ الملوك، ولم
تكن البغال مشهورة بأرض العرب، بل لما أهديت له البغلة قيل: ألا نُنزي الخيل
على الحمر؟ فقال: (إِنَّمَا يَفْعَلُ ذِلِكَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ))(١).
فصل
واتخذ رسول الله(څ﴾ وسلم الغنم. وکا له مائة شاة، وکان لا يُحب أن تزید
على مائة، فإذا زادت بهمة، ذبح مكانها أخرى، واتخذ الرقيق من الإِماء والعبيد،
وكان مواليه وعتقاؤه من العبيد أكثر من الإماء. وقد روى الترمذي في ((جامعه))
اتخاذ الغنم والرقيق
عتقاؤه * من العبيد
أكثر من الإماء
(١) رواه أبو داود (٢٥٦٥) في الجهاد: باب كراهية الحمر تنزى على الخيل، والنسائي
٢٢٤/٦ في الخيل: باب التشديد في حمل الحمير على الخيل، وأحمد في ((المسند))
٧٨/١ و٩٥ و٩٨ و١٠٠ و١٣٢ و١٥٨ وابن حبان (١٦٣٩) من حديث علي
رضي الله عنه، وإسناده صحيح.
١٥٣
من حديث أبي أمامة وغيره، عن النبي وسلم أنه قال: ((أيُّما امْرىءٍ أَعْتَقَ امْرءَاً
مُسْلِماً، كَانَ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزِىءُ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عضواً مِنْهُ، وَأَيُّمَا امْرىٍ مُسْلِمٍ
أَعْتَقَ امْرَأَتَيْن مُسْلِمَتَيْنِ، كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزِىءُ كُلُّ عُضْوَيْنِ مِنْهُمَا عُضْواً
مِنْهُ)) وقال: هذا حديث صحيح (١). وهذا يدل على أن عتق العبد أفضل، وأن عتق
العبد يَعْدِلُ عتق أمتين، فكان أكثر عتقائه ◌َلّر من العبيد، وهذا أحد المواضع
الخمسة التي تكون فيها الأنثى على النصف من الذكر، والثاني: العقيقة، فإنه عن
الأنثى شاة، وعن الذكر شاتان عند الجمهور، وفيه عدة أحاديث صحاح وحسان.
والثالث: الشهادة، فإن شهادة امرأتين بشهادة رجل. والرابع: الميراث.
والخامس: الدية.
المواضع التي تكون فيها
الأنثى على النصف من
الذکر
فصل
هديه 12 في العقود
وباع رسول الله رَّ واشترى، وكان شراؤه بعد أن أكرمه الله تعالى برسالته
أكثر من بيعه، وكذلك بعد الهجرة لا يكاد يُحفظ عنه البيعُ إلا في قضايا يسيرة
أكثرها لغيره، كبيعه القدح والحلس فيمن يزيد، وبيعه يعقوب المدبَّر غلام أبي
مذکور، وبيعه عبداً أسود بعبدین.
وأمّا شراؤه، فكثير، وآجر، واستأجر، واستئجاره أكثر من إيجاره، وإنما
يُحفظ عنه أنه أجر نفسه قبل النبوة في رعاية الغنم، وأجر نفسه من خديجة في
سفره بمالها إلى الشام.
وإن كان العقد مضاربة، فالمضارب أمين، وأجير، ووكيل، وشريك،
(١) حديث صحيح بشواهده رواه الترمذي (١٥٤٧) في النذور والأيمان: باب ما جاء في
فضل من أعتق، من حديث أبي أمامة، وأخرجه أحمد ٢٣٥/٤ وأبو داود (٣٩٦٧)
في العتق: باب أي الرقاب أفضل، وابن ماجه (٢٥٢٢) في العتق: باب العتق، من
حديث كعب بن مرة أو مرة بن كعب، ورواه الطبراني من حديث عبد الرحمن بن
عوف.
١٥٤
فأمين إذا قبض المال، ووكيل إذا تصرف فيه، وأجير فيما يُباشره بنفسه من
العمل، وشريك إذا ظهر فيه الربح. وقد أخرج الحاكم في ((مستدركه)) من حديث
الربيع بن بدر، عن أبي الزبير، عن جابر قال: آجرَ رسول الله ◌َلا نفسه مِن خديجة
بنت خويلد سفرتين إلى جَرَشَ كل سَفْرَةٍ بِقَلُوصٍ(١)، وقال: صحيح الإسناد.
قال في ((النهاية)): جُرَش، بضم الجيم وفتح الراء مِن مخاليف اليمن، وهو
بفتحهما بلد بالشام.
قلت: إن صح الحديث، فإنما هو المفتوح الذي بالشام، ولا يَصِحُّ، فإن
الربيع بن بدر هذا هو عُلَيْلَةٍ (٢)، ضعفه أئمة الحديث. قال النسائي والدار قطني
والأزدي: متروك، وكأن الحاكم ظنه الربيع بن بدر مولى طلحة بن عبيد الله .
وشارك رسولُ اللّهِ بَ ◌ّه، ولما قدم عليه شريكهُ قال: أما تَعْرِفُني؟ قال: ((أما
كُنْتَ شَرِيكي؟ فَنِعْمَ الشَّرِيكُ كُنْتَ لا تُدَارِي ولا تُمَارِي))(٣).
وتدارىء بالهمزة من المدارأة، وهي مدافعة الحق، فإن ترك همزها،
صارت من المداراة، وهي المدافعة بالتي هي أحسن.
ووكَّلَ وتَوَكَّل، وكان توكيلُه أكثرَ من توكُّلِهِ.
وأهدى، وَقَبِلَ الهدية، وأثاب عليها، ووهب، واتّهَبَ، فقال لسلمة بن
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ١٨٢/٣ ورجاله ثقات إلا أن فيه تدليس أبي الزبير.
(٢) في المطبوع ((عليل)) وهو تحريف، وإعلال المؤلف رحمه الله للحديث بالربيع بن بدر
لا يتم له، لأنه متابع بنفس السند بحماد بن مسعدة وهو ثقة.
(٣) رواه أبو داود (٤٨٣٦) في الأدب: باب كراهية المراء، وابن ماجه (٢٢٨٧) في
التجارات: باب الشركة والمضاربة، وأحمد في ((المسند» ٤٢٥/٣ وفيه أن السائب
قال: أتيت النبي ◌َّره، فجعلوا يثنون علي ويذكروني فقال رسول الله مَ ل}: ((أنا
أعلمكم)) يعني به، قلت: صدقتَ بأبي أنت وأمي: كنت شريكي فنعم الشريك،
كنت لا تداري ولا تماري. وفي سنده إبراهيم بن المهاجر البجلي وهو لين الحفظ،
والراوي عن السائب مجهول.
١٥٥
الأكوع، وقد وقع في سهمه جارية: ((هَبْهَا لِي)) فوهَبَها له، فَفَادَى بها مِنْ أهْلِ مكّة
أُسَارَى مِنَ المُسلمين(١).
واستدان برهن، وبِغير رهن، واستعار، واشترى بالثمن الحالِ والمؤجَّلِ.
الضمان
وضمِن ضماناً خاصاً على ربِّه على أعمالٍ مَنْ عَمِلَها كان مضموناً له
بالجنّة، وضماناً عاماً لديون من تُوفيَّ مِن المسلمين، ولم يدع وفاءً أنها عليه وهو
يُوفيها(٢) وقد قيل: إن هذا الحكمَ عام للأئمة بعده، فالسلطان ضامن الديون
المسلمين إذا لم يُخلفوا وفاءً، فإنها عليه يُوفيها من بيت المال، وقالوا: كما يرثه
إذا مات، ولم يَدَعْ وارثاً، فكذلك يقضي عنه دينَه إذا مات ولم يَدَعْ وفاءً، وكذلك
يُنْفِقُ عليه في حياته إذا لم يكن له مَنْ يُنْفِقُ عليه. ووقفَ رسولُ الله ◌َّ أرضاً
كانت له، جعلها صدقةً في سبيل الله، وتشفَّع، وَشُفِّع إليه، وردَّت بريرةُ شفاعته
في مراجعتها مُغيثاً، فلم يغضب عليها، ولا عَتِبَ، وهو الأسوة والقدوة، وحلف
في أكثرَ من ثمانين موضعاً، وأمره اللَّهُ سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال
(١) أخرج مسلم (١٧٥٥) في الجهاد: باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسرى من حديث
سلمة بن الأكوع قال: ((غزونا فزارة وعلينا أبو بكر أمره رسول الله محصل .. وفيه:
فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم،
وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع (نطع) من أدم، معها ابنة لها من أحسن
العرب، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة وما
كشفت لها ثوباً، فلقيني رسول الله ◌َّ# في السوق، فقال: يا سلمة هب لي المرأة،
فقلت: يا رسول الله والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوباً، ثم لقيني رسول الله من
الغد في السوق، فقال لي: يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك، فقلت: هي لك يا
رسول الله، فوالله ما كشفت لها ثوباً، فبعث بها رسول الله صل إلى أهل مكة، فقدى
بها ناساً من المسلمين كانوا أسروا بمكة» وأخرجه أبو داود (٢٦٩٧) وابن ماجه
(٢٨٤٦) وأحمد ٤٦/٤.
(٢) روى البخاري ٢٣/١٢ في الفرائض، ومسلم (١٦١٩) في الفرائض: باب من ترك
مالاً فلورثته من حديث أبي هريرة أن النبي ◌َ ◌ّر قال: ((أنا أولى بالمؤمنين من
أنفسهم، فمن توفي وعليه دين، فعلي قضاؤه، ومن ترك مالاً، فهو لورثته)).
١٥٦
تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِؤُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِْ وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ [يونس: ٥٣] وقال تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَىْ وَرَبِّي لَتَأْتِنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] وقال
تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُّوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنْبَؤُنَ بِمَا عَمِلْتُم
وَذِلِكَ علَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي يُذاکِر أبا
بكر محمد بن داود الظاهري، ولا يُسميه بالفقيه، فتحاكم إليه يوماً هو وخصمٌ
له، فتوجهت اليمينُ على أبي بكر بن داود، فتهيأ للحلف، فقال له القاضي
إسماعيل: أو تحلِفُ ومثلُك يحلف يا أبا بكر؟! فقال: وما يمنعني من الحلف
وقد أمر الله تعالى نبيه بالحلف في ثلاثة مواضع من كتابه، قال: أين ذلك؟
فسردها له أبو بكر، فاستحسن ذلك منه جداً، ودعاه بالفقيه مِن ذلك اليوم.
وكان اَّ يَستثني في يمينه تارة، ويكفِّرها تارةً، ويمضي فيها تارةً،
والاستثناء يمنع عقد اليمين، والكفارة تَحُلُّهَا بعد عقدها، ولهذا سماها الله تَحِلَّة.
الاستثناء في اليمين
وكان يُمازح، ويقول في مُزاحِه الحقَّ، ويُوَرِّي، ولا يقول في توريته إلا
الحقَّ، مثل أن يُريد جهة يقصِدها فيسأل عن غيرها كيف طريقُها؟ وكيف مياهُها
ومسلكها؟ أو نحو ذلك. وكان يُشير ويستشير.
المزاح
وكان يعود المريض ويشهدُ الجِنازة، ويُجيب الدَّعْوَة، ويمشي مع الأرملة
والمسكين والضعيف في حوائجهم، وسمع مديحَ الشعر، وأثاب عليه، ولكن ما
قيل فيه من المديح، فهو جزء يسير جداً مِن محامده، وأَثاب على الحق. وأما
مدحُ غيره من الناس، فأكثرُ ما يكون بالكذب، فلذلك أَمَرَ أن يُحثَى في وجُوه
المدَّاحينَ التُّرابُ(١).
(١) روى مسلم في ((صحيحه)) (٣٠٠٢) في الزهد من حديث المقداد أن رسول الله وَ يل
قال: ((إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب)) وأخرجه أبو داود (٤٨٠٤)
والترمذي (٢٣٩٥) وابن ماجه (٣٧٤٢).
١٥٧
فصل
وسابق رسولُ اللّهِ وَّهبنفسه على الأقدام، وصارعَ(١)، وخَصَفَ نعله بيده،
ورقَعَ ثوبه بيده، ورقَعَ دلوه، وحلب شاته، وَفَلَى ثوبَه، وخدم أهله ونفسه،
وحمل معهم اللَّنَ في بناء المسجد، وربط على بطنه الحجر من الجوع تارة،
وشبع تارة، وأضافَ وأُضيفَ، واحتجم في وَسَط رأسه، وعلى ظهر قدمه،
واحتجم في الأخدعين والكاهل وهو ما بين الكتفين، وتداوى، وكوى ولم يَكْتَو،
ورقی ولم يَسْتَرْق، وحمى المريض ممَّا يؤذيه.
جمع القرآن لأصول الطب
وأصول الطب ثلاثة: الحمية، وحفظُ الصحة، واستفراغُ المادة المضرة،
وقد جمعها الله تعالى له ولأمته في ثلاثة مواضع من كتابه، فحمى المريض من
استعمال الماء خشيةً من الضرر، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى، أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ
جَاءَ أحدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾
[النساء: ٤٣ والمائدة: ٦] فأباح التيمم للمريض حمية له، كما أباحه للعادم،
وقال في حفظ الصحة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سفرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾
[البقرة: ١٨٤] فَأَبَاحَ للمسافر الفطرَ في رمضان حفظاً لصحته، لئلا يجتمع على
قوته الصومُ ومشقةُ السفر، فَيُضْعَفُ القوة والصحة. وقال في الاستفراغ في حلق
الرأس للمحرم: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىٌ مِنْ رَأْسِهِ فَفِذْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ
صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَأَبَاح للمريض وَمَنْ به أذى من رأسه وهو مُحرم
أن يحلق رأسه، ويستفرغ المواد الفاسدة، والأبخرة الرديئة التي تُولد عليه القَمْلَ،
كما حصل لكعب بنْ عُجْرَةَ، أو تُولد عليه المرض، وهذه الثلاثة هي قواعد الطب
(١) روى أبو داود (٤٠٧٨) في اللباس: باب في العمائم، والترمذي (١٧٨٥) في
اللباس: باب العمائم على القلانس من حديث أبي الحسن العسقلاني، عن أبي
جعفر بن محمد بن ركانة أن ((ركانة صارع النبي { 14 فصرعه النبي بَّر ... )) وقال
الترمذي: هذا حديث غريب وإسناده ليس بالقائم، ولا نعرف أبا الحسن العسقلاني
ولا ابن ركانة.
١٥٨
وأصوله، فذكر من كل جنس منها شيئاً، وصورة، تنبيهاً بها على نعمته على عباده
في أمثالها من حِمْيتهم، وحِفظِ صِخَّتهم، واستفراغ مواد أذاهم، رحمةً لعباده،
ولطفاً بهم، ورأفة بهم. وهو الرّؤوف الرحيم.
فصل
في هديه 143 في معاملته
كان أحسنَ النَّاس مُعاملةً. وكان إذا استسلف سلفاً قضى خيراً منه (١).
وكان إذا اسْتَسْلَفَ من رجل سَلَفاً، قضاه إياه، ودعا له، فقال: ((بَارَكَ اللَّهُ لَكَ في
أَهْلِكَ وَمَالِكَ، إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ والأداءُ»(٢).
السلف في العقود
واستسلف من رجل أربعين صاعاً، فاحتاج الأنصاريُّ، فأتاه، فقال ◌َّ:
((مَا جَاءَنَا مِنْ شَيءٍ بَعْدُ)) فقال الرجل: وأَرَادَ أن يتكلم، فقال رسول الله وَلاَ: ((لاَ
تَقُلْ إلا خَيْراً، فَأَنَا خَيْرُ مَنْ تَسَلَّفَ)) فأعطاه أربعين فضلاً، وأربعين سُلفة، فأعطاه
ثمانين. ذكره البزار (٣). واقترض بعيراً، فجاء صاحبه يتقاضاه، فأغلظ للنبي وَيّ،
فهمَّ به أصحابُه، فقال: ((دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالاً))(٤). واشترى مرة شيئاً
(١) روى البخاري ٤٤/٥ في الاستقراض، ومسلم (١٦٠١) في المساقاة من حديث أبي
هريرة رضي الله عنه قال: إن رجلاً أتى النبي تنثر يتقاضاه بعيراً، قال: قال
رسول الله يقول: ((أعطوه)) فقالوا: لا نجد إلا سنا أفضل من سنه، فقال الرجل:
أوفيتني أوفاك الله، فقال رسول الله بكثير ((أعطوه، فإن من خيار الناس أحسنهم
قضاء)).
(٢) رواه النسائي ٧/ ٣١٤ في البيوع: باب الاستقراض، وابن ماجه (٢٤٢٤) في
الصدقات: باب حسن القضاء، وأحمد في ((المسند)) ٣٦/٤ من حديث عبد الله بن
أبي ربيعة المخزومي، وإسناده قوي.
(٣) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
١٤١/٤: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ البزار، وهو ثقة.
(٤) رواه البخاري ٣٩٤/٤ في الوكالة: باب الوكالة في قضاء الديون، وباب وكالة
الشاهد والغائب، وفي الاستقراض: باب استقراض الإبل، وباب هل يعطى أكبر
منه، وباب حسن القضاء، وباب لصاحب الحق مقال، وفي الهبة: باب الهبة =
١٥٩
وليس عنده ثمنُهُ فَأَرْبِحَ فيه، فباعه، وتصدَّق بالربح على أرامل بني عبد المطلب،
وقال: ((لاَ أَشْتَرِي بَعْدَ هَذَا شيئاً إلاَّ وَعِنْدِي ثمنُه)) ذكره أبو داود(١)، وهذا لا
يُناقض الشراء في الذمة إلى أجل، فهذا شيء، وهذا شيء. وتقاضاه غريم له
ديناً، فأغلظ عليه، فهمَّ به عمرُ بن الخطاب فقال: ((مَهْ يَا عُمَرُ كُنْتُ أَحْوَجَ إِلَى أَنْ
تَأْمُرَنِي بِالْوَفَاءِ. وَكَانَ أَحْوَجَ إِلَى أَنْ تَأْمُرَهُ بِالصَّبْرِ))(٢)، وباعه يهودي بيعاً إلى
أجل، فجاءه قبل الأجل يتقاضاه ثمنَه، فقال: لم يَحِلَّ الأجلُ، فقال اليهوديُّ:
إِنَّكم لَمِطْلٌ يَا بنَي عبدِ المطلب، فهمَّ به أصحابُه، فنهاهم، فلم يَزِدْه ذلك إلا
حِلماً، فقال اليهودي: كُلُّ شيء منه قد عرفته من علامات النبوة، وبقيت واحدةٌ،
وهي أنه لا تزيدُه شدةُ الجهل عليه إلا حِلماً، فأردتُ أن أعْرِفَها، فأسلم
اليهودي(٣).
المقبوضة وغير المقبوضة، ومسلم (١٦٠١) في المساقاة: باب من استسلف شيئا
=
فقضى خيراً منه، والترمذي (١٣١٧) في البيوع: باب ما جاء في استقراض البعير من
حديث أبي هريرة.
(١) رواه أبو داود (٣٣٤٤) في البيوع: باب في التشديد في الدين من حديث شريك عن
سماك عن عكرمة عن ابن عباس، وشريك بن عبد الله القاضي سيء الحفظ،
وسماك، روايته عن عكرمة خاصة مضطربة فالحديث ضعيف.
(٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٢ بنحوه وصححه، واستدرك عليه الذهبي فقال: هو مرسل.
(٣) رواه مطولاً ابن حبان (٢١٠٥) وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي)) ص ٨٣، ٨٥ من
حديث محمد بن المتوكل، عن الوليد بن مسلم عن محمد بن حمزة بن يوسف عن
أبيه عن جده عبد الله بن سلام. قال الحافظ في ((الإصابة)) في ترجمة زيد بن سعنة
(٢٩٠٤): ورجال الإسناد موثقون، وقد صرح الوليد فيه بالتحديث، ومداره على
محمد بن المتوكل المعروف بابن أبي السري الراوي له عن الوليد، وثقه ابن معين
ولينه أبو حاتم، وقال ابن عدي: كثير الغلط، والله أعلم قال: ووجدت لقصته
شاهداً من وجه آخر، لكن لم يسم فيه، قال ابن سعد: حدثنا يزيد، حدثنا جرير بن
حازم حدثني من سمع الزهري يحدث أن يهودياً قال: ما كان بقي شيء من نعت
محمد في التوراة إلا رأيته إلا الحلم ... فذكر القصة.
١٦٠