النص المفهرس
صفحات 141-160
= الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، وقال: هذا آخر ما نزل من القرآن، قال: فختم بما فتح به . بالله الذي لا إِله
إلّ هو وهو قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلّهَ إِلَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.
وأخرج ابن مردويه ، عن أبي أيضاً، قال: آخر القرآن عهداً بالله هاتان الآيتان: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ
رَسُونٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ وأخرجه ابن الأنباريّ بلفظ «أقرب القرآن بالسماء عهداً)).
وأخرج أبو الشيخ في تفسيره من طريق عليّ بن زيد ، عن يوسف المكي ، عن ابن عباس قال :
آخر آية نزلت: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْعُسِكُمْ﴾.
وأخرج مسلم عن ابن عباس، وقال: ((آخر سورة نزلت إذا جاء نصر الله والفتح)).
وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة، قالت: ((آخر سورة نزلت المائدة ، فما وجدتم فيها من
حلال فاستحلوه .. )) الحديث .
وأخرجه أيضاً عن عبد الله بن عمرو ، قال : آخر سورة نزلت سورة المائدة والفتح.
قلت: يعني إذا جاء نصر الله. وفي حديث عثمان المشهور: براءة من آخر القرآن نزولاً .
قال البيهقي : يجمع بين هذه الاختلافات - ان صحت - بأن كل واحد أجاب بما عنده .
وقال القاضي أبو بكر في الانتصار: هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ◌ّ ، وكل ما قاله
بضرب من الاجتهاد ، وغلبة الظن ، ويحتمل أن كلا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي 12 في
اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه بقليل ، وغيره سمع منه بعد ذلك ، وإِن لم يسمعه هو . ويحتمل
أيضاً أن تنزل الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول * مع آيات نزلت معها فيؤمر برسم ما نزل معها
بعد رسم تلك فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب انتهى .
١٤١
بابُ
ذكرٍ السور التي نزلت بمكة والتي نزلت بالمدينة
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو محمد بن زيادٍ العدل ،
قال : حدثنا مُحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا يعقوبُ بن إبراهيم الدَّوْرقي ،
قال : حدثنا أحمد بن نصرٍ بن مالك الخزاعي ، قال : حدثنا عليّ بن الحسينُ
ابن واقد ، عن أبيه ، قال : حدثنا يزيدٌ النحوي عن عكرمّة ، والحسنُ بن أبي
الحسن ، قالا :
أنزل الله من القرآن بمكة: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق ... ﴾، و
﴿ونون، والقلم .. ﴾، والمزمل، والمدثر، و﴿تَبَّت يدا أبي لهبٍ .. ﴾،
﴿وإذا الشمسُ كوِّرت .. ﴾، و﴿سبح اسمَ ربِّك الأعلى .. ﴾، ﴿والليل
إذا يغشى .. ﴾، والفجر، والضُّحى، والانشراح ﴿ألم نشرح .. ﴾،
والعصر، والعاريات، والكوثر، ﴿وألهاكم .. ﴾، و﴿ وأرأيت .. ﴾، ﴿وقل
يا أيها الكافرون .. ﴾، ﴿ .. وأصحاب الفيل .. ﴾، والفَلق، ﴿وقل أعوذ
برب الناس .. ﴾، ﴿وقل هو الله أحدٌ .. ﴾، والنجم، ﴿وعبس
وتولّى .. ﴾، ﴿وإنا أنزلناهُ .. ﴾، ﴿والشمس وضحاها .. ﴾، ﴿ والسماء
ذات البروج .. ﴾، ﴿والتين والزيتون .. ﴾، ﴿ولإيلاف قريش ... ﴾،
والقارعة، ﴿ ولا أقسم بيوم القيامة ... ﴾، والهمُزّة، والمرسلات، ﴿وق
والقرآن المجيد .. ﴾، ﴿ولا أقسم بهذا البلد ... ﴾، ﴿والسماء
١٤٢
والطارق .. ﴾، ﴿واقتربت الساعة .. ﴾، ﴿ص والقرآن ... ﴾، والجنّ،
ويَس ، والفرقان ، والملائكة ، وطه ، والواقعة ، وطسم ، وطس ، وطسم ،
وبني اسرائيل ، والتاسعة ، وهود ، ويوسف ، وأصحاب الحجرِ ، والأنعام ،
والصافات ، ولقمان ، وسبأ ، والزُمر ، وحم المؤمن ، وحم الدخان ، وحم
السجدة ، وحمعسق ، وحم الزخرف ، والجاثية ، والأحقاف ، والذَّاريات ،
والغاشية ، وأصحاب الكهف ، والنحل ، ونوح ، وإبراهيم ، والأنبياء ،
والمؤمنون ، وألم السجدة ، والطّور ، ﴿ وتبارك الذي بيده الملك ... ﴾،
والحاقة، ﴿ وسأل سائلٌ ... ﴾، ﴿وعمَّ يتساءلون ... ﴾، والنازعات،
﴿ وإذا السماء انشقت ... ﴾، ﴿وإذا السماء انفطرت ... ﴾، والروم،
والعنكبوت .
وما نزل بالمدينة :
﴿ ويل للمطففين .. ﴾، والبقرةُ، وآل عمران، والأنفال، والأحزاب،
والمائدة ، والممتحنة ، والنساء، ﴿ وإذا زلزلت .. ﴾، والحديد ، ومحمد
والرعدُ ، والرحمن ، ﴿وهل أتى على الإِنسان ... ﴾، والطلاق ، ﴿ولم
يكن ... ﴾، والحشر، ﴿ وإذا جاء نصرُ اللّه .. ﴾، والنور، والحج،
والمنافقون، والمجادلة، والحجرات ، ﴿ويا أيها النبيُّ لم تحرم .. ﴾،
والصف ، والجمعة ، والتغابن ، والفتح ، وبراءة .
قال أبو بكر : والتاسعة يريد سورة يونس قُلت : وقد سقط من هذه الرواية
ذكر فاتحة الكتاب ، والأعراف، ﴿وكهيعص ... ﴾ فيما نزل بمكة(١).
وقد أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، قال : أخبرنا أحمد بن عبيدٍ
الصفار ، قال : حدثنا محمد بن الفضل بن جابر ، قال : حدثنا اسماعيلُ بن
(١) نقله السيوطي في الإتقان ( ١ : ٤٠ - ٤١) عن المصنف.
١٤٣
عبد الله بن زرارة الرقي ، قال : حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن القُرَشيّ ،
قال : حدثنا خصيفٌ ، عن مجاهد ، عن ابن عباسٍ أنّه قال :
إِنَّ أول ما أنزل الله على نبيه عليه السلام من القرآن: ﴿ اقرأ بسم
ربك ... ﴾ فذكر معنى هذا الحديث ، وذكر السور التي سقطت من الرواية
الأولى في ذكر ما نزل بمكة . ولهذا الحديث شاهدٌ في تفسير مقاتل ، وغيره من
أهل التفسير ، مع المرسل الصحيح الذي تقدَّمَ ذكره(٢).
وفي بعض السُّور التي نزلت بمكة آياتٌ نزلت بالمدينة ؛ فألحقت بها ، قد
ذكرناها في غير هذا الموضع .
أخبرنا أبو عبدُ الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن بالويه ، قال :
حدثنا أبو المُثنى معاذٍ بن المثنى ، قال : حدثنا يُحْتِى بن معينٍ ، قال : حدثنا
وكيع ، عن أبيه ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال :
ما كان ﴿يا أيها الذين آمنوا .. ﴾ نزل بالمدينة، وما كان ((يا أيها الناس))
فبمكة .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ،
قال : حدثنا أحمدُ بن عبد الجبّار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن هشام بن
عُروة، عن أبيه عروة أنّه قال: كلّ شيء نزل على رسول الله وَّر من القرآن، فيه
ذكر الأمم والقرون ، وما يُثَبِّتُ به الرسول ، فإِنما نزل بمكة ، وما كان من
الفرائض والسُنن نزل بالمدينة(٣).
--
(٢) نقله السيوطي في الإتقان ( ١ : ٤١ - ٤٢ ).
(٣) قال القاضي أبو بكر في الانتصار: ((إنما يرجع في معرفة المكي والمدني الى حفظ الصحابة
والتابعين ولم يرد عن النبي {8## في ذلك قولٌ لأنه لم يؤمر به ، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض
الأمة ، وإِن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ فقد يعرف ذلك بغير نص
الرسول » .
١٤٤
أخبرنا أبو عمرو الأديب ، قال : أخبرنا أبو بكر الإِسماعيلي ، قال : حدثنا
أبو يعلى أحمد بن عليّ بن المثنى إملاءً، قال : حدثنا يحيى بن معين ، قال :
حدثنا حجاج عن بن جُريجٍ قال : أخبرنا يوسف بن ماهك قال : إني عند
عائشة ، إذ جاء رجلٌ فقال : يا أم المؤمنين . أريني مصحفك . قالت : لما .
قال لعلّي أؤلف القرآن عليه . فإِنَّا نقرأَه عندناُ غير مؤلفٍ قالت: وما يضُرُّك آيةٌ
قرأت قبلُ إنّه نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكرُ الجنة والنار ، حتى
إذا ثاب الناسُ إلى الإِسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيءٍ لا تشربوا
الخمر لقالوا : لا ندع الخمر أبداً ، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبداً ، لقد
نزلت بمكة، وإِني لجاريةٌ ألعبُ على محمدٍ بِّه ((والساعة أدهى وأمرٌ))(٤).
وما نزلت سورةُ البقرة ، والنساء ، إلا وأنا عنده قال : فأخرجت المصحف
له . فأمليتُ أنا السُّور .
أخرجه البخاري في الصحيح من وجه آخر ، عن ابن جُريجٍ وقال :
فَأَمْلَتْ عليه، أي السُّور، ولم يقُل على محمدٍ بِيَّ(٥) .
حدثنا أبو الحسن محمد بن الحُسين العلوي ، قال : أخبرنا أبو بكرٍ محمد
ابن أحمد بن دلّويه الدقاق ، قال : حدثنا أحمد بن حفصٍ ، قال : حدثنا أبي ،
قال : حدثنا إبراهيمُ بن طهمان ، عن عاصم الأحول ، عن أم عمرو بنت عبس
أنها قالت: حدثتني عمتي أنها كانت في مسيرٍ مع رسول اللّه وَّ ، فنزلت عليه
سورة المائدة ، فاندَقَّت كفُّ راحلته العضَباءِ من ثقل السورة .
(٤) الآية الكريمة (٢٦) من سورة القمر .
(٥) أخرجه البخاري في: ٦٦ - كتاب فضائل القرآن، (٦) باب تأليف القرآن، الحديث (٤٩٩٣)،
فتح الباري ( ٩: ٣٨ - ٣٩)، وأخرجه في تفسير سورة اقتربت الساعة وانشق القمر ، مختصراً ،
فتح الباري ( ٨ : ٦١٩) .
١٤٥
باب
ما جاء في عرض القرآن على النبيّ ◌َلل في كل عام مرة ، وعرضه عليه .
في العام الذي قُبِض فيه مرتین
أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد ، قال :
حدثنا تمتام ، قال : حدثنا يُحْيِى بن يوسف ، قال : حدثنا أبو بكر بن عَيَّاش ،
عن أبي حصينٍ، عن أبي صالحٍ ، عن أبي هريرة قال: كان رسولُ اللّه الخ:
يعتكف من كل شهر رمضان عشرة أيام ، فلما كان من العام الذي تُوقِّي فيه ،
اعتكف عشرين يوماً (١) .
.
قال : وكان يُعرَضُ عليه القرآنُ كُلّ رمضان . فلما كان العام الذي توفّي
فيه ، عرض عليه مرتين(٢) .
روى البخاري الحديث الأول عن عبد الله بن أبي شيبة ، عن أبي بكر .
وروى الحديث الثاني عن خالد بن يزيد عن أبي بكرٍ .
(١) أخرجه البخاري في: ٣٣ - كتاب الاعتكاف، (١٧) باب الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان،
الحديث (٢٠٤٤)، فتح الباري (٤: ٢٨٤ )، عن عبد الله بن أبي شيبة .
وأخرجه أبو داود في الصوم، باب أين يكون الاعتكاف ؟ الحديث (٢٤٦٦)، ص (٢ : ٣٣٢)،
عن هناد ، عن أبي بكر ، عن أبي حصين ..
وأخرجه ابن ماجة في: ٧ - كتاب الصيام، (٥٨) باب ما جاء في الاعتكاف ، الحديث
(١٧٦٩)، ص (١ : ٥٦٢ ) عن هنَّاد .
وأخرجه الدارمي في الصوم، والإمام أحمد في ((مسنده)) (٢: ٣٣٦، ٣٥٥).
(٢) أخرجه البخاري في: ٦٦ - كتاب فضائل القرآن، (٧) باب كيف كان جبريل يعرض القرآن على
النبي ، الحديث (٤٩٩٨)، فتح الباري (٩: ٤٣).
١٤٦
باب
ما جاء في تأليف القرآن(١) ، وقوله عز وجل ﴿إنا نَحْنُ نَزَلْنا الذكر ،
وإنا له لحافظون﴾(٢) وما ظهر من الآيات فيما نُسخ من رسمه وفيما
لم ینسخ منه
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو سهلٍ أحمدُ بن محمد بن
عبد الله بن زيادٍ الأديب ، قال : حدثنا يحيى بن أبي طالب ، قال : حدثنا وهبُ
ابن جرير بن حازم ، قال : حدثنا أبي قال : سمعتُ يحيى بن أيوب يُحدِّث عن
يزيد بن أبي حبيبٍ عن عبد الرحمن بن شماسة ، عن زيدٍ بن ثابتْ ، قال : كنا
عند رسول الله و نُؤَلِّفُ القرآن من الرِّقاع(٣).
قلت : وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما نَزّلَ من الكتاب : الآيات
المتفرّقة في سورها، وجمعها فيها بإِشارة النبي بَش ثم كانت مثبتة في الصدور ،
(١) اصطلح على الرمز لها بجمع القرآن، قال الخطابي: إنما لم يجمع # القرآن في المصحف ، لما
كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته ، فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء
الراشدين ذلك ، وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة ، فكان ابتداء ذلك على يد
الصديق بمشورة عمر. وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد، قال : قال رسول الله 8#: ((لا
تكتبوا عني شيئاً غير القرآن ... )) الحديث ، فلا ينافي ذلك ؛ لأن الكلام في كتابة مخصوصة على
صفة مخصوصة ، وقد كان القرآن كتب كله في عهد رسول الله 8# ، لكن غير مجموع في موضع
واحد ولا مرتب السور .
(٢) الآية الكريمة (٩) من سورة الحجر .
(٣) أخرجه الترمذي في آخر كتاب المناقب ، باب فضل الشام واليمن ، الحديث (٣٩٥٤)، ص (٥ :
٧٣٤) عن محمد بن بشار، وقال: ((حسن غريب)).
١٤٧
مكتوبة في الرقاع ، واللخاف ، والعشب ، فجمعها منها في صحفٍ ، بإشارة
أبي بكرٍ ، وَعُمر ، ثم نَسَخ ما جمعهُ في الصحف ، في مصاحف بإِشارة عثمانٍ
ابن عفّان (رضي الله عنه) على ما رسم المصطفى بحثية.
أخبرنا أبو سهلٍ محمد بن نَصْرُوَيْه بن أحمد المروزي - قدم علينا - من
أصل كتابه، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن خنب إملاءً قال : حدثنا
أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي ، قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي ،
قال: حدثنا إبراهيم بن سعدٍ ، قال : حدثنا الزهري ، عن عبيد بن السَّبَّاق ، عن
زيد بن ثابت(٤) ، قال :
أرسل إليَّ أبو بكر مقتلَ أهل اليمامة(٥) فأتيته . فإِذا عمر جالس عنده .
قال أبو بكر : إن عمر جاءني ، فقال إن القَتْلَ قد استحرَّ(٦) يوم اليمامة بقُرَّاء
القرآن (٧) ، وإني أخشى إِن استحرِّ القتل بالقُرَّاء في المواطن كلها (٨) ؛ فيذهب
(٤) هو زيد بن ثابت بن لوذان، بن عمرو بن عبد عوف الإمام الكبير، شيخ المقرئين ، كاتب وحي
رسول الله مية ، قدم على النبي وعمره احدى عشرة سنة بعد مقتل والده يوم بعاث فأسلم وجود
الخط ، وكتب الوحي ، وحفظ القرآن وأتقنه ، وأحكم الفرائض وتولى قسمة الغنائم يوم اليرموك ،
وانتدبه الصديق لجمع القرآن ، وعثمان لكتابة المصحف ، وثوقاً بحفظه ، وكان عمر يستخلفه إذا
حج .
طبقات ابن سعد (٢ : ٣٥٨)، التاريخ الكبير (٣: ٣٨٠)، المعرفة والتاريخ للفسوي (١ :
٣٠٠)، أخبار القضاء (١: ١٠٧ )، العبر (١: ٥٣) وغيرها.
(٥) ( مقتل أهل اليمامة ) أي عقب قتل اهل اليمامة والمراد بأهل اليمامة هنا من قتل بها من الصحابة في
الوقعة مع مسيلمة الكذاب .
(٦) ( استحرُّ) : اشتدّ .
(٧) ووقع من تسمية القراء الذين أراد عمر في رواية سفيان بن عيينة المذكورة قتل سالم مولى أبي حذيفة
ولفظه: ((فلما قتل سالم مولى أبي حذيفة خشي عمر أن يذهب القرآن ، فجاء إلى أبي بكر وسالم
هو أحد من أمر النبي 43# بأخذ القرآن عنه .
(٨) ( بالقراء بالمواطن ) أي في المواطن أي الأماكن التي يقع فيها القتال مع الكفار .
١٤٨
قُرآن كثيرٌ ، وإني أرى أن نجمع القرآن ، فقُلْتُ لعمر كيف أفعل شيئاً لم يفعله
رسول اللّهِوَ﴾؟ فقال عُمَر: هو والله خيرٌ فلم يزل عُمر يراجعني في ذلك. حتى
شَرَّحَ اللّه صدري للذي شَرَّحَ صدره ، ورأيتُ في ذلك الذي رآه .
فقال أبو بكر لزيد بن ثابت : إنك رجلٌ شابٌ عاقلٌ ، لا نتهمك ، وقد
كُنت تكتبُ الوحي لرسول اللّه وَّ فتتبع القرآن ، فاجمعه(٩).
قال زيدٌ : فوالله لو كلفوني نقل جبلٍ من الجبال ، ما كان أثقل عليّ مما
أمروني به من جمع القرآن . قال : قُلت : كيف تفعلون شيئاً لم يفعلهُ رسول الله
مَ﴾؟ فقال : هو والله خيرٌ، فلم يزل أبو بكرٍ يُراجعني حتى شرح الله صدري
للذي شرح صدر أبي بكرٍ وعُمر .
قال: فَتَبَّعْتُ القرآن أَجْمَعُهُ من الرقاع (١٠) والعشب(١١)، واللخاف(١٢)،
وصدور الرجال ، حتى وجدت آخر سورة التوبة- مع خزيمة - أو أبي خزيمة (١٣)
(٩) أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد، قال: قال رسول الله و##1: ((لا تكتبوا عني شيئاً
غير القرآن)) وهذا الحديث لا ينافي ذلك، فقد كان القرآن كله كتب في عهد النبي ومثير لكنه غير
مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور .
(١٠) (الرقاع) : جمع رقعة وقد تكون من جلد أو کاغد .
(١١) (العسب): جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض ، وقيل
العسيب : طرف الجريدة العريض الذي لم ينبت عليه الخوص والذي ينبت عليه الخوص هو
؟
السعف .
(١٢) ( اللخاف ): هي صفائح الحجارة الرقاق فيها عرض ودقة . وقيل هي الخزف يصنع من الطين
المشوي .
(١٣) كذا بالأصل ، ووقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي ، عن إبراهيم بن سعد ( مع خزيمة بن ثابت ))
أخرجه أحمد والترمذي .
ووقع في رواية شعيب عن الزهري ((مع خزيمة الأنصاري)» .
وأخرج الطبراني في مسند الشاميين من طريق أبي اليمان عن شعيب فقال فيه: (( خزيمة بن ثابت
الأنصاري )) .
=
١٤٩
الأنصاري ، لم أجدها مع أحدٍ غيره(١٤) ﴿لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ
عليه ما عنتم ، حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم﴾(١٥). فألحقتها في
سورتها ؛ فكانت الصحف عند أبي بكرٍ حياته ، حتى توفاهُ الله ، ثم عند عمرٍ،
حتى توفاه الله ، ثم عند حفصة بنت عمر(١٦).
قال ابن شهاب : وأخبرني خارجة بن زيدٍ ، عن زيدٍ بن ثابت ، قال :
فَقَدْتُ آيَةٌ من سورة الأحزاب ، قد كُنت أسمع رسول اللّهِ وَّه يقرأها.
فالتمسوها ؛ فوجدوها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري : ﴿من المؤمنين رجالٌ
صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ (١٧) . فألحقتُها في سورتها .
قال إبراهيم بن سعد : فحدثني الزهري عن أنس بن مالك أن حذيفة (١٨)
قَدِمَ على عثمان ، وكان يغازي أهل الشام مع أهل العراق في فتح أرمينية ،
وآذر بيجان . قال: فأُفزَّعَ حذيفةً اختلافهم في القراءة ، فقال : يا أمير
المؤمنين .. أدرك هذه الأمة ، قبل أن يختلفوا في الكتاب ، كما اختلف اليهودُ
والنصارى ، فبعث عثمانُ إلى حفصة : أرسلي بالصحف ، ننسخها في
المصاحف ، ثم نردها عليك ، فُبُعث بها إليه ، فدعا زيد بن ثابت ، فأمَرَهُ وعَبْد
= قال ابن حجر ( ٩ : ١٥).
من قال ((مع أبي خزيمة)» أصح وأن الذي وجد معه الآية من الأحزاب ( خزيمة ) ، والذي وجد
معه الآية من سورة التوبة ( أبو خزيمة ) بالكنية .
( وأبو خزيمة ) هو أوس بن يزيد بن اصرم .
(١٤) ( لم أجدها مع أحد غيره) أي مكتوبة ، لما تقدم من انه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة .
(١٥) الآية الكريمة (١٢٨) من سورة التوبة .
(١٦) (عند حفصة بنت عمر): أي في خلافة عثمان ، إلى أن شرع عثمان في كتابة المصحف ، وإِنما
كان ذلك عند حفصة لأنها كانت وصية عمر .
(١٧) الآية الكريمة (٢٣) من سورة الأحزاب.
(١٨) هو حذيفة بن اليمان .
١٥٠
الله بن الزبير، وسعيداً بن العاص ، والحارث بن هشام أن ينسخوا الصحف في
المصاحف . وقال : ما اختلفتم أنتمُ وزيدٌ قاكتبوه بلسان قريش فإِنما نزل
بلسانهم ؛ فكتبوا الصحف في المصاحف فُبُعث إلى كل أفق بمصحف ، وأمر
بما سوى ذلك من القراءة في كل صحيفة أو صحف أن تُمحى أو تحرق .
قال ابن شهاب: واختلفوا يومئذٍ في ((التابوت)) فقال زيد: ((التابوة))،
وقال سعيدٌ بن العاص وابن الزبير: ((التابوت))، فرفعوا اختلافهم إلى عثمانٍ
فقال: اكتبوها ((التابوت))؛ فإنها بلسانهم.
قال : وحدّثنا اسماعيل بن إسحاق ، قال : حدثنا إبراهيم بن حمزة ،
قال : حدثنا إبراهيمُ بن سعدٍ بهذا الحديث ، بالأسانيد التي حدَّثنا بها أبو
الوليد . إلّ أنَّ أبا الوليد ذكر في حديثه ، أن عثمان أمر القوم أن ينسخوا
الصُحف في المصاحف . فذكرهم ، وذكر فيهم الحارثَ بنَ هشام ، وخالفه
إبراهيمُ بن حمزة ، فقال : عبد الرحمن بن الحارث ، وزاد إبراهيم بن حمزة في
حديثه أن عثمان ، ردَّ الصُحف إلى حفصة ، وفي موضع آخر ردًّ الصحيفة الى
حفصة .
ووصلٍ إبراهيمُ بن حمزة في حديثه أنهم اختلفوا ، هم وزيدُ بن ثابت في
التابوت. فقال الرهط القرشيون: التابوت. وقال زيدٌ: ((التابوه)) فرفعوا
اختلافهم إلى عثمان فقال : اكتبوه التابوت فإِنه لسانُ قریشٍ .
أخرجه البخاري في الصحيح ، عن موسى بن إسماعيل ، ومحمد بن عبيد
اللّه عن إبراهيم بن سعدٍ (١٩).
قُلتُ : والذي يُعمل على أنّ الآيات كانت مؤلفةً في سورها ، ما روينا في
(١٩) أخرجه البخاري في: ٦٦ - كتاب فضائل القرآن، (٣) باب جمع القرآن ، الحديث (٤٩٨٦)،
فتح الباري ( ٩ : ١٠ - ١١ ) .
١٥١
كتاب السنن (٢٠) أنَّ النبيِنَّه قرأ في صلاة كيت بسورة كيت، وفي صلاة كيت
بسورة كيت ، وأنَّ جماعة من الصحابة حفظوا جميع القرآن ، وحفظوه في
صدورهم ، منهم أبيّ بن كعبٍ ، ومعاذٌ بن جبلٍ ، وزيدٌ بن ثابتٍ ، وأبو زيدٍ
رجلٌ من الأنصار .
وذكروا معهم غيرهم ، قد ذكرناهُم في كتاب المدخل ، وفي كل ذلك
دلالة على أن آيات القرآن ، كانت مؤلفةً في سورها ، إلا أنها كانت في صدور
الرِّجال مُثْبتة، وعلى الرقاع وغيرها مكتوبة . فرأى أبو بكر ، وعمر جَمعها في
صحف . ثم رأى عثمان نسخها في مصاحف . قال أهل العلم : إلا أن سورة
براءة كانت من آخر ما نزل من القرآن ، لم يُبين رسول اللّهِ وَلّ موضعها من
التأليف ، حتى خرج من الدنيا ، وكانت قصَّتُها شبيهةٌ بالأنفال ، فقرنَتْها الصحابةُ
بالأنفال . وبيانُ ذلك في حديث ابن عباس(٢١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : حدثنا أبو بكر أحمد بن كامل القاضي ،
قال: حدثنا محمد بن سعدٍ العوفي ، قال : حدثنا رَوْحُ بن عبادة القيسي .
(ح) وأخبرنا أبو عبد الله ، قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن
هانيء، قال : حدثنا الحُسين بن الفضل البجلي ، قال : حدثنا هَوْذَةً بن خليفة
قالا : حدثنا عوفٌ بن أبي جميلة ، قال : حدثنا يزيدُ بن الرقاشي قال : قال لنا
ابن عباس : قُلتُ لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال ؟
وهي من المثاني وإِلى براءة ؟ وهي من المئين ، فقرنتم بينهما ، ولم تكتبوا
بينهما سطر (( بسم الله الرحمن الرحيم)) ووضعتموها في السبع الطُوال. ما
حملكم على ذلك ؟
(٢٠) السنن الكبرى (٢: ٤٢ - ٤٣).
(٢١) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، تفسير سورة التوبة، الحديث (٣٠٨٦)، ص (٥ : ٢٧٢ -
٢٧٣ ) .
١٥٢
فقال عثمان : إنَّ رسولَ اللهِ وَّ كانَ يأتي عليه الزمانُ تنزلُ عليه السور ،
ذواتُ عددٍ ، فكان إذا نزل عليه الشيء ، يَدْعو بعضَ مَنْ كان يكتُبَّهُ ، فيقول :
ضعوا هذه في السورة التي يُذكرُ فيها كذا وكذا .
وتنزلُ عليه الآية فيقول : ضعوا هذه في السورة التي يُذكرُ فيها كذا
وكذا ](٢٢). فكانت الأنفالُ من أوائل ما أُنزل بالمدينة ، وبراءة من آخر القرآن ،
وكانت قصتها شبيهةٌ بقصتها، فقُبِضَ رسول الله بَّهَ، ولم يُبيِّن لنا أنَّها منها؛
فظنّنا أنها منها ، فمن ثَمَّ قَرَنْتُ بينهما ، ولم أكتب بينهما سَطْرَ بسم الله الرحمن
الرحيم (٢٣).
(٢٢) ما بين الحاصرتين ليس في (ف) ، وثابت في بقية النسخ .
(٢٣) قال الترمذي: ((لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي ، عن ابن عباس ، ويزيد الفارسي
قد روى عن ابن عباس غير حديث ويقال : هو يزيد بن هرمز ويزيد الرقاشي هو يزيد بن أبان الرقاشي
ولم يدرك ابن عباس إنما روى عن أنس بن مالك ، وكلاهما من أهل البصرة ويزيد الفارسي أقدم من
يزيد الرقاشي .
والحديث أخرجه: أبو داود في ((مسنده)) (١ : ٢٠٨) عن عمرو بن عون ، عن هشيم ، عن
عوف ، عن يزيد الفارسي ، عن ابن عباس ، بلفظ : السبع الطوال، وأخرجه أبو داود بعده من طريق
مروان بن معاوية ، وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير ، سورة التوبة ( ٥ : ٢٧٢ )، من طريق
يحيى بن سعيد ، ومحمد بن جعفر، وابن أبي عدي، وسهل بن يوسف ، وقال: لا نعرف هذا
الحديث إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي ... ويقال : هو يزيد بن هرمز وأخرجه الحاكم في
((المستدرك)) (٢: ٢٢١)، من طريق هوذة بن خليفة، و(٢: ٣٣٠) من طريق روح بن عبادة،
والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢: ٤٢) من طريق اسحاق الأزرق، كلهم عن عوف بن أبي جميلة ،
عن يزيد الفارسي عن ابن عباس .
فمن هو يزد الفارسي ؟ .
(١) قال البخاري في الكبير (٤: ٢ : ٣٦٧) تحت اسم : يزيد بن هرمز، قال عبد الرحمن [ بن
مهدي ]: يزيد الفارسي، هو ابن هرمز ، قال : فذكرته ليحيى فلم يعرفه .
(٢) قال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٤: ٢ : ٢٩٣): يزيد بن هرمز، اختلفوا فيه ، هل هو يزيد
الفارسي ، أم لا ؟ فقال عبد الرحمن بن مهدي فيما سمعت أبي يحكي عن علي بن المديني عنه أنه
قال : يزيد الفارسي ، هو يزيد بن هرمز، وكذا قاله أحمد بن حنبل : يزيد بن هرمز هو يزيد=
١٥٣
لفظ حديث هَوْذَةً، وحديث رَوْحٍ قريبٌ منه .
قُلتُ: ويشبه أن يكون النبي 18 إنما لم يجمعه في مصحف وآخر ، لأنه
كان لا يَأْمُنُ ورود النسخ على أحكامه ورسومِهِ فلما خَتَمَ الله عز وجل دينه بوفاة
نبِّهِ بَ﴿ وكان قَدْ وَعَدَ له حفظه بقوله عز وجل: ﴿إِنَّا نحنُ نزلنا الذكر، وإنا له
لحافظون﴾ (٢٤) وفَّق خلفاءه لجمعِهِ عند الحاجة إليه بين الدفتين وحفظه كما
وعده ، والذي رُوي عن ابن مسعودٍ في المعوذتين إنما هُو في إثبات رسمهما لا
أنه خالف غيره في نزولهما .
والذي رُوي عنه عن أَبيِّ بن كعب في اختلاف القراءة ، فإِنما هي القراءة
= الفارسي ، وانكر : يحيى بن سعيد القطان أن يكونا واحداً، فعن علي بن المديني ، قال : ذكرت
ليحيى قول عبد الرحمن بن مهدي فإِن يزيد الفارسي ، هو يزيد بن هرمز، فلم يعرفه .
قال أبو حاتم: سمعت أبي يقول : يزيد بن هرمز هذا ، ليس بيزيد الفارسي، هو سواه ، وكان يزيد
ابن هرمز من أبناء الفرس الذين كانوا بالمدينة وجالسوا أبا هريرة ، وليس هو بيزيد الفارسي البصري
الذي يروي عن ابن عباس ، روى عنه عوف الأعرابي .
الى هذا الحد وقع الخلاف بين يزيد الفارسي ، ويزيد بن هرمز . فإن كان يزيد الفارسي هو
البصري، فهو مجهول، مختلف فيه . وان كان هو يزيد بن هرمز ، فقد ضعفه البخاري ، ولم يخرج
له في صحيحه، وكتبه في كتابه ((الضعفاء الصغير)) ترجمة رقم ٤٠٧ ص ١٢٢، وعليه فلا صحة
لدعوى الحاكم ان الحديث على شرط الشيخين . فهذه الدعوى لا تقوم عليها الحجة ، ولم يخرج
ليزيد الفارسي هذا البخاري ولا مسلم في «صحيحيهما)».
وحتى ابن حبان الذي صحح الحديث ، كتب في ثقاته (٥ : ٥٣١) يزيد بن هرمز المدني هو الذي
يروي عنه عوف الأعرابي ، ويقول : حدثنا يزيد الفارسي عن ابن عباس. فعدهما واحداً.
فهذا يزيد الفارسي وقد انفرد برواية الحديث، إما مجهول لا يعرفه يحيى بن معين ، ويشتبه امره على
عبد الرحمن بن مهدي ، واحمد ، والبخاري ، فيعطي كل واحد منهم رأياً مختلفاً فيه ، ويثبته
البخاري في الضعفاء بالاسمين : ابن هرمز ، او الفارسي.
فضلاً عن ذلك ففيه تشكيك في معرفة سور القرآن ، الثابتة بالتواتر القطعي ، والمشافهة الحية ،
قراءة ، وسماعاً، وكتابة ، وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور ، كأنَّ عثمان كان يثبتها
برأيه ، وينفيها برأيه - وحاشاه من ذلك - رضي الله عنه .
(٢٤) الآية الكريمة (٩) من سورة الحجر .
١٥٤
الأولى ، وكأنهما فيما خالفا فيه لم يشهد النسخ .
وَقَدْ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: عليٍّ أَقْضَانا، وأَبِيُّ بن كعب
أقْرَأْنا ، وإنا لندع كثيراً مما يقول أُبيُّ (٢٥). وأَبِيُّ يقولُ: أَخَذَتْهُ من في رسول
اللّهِوَّ فلن أَدَعه لشيءٍ، والله عز وجل يقول: ﴿مَا نَنْسَخُ من آيةٍ أو نْسِها نأت
بخيرٍ منها أو مثلها﴾(٢٦) .
أخبرناه أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي ، قال : أخبرنا أبو أحمد : حمزة
ابن العباس قال : حدثنا أحمد بن الوليد الفحام ، قال : حدثنا أبو أحمد
الزبيري ، قال : حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جُبير ،
عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنه فذكره .
أخرجه البخاري من حديث الثوري .
وروينا عن عائشة عن فاطمة، عن النبي ◌َل#، أنه أسرَّ إليها فقال: إن
جبريل - عليه السلام - كان يعارضني بالقُرآن كل عام مرَّة، وإِنَّه عارضني به العام
مرتين ، ولا أرى أجَلِي إلا قد حضر .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو عبد الله بن يعقوب ، قال :
حدثنا عليّ بن الحسن قال : حدثنا أبو نُعيم ، قال : حدثنا زكريا بن أبي زائدة ،
عن فراسٍ ، عن الشعبي، عن مسروق عن عائشة ، فذكره .
أخرجاه في الصحيح كما مضى .
ورُوينا عن عَبِيدَة السَّلمانيّ أنه قال: القراءة التي عُرِضَتْ على رسول الله
* في العام الذي قُبض فيه ، هذه القراءة التي يقرأها الناس.
أخبرناه محمد بن موسى بن الفضل ، قال : حدثنا أبو العباس الأصم ،
(٢٥) طبقات ابن سعد (٢ : ٣٣٩ - ٣٤٠).
(٢٦) الآية الكريمة (١٠٦) من سورة البقرة .
١٥٥
قال : حدثنا أحمد بن عبد الحميد قال : حدثنا حسين الجُعفيّ ، عن سفيان بن
عيينة ، عن ابن جُدعان ، عن ابنٍ سِيرينَ عن عبيدة ، فذكره . قُلتُ : ولم
يختلف أهلُ العلم في نزول (( بسم الله الرحمن الرحيم )) قرآناً وإنما اختلفوا في
عدد النزول . وفي إثبات الصحابة رسمها ، حيث كتبوها في مصاحفهم ، دلالةٌ
على صحة قول من ادَّعى نزولها حيث كُتبت والله أعلم .
وقد روينا في كتاب المدخل ما يؤكلُ ما ذكرنا في جمع القرآن ، وبالله
التوفيقٌ .
وذكرنا فيه أيضاً وجوه النسخ ، وهو أنّ من القرآن ما نُسخ حكمه ، وبقي
رسمه ، وذكرنا مثال هذين ، ومنه ما نُسخ رسمه وحكمه .
وفي مثل ذلك ورَدَ ما روينا عن أبي موسى الأشعري انه قال : كنا نقرأ
سورة ، كُنَّا نشبّهُها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني حَفِظتُ منها (( لو
كان لابن آدم واديان من مالٍ لا تبغي وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوفٌ آبن آدم إلّ
التراب)) وكنا نقرأ سورة تشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها. غير أني قد حفظتُ
منها ، ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون فتُكتَبَ شهادة في أعناقكم ،
فُتُسألون عنها يوم القيامة ﴾ .
أخبرناه أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ،
قال : حدثنا محمد بن النضر الجاروديّ ، قال : حدثنا سويدٌ بن سعيد ، قال :
حدثنا علي بن مسهر، عن داود بن أبي هندٍ ، عن أبي حربٍ بن أبي الأسود ،
عن أبيه ، عن أبي موسى فذكره .
رواه مسلم عن سويدٍ بن سعيد(٢٧).
(٢٧) أخرجه مسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة (٤٠) باب لو أنَّ لابن آدم واديين ... ، الحديث (١١٩)،
ص (٢ : ٧٢٦).
١٥٦
وفي مثل ذلك ورد ما في الحديث الذي أخبرناه أبو نصرٍ عمر بن عبد
العزيز بن عمر بن قتادة اخبرناه أبو محمد أحمد بن إسحاق بن البغدادي بهراة ،
قال : حدثنا عليٌّ بن محمد بن عيسى ، قال : حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا
شعيبٌ عن الزهري ، قال : أخبرنا أبو أمامة أنَّ رَهْطاً من الأنصارِ ، من أصْحابِ
رسول الله ، أخبروه أن رجلاً قام من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة ((قد
كان وعاها ، فلم يقدر منها على شيءٍ إلا بسم الله الرحمن الرحيم)) فأتى باب
رسول الله ﴾ حين أصبح، ليسأل رسول اللّه وَا﴾ عن ذلك. ثم جاء آخرٌ
وآخرٌ ، حتى اجتمعوا فسأل بعضُهم بعضاً ما جمعهم ؛ فأخبر بعضهم بعضاً بشأن
تلك السورة ، ثم أُذِنَ لهم رسولُ الله {#1، فأخبروه خبرهم ، وسألوه عن السورة
فسكت ساعةً لا يرجع إليهم شيئاً ثم قال : نُسخَتْ البارحة ، فنُسَختْ من
صدورهم ومن كل شيء كانت فيه .
قُلتُ : ورواه عقيلٌ عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيفٍ قال :
وابن المسيب جالسٌ لا ينكرُ ذلك(٢٨).
وفي هذا دلالة ظاهرة من دلالات النُبوة .
وأما ما لم يُنسخ رسمه فإِنه بقي(٢٩)، بحمد اللّه، ونعمته، محفوظاً إلى
(٢٨) لا يوضح الخبر ما هي الآية، وأبو امامة قال ابن حجر هو اسعد بن سهل بن حنيف .
(٢٩) قسم السيوطي النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب أحدها: ما نسخ تلاوته وحكمه معاً ، قالت
عائشة: كان فيما أنزل: ((عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات ، فتوفى رسول الله
﴿ ﴿ وهنّ مما يقرأ من القرآن))، رواه الشيخان. وقد تكلموا في قولها: ((وهنّ مما يقرأ)»: فإِنّ
ظاهره بقاء التلاوة، وليس كذلك .
وأجيب بأن المراد: قارب الوفاة ، أو أنَّ التلاوة نُسخت أيضاً، ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة
رسول اللّه ومحلية، فتوفى وبعض الناس يقرؤُها .
وقال أبو موسى الأشعريُّ : نزلت ثم رفعت .
وقال مكيّ : هذا المثال فيه المنسوخ غير متلٌّ، والناسخ أيضاً غير متلوّ ، ولا أعلم به نظيراً ،
انتهى .
١٥٧
"الآن، ويبقى ما بقي الدهرُ كذلك محفوظاً حتى يأتي أمرُ الله لا تجري عليه
زيادة : ولا نقصانٌ كما قال الله - عز وجل - ﴿لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من
خلفه تنزيلٌ من حكيم حميد ... ﴾(٣٠).
= الضرب الثاني : ما نسخ حكمه دون تلاوته ، وهذا الضرب هو الذي فيه الكتب المؤلفة، وهو على
الحقيقة قليل جداً ، وإن اكثر الناس من تعداد الآيات فيه ؛ فإن المحققين منهم كالقاضي أبي بكر
ابن العربي بين ذلك وأتقنه .
والذي أقوله : إن الذي أورده المكشرون أقسام : قسم ليس من النسخ في شيء ولا من
التخصيص ، ولا له بهما علاقة بوجه من الوجوه، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنْفِقُونَ﴾، ﴿انفقوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ونحو ذلك. قالوا: إِنه منسوخ بآية الزكاة ، وليس كذلك
بل هو باقٍ ، أَمَّا الأولى فإِنها خبر في معرض الثناء عليهم بإلانفاق ، وذلك يصلح ان يفسّر بالزكاة
وبالإِنفاق على الأهل وبالإِنفاق في الأمور المندوبة كالإعانة والإضافة، وليس في الآية ما يدل على
أنها نفقة واجبة غير الزكاة ، والآية الثانية يصلحُ حملها على الزكاة ، وقد فسّرت بذلك.
وكذا قوله تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكُمِ الْحَاكِمِينَ﴾، قيل: إنها ممّا نسخ بآية السيف ، وليس
كذلك؛ لأنه تعالى أحكم الحاكمين أبداً؛ لا يقبل هذا الكلام النَّسخ، وإن كان معناه الأمر
بالتفويض وترك المعاقبة .
وقوله في البقرة: ﴿وَقُولُوا للنَّاسِ حسناً ﴾، عدّه، بعضهم من المنسوخ بآية السيف . وقد غلَّطه
ابن الحصّار بأَنَّ الآية حکایة عمّا أخذه على بني إسرائيل من الميثاق، فهو خبر لا نسخ فيه ، وقسْ
على ذلك .
وقسم هو من قسم المخصوص، لا من قسم المنسوخ ، وقد اعتنى ابن العربي بتحريره فأجاد،
كقوله : ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّ الذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون﴾. ﴿إِلَّ الذينَ
آمنُوا ... ﴾، ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، وغير ذلك من الآيات التي خُصَّت باستثناء
أو غاية، وقد أخطأ من أدخلها في المنسوخ .
ومنه قوله : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، قيل إنه نُسخ بقوله: ﴿وَالمُحْصَنَاتُ مِنْ
الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾، وإنما هو مخصوص به .
وقسم رَفع ما كان عليه الأمر في الجاهلية أو في شرائع من قبلنا ؛ أو في أوّل الإِسلام ولم ينزل في
القرآن ، كإيطال نكاح نساء الآباء ، ومشروعية القصاص والدِّية ، وحَصْر الطلاق في الثلاث،
وهذا إدخاله في قسم الناسخ قريب ، ولكن عدم إِدخاله أقرب، وهو الذي رجّحه مكَّيّ وغيره ،
ووجَّهوه بأن ذلك لوعُدّ في الناسخ لعُدّ جميع القرآن منه ؛ إذ كلُّه أَو أكثره رافع لما كان عليه الكفّار
وأهل الكتاب. قالوا : وإنما حقّ الناسخ والمنسوخ ان تكون آية نسخت آية . انتهى .
(٣٠) الآية الكريمة (٤٢) من سورة فصلت .
١٥٨
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أبي المعروف الفقيه، قال : أخبرنا أبو سهل
الأسفرائيني، قال : اخبرنا احمد بن الحسين بن نصر الحذاء قال : حدثنا عليّ
ابن عبد الله المديني، قال : حدثنا عليّ بن نصر ، عن خالدٍ بن قيس ، عن قتادة
عن الحسن في قوله ، ﴿وإنه لكتابٌ عزيزٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه﴾. قال: حفظه الله من الشيطان فلا يزيد فيه باطلاً ولا ينقص منه حقاً ،
ثم قرأ: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون﴾(٣١). قال : هذه
نظيرتها(٣٢) .
أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي ببغداد، قال :
حدثنا أبو علي عيسى بن محمد بن أحمد بن عمر بن عبد الملك بن عبد العزيز
ابن جريج الطوماري، قال : حدثنا الحسنُ بن فهم قال : سمعت يحيى بن أكثم
يقول : كان للمأمون وهو امير إذ ذاك مجلسٌ نظَرٍ ، فدخل في مجلسة الناس
رجل يهودي ، حسن الثوب . حسن الوجه ، طيب الرائحة ، قال فتكلمِّ.
فأحسن الكلام العبارة قال : فلما أن تقوّض المجلسُ، دعاه المأمون فقال له
اسرائيلي؟: قال نعم إ قال له : أسلم حتى أفعل بك، وأصنع ، ووعده ،
فقال : ديني، ودين آبائي ، فانصرف، فلما كان بعد سنة جاءنا مسلماً ، قال :
فتكلم على الفقه ، فأحسن الكلام . فلما أن تفؤْضَ (٣٣) المجلسُ دعاه المأمون.
فقال له : ألست صاحبنا بالأمس ؟ قال له بلى ! قال : فما كان سببُ إسلامك ؟
(٣١) الآية الكريمة (٩) من سورة الحجر.
(٣٢) وقال ابن عباس : عزيز من عبد الله، كريم على اللّه اعزه الله، فلا يتطرق إليه باطل.
وقال السدي : ينبغي أن يُعزَّ وَيُجَلّ وألا يلغى فيه .
وقيل : عزيز من الشيطان أن يبدله .
وقال مقاتل: ((منع من الشيطان والباطل.
وقال سعيد بن جبير: (( لا يأتيه التكذيب)).
وقال ابن جريج: (( لا يأتيه الباطل فيما اخبر عما مضى ولا فيما اخبر عما يكون . تفسير القرطبي
(١٥ : ٣٦٧).
(٣٣) في (أ): «تعوَّد)).
١٥٩
قال : انصرفتُ من حضرتك . فأحببتُ أن أمتحن هذه الأديان، وانا مع ما تراني
حسن الخط فعمدت إلى التوراة. فكتبتُ ثلاث نُسخٍ فزدت فيها ونقصت،
وأدخلتُها الكنيسة فاشتُريت مني ، وعمدت الى الإِنجيل . فكَتّبْتُ ثلاث نسخٍ
فزدت فيها، ونقصت وأدخلتها البيعة فاشتريت مني ، وعمدت الى القرآن فعملت
ثلاث نسخٍ ، وزِدْتُ فيها ونقصتُ وأدخلتُها [ إلى ](٣٤) الوراقين؛ فتصفحوها،
فلما ان وجدوا فيها الزيادة ، والنقصان، رموا بها فلم يشتروها. فعلمتُ أن هذا
كتابٌ محفوظٌ، فكان هذا سبب إسلامي .
قال يحيى بن اكثم. فحججتُ في تلك السنة ، فلقيت سفيان بن عيينة
فذكرتُ له الحديث فقال لي مصداق هذا في كتاب الله - عز وجل - قال : قلتُ
: في أي موضع ؟ قال : في قول الله عز وجل في التوراة ، والإِنجيل ﴿بما
استحفظوا من كتاب الله ﴾(٣٥) فجعل حفظه إليهم . فضاع . وقال - عز وجل -
﴿ إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون ﴾(٣٦) فحفظه الله عز وجل علينا فلم
يضع .
قلت: وفي الكتاب ، ثم في أخبار السلف ، دلالة على أن الأمم السالفة
كانوا إذا غيروا شيئاً من أديانهم ، غيروه اولاً من كُتبهم. واعتقدوا خلافه
بقلوبهم، ثم أَتْبعَوا أهواءهم، أقوالهم وأفعالهم . وفي هذه الأمة قد حفظ الله
تعالى عليهم كتابه ، وسُنّة نبِّه ◌ِئة، وثَبَتْهُم على عقائدهم، حتى لا يُغيِّروا شيئاً
منها . وإن كان فعلاً، وقال بعضهم بشهوة أو بغفلة خلافها - والحمد لله - على
حفظ دينه ، وعلى ما هدانا لمعرفته ونسأله الثبات الى الممات، والمغفرة يوم
تُحشرُ الأموات إله سميع الدعاء ، فعالٌ لما يشاء، والصلاة على نبيه محمد
وعلى آله وسلم .
(٣٤) سقطت من ( ف ).
(٣٥) الآية الكريمة (٤٤) من سورة المائدة .
(٣٦) [ الحجر - ٩ ].
١٦٠