النص المفهرس

صفحات 161-180

جماع أبواب مرض رسول الله الا# ووفاته .
وما ظهر في ذلك من آثار النبوة ، ودلالات الصدق.
١٦١
( م ٦ - دلائل النبوة جـ ٧ )

* باب
ما جاء في نَعْي رسول الله بِّهِ نفسه إلى أبي مُوَيْهِبَةَ مولاه(١)، وإخباره
إيَّاه بما اختاره لنفسه فيما خُيِّر فيه .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو سعيدٍ بن أبي عمرو، قالا: حدَّثنا أبو
العباس : محمد بن يعقوب، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا
يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق، قال : حدثني عبد الله بن عمر بن ربيعة ، عن
عبيدٍ [ بن حنين ] مولى الحكم ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن أبي
مُوَيْهِبَة مولى رسول اللّه ◌َهل قال: أنبهني رسول اللّه وَّل من الليل فقال: يا أبا
مُوَيْهبةً إني قد أمرْتُ أنْ أستغفرَ لأهل هذا البقيع ، فخرجتُ معه ، حتى أتينا(٢)
البقيع ، فرفعَ يديه فاستغفر لهم طويلاً ثم قال : لِيَهْنَ لكم ما اصبحتم فيه مما
اصبح الناسُ فيه ، أقبلَتِ الفتنُ كقطِعِ الَّيْلِ المظلم، يتبعُ آخرُها أولَها ، الآخرة
شرٌّ من الأولى يا أبا مويهبة إني قد أُعْطيت مفاتيح خزائن الدنيا ، والخلد فيها ،
ثم الجنة فخيرتُ بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة ، فقلت : يا رسول الله بأبي
أنت وأمي ، فَخُذْ مفاتيح خزائن الدنيا ، والخلد فيها. ثم الجنة؛ فقال: والله يا
أبا موهبة لقد اخترت لقاءً ربي والجنة. ثم انصرف رسول اللّهِ وَّر. فلما اصبح
(١) أبو مويهبة مولى رسول الله ثم كان من مولدي مزينة، وشهد غزوة المريسيع، وكان ممن يقود لعائشة
جملها، له ترجمة في الإصابة (٤ : ١٨٨).
(٢) في (ف) و(ك): ((أتيت)).
١٦٢

ابْتُدِىء بوجعه الذي قبضه الله فيه(٣).
وأخبرنا أبو محمد بن يوسف الأصبهاني ، قال : أخبرنا أبو سعيد بن
الأعرابي ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل قال : حدثنا أبو حفصٍ الرياحي
[ ح] (٤) وأخبرنا أبو الحسن عليّ بن أحمد بن عمر بن الحمامي المقريء رحمه
الله ببغداد، قال : حدثنا أحمد بن سلمان النجاد ، ، قال : حدثنا محمد بن
إسماعيل حمد بن غالب قالا : حدثنا عمر بن عبد الوهاب الرباحي ، قال :
حـا براهيم بن سعدٍ، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن عمر، عن عبيد بن
جبير مولى الحكم بن أبي العاص فذكراه بإسناده ومعناه(٥).
.
أخبرنا أبو محمد بن عبد الله بن يوسف الأصبهاني ، قال : أخبرنا أبو
سعيدٍ بن الأعرابي، قال : حدثنا أحمد بن منصور، قال : حدثنا عبد الرزاق ،
قال: أخبرنا مَعْمَر، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: قال رسول اللّهِ ال/:
نُصرت بالرعب ، واعطيت الخزائن وخيِّرت بين أن أبقى حتى أرى ما يُفتحُ على
أمتي ، وبين التعجيل فاخترتُ التعجيل .
هذا مرسل ، وهو شاهد لحديث أبي مُوَيْهِبة(٦).
(٣) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٣: ٥٥ - ٥٦)، وقال: ((صحيح على شرط مسلم))، وقال
الذهبي : ((صحيح )).
(٤) اشارة تحويل الإِسناد ليست في (ف).
(٥) هذه الرواية اخرجها الإمام أحمد في ((مسنده)) (٣: ٤٨٨) قال: ((أمر رسول اللّه ◌ُلّ ان يصلي
على أهل البقيع ، فصلى عليهم ثلاث مرات، فلما كانت الليلة الثانية ، قال : يا أبا مويهبة ! أسرج
لي دابتي ، قال : فركبت ومشيت حتى انتهى إليهم ، فنزل عن دابته ، وامسكت الدابة، ووقف
عليهم، فقال : ليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس، أتت الفتن كقطع الليل يركب بعضها بعضاً الآخرة
اشد من الأولى ، فليهنكم ما أنتم فيه ، ثم رجع فقال : يا أبا مويهبة ! إني قد اعطيت او قال :
خُيِّرْتُ مفاتيح ما يفتح على امتي من بعدي والجنة ، او لقاء ربي ، فقلت : بأبي وامي يا رسول الله
فاخترنا ، قال : لأن ترد على عقبها ما شاء الله فاخترت لقاء ربي ، فما لبث - بعد ذلك - إلا سبعاً أو
ثمانياً حتى قبض .
(٦) نقله ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٥ : ٢٢٤) عن المصنف .
١٦٣

باب
ما جاء في نعيِّه نَفْسَهُ وََّ إلى ابنته فاطمة رضي الله عنها، وإخباره
إياها بأنها أول أهل بيته به لحوقاً ؛ فكان كما قال.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو العباس السياري ؛ قال : حدثنا أبو
المُوجِّه محمد بن عمرو الفزاري ، قال : حدثنا عبدان بن عثمان ، قال : أخبرنا
إبراهيم بن سعدٍ ، قال : حدثني أبي عن عُرْوَةً ، عن عائشة، قالت : دَعَى
رسولُ اللهِ وَ لّ فاطمة في وجعه الذي قُبض فيه، فسارَّها بشيءٍ ؛ فبكت، ثم
دعاها فسارّها فضحكت. فسألتُها عن ذلك فقالت: أخبرني النبي وثّ أنه يُقبضُ
في وجعه فبكيتُ . قالت : ثم أخبرني أني أول أهله أتبعُهُ فضحكتُ .
رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن قّزعة عن إبراهيم، ورواه مسلم
عن زهيرٍ بن حرب عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه(١).
أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، قال : أخبرنا أحمد بن عُبيدٍ الصفار،
قال : حدثنا أبو مسلم ، قال : حدثنا سهل بن بكار قال : حدثنا أبو عوانة عن
فراس عن عامر، عن مسروق عن عائشة، قالت: اجتمع نساءً رسول اللّه ولة
(١) أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي (، باب منقبة فاطمة - عليها السلام - (٥ : ٦٥)
ط . ميمنية، وأخرجه البخاري ايضاً في كتاب المغازي باب مرض النبي 3 ووفاته (٦ : ١٢)
صحيح البخاري ط . ميمنية .
وأخرجه مسلم في ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة (١٥) باب فضائل فاطمة واخرجه الإمام أحمد في
((مسنده)) (٦: ٧٧) و(٦: ٢٤٠)، وأخرج مثله ابن سعد في الطبقات (٢ : ٢٤٧).
١٦٤

[عند رسول الله (صل#](٢) لم يغادِرْ منهن امرأة، فجاءت فاطمة تمشي، ما
تُخطيء، مشيتُها مشيةُ أبيها . فقال: مرحباً بابنتي فأقعدها عن يمينه أَوْ عَنْ
شِماله. فسارَّها بشيءٍ فبكت ، ثم سارّها فضحكت .
فقُلتُ لها : خَصَّك رسول اللّه ◌ُ ﴾ بالسرّ وتبكين! فلما قدِّم ، قُلتُ لها :
أخبريني بما سارَّك. ما كُنتُ لأفشي على رسول اللّهِوَّهُ سرَّهُ.
فلما توفي قُلتُ لها : أسألك بما لي عليك من الحق ، لَمَا أُخبرتيني بما
سارّك فقالت : أما الآن فنعم .
قالت : سارِّني فقال : إن جبريل عليه السلام كان يعارضني بالقرآن في
كل سنة مرةً ، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أرى ذلك إلا عند اقتراب أَجْلَي.
فأَتَّقِيَ اللّه، واصبري فنعم السلف أنا لك، فبكيتُ. ثم سارّني فقال: أما
ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين او سيدة نساء هذه الأمة ، يعني
فضحكت .
رواه البخاري في الصحيح عن موسى، ورواه مسلم عن أبي كامل كلاهما
عن أبي عوانة (٣).
وأخبرنا أبو الحسين عليّ بن محمد بن عبد الله بن بشران العدل ببغداد .
إذ قال : أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد المصري ، حدثنا يحيى بن أيوب
العلاف، قال حدثنا سعيدٌ بن أبي مريم ، قال : حدثنا يونس بن يزيدٍ قال :
(٢) ما بين الحاصرتين ليست في ( ف).
(٣) أخرجه البخاري في: ٧٩ - كتاب الإستئذان، (٤٣) باب من ناجى بين يدي الناس ومن لم يخبر بسرّ
صاحبه .
وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه في : ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة (١٥) باب فضائل فاطمة ،
حدیث (٩٩) ص (١٩٠٥).
واخرج مثله الإمام احمد في ((مسنده» (٦: ٢٨٢)، وابن سعد في الطبقات (٢ : ٢٤٧).
١٦٥

حدثنا ابْنُ غزيّة ، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، أن أمَّه فاطمة بنت
الحُسين، حدثته أن عائشة، حدثتها أنها كانت تقول: إن رسول الله المحلية قال في
مرضه الذي قُبض فيه لفاطمة: يابنيةَ أَحني عليَّ، فأحنت عليه، فناجاها ساعةٌ،
ثم انكشفت عنه ، وهي تبكي وعائشة حاضرة ، ثم قال رسول الله ومية بعد ذلك
بساعةٍ : أُخْني عليَّ يا بنية فأحنت عليه فناجاها ساعة ، ثم انكشفت تضحك .
قال : فقالت عائشة . أي بنّة أخبريني ماذا نَاجَاكِ أبوك ؟ قالت فاطمة ، أوشكْتٍ
رأيتهِ ناجاني على حال سرٍ ! وظننت أني اخبر بسره وهو حي ! قال : فشق ذلك
على عائشة أن يكون سرّاً دونها . فلما قبضه الله إليه ، قالت عائشة لفاطمة : ألا
تخبريني بذلك الخبر؟ قالت : أما الآن ، فنعم . ناجاني في المرة الأولى ،
فأخبرني أن جبريل كان يعارضه بالقرآن في كل عام مرَّة ، وأنه عارضني بالقرآن
العام مرتين . وأخبرني أنه لم يكن نبيٌ كان بعده نبيٌ إِلا عاش بعده نصف عمر الذي
كان قبله ، وأخبرني ، أن عيسى بن مريم عليه السلام ، عاش عشرين ومائة سنة ،
فلا أراني إِلا ذاهباً على رأس الستين ، فأبكاني ذلك . وقال : يا بنية إنه ليس أحدٌ من
نساء المسلمين أعظم رزنةٌ منكم ، فلا تكوني من أدنى امرأةٍ صبراً . وناجاني في
المرة الآخرة ، فأخبرني أني أولُ أهله لحوقاً به . وقال : إِنك سيدةُ نساء أهل
الجنة . إلا ما كان من البتول مريم بنت عمران ، فضحكتُ لذلك .
كذا في هذه الرواية (٤).
وقد روي عن ابن المسيب أن عيسى بن مريم عليه السلام حين رُفع إلى
السماء كان آبن ثلاث وثلاثين سنة .
وعن وهب بن منبه : اثنان وثلاثون سنة .
فإِن صحَّ قول ابن المسيب، ووهب فالمرادُ من الحديث، والله أعلم ،
(٤) قي إسناده محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان قال البخاري ((لا يكاد يتابع في حديثه)).
الميزان (٣ : ٥٩٣).
١٦٦

بما يبقى في الأرض ، بعد نزوله من السماء ، والله اعلم .
أخبرنا علي بن محمد بن عبدان ، قال : أخبرنا أحمدُ بن عبيدٍ الصفار،
قال : حدثنا الاسفاطيُّ ، قال : حدثنا سعيدُ بن سليمان، حدثنا عبّادُ بن الْعَوَّامِ ، عن
هلالٍ بن خباب، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما نزلت ﴿ إذا جاء نصرُ
الله والفتح﴾ دَعَا رسول "اللّه ◌ُلّ فاطمة رضي الله عنها فقال: إِنَّهُ قد نُعيت إليَّ
نفسي. فَبَكَتْ، ثم ضحكت ، قالت : وأخبرني أنه نعي إليه نفسهُ فبكيتُ؛ فقال
لي : اصبري. فإِنَّكَ اول اهلي لاحقاً بي فضَحِكْتُ .
أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ،
قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال : حدثنا عمرو بن مرزوق ، قال : حدثنا
شعبة ، عن أبي بشرٍ عن سعيد بن جُبيٍ عن ابن عباسٍ ، قال : كان عُمرٌ يسألني
مع أصحاب رسول الله صل فقال له عبد الرحمن بن عوفٍ، أتسأله، ولنا بنون
مثله ؟ فقال عمر إنه من حيث تعلم قال : فسألهم عن ﴿إذا جاء نصرُ اللّه
والفتح﴾ قال: فقلت أنا: هو أجلُ رسول اللّه وَّه، وقرأ السورة إلى آخرها
﴿إنه كان تواباً ﴾ قال فقال عمر: والله ما أعلمُ منها إلا ما تعلم .
رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن عرعرة عن شعبة (٥).
قُلتُ : مجموع هذه الأخبار الصحيحة تدُلُ على أنّ اللّه تعالى: أنزل على
رسوله * هذه السورة. فكانت علامة لأقتراب اجله . وعارضه جبريل - عليه
السلام - بالقرآن في ذلك العام مرتين ، فكانت علامة أخرى لأجله ، وأخبره
بعُمُر عيسى عليه السلام، فكانت علامة اخرى لأجله، وخيّره بين الدُنيا والآخرة
فيما روينا ، وفيما نرويه إن شاء الله فاختار الآخرة . فكانت علامة اخرى لأجله .
فأدى كل واحدٍ من الرواة ما سمع .
(٥) أخرجه البخاري في : كتاب التفسير ، تفسير سورة النصر (٤) باب قوله: فسبح بحمد ربك
واستغفره ، الحدیث (٤٩٧٠)، فتح الباري (٨ : ٧٣٤ - ٧٣٥).
١٦٧

بابُ
ما جاء في إشارته إلى عائشة رضي الله عنها في ابتداء مرضه بما يشبه
النعي، ثم إخباره إياها بحضور أجله وما في حديثها من أنه ومَّ توفي
شهیدا
أخبرنا أبو سعيد عثمان بن عبدوس بن محفوظ الفقيه الجَنزَرُ وذِيُّ ، وأبو
عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، قالا : أخبرنا أبو محمد يحيى بن
منصور، قال : حدثنا جعفر بن محمد بن الحسين التركي .
ح وأخبرنا أبو الحسن علي بن احمد بن عبدان ،، قال : أخبرنا أحمد بن
عُبيد الصفار ، قال : حدثنا ابراهيم بن إسحاق السراج ، قالا : حدثنا يحيى بن
يحيى قال : أخبرنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد ، قال : سمعت
القاسم بن محمد يقول : قالت عائشة :
وارأْسَاه. فقال رسول الله وَ﴾: ذاكَ لو كان وأنا حيٌّ فَأَسْتغفرَ لَكِ، وأدعو
لَكِ. فقالت عائشة: واتْكلياه! والله إني لأظنُّكَ تحبُّ موتي، ولو كان ذاكَ
لظللتَ آخِرَ يومِكَ معرٍساً ببعض أزواجِكَ. فقال رسول اللّهِ م 54 : بل أنا
وارأْساه ، لقد هَمَمْتُ، أو أردت أن ارسل الى أبي بكر، وابنه ، فأعهد ، أن
يقول القائلون ، أو يتمنى المتمنون(١) ، فقلت: يأبى الله ، ويدفع المؤمنون.
او يدفع الله ، ويأبى المؤمنون .
رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن يحيى(٢).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو سعيد بن أبي عَمْرُو ، قالا : حدثنا
(١) أي لئلا يقول يقول او كراهة ان يقول.
١٦٨
H

أبو العباس محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا احمد بن عبد الجبار، قال : حدثنا
يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثنا يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن
الأخنس ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن
عائشة، قالت: دخل عليَّ رسول اللّهِ وَله وهو يُصَدِّْع، وأنا أشتكي رأسي،
فقلت: وارأساه. فقال بل أنا والله يا عائشة وارأساه. ثم قال رسول اللّه وآثار:
وما عليكِ لو متٍ قَبْلِي فوليت امرك، وصليت عليك، ووارَيتُكَ فقلت: والله
إني لأحسب أنه لو كان ذلك ، لقد خلوت ببعض نسائك في بيتي آخر النهار ،
فأعرست بها؛ فضحك رسول اللّه وَله، ثم تمادى برسول الله وَ له وجَعُهُ فاستقرَّ
برسول الله وَلّ وهو يدور على نسائه في بيت ميمونة، فاجتمع إليه أهله ، فقال
العباس: إِنَّا لنرى برسول الله وَّ ذات الجنب، فهلموا فَلْنَلُّدَّهُ، فلدوه (٣)،
وأفاق رسول اللّه وَله، فقال: من فعل هذا؟ فقالوا : عمك العباس تخوف أن
تكون بك ذات الجنب. فقال رسول اللّه وَ شير: إِنَّهَا من الشيطان ، وما كان الله
ليسلطه عليَّ ، لا يبقى في البيت أحد إِلا لَدَدْتُمُوه، إِلَّ عمي العباس ؛ فَلُدَّ أهل
البيت كلهم، حتى ميمونة. وإنها الصائمة يومئذ، وذلك بعين رسول الله الشهير،
ثم استأذن رسول اللّه وَله نساءَهُ، يمرض في بيتي، فخرج رسول الله لَّه إلى بيتي ،
وهو بين العباس وبين رجل آخر - لم تُسَمِّهِ - تخط قدماه بالأرض إِلى بيت عائشة (٤).
=(٢) أخرجه البخاري في: ٧٥ - كتاب المرضى (١٦) باب ما رُخص للمريض ان يقول: إني وَجِعٌ،
أو : وار أساه ... ، الحديث (٥٦٦٦)، فتح الباري (١٠ : ١٢٣).
(٣) (اللدود) ما يُسقاه المريض من الأدوية في أحد شقي فمه .
(٤) أخرجه البخاري في : ٦٤ - كتاب المغازي من حديث عائشة : لددناه في مرضه ، فجعل يشير الينا
ان لا تلدوني ، فقلنا : كراهية المريض للدواء ، فلما افاق ، قال : الم أنهكم أن تلدوني ؟ قلنا :
كراهية المريض للدواء ، فقال : لا يبقى احد في البيت إلا لد وانا انظر إلا العباس فإِنه لم يشهدكم ))
فتح الباري (٨ : ١٤٧).
أخرجه البخاري ايضاً في: ٧٦ - كتاب الطب، (٢١) باب اللدود، الفتح (١٠ : ١٦٦)، وفي ، =
١٦٩

قال عبيد الله : فحدثت هذا الحديث ابن عباس فقال : تدري من الرجل
الآخر الذي مع العباس، لم تسمه عائشة ؟ قلت : لا ! قال : هو عليّ بن أبي
طالب رضي الله عنه(٥).
= ٨٧،- كتاب الديات (١٤) باب القصاص بين الرجال والنساء في الجرحات، الفتح (١٢ : ٢١٤)،
وفي (٢١) باب إذا أصاب قدم من رجل هل يعاقب ... الفتح (١٢ : ٢٢٧).
وهو عند مسلم في: ٣٩ - كتاب السلام (٢٧) باب كراهية التداوي باللدود، حديث (٨٥)، ص
(١٧٣٣)، وأخرجه الإِمام أحمد في ((مسنده)) (٦ : ٥٣).
والحديث اخرجه ايضاً الترمذي (٤ : ٣٩١) من طريق عباد بن منصور ، وهذا دليل على أن ليس كل
ما روى الضعيف ضعيف ، فهذا حديث صحيح ، أخرجه الترمذي من طريق به عباد بن منصور وهو
ضعيف ، والحديث له روايات صحيحة .
(٥) لم تسمَّه عائشة، فهي لا تقدر على ان تذكره بخير وهي تستطيع .
وتعود هذه المسألة الى الماضي الذي نختزن فيه ذكرياتنا وآلامنا وتسيريا هذه الذكريات والآلام فيما
نستقبل من اعمال من حيث نشعر أو لا نشعر .
وللأستاذ سعيد الأفغاني في كتاب ((عائشة والسياسة)) ص (٧٦ - ٨٢) تحليلاً ذكياً لا بأس ان نسوق
مقتطفات منه :
«حيث اننا خاضعون في تصرفاتنا لهذا الحاكم القاهر المسمى بـ ( الماضي ) نختزن منه ذكرياتنا
ومفارحنا وآلامنا وتسيرنا هذه المفارح والآلام والذكريات فيما نستقبل من أعمال رضينا ام أبينا ، من
حيث نشعر ولا نشعر .
وهنا نجد الأمر مختلفاً كل الاختلاف عما كان بين عائشة وعثمان قبل خلافته ، فلئن كانت عائشة
منطوية لعثمان على خير ومحبة وتوقير ، .. وبالجملة على الرضى، إنها لعلى خلاف ذلك مع علي ،
إنها لم يتمكن تطيب نفسها له بخير، وفي الوسع ان نقول إن الجفاء هو الذي ساد علائقهما قبل
الخلافة في الأعم الأغلب .
لنرجع ثلاثين سنة قبل ان بويع لعلي بالخلافة ، فسنجد ثمة نقطة التحول التي فرضت على عائشة
اتجاهها الذي اتجهته مع علي ولم تستطع الإفلات منه ، ولا من عاطفتها العنيفة التي لم يخفف تتابع
الأيام والسنين من حدتها، فلنمعن في هذه الأمور التاليات .
١ - لم يجتمع ازواج النبي مية على شيء اجتماعهن على الغيرة الشديدة من السيدة عائشة، لما
خصها به النبي من محبة إذ حلت من قلبه في المنزلة التي لا تسامى، والغيرة بين الضرائر امر فطري
مألوف قل أن تتنزه عنه امرأة ، وكان علي وزوجه السيدة فاطمة بنت الرسول يحاولان حمل الرسول
مية، على التخفيف من حبه لعائشة، ويسفران لبقية ازواجه بما يرضيهن ويغضب عائشة، وأظن ان
مثل هذه السفارة مما لا تغفره أنثى البتة .
١٧٠
=

= ذكر الرواة أن الغيرة اشتعلت يوماً في صدرام سلمة لمشهد لمست فيه شدة حب النبي وَّ لعائشة ،
فأخذتها الغيرة وجعلت تسب عائشة وجعل النبي ◌َّ ينهاها فتأبى وعاين النبي غلياناً في صدر عائشة
على هذا العدوان ، فرأى من الحكمة ان ينفس عنه القصاص العادل ، فأمر عائشة بسبها كما سبتها،
فانطلقت ام سلمة إلى علي وفاطمة - وكانا يخصانها بعطف ورعاية وبقيت أم سلمة في حزب علي
حتى ماتت - فقالت : إن عائشة سبتها، وقالت لكم ، وقالت لكم ، فكره ذلك علي وقال لفاطمة
إذهبي إلى النبي # فقولي: إن عائشة قالت لنا، وقالت لنا ... فأتته فذكرت ذلك له ، فقال النبي
وَ﴿: إنها حبةُ أبيك، ورب الكعبة .
وكان هذا الدرس لم يرق لعلي، فقال للنبي # : أما كفاك الآن قالت لنا عائشة وقالت لنا، حتى
أتتك فاطمة فقلت لها : إنها حبة أبيك ورب الكعبة .
ولعل مثل هذه السفارة قد تكرر، فحفظت عائشة ذلك كله لعلي وفاطمة. وينبغي ألا ننسى ... أن
نشير الى أمر آخر مهم كانت السيدة (عائشة) نفسها هي التي تغار. ذلك انها على شدة حظوتها عند
الرسول وكثير محبته لها، لم ترزق منه الولد، وكان - عليه الصلاة والسلام - كبير الشفق والفرح بأولاد
بنته فاطمة ، كثير الرعاية لهم والخوف عليهم فتشتعل الغيرة في صدرها من الحسن والحسين لتمتد
إلى علي وفاطمة .
٢ - موقف علي من عائشة في حادث الإِفك.
٣ - اشارات عارضة استخرجتها من مواطنها لأنها عظيمة الدلالة على رأيها (عائشة) في علي
وعاطفتها نحوه .
الأولى فقد رواها عطاء بن يسار قال جاء رجل فوقع في علي وعمار رضي الله عنهما عند عائشة ،
فقالت : اما علي فلست قائلة لك فيه شيئاً واما عمار فإني سمعت رسول اللّه 1849ُ يقول : لا يخير بين
أمرين إلا اختار ارشدهما (مسند أحمد ١١٣/٦).
الثانية نبه إِليها داهية بني هاشم : عبد الله بن عباس، روى عن عائشة أنها قالت: لما اشتد بالرسول وجعه
دعا نساءه فاستأذنهن ان يُمرض في بيتي، فأذن له، فخرج رسول الله وَله، بين رجلين من اهله
أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر تخط قدماه الأرض عاصباً رأسه حتى دخل بيتي » قال راوي
الحديث : فحدثت بهذا الحديث عبد الله بن عباس فقال هل تدري من الرجل الآخر ؟ قلت : لا ،
قال : علي بن ابي طالب ؛ ولكنها لا تقدر على أن تذكره بخير وهي تستطيع .
حتى بعد إنقضاء حرب الجمل وانتهاء الأمر بينهما على خير وتبادل ثناء لم يزل ما بنفسها نحوه ، فقد
ذكروا انه لما انتهى إلى عائشة قتل علي قالت متمثلة .
كما قر عينا بالإياب المسافر
فألقت عصاها واستقر بها النوى ،
فمن قتله ؟ فقيل رجل من مراد فقالت :
غلام ليس في فيه التراب
فإن يك نائياً فلقد نعاه
وأنا أجد هذا الخبر مفصحاً عن طويتها نحو علي خير إفصاح، وشارحاً ما قدمت لك من أنها تخضع =
١٧١

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن
يحيى الأشقر ، قال : حدثنا يوسف بن موسى ، قال : حدثنا أحمد بن صالح ،
قال : حدثنا عنبسة ، قال : حدثنا يونس ، عن بن شهاب ، قال : قال عروة :
كانت عائشة تقول: كان النبي ول# يقول في مرضه - الذي توفي فيه - ؛ (( يا عائشة ،
لم أزل أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر ، فهذا أوان إِنقطاع أُبْهري من ذلك
السُّمْ)) .
أخرجه البخاري في الصحيح ، فقال : وقال يونس (٦).
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن
الأعمش ، عن عبد الله بن مرَّة، عن أبي الأحْوَصِ ، عن عبد الله ، قال : لإِن
أَحْلِفَ تسعا أَنَّ رسول الله وَ ◌ّلِ قتل قتلا أحب إليَّ من أنْ أحْلفٌ واحدةٌ أنّه لم
يقتل . وذلك أن الله عز وجل إِنَّخَذَهُ نبياً، واتّخذه شهيداً .
= من حيث لا تريد لتوجيه عاطفتها اللاشعورية ، ولست اشك انها كانت حينئذ شاردة وان عقلها الباطن
هو الذي تمثل بهذين البيتين. ا . هـ . ٨٢.
(٦) أخرجه البخاري في: ٦٤ - كتاب المغازي (٨٣) باب مرض النبي ◌َّه ووفاته، الحديث (٤٤٢٨) ،
فتح الباري (٨: ١٣١) وأخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (٦: ١٨).
١٧٢

باب
ما جاء في استئذانه [أزواجه ](١) في أن يُمَرَّضَ في بيت عائشة -
رضي الله عنها - ، ثم ما جاء في اغتساله وخروجه إِلى الناس ، وصلاته
بهم وخطبته إيّاهم ونعيه نفسه إليهم ، وإشارته إلى أمَنَّ الناسِ عليه
في صُحبته ، وماله ليدلهم بذلك على عظم شأنه وكبر محله [ عليه
السلام ](٢)
أخبرنا أبو الحسن ، عليٌّ بن أحمد بن عبدان، قال : أخبرنا أحمد بن
عبيد الصفار ، قال : أخبرنا آبن ملحان ، قال : حدثنا يحيى بن بكير ، عن
الليث .
(ح) وأخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري ، قال : أخبرنا جدي يحبى
ابن منصور القاضي ، قال : حدثنا أبو بكر عمر بن حفص السَّدُّوسيُّ ، قال :
حدثنا عاصم بن علي ، قال : حدثنا ليث بن سعد ، عن عقيل بن خالد ، عن
آبن شهاب ، قال : أخبرنا عُبَيْد اللّه بن عبد الله بن عتبة، أنّ عائشة زوج
النبي ◌ُّ قالت :
لما ثقل النبي ◌َّه، وأشتد به الوجع، أستأذن أزواجه في أن يمرض في
بيتي ، فأذن له فخرج بين رجلين ، تخط رجلاه في الأرض بين العباس ، وبين
رجل آخر ، قال عبيد الله : فأخبرت عبد الله بن عباس بالذي قالت عائشة.؟
فقال لي : هَلْ تدري من الرجل الآخر الذي لم تسمه عائشة ؟ قلت : لا ! قال :
عليٌّ - رضي الله عنه - .
قال : وكانت عائشة تحدّث أنَّ النبي مِّ لما أدخل بيتي، فاشتدَّ وَجْعُه ،
(١) ليست في (أ).
(٢) الزيادة من (ح ).
١٧٣

قال : هريقوا عليَّ من سبع قرب لم تُحْلَلْ أَوْلِيْتِهِنَّ لَعَلِّي أعْهَدُ إلى الناس . قالت
عائشة: فأجلسناه في مِخْضَبٍ لِحَفْصَةً زوج النبي ◌ِّهَ، ثم طَفِقْنَا نصب عليه من
تلك القرب ، حتى طفق يُشير إِلينا أنْ قد فعلتن ؛ فَخَرَجَ إلى الناس ، فصلّى
بهم ، ثم ضبطهم .
رواه البخاري في الصحيح ، عن يحيى بن بكير وسعيد بن عفير، عن
اللیث(٣)
أخرجه مسلم مِنْ وجه آخر عن الليث(٤) .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه ،
ويحيى بن منصور القاضي ، قالا : أخبرنا أبو المثنّى (ح) .
وأخبرنا عليُّ بن أحمد بن عبدان ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد
الصفار، قال : حدثنا أحمد بن الهيثم الشعراني ، قالا : حدثنا سعيد بن
منصور، قال : حدثنا فُلَيْح بن سليمان ، عن أبي النّضَرْ سالم ، عن عبيد بن
حُنَيْن وبشرْ بن سعيد ، عن أبي سعيد الخدري ، قال :
خطب رسول اللّه وَله يوماً فقال: إنَّ عبداً خيَّرهُ اللّه بين الدنيا وبين ما عند
اللّه، فآختار الرجل ما عند الله؛ فبكى أبو بكر فَعَجِبْنَا لبكائه . أنْ يخبر
النبي ◌َّ عن رجل يُخَيّرُ، فكان المُخَيرَ رسول اللّهِوَّ، وكان أبو بكر أَعْلَّمُنا
به ، فقالَ : لا تبكِ يا أبا بكر . إنَّ أمَنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر ،
ولو كنت متخذا خليلاً لاتخدته ، ولكن أخوّة الإِسلام ومودته لا يبقى في المسجد
(٣) أخرجه البخاري في: ٦٤ - كتاب المغازي (٨٣) باب مرض رسول اللّه اله ووفاته . الحديث
(٤٤٤٢)، فتح الباري (٨ : ١٤١).
(٤) أخرجه مسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، (٢١) باب استخلاف الإِمام اذا عرض له عذر، الحديث
(٩٢)، ص (١ : ٣١٢ - ٣١٣) عن عبد الملك بن شعيب بن الليث ، عن أبيه ، عن جده ...
١٧٤

بابٌ إلَّ سُدّ إلا باب أبي بكر .
لفظ حديث ابن عبدان رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن سَنَّان ،
عن فليحٍ ، ورواه مسلمٌ ، عن سعيد بن منصور(٥) .
أخبرنا أبو الحسن عليُّ بن محمد بن علي المقرىء ، قال : أخبرنا الحسن
ابن محمد بن إسحاق ، قال : حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي ، قال : حدثنا
أبو الوليد الطيالسي ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن عبد الملك بن عُمير ، عن
ابن أبي معلّى، عن أبيه، أنَّ رسول الله و له خطب، فقال:
إِنَّ رجلاً خيَّرهُ ربُّه - عز وجل - بين أن يعيش في الدنيا ما شاء الله أن يعيش
فيها ، ويأكلُ مِن الدُّنيا(٦) ما شاء الله أنْ يأكُل منها ، وبين لقاء ربه - عز وجل - ،
فاختار لقاءَ ربِّه [ عز وجل](٧)، قال: فبكى أبو بكرٍ ؛ فقال أصحابُ رسول
الله:{ ل: ألا تعجبون من هذا الشيخ أن ذكر رسول اللّهِ وَ لَهُ رجلاً صالحاً، خيِّره
ربُّه - عز وجل - بين أن يعيش في الدنيا ما شاء أن يعيش ، وبين لقاء ربه - عز
وجل - فاختار لقاء ربِّه، فكان أبو بكر أعلمَ برسول اللّه وصله. فقال أبو بكر لرسول
اللّه ◌ُله : يا رسول الله! بل نَفْديكَ بأموالنا، وأبنائنا.
وقال رسول اللّه ال﴾: (( ما من الناس أحدٌ أمنَّ علينا في صحبته ، وذات
يده من ابن أبي قُحافة ، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذتُ أبا بكر .
ولكن وُدٌ ، وإخاءُ وإيمان، وإن صاحبكم خليلُ اللّه))(٨).
(٥) أخرجه البخاري في: ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار (٤٥) باب هجرة النبي بي وأصحابه إلى المدينة .
وأخرجه مسلم في : ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة (١) باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله
عنه .
(٦) في (ف): ((ويأكل منها)).
(٧) الزيادة من (ف ).
(٨) أخرجه الترمذي في: ٥٠ - كتاب المناقب ، باب مناقب ابي بكر الصديق ، عن محمد بن عبد
الملك بن أبي الشوارب ، عن أبي عوانة . .
١٧٥

وهذا الذي رواه أبو سعيد الخدري ، وأبو المعلّي الأنصاري في خُطبةٍ
النبيِّ ◌َ له. فإنما كان ذلك حين خرج في مرضه، بعد ما اغتسل ليعهد إلى
الناس ، والذي يدُلُّ على ذلك ما أخبرنا أبو الحسن عليٌّ بن محمد المقرىء،
قال : أخبرنا الحسن بن محمدٍ بن إسحاق ، قال : حدثنا يوسف بن يعقوب ،
قال : حدثنا محمد بن أبي بكر ، قال : حدثنا وهب بن جرير، قال : حدثنا أبي
قال : سمعتُ يعلي بن حكيم ، يُحدِّثُ عن عكرمة ، عن ابن عباسٍ قال :
خرج النبيُّ وَّر في مرضه الذي مات فيه عاصباً رأسه بخرقةٍ ؛ فصعد المنبر ،
وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إنَّه ليس من الناس أحدٌ أمنّ عليّ بنفسه وماله
من أبي بكرٍ ، ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً ، لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً ، ولكن
خُلّة الإِسلام أفضل. ستُّوعني كل خوجة في المسجد غير خوجة أبي بكر)).
رواه البخاري في الصحيح ، عن عبد الله بن محمد الجعفي ، عن وهب
ابن جرير بن حازم(٩) .
أخبرنا أبو صالحٍ بن أبي طاهرِ العنبري ، قال : أخبرنا جدي يحيى بن
منصور القاضي ، قال : حدثنا أحمد بن سلمة ، قال : حدثنا إسحاقُ بن
إبراهيم ، قال : أخبرنا زكريا بن عدي ، قال : حدثنا عبيد الله، وهو ابن عَمْرٍو
الدقي ، عن زيدٍ بن أبي أنيسة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن الحارث ،
قال: حدثنا جندب أنه سمع النبي ◌َّ قبل أن يُتَوَفَّى بخمسٍ يقول: ((قد كان
لي منكم أخوةٌ وأصدقاء ، وإني أبرأً إلي كل خليلٍ من خلته(١٠)، ولو كُنتُ
متخذاً من أُمَّتي خليلاً لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خليلاً . وإنَّ ربي اتخذني خليلاً كما
اتخذ أبي إبراهيم خليلا . وإن قوماً ممن كانوا قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم
(٩) أخرجه البخاري في : ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل ابي بكر.
(١٠) (أبرأ إلى كل خليل من خلته) = يعني امتنع من هذا وأنكره ، والخليل هو المنقطع اليه، وقيل:
المختص بشيء دون غيره ، قيل هو مشتق من الخَلَّة ، وهي الحاجة ، وقيل الخُلُّة وهي تخلل
المودة في القلب .
١٧٦

وصلحائهم مساجداً ، فلا تتخذوا القُبور مساجداً فإني أنهاكم عن ذلك )).
رواه مسلمٌ عن إسحاق بن إبراهيم(١١).
قُلْتُ : وفي هذه الخطبة ، قال : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال :
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد اللّه الصفار ، قال : حدثنا أحمد بن مهدي بن
رستم ، قال : حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن سليمان
ابن حنظلة الغَسُيْل ، قال: حدثنا عكرمة، عن ابن عباسٍ، أنَّ رسول الله الخُ
خرج في مرضه الذي مات فيه عاصباً رأسه بعصابةٍ دَسْماء ، ملتحفاً بملحفةٍ على
منكبيه ، فجلسَ على المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال: أما بعد ، فإنَّ
الناسَ يكثرون وتقلُ الأنصار ، حتى يكونوا في الناس مثل الملح في الطعام ،
فمن وُلَي منكم أمراً يضرُّ فيه قوماً، وينفعُ فيه آخرين ، فليقبل من محسنهم ،
وليتجاوز عن مسيئهم ، قال : فكان آخر مجلسٍ فيه للنبي ول# حتى قُبض .
. رواه البخاري في الصحيح عن أبي نعيمٍ ، وغيره ، عن عبد الرحمن بن
الغسيل (١٢).
ووصيته بالأنصار ، - ((من وُلّي من أمر الناس شيئاً)) - إشارةً منه إلى أن لا
حقَّ للأنصار في الخلافة بعْدَهُ، والله أعلم. وقوله ـ ((دَسْماء)) أراد به سوداء .
وأخبرنا أبو عبدُ اللّه الحافظ ، وأبو سعيد بن عمرو قالا : حدثنا أبو العباس
محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن
بكير ، عن أبي إسحاق، عن أيوب بن بشير، أن رسول اللّه وَيُ قال في مرضه :
(( أفيضوا عليّ سبع قرب من سبع آبارٍ شتّى، حتى أخرج فأعهّدَ إلى الناسِ )) ؛
(١١) أخرجه مسلم في: ٥ - كتاب المساجد، (٣) باب النهي عن بناء المساجد على القبور، الحديث
(٢٣) ص (١ : ٢٠٧٨).
(١٢) أخرجه البخاري في: ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار (١١) باب قول النبي ((اقبلوا من محسنهم
وتجاوزوا عن مسيئهم)» الحديث (٣٨٠٠). فتح الباري (٧. ١٢١).
١٧٧

ففعلوا ؛ فخرج ، فجلس على المنبر فكان أول ما ذكر ، بعد حمد الله وثناءٍ
عليه ، ذكر أصحاب أحِدٍ، فاستغفر لهم، ودعا لهم، ثم قال: (( يا معشر
المهاجرين ! إنكم قد أصبحتم تزيدون ، والأنصار على هيئتها لا تزيد ، وإنهم
عيبتي التي أويتُ إليها ، فأكرموا كريمهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم ، ثم
قال ◌َله: أيها الناسُ إن عبداً من عباد الله قد خيَّره الله بين الدنيا، وبين ما عند
اللّه))، ففهمها أبو بكرٍ ( رضي الله عنه ) من بين الناس ؛ فبكى ثم قال : بل
نحن نُفديك بأنفسنا وأبنائنا، فقال رسول الله الضحية: ((على رسلك يا أبا بكر.
انظروا إلى هذه البيوت الشارعةُ في المسجد فسدوها ، إلا ما كان من بيت أبي
بكرٍ فإني لا أعلمُ أحداً أفضلُ عندي يدأَ في الصحبة منه))(١٣).
هذا وإن كان مُرْسلًا ففيه ما في حديث ابن عباس من تاريخ هذه الخطبة ،
وأنها كانت بعد ما اغتسل ، ليعهد إلى الناس ، وينعَى نفسه إليهم .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو عبد الله الأصبهانيُّ ، قال :
حدثنا الحسنُ بن الجهم ، قال : حدثنا الحسينُ بن الفرج ، قال : حدثنا
الواقديُّ ، قال : حدثنا فروة بن زبيد بن طوسأ ، عن عائشة بنت سعد ، عن أم
ذرّة، عن أم سلمة، زوج النبيّ مَ، قالت: خرج رسول اللّه يُثير عاصباً رأسه
بخرْقَةٍ ، فلما استوى على المنبر ، فأحدق الناسُ بالمنبر ، [ واستكفوا ] ،
فقال: ((والذي نفسي بيده إني لقائمٌ على الحوضِ الساعةُ))، ثم تشهّد ، فلما
قضى تشهدُّه ، كان أول ما تكلم به أن استغفر للشهداء الذين قتلوا بأحد ، ثم
قال : إن عبداً من عباد الله خُيِّر بين الدُنيا ، وبين ما عند الله ؛ فاختار العبدُ ما
عند الله ؛ فبكى أبو بكرٍ فعجبنا لبكائه ، فقال : بأبي وأمي ، نفديك بآبائنا ،
وأمهاتنا، وأنفسنا وأموالنا، فكان رسول الله بحثية هو المُخيِّرُ وكان أبو بكرٍ أعلمنا
برسول الله لي فجعل رسول الله صل يقول: على رسلك(١٤).
(١٣) نقله ابن كثير (٥: ٢٢٩) عن المصنف، وقال: ((هذا مرسل وله شواهد كثيرة)).
(١٤) نقله ابن كثير في ((البداية)) (٥ : ٢٢٩) عن المصنف .
١٧٨

باب
ما روي في خطبة رسول الله
من بذله نفسه وماله بحق إن کان لأحدٍ
قِبَلَهُ حتی یَلْقَى الله تعالی ، ولیست لأحدٍ
عنده مظلمة ، وما ذُكر فيها لعُمَرَ بنِ الخطابِ ( رضي الله عنه ) .
أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان ، قال : أخبرنا أحمدٌ بن عبيدٍ الصفار ،
قال : حدثنا ابن أبي قماشٍ وهو محمدٌ بن عيسى ، قال : حدثنا موسى بن
اسماعيل أبو عمران الجُبلَي ، قال : حدثنا معن بن عيسى القزاز ، عن الحارث
ابن عبد الملك بن عبد الله بن إياس الليثيُّ ، عن القاسم بن یزید بن عبد الله بن
قُسيط ، عن أبيه ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن الفضل بن عباسٍ ، قال :
أتاني رسول اللّه ◌ُيُ، وهو يوعك وعكاً شديداً، قَدْ عَصَبَ رأسه فقال :
خُذ بيدي يا فَضْل . قال : فأخذتُ بيده ، حتى قعد على المنبر ، قم قال : نادٍ
في الناس يا فضل . فناديت: الصلاةُ جامعة . قال : فاجتمعوا ؛ فقام رسول
اللّه الحية خطيباً فقال: أما بعد .. أيُّها الناس، إنه قد دنا مني حقوق من بين
أظُهُرِكم ، ولن تروني في هذا المقام فيكم ، وقد كُنت أرى أن غيرَهُ غيْرَ مُغْنٍ
عنّي حتى أقومه فيكم ، ألا فَمَنْ كنتُ جلدتُ له ظهراً فهذا ظهري فليستعِدْ ،
ومن كُنتُ أخذتُ له مالاً، فهذا مالي فليأخذ منه ، ومَنْ كُنتُ شتَمْتُ له عرضاً
فهذا عرضي فليستعِدْ ، ولا يقولن قائلٌ : أخاف الشحناء من قِبْلِ رسول
اللّه الية، ألا وإنَّ الشحناء ليست من شمأني، ولا من خلقي. وإن من أحبكم
إلي من أخذ حقاً ، إن كان له عليّ ، وحللني ؛ فلقيت الله - عز وجل - وليس
لأحدٍ عندي مظلمةٌ .
١٧٩

قال : فقام رجلٌ فقال : يا رسول الله ! لي عندك ثلاثة دراهم . فقال :
(( أما أنا فلا أُكَذِّبُ قائلاً. ولا مستحلفه على يمينٍ فيمَ كانت لك عندي ؟ قال : .
أما تذكر أنه مرَّ بك سائلُ فأمرتني ، فأعطيته ثلاثة دراهم . قال : أعْطيه يا
فضل . قال : فأمرته فجلس .
ثُم عاد رسول اللّه ◌َّ في مقالته الأولى، ثم قال: أيُّها الناس من كان
عنده من الغلول شيءٌ فليرُدِّه . فقام إليه رجلٌ فقال : يا رسول الله ، عندي ثلاثة.
دراهم غللتّها في سبيل الله ، قال : ولمّ غللتها؟ قال : كُنتُ إليها محتاجاً ،
فقال : خذها منه يا فضل .
ثم عاد رسول الله به في مقالته الأولى وقال: ((يا أيها الناس من أحسّ
من نفسه شيئاً فليقُم، أدْعُوا الله - عزَّ ذكره - له ))، قال: فقام إليه رجلٌ فقال :
يا رسول الله! إني المنافقٌ وإني لكذوبُ، وإني لنؤومُ. قال عُمر بن الخطاب
( رضي الله عنه) ويحك أيُّها الرجل ، لقد سترك الله تعالى . لو سترت على
نفسك . فقال رسول اللّه وَّهُ: مَهْ يا بن الخطاب! فضوح الدُنيا أهونُ من فضوح
الآخرة . اللهم ارزقه صدقاً وإيماناً ، وأَذْهِبْ عنه النوم إذا شاء ، ثم قال رسول
اللهَِ﴿ِ عُمَرَ معي، وأنا مع عُمَر، والحق بعدي مع عُمر))(١) .
(١) نقله الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٥: ٢٣١) عن المصنف، وقال: ((في إسناده ومتنه
غرابة شديدة )».
١٨٠