النص المفهرس
صفحات 121-140
الإقامة، فأخذ الشافعي رحمه الله وأهلُ مكّة بأذان أبي محذورة، وإقامةٍ بلال، وأخذ أبو حنيفة رحمه الله وأهلُ العراق بأذان بلال، وإقامة أبي محذورة، وأخذ الإِمام أحمد رحمه الله وأهلُ الحديث وأهلُ المدينة بأذان بلال وإقامته، وخالف مالك رحمه الله في الموضعين: إعادة التكبير، وتثنية لفظ الإقامة، فإنه لا یکررها. فصل في أمرائه الد منهم باذان بن ساسان، من ولد بهرام جور، أمَّره رسولُ الله ◌َّ على أهل اليمن كلِّها بعد موت كسرى، فهو أولُ أمير في الإِسلام على اليمن، وأولُ مَنْ أسلم من ملوك العجم. ثم أمَّر رسولُ الله ◌ِله بعد موت باذان ابنه شهر بن باذان على صنعاء وأعمالها. ثمّ قُتِلَ شهر، فأمَّر رسول الله : على صنعاء خالد بن سعيد بن العاص. وولَّى رسولُ اللهِّ المهاجِرَ بن أبي أمية المخزومي كِنْدَة والصَّدِف، فتوفي رسولُ الله ◌َّه ولم يَسِرْ إليها، فبعثه أبو بكر إلى قتال أناس من المرتدين. وأخرجه الترمذي (١٩٢) والنسائي ١٠٣/١ مختصراً، ولم يذكر فيه لفظ الأذان والإقامة إلا أن النسائي قال: ((ثم عدَّها أبو محذورة تسع عشرة كلمة وسبع عشرة كلمة)) قال الترمذي: حسن صحيح ورواه ابن خزيمة في (صحيحه)) (٣٧٧) ولفظه ((فعلمه الأذان والإقامة مثنى مثنى)) وكذلك رواه ابن حبان (٢٨٨) وقال ابن دقيق الـ العيد في ((الإمام)): وهذا السند على شرط الصحيح، وله طريقان آخران عند أبي داود والطحاوي. وخبر بلال ((أن النبي بل أمره أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا قوله: قد قامت الصلاة)) أخرجه البخاري ٦٨/٢، ومسلم (٣٧٨) من حديث أنس رضي الله عنه. ١٢١ وولَّى زيادَ بن أمية الأنصاري حضرموت. وولَّى أبا موسى الأشعري زبيدَ وعدن والساحل. وولَّى معاذ بن جبل الجَنَد. وولَّى أبا سفيان صخر بن حرب نَجْرَان. وولَّی ابنه یزید تيماء. وولَّى عَتَّبَ بنَ أَسِيد مكّة، وإقامة الموسم بالحج بالمسلمين سنة ثمان وله دون العشرين سنة . وولَّى علي بن أبي طالب الأخماس باليمن والقضاء بها. وولَّى عمرو بن العاص عُمَان وأعمالها . وولَّى الصدقاتِ جماعة كثيرة، لأنه كان لكل قبيلة والٍ يقبض صدقاتها، فمن هنا كثر عمالُ الصدقات. وولَّى أبا بكر إقامةَ الحج سنة تسع، وبعث في أَثَرِهِ علياً يقرأ على الناس سورة (براءة) فقيل: لأن أولها نزل بعد خروج أبي بكر إلى الحج. وقيل: بل لأن عادة العرب كانت أنه لا يَحِلُّ العقودَ ويعقدها إلا المطاعُ، أو رجلٌ مِنْ أهل بيته. وقيل: أردفه به عوناً له ومساعداً. ولهذا قال له الصديق: أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور(١). وأمّا أعداء الله الرافضة، فيقولون: عزله بعلي، وليس هذا ببدع من بهتهم وافترائهم. (١) هو عند النسائي ٢٤٧/٥، ٢٤٨ في الحج: باب الخطبة قبل يوم التروية، والدارمي ٦٦/٢ و٦٧ ولفظه: ((أمير أم رسول؟ قال: لا بل رسول أرسلني رسول الله وثيقة: بـ ((براءة)) أقرؤها على الناس في مواقف الحج)» وذكر الحديث ورجاله ثقات. وصححه ابن حبان. ١٢٢ واختلف الناس، هل كانت هذه الحجةُ قد وقعت في شهر ذي الحجة، أو كانت في ذي القَعدة من أجل النسيء؟ على قولين، والله أعلم. فصل في حرسه ◌َيّ فمنهم سعدُ بن معاذ، حرسه يومَ بدر حين نام في العريش، ومحمد بن مسلمة حرسه يوم أحد، والزبير بن العوام حرسه يوم الخندق. ومنهم عبَّاد بن بشر، وهو الذي كان على حرسه، وحرسه جماعة آخرون غير هؤلاء، فلما نزل قوله تعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] خرج على الناس فأخبرهم بها، وصرف الحرس(١). فصل فيمن كان يضرب الأعناق بين يديه وَثلان علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، والضحاك بن سفيان الكلابي، وكان قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري منه ◌َّ بمنزلة صاحب الشُّرَطَةِ من الأمير(٢) ووقف المغيرةُ بن شعبة على رأسه بالسيف يوم الحُديبيّةِ. (١) أخرج الترمذي (٣٠٤٩) في التفسير عن عائشة قالت: كان النبي ◌ُجملةٍ يحرس حتى نزلت هذه الآية (والله يعصمك من الناس) فأخرج رسول الله صل رأسه من القبة، فقال لهم: ((أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله)) وأخرجه الطبري ٤٦٩/١٠، وصححه الحاكم ٣١٣/٢، ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ في (الفتح)) ٦٠/٦، وقال : اختلف في وصله وإرساله. (٢) أخرجه البخاري ١١٩/١٣ في الأحكام: باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه، والترمذي (٣٨٤٩) من حديث أنس رضي الله عنه. ١٢٣ ٠ فصل فيمن كان على نفقاته وخاتمه ونعله وسواكه ومن كان يأذن عليه كان بلال على نفقاته، ومعيقيب بن أبي فاطمة الدَّوسي على خاتمه، وابنُ مسعود على سواكه ونعله، وأذن عليه رباح الأسود وأنسة مولياه، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري. فصل في شعرائه وخطبائه كان من شعرائه الذين يَذبُّون عن الإِسلام: كعب بن مالك، وعبدُ الله بن رواحة، وحسَّان بن ثابت، وكان أشدَّهم على الكفار حسانُ بن ثابت وكعبُ بن مالك يُعيِّرهم بالكفر والشرك، وكان خطيبَه ثابت بن قيس بن شمَّاس(١). فصل في حُداته الذین کانوا یحدون بین یدیه : في السفر منهم عبدُ الله بن رواحة، وأنجشة، وعامر بن الأكوع وعمه سلمة بن الأكوع. وفي ((صحيح مسلم)): كان لرسول الله ◌َ﴿ حَادٍ حَسَنُ الصَّوْتِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((رُوَيْدَاً يَا أَنْجِشَةُ، لاَ تَكْسِرِ القَوَارِيرَ))(٢). يعني ضعفة النساء. (١) ابن زهير بن مالك الأنصاري الخزرجي خطيب الأنصار، شهد أحداً وما بعدها من المشاهد، وقتل يوم اليمامة في خلافة أبي بكر شهيداً. ((أسد الغابة)) ٢٧٥/١. (٢) أخرجه البخاري ٤٤٩/١٠ و٤٥٠ و٤٥١ في الأدب: باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه، باب ما جاء في قول الرجل: ويلك، وباب من دعا = ١٢٤ فصل في غزواته وبعوثه وسراياه وَستهم غزواتُه كلها وبعوثه وسراياه كانت بعد الهجرة في مدة عشر سنين، فالغزواتُ سبع وعشرون، وقيل: خمس وعشرون، وقيل: تسع وعشرون وقيل غير ذلك، قاتل منها في تسع: بدر، وأُحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف. وقيل: قاتل في بني النضير والغابة ووادي القُرى من أعمال خيبر . وأمّا سراياه وبعوثه، فقريب من ستين، والغزوات الكبار الأمهات سبع: بدر، وأُحد، والخندق، وخيبر، والفتح، وحنين، وتبوك. وفي شأن هذه الغزوات نزل القرآن، فسورة (الأنفال) سورة بدر، وفي أُحُد آخر سورة (آل عمران) من قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ المُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] إلى قبيل آخرها بيسير، وفي قصة الخندق، وقريظة، وخيبر صدر (سورة الأحزاب)، وسورة (الحشر) في بني النضير، وفي قصة الحديبية وخيبر سورة (الفتح) وأشير فيها إلى الفتح، وذكر الفتح صريحاً في سورة (النصر). وجرح منها ◌َّ في غزوة واحدة وهي أحد، وقاتلت معه الملائكة منها في بدز وحنين، ونزلت الملائكة يوم الخندق، فزلزلتِ المشركين وهزمتهم، ورمى فيها الحصباءَ في وجوه المشركين فهربوا، وكان الفتحُ في غزوتين: بدر، وحنين. وقاتل بالمنجنيق منها في غزوة واحدة، وهي الطائف، وتحصَّن في الخندق في واحدة، وهي الأحزاب أشار به عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه . صاحبه فنقص من اسمه حرفاً، وباب المعاريض مندوحة عن الكذب. ومسلم = (٢٣٢٣) (٧٣) في الفضائل: باب رحمة النبي ◌ِ ◌ّ للنساء، والدارمي ٢٩٥/٢ في الاستئذان، وأحمد في ((المسند)) ١٠٧/٣ و١١٧ و١٨٦ و٢٢٧، و٢٥٤، و٢٨٥ من حديث أنس رضي الله عنه. ١٢٥ فصل في ذكر سلاحه وأثاثه وَله كان له تسعة أسياف: مأثور، وهو أول سیف ملکه، ورثه من أبيه. والعضْب، وذو الفِقار، بكسر الفاء، وبفتح الفاء، وكان لا يكادُ يُفارقه، وكانت قائمته وقبيعتُه وحلقتُه وذوابته وبكراتُه ونعلُه مِنْ فضة. والقلعي، والبتار، والحتف، والرَّسوب، والمِخْذَم، والقضيب، وكان نعلُ سیفه فضةً، وما بين ذلك حلق فضة . وکان سيفه ذُو الفقار تنفّله يوم بدر، وهو الذي أُري فيها الرؤيا، ودخل يوم الفتح مكة وعلی سیفه ذهب وفضة. وكان له سبعة أدرع: ذات الفضول: وهي التي رهنها عند أبي الشحم اليهودي على شعير لعياله، وكان ثلاثين صاعاً، وكان الدَّيْن إلى سنة، وكانت الدِّرُ مِن حديد. وذات الوشاح، وذات الحواشي، والسعدية، وفضة، والبتراء والخِرْنِقِ. وكانت له ستُّ قِسيٍّ: الزوراء، والرَّوحاء، والصفراء، والبيضاء، والكَتوم، كُسِرَتْ يوم أحد، فأخذها قتادة بن النعمان، والسَّداد. وکانت له جعْبة تدعی: الکافور، وَمِنْطَقَة من أدیم منشور فيها ثلاث حلق من فضة، والإِيزيم من فضة، والطرف من فضة، وكذا قال بعضهم، وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: لم يبلغنا أن النبي ◌َ ◌ّ شدَّ على وسطه منطقة. وكان له ترس يقال له: الزَّلوق، وترس يقال له: الفُتَق. قيل. وترس أهدي إليه، فيه صورةُ تمثال، فوضع يده عليه، فأذهب الله ذلك التمثال. ١٢٦ وكانت له خمسة أرماح، يقال لأحدهم: المُثْوِي، والآخر: المُثْنِي، وحربة يقال لها: النبعة، وأخرى كبيرة تدعى: البيضاء، وأخرى صغيرة شبه العكاز يقال لها: العَنَزَة يمشي بها بين يديه في الأعياد، تركز أمامَه، فيتخذها سترة يُصلي إليها، وکان يمشي بها أحياناً. وكان له مِغْفَر من حديد يقال له: الموشَّح، وشح بِشَبَهٍ(١) وَمِغْفَر آخر يقال له: السبوغ، أو: ذو السبوغ. وكان له ثلاث جِباب يلبسها في الحرب. قيل فيها: جبة سندس أخضر، والمعروف أن عروة بن الزبير كان له يلمق(٢) من ديباج، بطانته سندس أخضر، يلبسه في الحرب، والإِمام أحمد في إحدى روايتيه يُجَوِّزُ لبس الحرير في الحرب. وكانت له راية سوداء يقال لها: العُقاب. وفي ((سنن أبي داود)) عن رجل من الصحابة قال: رأيتُ راية رسول الله مَّة صفراء، وكانت له ألوية بيضاء، وربما جعل فيها الأسود. وكان له فُسطاط يسمى: الكن، ومِحجَن قدر ذراع أو أطول يمشي به ويركب به، ويُعلقه بين يديه على بعيره، وَمِخْصَرة تسمى: العرجون، وقضيب من الشوحط يسمى: الممشوق. قيل: وهو الذي كان يتداوله الخلفاء. وكان له قدح يسمى: الرَّيان، ويسمى مغنياً، وقدح آخر مضبب بسلسلة من . فضة . وکان له قدح من قوارير، وقدح مِن عِیدان یوضع تحت سريره یبول فيه بالليل، ورَكوة تسمى: الصادر، قيل: وتَوْرُ (٣) من حجارة يتوضأ منه، ومِخْضب من شبَهٍ، وقعب يسمى: السعة، ومغتسل من صُفْر، ومُدهُن، ورَبْعة يجعل فيها (١) الشَّبَه والشَّبهان، بتحريك الشين والباء: النحاس الأصفر وتكسر شينه. (٢) هو القباء فارسي معرب. (٣) إناء يشرب فيه. ١٢٧ المرآة والمشط. قيل: وكان المُشط من عاج، وهو الذَّبْلُ، ومكحلة يكتحِل منها عند النوم ثلاثاً في كل عين بالإِثمد، وكان في الربعة المقراضان والسواك. وكانت له قصعة تُسمى: الغراء، لها أربع حلق، يحملها أربعة رجال بينهم، وصاع، ومد، وقطيفة، وسرير قوائمه من ساج، أهداه له أسعد بن زرارة، وفراش من أدَمٍ حشوه ليف. وهذه الجملة قد رويت متفرقة في أحاديث. وقد روى الطبراني في ((معجمه)) حديثاً جامعاً في الآنية من حديث ابن عباس قال: كان لرسول الله وَ ل سيفٌ قائمته من فضة، وقبيعتُه من فضة، وكان يسمى: ذا الفِقار، وكانت له قوس تسمى: السداد، وكانت له كِنانة تسمى: الجمع، وكانت له درع موشحة بالنحاس تسمى: ذات الفُضول، وكانت له حربة تسمى: النبعاء، وكان له مِحجن يسمى: الدقن، وكان له ترس أبيض يسمى: الموجز، وكان له فرس أدهم يسمى: السَّكْب، وكان له سرج يسمى: الداج، وكانت له بغلة شهباء تسمى: دُلدُل، وكانت له ناقة تسمى: القصواء، وكان له حمار يسمى: يعفور، وكان له بساط يسمى: الكن، وكانت له عنزة تسمى: القمرة، وكانت له رَكوة تسمى: الصادرة، وكان له مقراض اسمه: الجامع، ومرآة وقضیب شوحط يسمى: الموت. فصل في دوابه مل# فمن الخيل: السَّكْب. قيل: وهو أول فرس ملكه، وكان اسمه عند الأعرابي الذي اشتراه منه بعشر أواقٍ: الضرس، وكان أغرَّ محجَّلاً، طلَقَ اليمين، گُميتاً. وقيل: كان أدهم. والمُرْتَجز، وكان أشهب، وهو الذي شهد فيه خزيمة بن ثابت . وَاللُّحَيْفُ، وَاللَّزَازُ، وَالظَّرِب، وَسَبْحَة، وَالوَرْدُ. فهذه سبعة متفق عليها، ١٢٨ جمعها الإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن جماعة الشافعي في بيت فقال: لِزَازُ مُرْتَجَزٌ وَرْدٌّ لَهَا اسْرَارٌ والخَيْلُ سَكْبٌ لُحَيْفٌ سَبْحَةٌ ظَرِبٌ أخبرني بذلك عنه ولده الإِمام عز الدين عبد العزيز أبو عمرو، أعزه الله بطاعته . وقيل: كانت له أفراس أخر خمسة عشر، ولكن مختلف فيها، وكان دفتا سرجه من ليف . وكان له من البغال دُلْدُل، وكانت شهباء، أهداها له المقوقِس. وبغلة أخرى. يقال لها: ((فضة)). أهداها له فروة الجذامي، وبغلة شهباء أهداها له صاحبُ أيلة، وأخرى أهداها له صاحب دومة الجندل، وقد قيل: إن النَّجاشيَّ أهدی له بغلة فکان یر کبها . ومن الحمير عُفير، وكان أشهب، أهداه له المقوقِس ملك القبط، وحمار آخر أهداه له فروة الجذامي. وذكر أن سعد بن عبادة أعطى النبي ول حماراً فركبه. ومن الإِبل القصواء، قيل: وهي التي هاجر عليها، والعضباء، والجدعاء، ولم يكن بهما عضب ولا جدع، وإنما سُمِّيتا بذلك، وقيل: كان بأذنها عضب، فسميت به، وهل العضباء والجدعاء واحدة، أو اثنتان؟ فيه خلاف، والعضباء هي التي كانت لا تُسبق، ثم جاء أعرابي على قَعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين، فقال رسول الله ◌َّ: ((إنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَلا يَرْفَعَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئاً إلاَّ وَضعَهُ)) (١) وغنِمِ نَُّ يوم بدر جملاً مَهْرِيّاً لأبي جهل في أنفه بُرَةٌ مِنْ فضة، فأهداه يوم (١) أخرجه البخاري ٢٩٢/١١ في الرقاق: باب التواضع، وفي الجهاد: باب ناقة النبي ◌َ ، وأبو داود (٤٨٠٢) في الأدب: باب كراهية الرفعة في الأمور، والنسائي ٢٢٧/٦ في الخيل: باب السبق، وأحمد في ((المسند)) ١٠٣/٣ و٢٥٣. قال الحافظ في ((الفتح)) ٥٦/٦: وفي الحديث اتخاذ الإبل للركوب والمسابقة عليها، وفيه التزهيد في الدنيا للإشارة إلى أن كل شيء فيها لا يرتفع، إلا اتضع، وفيه الحث على التواضع، وفيه حسن خلق النبي # وتواضعه وعظمته في صدور أصحابه. = ١٢٩ زاد المعاد ج١-م٥ الحديبية ليغيظ به المشركين(١). وكانت له خمسٌ وأربعون لِقْحَة، وكانت له مَهْرِيَّةٌ أرسل بها إليه سعد بن عبادة من نَعَم بني عقيل. وكانت له مائة شاة وكان لا يُريد أن تزيد، كلما ولَّد له الراعي بهمة، ذبح مكانها شاة، وكانت له سبعُ أعنُزُ منَائِحَ ترعاهن أمُ أيمن. فصل في ملابسه وَلّ كانت له عِمامة تُسمى: السحاب، كساها علياً، وكان يلبَسُها ويلْبَسُ تحتها القَلَنسُوة. وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة، ويلبَسُ العِمامة بغير قلنسُوة. وكان إذا اعتم، أرخى عِمامته بين كتفيه، كما رواه مسلم في ((صحيحه)) عن عمرو بن حريث قال: رأيتُ رسولَ اللّهِ وَله على المنبرِ وَعَلَيْهِ عِمَامَة سَوْدَاءُ قَدْ أرْخَى طَرَفَيْهَا بِينَ كَتِفَيْهِ(٢). وفي مسلم أيضاً، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله وَّهِ دَخَلَ مَكَّة وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاء(٣). ولم يذكر في حديث جابر: ذؤابة، فدل على أن الذؤابة لم يكن (١) أخرجه أحمد ٢٦١/١، وأبو داود (١٧٤٩) من حديث ابن عباس، وإسناده صحيح وأخرجه الترمذي (٨١٥)، وابن ماجه (٣٠٧٦) من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ... وإسناده صحيح، والبرة: حلقة تجعل في أنف البعير. (٢) أخرجه مسلم (١٣٥٩) في الحج: باب جواز دخول مكة بغير إحرام، وأبو داود (٤٠٧٧) في اللباس: باب في العمائم، والنسائي ٢١١/٨ في الزينة: باب ليس العمائم الحرقانية، وابن ماجه (١١٠٤) في الإقامة: باب ما جاء في الخطبة يوم الجمعة و (٢٨٢١) في الجهاد: باب لبس العمائم في الحرب، وأحمد في ((المسند)» ٣٠٧/٤ من حديث عمرو بن حريث رضي الله عنه. (٣) رواه مسلم (١٣٥٨) في الحج: باب جواز دخول مكة بغير إحرام، والترمذي = ١٣٠ يرخيها دائماً بين كتفيه. وقد يقال: إنه دخل مكة وعليه أهبةُ القتال والمِغْفَرُ (١) على رأسه، فلبسَ في كل مَوْطِنِ ما يُناسبه. وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدَّس الله روحه في الجنَّة، يذكر في سبب الذُّؤابة شيئاً بديعاً، وهو أن النبي ◌َّ إنما اتخذها صبيحة المنام الذي رآه في المدينة، لما رأى ربَّ العزَّة تبارك وتعالى، فقال: ((يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: لاَ أَذْرِي، فَوضَعَ يَدَهُ بَيْن كَتِفَيَّ (٢) فَعَلِمْتُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْض ... ))(٣) الحديث، وهو في الترمذي (٤)، وسئل عنه البخاري، فقال (١٦٧٩) في الجهاد؛ باب ما جاء في الألوية ورقم (١٧٣٥) في اللباس: باب = ما جاء في العمامة السوداء، وأبو داود (٤٠٧٦) في اللباس: باب في العمائم، والنسائي ٢٠١/٥ في الحج: باب دخول مكة بغير إحرام و٢١١/٨ في الزينة: باب لبس العمائم السود، وابن ماجه (٢٨٢٢) في الجهاد: باب لبس العمائم في الحرب، وأحمد في ((المسند)) ٣٦٣/٣ و٣٨٧ من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (١) المغفر بوزن منبر: زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة، أو حلق يتقنع بها المتسلح. (٢) قال العلامة علي القاري: وذلك كناية عن تخصيصه إياه بمزيد الفضل عليه، وإيصال الفيض إليه، فإن من شأن المتلطف بمن يحنو عليه أن يضع كفه بين كتفيه، تنبيهاً على أنه يريد بذلك تکریمه وتأييده. (٣) يعني: أعلمه الله تعالى مما فيهما من الملائكة وغيرها، وذلك كناية عن سعة علمه الذي فتح الله عليه، ولا يصح إطلاق القول بأنه علم جميع الكائنات التي في السماوات والأرض. (٤) رقم (٣٢٣٣) في تفسير سورة (ص) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، وهو حديث المنام الطويل المشهور، ومن جعله يقظة فقد غلط، وقد شرحه الحافظ ابن رجب الحنبلي في جزء سماه «اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى)) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ورواه أحمد في ((المسند)) ٢٤٣/٥ من حديث معاذ بسند صحيح، ورواه أيضاً الطبراني والحاكم ومحمد بن نصر وغيرهم. وهو عند الترمذي (٣٢٣١) وأحمد في ((المسند)) ٣٦٨/١ من حديث ابن عباس، والدارمي والبغوي في ((شرح السنة)) من حديث عبد الرحمن بن عائش والملأ الأعلى: الملائكة المقربون، واختصامهم، إما عبارة عن تبادرهم إلى إثبات تلك الأعمال والصعود إلى السماء، وإما عن تقاولهم في فضلها وشرفها، وقد سمّاها = ١٣١ صحيح. قال(١): فمن تلك الحال أرخى الذؤابة (٢) بين كتفيه، وهذا مِن العلم الذي تنكره ألسنةُ الجهال وقلوبُهم، ولم أرَ هذه الفائدة في إثبات الذؤابة لغيره. ولبس القميص وكان أحبَّ الثياب إليه، وكان كُّه إلى الرُّسُغ، ولبس الجُبَّةَ والفَروج وهو شبه القَباء، والفرجية، ولبس القَباء أيضاً، ولبس في السفر جُبة ضَيِّقَةَ الكُمَّين، وليس الإِزار والرداء. قال الواقدي: كان رداؤه وبرده طولَ ستة أذرع في ثلاثة وشبر، وإزاره من نسج عُمان طول أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعین وشبر. ولبس حُلة حمراء، والحلة: إزار ورداء، ولا تكون الحُلة إلا اسماً للثوبين معاً، وغلط من ظن أنها كانت حمراء بحتاً لا يُخالطها غيره، وإنما الحلةُ الحمراء: بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، كسائر البرود اليمنية، وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر، وإلا فالأحمر البحتُ منهي عنه أشد النهي، ففي ((صحيح البخاري)) أن النبي ◌َلآ نهى عن المياثر الحمر (٣) وفي ((سنن أبي داود)) عن عبد الله بن عمرو أن النبي وَلّ رأى النهي عن لبس الأحمر مخاصمة، لأنه ورد مورد سؤال وجواب، وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة فلهذا = حسن إطلاق لفظ المخاصمة عليه. أي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. (١) الذؤابة في الأصل: ضفيرة الشعر المرسلة، والمراد بها هنا طرف العمامة. (٢) (٣) رواه من حديث البراء بن عازب البخاري ٢٥٩/١٠ في اللباس: باب الميثرة الحمراء، وباب لبس القسي، وباب خواتيم الذهب، وفي الجنائز: باب الأمر باتباع الجنائز، وفي المظالم: باب نصر المظلوم، وفي النكاح: باب حق إجابة الوليمة والدعوة، وفي الأشربة: باب آنية الفضة، وفي المرضى: باب وجوب عيادة المرضى، وفي الأدب: باب تشميت العاطس إذا حمد الله، وفي الاستئذان: باب إفشاء السلام، وفي الأيمان والنذور: باب قول الله عز وجل: ((وأقسموا بالله جهد أيمانهم))، ومسلم (٢٠٦٦) في اللباس: باب تحريم استعمال الذهب والفضة على الرجال والنساء، والترمذي (٢٨١٠) في الأدب: باب ما جاء في كراهية لبس المعصفر، والنسائي ٥٤/٤ في الجنائز: باب الأمر باتباع الجنائز، وأحمد في = ١٣٢ عليه رَيْطَةٌ مُضَرَّجَةً بالعُصْفُرِ، فَقَالَ: ((مَا هَذِهِ الرَّيْطَةُ الَّتِي عَلَيْكَ؟)) فَعَرَفْتُ مَا كَرِهِ. فَأَتَيْتُ أَهْلِي وَهُمْ يَسْجُرُونَ تَتُّوراً لَهمْ، فقذفتها فيه، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الغَدِ، فَقَالَ: ((يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا فَعَلَتِ الرَّيْطَةُ؟)) فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ((هَلَّ كَسَوْتَهَا بَعْضَ أَهْلِكَ، فَإِنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهَا لِلنِّسَاءِ»(١). وفي ((صحيح مسلم)) عنه أيضاً، قال: رأى النبيُّ ◌َّ عليّ ثوبين معصفرين. فقال: ((إنَّ هُذِهِ مِنْ لِبَاسِ الكُفَّارِ فَلاَ تَلْبَسْهَا))(٢) وفي ((صحيحه)) أيضاً عَنْ علي رضي الله عنه قال: نَهَى الشَّبِيُّ نَّه عَنِ لِبَاسِ المُعَصْفَرِ(٣). ومعلوم أن ذلك إنما يصبغ صبغاً أحمر. وفي بعض ((السنن)) أنهم كانوا مع النبي ◌َّ في سفر، فرأى على رواحلهم أكسيةً فيها خطوطٌ حمراء، فقال: ((أَلاَ أَرَى هَذِهِ الحُمْرَةَ قَدْ عَلَتْكُمْ، فَقُمْنَا سِرَاعاً لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ◌َّهِ، حَتَّى نَفَرَ بَعْضُ إِبِلنَا، فَأَخَذْنَا الأَكْسِيَةَ فَتَزَعْنَاهَا عَنْهَا)). رواه أبو داود (٤). وفي جواز لبس الأحمر من الثياب والجوخ وغيرها نظر. وأما كراهته، (المسند) ٢٨٧/٤ و٢٩٩ إلا أن الترمذي والنسائي أسقطا من لفظهما ((الحمر)). = والمیاثر الحمر التي جاء النهي عنها کانت من مراکب العجم من دیباج وحرير، وتقييدها بالأحمر أخص من مطلق الحرير، فيمتنع وإن كانت حريراً، ويتأكد المنع إن كانت مع ذلك حمراء. (١) رواه أبو داود (٤٠٦٦) في اللباس: باب في الحمرة، وابن ماجه (٣٦٠٣) في اللباس: باب كراهية المعصفر للرجال، وأحمد في ((المسند)) ١٩٦/٢ وإسناده حسن. (٢) رواه مسلم (٢٠٧٧) في اللباس: باب النهي عن لبس الرجل الثوب المعصفر، والنسائي ٢٠٣/٨ في الزينة: باب النهي عن لبس المعصفر، وأحمد في ((المسند)) ١٦٢/٢ و١٦٤ و١٩٣ و٢٠٧ و٢١١. (٣) رواه مسلم (٢٠٧٨) في اللباس: باب النهي عن لبس الرجل الثوب المعصفر، وأبو داود (٤٠٤٢) و (٤٠٤٥) و (٤٠٤٧) و (٤٠٥٠) و (٤٠٥١) في اللباس: باب من كره لبس الحرير، والنسائي ٢٠٤/٨ في الزينة: باب النهي عن لبس المعصفر. (٤) رواه أبو داود (٤٠٧٠) في اللباس: باب في الحمرة، وأحمد في ((المسند)) ٤٦٣/٣ من حدیث رافع بن خديج وفیه راوٍ لم يسم. ١٣٣ فشديدة جداً، فكيف يُظن بالنبي ◌ّ أنه لبس الأحمر القاني، كلا لقد أعاذه اللَّهُ منه، وإنما وقعت الشبهةُ مِن لفظ الحلة الحمراء، والله أعلم. ولبس الخميصة المُعْلَمَةَ والساذَجَة، ولبس ثوباً أسود، ولبس الفَروة المكفوفة بالسندس . وروى الإمام أحمد، وأبو داود بإسنادهما عن أنس بن مالك أن ملك الروم أهدى للنبي وَِّ مُسْتَقَةً مِنْ سُنْدُسِ، فلبسها، فَكأَنِّي أنظرُ إلى يَدَيْهِ تَذَبْذَبانِ(١). قال الأصمعي: المساتق: فراء طوال الأكمام. قال الخطابي: يشبه أن تكون هذه المستقة مكففة بالسندس، لأن نفس الفروة لا تكون سندساً. فصل واشترى سراويل والظاهر أنه إنما اشتراها ليلبسها، وقد روي في غير حديث أنه لبس السراويل، وكانوا يلبسون السراويلات بإذنه. ولبس الخفين، ولبس النعل الذي يسمى التَّاسُومة . ولبس الخاتم، واختلفت الأحاديث هل كان في يمناه أو يُسراه، وكلها صحيحة السند. ولبس البيضة التي تسمى: الخوذة، ولبس الدرع التي تسمى: الزردية، وظاهر یومَ أُحد بين الدرعين. وفي ((صحيح مسلم)) عن أسماء بنت أبي بكر قالت: هذه جبة رسول الله وَّ، فأخرجت جبةَ طيالِسة كَسِروانية لها لِبْنَةُ دِيباج. وفرجاها مكفوفان (١) رواه أحمد ٢٥١/٣، وأبو داود (٤٠٤٧) وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، وقوله: ((تذبذبان)) معناه: تحركان وتضطربان يريد الكمين، ووقع في المطبوع ((بادیتان)) وهو تحريف. ١٣٤ بالديباج، فقالت: هذِهِ كانت عند عائشة حتى قُبِضَت، فلما قبضت قبضتُها، وكان النبي ◌ََّ يلبَسُها، فنحنُ نَغْسِلُهَا للمرضى يُسْتَشفى بها (١). وكان له بردان أخضران، وكِساء أسود، وكساء أحمر ملبد، وكساء من شعر. وكان قميصه من قطن، وكان قصيرَ الطول، قصيرَ الكُمَّين، وأما هذه الأكمام الواسعة الطِّوال التي هي كالأخراج، فلم يلبسها هو ولا أحدٌ من أصحابه البتة، وهي مخالفة لسنته، وفي جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء. وكان أحبَّ الثياب إليه القميصُ والحِبَّرَةُ، وهي ضرب من البرود فيه حمرة. وكان أحبّ الألوان إليه البياضُ، وقال: ((هي مِنْ خَيْرِ ثِيَابَكُمْ، فَالْبَسُوهَا، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ)،(٢) وفي ((الصحيح)) عن عائشة أنها أخرجت كِساءً ملبّداً وإزاراً غليظاً فقالت: قُبِضَ رُوحُ رَسُولِ اللّهِ و ◌َّهِ فِي هُذِيْنِ(٣). (١) هو قطعة من حديث طويل رواه مسلم (٢٠٦٩) في اللباس: باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء. ووقع في المطبوع أكثر من تحريف. (٢) رواه أبو داود (٣٨٧٨) في الطب: باب في الأمر بالكحل و (٤٠٦١) في اللباس: باب في البياض، والترمذي (٩٩٤) في الجنائز: باب ما يستحب من الأكفان، وابن ماجه (١٤٧٢) في الجنائز: باب ما يستحب من الكفن، وأحمد في ((المسند» ٢٤٧/١ و٢٧٤ و٣٢٨ و٣٥٥ و٣٦٣ وقال الترمذي: حديث حسن صحيح وهو كما قال، ورواه الترمذي (٢٨١١) في الأدب: باب ما جاء في لبس البياض، والنسائي ٢٠٥/٨ في الزينة: باب الأمر بلبس البيض من الثياب، وابن ماجه (٣٥٦٧) في اللباس: باب البياض من الثياب وأحمد في ((المسند)) ١٢/٥ و٢١ من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه بلفظ ((البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم)) وهو صحيح أيضاً. (٣) رواه البخاري ٢٣٥/١٠ في اللباس: باب الأكسية والخمائص، وفي الجهاد: باب ما ذكر من درع النبي ◌ِّر وعصاه وسيفه، ومسلم (٢٠٨٠) في اللباس: باب التواضع = ١٣٥ ولبس خاتماً من ذهب، ثم رمى به، ونهى عن التختم بالذهب، ثم اتخذ خاتماً من فضة، ولم ينه عنه. وأما حديث أبي داود أن النبي ◌َّ نهى عن أشياء، وذكر منها: ونهى عن لبوس الخاتم إلا لذي سلطان، فلا أدري ما حال الحدیث، ولا وجهه(١)، والله أعلم. و کان یجعل فصَّ خاتمه مما يلي باطن كفه. وذكر الترمذي أنه کان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه، وصححه، وأنكره أبو داود(٢). الإشارة إلى كراهة لبس الطيلسان وأما الطيلسان، فلم ينقل عنه أنه لبسه، ولا أحدٌ من أصحابه، بل قد ثبت في ((صحيح مسلم)) من حديث أنس بن مالك عن النبي ◌َّيّ أنه ذكر الدَّجَّال فقال: (يَخْرُجُ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفاً مِنْ يَهُودِ أَصْبِهَانَ عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ))(٣). ورأى أنس جماعة في اللباس، والترمذي (١٧٣٣) في اللباس: باب ما جاء في لبس الصوف، وأبو = داود (٤٠٣٦) في اللباس: باب لباس الغليظ، وابن ماجه (٣٥٥١) في اللباس: باب لباس رسول الله ، وأحمد في ((المسند)) ٣٢/٦ و١٣١ كلهم من حديث أبي بردة عن عائشة رضي الله عنها. والملبدة: اسم مفعول من التلبيد، يقال للرقعة التي يرقع بها القميص: لبدة. (١) هو جزء من حديث طويل رواه أبو داود (٤٠٤٩) في اللباس: باب من كره لبس الحرير، والنسائي ١٤٣/٨ في الزينة: باب النتف. وفي سنده مجهول، وقال أبو داود عقب روايته: والذي تفرد به من هذا الحديث ذكر الخاتم. (٢) رواه الترمذي (١٧٤٦) في اللباس: باب ما جاء في لبس الخاتم في اليمين، وأبو داود (١٩) في الطهارة: باب الخاتم يكون فيه ذكر الله يدخل به الخلاء، والنسائي ١٧٨/٨ في الزينة: باب الخاتم عند دخول الخلاء، وابن ماجه (٣٠٣) في الطهارة: باب ذكر الله عز وجل على الخلاء والخاتم في الخلاء وأخرجه ابن حبان (١٢٥) والحاكم من حديث أنس بن مالك وفي سنده ابن جريج وهو مدلس وقد عنعن، وقال أبو داود: هذا حديث منكر، وقال النسائي: هذا حديث غير محفوظ، وذكر الدار قطني الاختلاف فيه، وأشار إلى شذوذه، ومع ذلك فقد قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال النووي: هذا مردود عليه. (٣) رواه مسلم في (صحيحه)) (٢٩٤٤) في الفتن: باب في بقية من أحاديث الدجال عن = ١٣٦ عليهم الطيالسة، فقال: ما أشبَههُم بيهود خيبر. ومن ها هنا كره لبسها جماعة من السلف والخلف، لماروى أبو داود، والحاكم في ((المستدرك)) عن ابن عمر، عن النبي ◌َّ أنه قال: ((مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)) (١). وفي الترمذي عنه ◌ََّ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ غَيْرِنَا))(٢) وأما ما جاء في حديث الهجرة أن النبي ◌َّه جاء إلى أبي بكر مُتَقَنِّعاً بالهَاجِرَة، فَإِنما فعله النبيُّ نَّه تلك الساعة ليختفي بذلك، ففعلهُ للحاجة، ولم تكن عادتُه التقنعَ، وقد ذكر أنس عنه وَّ أنه كان يُكثر القِنَاعَ، وهذا إنما كان يفعله - والله أعلم - للحاجة من الحر ونحوه، وأيضاً ليس التقنع من التطيلس. فصل وكان غالبُ ما يلبس هو وأصحابُه ما نُسِجَ مِن القطن، وربما لبسوا ما نُسِجَ من الصوف والكتَّان، وذكر الشيخ أبو إسحاق الأصبهاني بإسناد صحيح عن جابر بن أيوب قال: دخل الصَّلْتُ بن راشد على محمد بن سيرين وعليه جُبة صوف، وإزارُ صوف، وعِمامة صوف، فاشمأزَّ منه محمد، وقال: أظن أن أقواماً يلبسون الصوف ويقولون: قد لبسه عيسى ابن مريم، وقد حدثني من لا أتهم أن النبي ◌َّ قد لبس الكتان والصوف والقطن، وسُنَّهُ نبينا أحقُّ أن تُتَّبَعَ. ومقصود ابن سيرين بهذا أن أقواماً يرون أن لبس الصوف دائماً أفضلُ من غيره، فيتحرَّونه غالب لبسه ## هو وأصحابه القطن أنس بن مالك أن رسول الله وَّ قال: ((يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً = عليهم الطيالسة)) وكان في الأصل ((من حديث النواس بن سمعان))، وهو وهم من المؤلف رحمه الله. والطيالسة: جمع طيلسان، والطيلسان أعجمي معرب: ثوب يلبس على الكتف يحيط بالبدن ينسج للبس خال من التفصيل والخياطة . (١) تقدَّم تخريجه وهو حسن، وربما تكون نسبته للحاكم وهماً من المؤلف رحمه الله. (٢) رواه الترمذي (٢٦٩٦) في الاستئذان: باب كراهية إشارة اليد في السلام، وفي سنده ابن لهيعة وهو ضعيف لكن يشهد له ما قبله، فهو حسن به. ١٣٧ ويمنعون أنفسهم من غيره، وكذلك يتحرَّون زِياً واحداً من الملابس، ويتحرَّون رسوماً وأوضاعاً وهيئاتٍ يرون الخروج عنها منكراً، وليس المنكرُ إلا التقيد بها، والمحافظة عليها، وترك الخروج عنها. السنة لبس ما تيسر والصواب أن أفضل الطرق طريقُ رسول الله بََّ التي سنها، وأمر بِها، ورغَّب فيها، وداوم عليها، وهي أن هديَه في اللباس: أن يلبس ما تيسر مِنَ اللباس، من الصوف تارة، والقطن تارة، والكتان تارة. ولبس البرود اليمانية، والبردَ الأخضر، ولَيسَ الجبة، والقَباء، والقميص، والسراويل، والإِزار، والرداء، والخف، والنعل، وأرخى الذؤابة من خَلْفِه تارة، وتركها تارة. وكان يتلحى بالعمامة تحت الحنك(١). وكان إذا استجدَّ ثوباً، سماه باسمه، وقال: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ كَسَوْتَنِي هذا القَمِيصَ أَو الرِّدَاءِ أَوِ العِمَامَةَ، أَسْألُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ ما صُنِعَ لَهُ))(٢) . وكان إذا لبس قميصه، بدأ بميامِنه. ولبس الشعر الأسود، كما روى مسلم في (صحيحه)) عن عائشة قالت: خرج رسول الله وَ ل﴿ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَخَّل مِنْ شَعَر (١) قال ابن قدامة في ((المغني)) ٣٠١/١: ومن شروط جواز المسح على العمامة أن تكون على صفة عمائم المسلمين بأن يكون تحت الحنك منها شيء، لأن هذه عمائم العرب وهي أكثر ستراً من غيرها ويشق نزعها، فيجوز المسح عليها سواء كانت لها ذؤابة أو لم يكن قاله القاضي، وسواء كانت صغيرة أو كبيرة، وإن لم يكن تحت الحنك منها شيء، ولا لها ذؤابة، لم يجز المسح عليها لأنها على صفة عمائم أهل الذمة، ولا يشق نزعها. (٢) رواه أبو داود (٤٠٢٠) في أول اللباس، والترمذي (١٧٦٧) في اللباس: باب ما يقول إذا لبس ثوباً جديداً، وأحمد في ((المسند) ٣٠/٣ و٥٠ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (١٤٤٢) والترمذي. ١٣٨ أَسْوَدَ(١). وفي ((الصحيحين)) عن قتادة قلنا لأنس: أيُّ اللباس كان أحبَّ إلى رسول الله وَ﴾؟ قال: ((الحِبَرَةُ))(٢). والحبرة: برد من برود اليمن(٣). فإن غالب لباسهم كان مِن نسج اليمن، لأنها قريبة منهم، وربما لبسوا ما يُجلب مِن الشَّام ومصر، كالقباطي المنسوجة من الكتان التي كانت تنسجها القبط. وفي ((سنن النسائي)) عن عائشة أنها جعلت للنبي ◌َّ بُردة من صوف، فلبسها، فلما عَرِق، فوجد رِيحَ الصوف، طرحها، وكان يُحبُّ الرّيحَ الطَّيِّب(٤). وفي ((سنن أبي داود)» عن عبد الله بن عباس قال: لَقَدْ رأيتُ عَلَى رسول الله وَّهِ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الحُلَلِ (٥). وفي (سنن النسائي)) عن أبي رِمْثَةَ قال: رأيتُ رسولَ اللّهِ وَل يَخْطُبُ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانٍ(٦). والْبُرد الأخضر: هو الذي فيه خطوط خضر، وهو لبس البُرد (١) رواه مسلم (٢٠٨١) في اللباس: باب التواضع في اللباس والاقتصار على الغليظ منه واليسير، والترمذي (٢٨١٤) في الأدب: باب ما جاء في الثوب الأسود، وأبو داود (٤٠٣٢) في اللباس: باب في لبس الصوف والشعر. والمرط بكسر الميم وسكون الراء: كساء يكون تارة من صوف وتارة من شعر أو كتان أو خز، وقال الطحاوي: وهو كساء يؤتزر به. والمرخّل: الذي فيه خطوط. (٢) رواه البخاري ٢٣٤/١٠ في اللباس: باب البرود والحبر والشملة، ومسلم (٢٠٨١) في اللباس: باب التواضع، والترمذي (١٧٨٨) في اللباس: باب أحب الثياب إلى رسول الله وَلَره، وأبو داود (٤٠٦٠) في اللباس: باب لبس الحبرة، والنسائي ٢٠٣/٨ في الزينة: باب لبس الحبرة، وأحمد في ((المسند)) ١٣٤/٣ و١٨٤ و٢٥١ و٢٩١ قال الحافظ في ((الفتح)) وفي رواية أخرى: أن أنساً قاله جواباً لسؤال قتادة له عن ذلك، فتضمن السلامة من تدليس قتادة. (٣) وهي ثياب من كتان أو قطن محبرة، أي: مزينة، والتحبير: التزيين والتحسين. (٤) لم نجده في ((سنن النسائي)) كما ذكر المؤلف رحمه الله ولعله في ((الكبرى)) وهو في ((سنن أبي داود)) (٤٠٧٤) في اللباس: باب في السواد، وأحمد في ((المسند)) ١٣٢/٦ و١٤٤ و٢١٩ و٢٤٩ من حديث قتادة عن مطرف عن عائشة رضي الله عنها، وسنده صحيح. (٥) رواه أبو داود (٤٠٣٧) في اللباس: باب لباس الغليظ، وسنده حسن، وصححه الحاكم ١٨٢/٤، وأقره الذهبي. (٦) رواه النسائي ٢٠٤/٨ في الزينة، باب الخضر من الثياب، ورواه أيضاً أبو داود = ١٣٩ كالحلة الحمراء سواء، فمن فهم مِن الحُلة الحمراء الأحمر البحث، فينبغي أن يقول: إِنَّ البرد الأخضر كان أخضرَ بحتاً، وهذا لا يقولُه أحد. مخدته الرد على من يمتنعون عما أباح الله النهي عن لباس الشهرة سواء للفخر أو للتزهد وكانت مِخَدَّتُهُ بَّهَ من أَدَمِ حَشوُهَا لِيف، فالذين يمتنعون عما أباح اللَّهُ مِن الملابس والمطاعم والمناكح تزهُّداً وتعبُّداً، بإزائهم طائفةٌ قابلوهم، فلا يلبَسُون إلا أشرفَ الثياب، ولا يأكلون إلا ألينَ الطعام، فلا يرون لُبس الخَشنِ ولا أكله تكبِّراً وتجبُّراً، وكلا الطائفتين هديُه مخالفٌ لهدي النبي ◌َّ ولهذا قال بعض السلف: كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب: العالي، والمنخفضٍ وفي ((السنن)) عن ابن عمر يرفعه إلى النبي ◌ََّ: ((مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ، أَلْبَسَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ، ثُمَّ تَلَهَّبُ فيه النَّارُ))(١) وهذا لأنه قصد به الاختيال والفخر، فعاقبه الله بنقیض ذلك، فأَذَلَّه، کما عاقب من أطال ثيابه خيلاء بأَن خسف به الأرض، فهو يتجلجلُ فيها إلى يوم القيامة. وفي ((الصحيحن)) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ٤: ((مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ، لَمْ يَنْطُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) (٢) وفي (٤٢٠٦) في الترجل: باب في الخضاب، والترمذي (٢٨١٣) في الأدب: باب = ما جاء في الثوب الأخضر، وأحمد في ((المسند)) ٢٢٧/٢ و٢٢٨ و١٦٣/٤، وإسناده صحيح. (١) رواه أبو داود (٤٠٢٩) في اللباس: باب في لبس الشهرة، وابن ماجه (٣٦٠٦) في اللباس: باب من لبس شهرة من الثياب، وأحمد في ((المسند)) ٩٢/٢ وإسناده حسن، وله شاهد عند ابن ماجه (٣٦٠٨) وأبي نعيم في ((الحلية)) ٤/ ١٩٠، ١٩١ من حديث أبي ذر مرفوعاً ((من لبس ثوب شهرة أعرض الله عنه حتى يضعه متى وضعه)) وسنده حسن في الشواهد. وقوله ((ثوب شهرة)): الشهرة ظهور الشيء والمراد أن ثوبه يشتهر بين الناس، لمخالفة لونه لألوان ثيابهم، فيرفع الناس إليه أبصارهم، ويختال عليهم بالعجب والتكبر. وأخرج البيهقي ٢٧٣/٣ من طريق كنانة بن نعيم التابعي أن النبي ◌َّل نهى عن الشهرتين: أن يلبس الثياب الحسنة التي ينظر إليه فيها، أو الدنية أو الرثة التي ينظر إليه فیھا)) وسنده صحيح، لكنه مرسل. (٢) أخرجه البخاري ٢٢٣/١٠ في اللباس: باب من جر ثوبه من الخيلاء، وباب قول الله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده) وباب من جر إزاره من غير خيلاء، = ١٤٠