النص المفهرس

صفحات 261-280

اعترضوه فيها، قال: فَانْبَهْت رسول الله وَّ بهم ، فصرخ بهم فولوا مدبرين ،
فقال لنا رسول الله وَ له: هل عرفتم القومَ؟ قلنا: لا، يا رسول الله، كانوا
متلثمين ، ولكنا قد عرفنا الركاب ، قال : هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة ،
وهل تدرون ما أرادُوا؟ قلنا: لا، قال: أرادوا أن يَزْحَمُوْا رسول اللهِوَّ فِي
العقبة ، فيلقوه منها . قلنا : يا رسول الله أوّلاً تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث
إليك كل قومٍ برأس صاحبهم ؟ قال : لا ، أكره أن تَحَدَّث العرب بينها : أن
محمداً قاتل بقوم ، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم ، ثم قال : اللهم
أرمهم بالُّبَيْلةِ(١٢) . قلنا: يا رسول الله ! وما الدُّبَيْلةُ؟ قال : شهابٌ من نارٍ يقع
على نياط قلب(١٣) أحدهم فيهلك .
أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، أخبرنا أبو جعفرٍ الرزاز (ح).
وأخبرنا أبو علي : الحسين بن محمد الروذباري ، أخبرنا أبو
العباس : عبد الله بن عبد الرحمن بن حماد العسكري [ ببغداد ](١٤)، قالا :
حدثنا أحمد بن الوليد الفحامُ ، أخبرنا شاذان ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن
أبي نضرة ، عن قيس بن عُبَادٍ ، قال : قلتُ لعمارٍ : أرأيتم صَنِيعَكُمْ هذا فيما
كان من أمْر عليّ، أرأياً رأيتموه أو شيئاً عَهِدَهُ إليكم رسولُ الله وَ ه؟ فقال: ما
عَهِدَ إلينا رسول الله وَلير شيئاً لم يعهده إلى الناس كافة ، ولكن حذيفة أخبرني
عن النبي ◌َ # أنه قال :
((في أصحابي اثنا عشر منافقاً، منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يَلجَ
الجمل في سمّ الخياط » .
(١٢) الدبيلة - بضم الدال المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية : خراج أو دمل كبير يظهر في الجوف
تقتل صاحبها غالباً .
(١٣) نِيّاط القلب - بكسر النون: عرق علق به القلب من الوتين إذا قطع مات صاحبه .
(١٤) الزيادة من ( ك ) .
٢٦١

رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن الأسود بن عامرٍ
((شاذان))(١٥) .
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ [ قال ](١٦): حدثنا أبو الفضل بن
إبراهيم ، قال : حدثنا أحمد بن سلمة ، [ قال] : حدثنا محمد بن بشار ،
حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة ، قال : سمعتُ قتادة يحدث عن أبي نضرة
عن قيس بن عبادٍ ، قال : قلنا لعمار بن ياسرٍ أرأيت قتالكُم هذا أرأياً رأيتموه ،
فإِنَّ الرأي يُخْطِىءُ ويُصيب، أم عهداً عهده إليكم رسول الله و له ــ شيئاً لم يعهده
في الناس كافةٌ - وقد قال رسول الله وَله: ((إن في أمتي))، قال شعبة: وأحسبه
قال حدثني حذيفة أنه قال (( إن في أمتي إثنا عشر منافقاً لا يدخلون الجنة ولا
يجدون ريحها حتى يَلجُ الجملُ في سم الخياط ، ثمانية منهم تكفيهم الدبيلةُ
شِراجُ من النارِ تظهر بين أكتافهم حتى تَنْجُم من صدورهم .
رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن بشار (١٧) .
وروينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر، أو خمسة عشر ، وأشهد بالله أن
إثني عَشَرَ منهم حَرْبٌ لله ورسوله في الحياة الدنيا ويوم يقومُ الاشهادُ ، وعذّر
ثلثةً ، قالوا : ما سمعنا المنادي ، ولا علمنا ما أرادَ القوم .
أخبرنا أبو زكرياءَ بن أبي اسحاق المزكي ، أنبأنا أبو الحسن الطرائفِيُّ ،
حدثنا عثمان بن سعيد ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثنا معاوية بن صالح ،
عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس، في قوله: ((والذين اتخذوا مسجداً
-
(١٥) أخرجه مسلم في: ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ، الحديث (٩)، ص (٤ : ٢١٤٣)
عن أبي بكر بن أبي شيبة
(١٦) الزيادة من (ك) ، وكذا في سائر الخبر.
(١٧) أخرجه مسلم في الموضع السابق ، الحديث (١٠) عن محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى.
٢٦٢

ضراراً)) هم أناسٌ من الأنصار ابتنوا مسجداً ، فقال لهم أبو عامٍ : ابنوا
مسجدكم واستمدوا ما استطعتم من قوة ومن سلاحٍ ، فإني ذاهبٌ إلى قيصَرَ ملك
الروم فآتي بجند من الروم، فأخرج محمداً وأصحابَهُ فلما (١٨) فرغْوا من
مسجدهم أتّوْا النبيّ ◌َير، فقالوا : إنا قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحبُّ أن
تصلي فيه وتدعُو بالبركة، فأنزل الله عزّ وجل: ﴿لا تَقُمْ فيه أبداً لمسجد أُبِّسَ
على التقوى من أول يوم ﴾ - يعنيٍ مسجد قباءٍ - ﴿أُحقٌّ أن تقومَ فيه، فيه رجالٌ
یحُون أن يتطهروا ﴾ إلى قوله : ﴿ شَفَا جُرُفٍ هارٍ فانهار به في نار جهنم﴾-يعني
قواعده - ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ ﴿ لا يزال بُنيانُهُم الذي بَنوْا ريبة في
قلوبهم ﴾ - يعني الشك - ﴿إلا أن تُقَطَّعَ قلوبُهم﴾(١٩) - يعني الموت -.
كذا قال : إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباءٍ وعليه دَلَّ
على ما رُوى في قوله فيه رجالٌ يريدون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين .
وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [ قال ](٢٠) أنبأنا أبو الفضل بن إبراهيم
قال : حدثنا أحمد بن سلمة [ قال ]: حدثنا محمد بن بشار [ قال ] حدثنا يحيى
ابن سعيدٍ، حدثنا حميدٌ الخرَّاط [ قال ] حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن ،
قال : .
مَرْ بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، قلت : كيف سمعتَ أباك
يقول في المسجد الذي أُسْسَ على التقوى ؟ قال : قال أبي :
اتيتُ رسول الله ﴿﴿ فدخلت عليه في بيت بعض نسائه ، فقلت : يا رسول
الله أي المسجدين ألذى أسس على التقوى قال : فأخذ كفا من حَصْباءٍ فضرب
به الأرض وقال هو مسجدكم هذا قال : قلت: فإني سمعتُ أباك يذكر هذا .
(١٨) في (ك): ((فلما أن فرغوا)).
(١٩) الآيات الكريمة من (١٠٧ - ١١٠) من سورة التوبة.
(٢٠) الزيادة من (ك) ، وكذا في سائر الخبر .
٢٦٣

"رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن حاتم ، عن يحيى ، وأخرجه من
حديث حاتم بن اسماعيل عن حُميد، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد(٢١).
قال هذا ، يعني مسجد المدينة وقد مضت الرواية فيه .
وأخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ، ببغداد [ قال ](٢٢) اخبرنا أبو أحمد
حمزة بن محمد بن العباس ، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحيم بن دَنُوقًا، حدثنا
زكريا بنُ عَديَّ [قال] حدثنا حاتم ، عن حميد بن صخرٍ ، عن أبي سلمة ، عن
أبي سعيد الخدري، قال : .
سألتُ رسول الله﴿ عن المسجد الذي أسَّسَ على التقوى، فقال: هو
مسجدي هذا .
ورواه أسامَةُ بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه ،
قال :
((المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى مسجد رسول الله ﴿)).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، [ قال ](٢٣) حدثنا أبو بكر بن إسحاق [ قال ]
أخبرنا موسى بن إسحاق الانصاري [ قال ] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة [ قال ]:
حدثنا وكيع [ قال ]: حدثنا أسامة بن زيد فذكره(٢٤).
(٢١) أخرجه مسلم في ٠ ١٥ - كتاب مناسك الحج (٩٦) باب بيان ان المسجد الذي أسس على التقوى
هو مسجد النبي 18#، الحديث (٥١٤)، ص (٢ : ١٠١٥ ) عن محمد بن حاتم .
وأخرجه الترمذي في تفسير سورة التوبة ، عن قتيبة ، عن ليث ، عن عمران بن أبي أنس ، عن
عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري .. ، وقال: ((حسن
صحيح ).
(٢٢) الزيادة من (ك)، وكذا في سائر الإسناد .
(٢٣) الزيادة من ( ك) .
(٢٤) عن أبي بكربن أبي شيبة أخرجه مسلم في : ١٥ - كتاب الحج ، (٩٦) باب بيان أن المسجد الدي
أسس على التقوى هو مسجد النبي 8#، ص (٢: ١٠١٥).
٢٦٤

باب
تلقي الناس رسول الله وي فر حين قدم من غزوة تبوك وما قال في
المخلفين [ من الأعراب ](١) بعُذرٍ والمخلفين بغير عذرٍ
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [ قال ](٢) اخبرنا أبو العباس: محمد بن
يعقوب [ قال] حدثنا أحمد بن شيبان الرمليُّ [قال]: حدثنا سفيان، عن
الزهري، عن السَّائِب بن يَزَيد [قال]: أذكُرُ أَنَّا حين غزا النبي ◌َّ﴿ تبوك خَرَجْنا
مع الصبيان نتلقاه إلى ثنية الوَدَاع(٣).
وأخبرنا أبو علي الحُسين بن محمد الروذباري [ قال]: أخبرنا أبو بكر بن
داسة [ قال ]: حدثنا أبو داود، أخبرنا ابن السرح [قال]: حدثنا سفيان ، عن
الزهري، عن السائب بن يزيد، قال : .
لما قدم النبي #* المدينة من غزوة تبوك تلقاه الناس فلقيتُهُ مع الصبيان
على ثنية الوداع .
أخرجه البخاري في الصحيح من حديث سفيان (٤).
(١) الزيادة من ( ك ).
(٢) الزيادة من (ك) ، وكدا في سائر الإسناد .
(٣) أخرجه أبو داود في الجهاد، باب في التلقي، الحديث (٢٧٧٩)، ص (٣: ٩٠).
(٤) أخرجه البخاري في: ٥٦ - كتاب الجهاد (١٩٦) باب استقبال العزاة، الحديث (٣٠٨٢) فتح
الباري (١٩١.٦) ، عن مالك بن اسماعيل .
٢٦٥

أخبرنا أبو نصر بن قتادة [ قال]: أخبرنا أبو عمرو بنُ مطرٍ، قال: سمعت
أبا خليفة ، يقول : سمعت ابن عائشة يقول :
لما قدم النبي ور المدينة جعل النساء والصبيان(٥) والولائد يقلن:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
داع
لله
وجب الشكر علينا مادعا
قلتُ : (٦) وهذا يذكره علماؤنا عند مَقدْمه المدينة من مكة وقد ذكرناه عنده
لا أنه لما قدم المدينة من ثُنية الوداع عند مقدمهٍ من تبوك ، والله أعلم فذكرناه
أيضاً هاهنا(٧).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [ قال ]: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب
[ قال]: حدثنا العباس بن محمد الدَّوْري [قال]: حدثنا خالد بن مَخْلَدٍ
[ قال]: حدثنا سليمان بن بلاقٍ، عن عَمْرو بن يحيى المازني، عن عباس بن
سهل السَّاعدي، عن أبي حميد الساعدي، قال : .
أقبلنا مع رسول الله وَ ال# من غزوة تبوك حتى اذا أشرفنا على المدينة قال:
هذه طابة، وهذا أُحُدٌ جَبَلٌ يُحبنا ونحبه .
رواه البخاري في الصحيح عن خالد بن مخلد(٨).
أخبرنا أبو محمد بن يوسف الأصبهاني [ قال]: أخبرنا أبو سعيد بن
(٥) جاء في شرح المواهب (٣: ٨٣): ((غلب النساء والولائد على ذكور الصبيان لكثرتهن ولأن الغناء
عادتهن بخلاف الصبيان » .
(٦) في (ك): ((قال الشيخ)).
(٧) عن البيهقي نقله الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٥ : ٣٣) ، والصالحي في السيرة الشامية
( ٥ : ٦٧٣ ) .
(٨) فتح الباري (٨ : ١٢٥)، الحديث (٤٤٢٢) .
٢٦٦
٣

الأعرابي [ قال ]: حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي [ قال ]: حدثنا يزيد بن
هارون (ح ).
أخبرنا أبو طاهر الفقيه [ قال ]: أخبرنا أبو طاهر محمد بن الحسن المحمّد
اباذِيُّ [قال]: أخبرنا إبراهيم بن عبد الله السعدي [ قال ]: أخبرنا يزيد بن
هارون [ قال ]: أخبرنا حُميد الطويل ، عن أنس بن مالك:
أنَّ رسولَ اللهِ وَالز لما رجع من غزوة تبوك حتى دنا من المدينة قال : ان
بالمدينة لأقواماً ما سِرْتم من مسيرٍ، ولا قطعتم من وادٍ إلا كانوا معكم فيه،
قالوا : يا رسول الله ! وهم بالمدينة؟ قال : نعم ، وهم بالمدينة. حبسهم
العُذْرُ .
لفظ حديث السعدي أخرجه البخاري في الصحيح من حديث ابن المبارك
وغيره ، عن حميد(٩).
حدثنا أبو عبد الله [محمد بن عبد الله](١٠) الحافظ ، إملاءً، جدثنا أبو
العباس: محمد بن يعقوب، حدثنا أبو البختري: عبد الله بن محمد بن شاكرٍ،
حدثنا زكريًّا بن يحيى الخزاز، حدثنا عَمُّ أبيْ زَخْرُ بن حصن، عن جَدّه حميد
ابن منيبٌ، قال: سمعت جدي خُرِيم بن أوسٍ بن حارثة بن لامٍ ، يقول :
هاجرتُ إلى رسول الله ﴿ منصرفه من تبوك فاسلمتُ فسمعتُ العباس بن عبد
.(٩) أخرجه البخاري في: ٥٦ - كتاب الجهاد ، (٣٥) باب من حبسه العدر عن الغزو، فتح الباري
(٦ : ٤٦)، وأخرجه البخاري من طريق عبد الله بن المبارك ، عن حميد، عن أنس ، في : ٦٤ -
كتاب المغازي ، باب (٨١)، حديث (٤٤٢٣)، فتح الباري (٨ : ١٢٦ )
وأخرجه أبو داود في الجهاد ، باب في الرخصة في القعود من العدر، الحديث (٢٥٠٨)،
(٣: ١٢) عن موسى بن إسماعيل، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣: ١٠٣، ١٠٦،
١٨٢، ٣٠٠، (٣٤١)، وابن ماجة في الجهاد ، (٦) باب من حبسه العدر عن الجهاد ، الحديث
(٢٧٦٤) عن محمد بن المثنى (٢ : ٩٢٣).
(١٠) سقطت من ( ك) .
٢٦٧

المطلب [ رضوان الله عليه](١١) يقول: يا رسول الله! إني أريد أن أمتدحَكَ،
فقال رسول الله ـ : قُل لا يفضض الله فاك : فقال العباس :
مستودَع حيث يُخْصَفُ الوَرَقُ
من قبلهَا طبت في الظلال وفي
أنت ولا مضغةٌ ولا عَلَقُ
ثم هبطت البلاد لا بَشرٌ
أَلْجَمَ نَّسْراً وأهلهُ الغَرَقُ
بل نطفهُ تَرْكَبُ السفينَ وقد
إذا مضى عَالمُ بدا طَبقُ
تُنقلُ من صَالبٍ الى رَحمٍ
خِنذْفَ علياء تَحْتَهَا النُّطُقُ
حتى احتوى بيتك المهيمنُ من
ض وضاءت بنورك الأفقُ
وانت لما ولدت أشرقت الأر
فنحن من ذلك النور في الضياء وسبل الرشاد نخترقُ(١٢) وفيما أنبأني أبو
عبد الله الحافظ ، - رحمه الله - أجازه : أنبأنا أبو بكر محمد بن الموصل ، حدثنا
جعفر بن محمد بن سَوَّارٍ ، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا أبو
السُكين زكريا بن يحيى فذكره باسناده إلا أنه قال : [ حدثني ابن اوس ، قال:
هاجرت ثم ذكره بمثله ](١٣) وزاد، وقال: ثم قال رسول الله﴿ هذه الحيْرَة
البيضاءُ قد رفعت لي ، وهذه الشيماء بنت نفيلة الأزدية على بغلة شهباء معتجرة
بخمار أسود، فقلت : يا رسول الله إن نحن دخلنا الحيْرةَ فوجدتها كما تصف
فهي لي ؟ قال: هي لك .
قال ثم كانت الرِّدَّةُ فما ارتد احدٌ من طِي، وكنا نقاتل من يلينا على
الاسلام من العرب فكنا نقاتل قيساً وفيها عيينة بن حصن، وكنا نقاتل بني اسد
(١١) الزيادة من ( ك ).
(١٢) رواه الطبراني، ونقله الحافظ ابن كثير عن المصنف في البداية والنهاية (٥: ٢٧ - ٢٨) وانظر
شرح المواهب (٣ : ٨٤).
(١٣) الزيادة من ( ك) .
٢٦٨

وفيهم طليحة [ بن خُويلْد، فكان خالد بن الوليد ](١٤) يمدحنا فكان بعضُ ما قيل
فينا :
بمعتركِ الابطال خَيْرَ جزاءٍ
جزا الله عنا طَيّئاً في ديارها
إذا ما الصَّبا ألْوَتْ بكل خَبَاءِ
.هم أهل رآيات السماحة والندى
أجابوا منادي ظلمةٍ وَعَمّاءِ
هُمْ ضربوا قَيْساً على الدين بعدما
ثم سار خالد بن الوليد الى مسيلمة فسرنا معه فلما فرغنا من مسيلمة،
أقبلنا إلى ناحية البصرة فلقيناهُمْ مُرَّ بكاظمة في جمع هو أعظم من جمعنا، ولم
يكن احدٌّ من الناس أَعْدَا للعرب والاسلام من هرمز، فخرج اليه خالدُ ودعاهُ إلى
البرازِ فبرز له فقتلهُ خالد وكتب بخبره الى الصّديق فنقَّلهُ سلبه فبلغت قلنسُوَةُ هُرمز
مائة الف درهم، وكانت الفرس إذا أشرف فيها الرجل جعَلتْ قلنسوة مائة الف
درهم ، ثم أقبلنا على طريق الطف إلى الحيرة فأوَّل من يلقانا حين دخلناها
الشيماء بنت نفيلة كما قال رسول الله و # على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود،
فتعلقتُ بها وقُلتَ : هذه وهبها لي رسول الله # فدعاني خالد عليها بالبيّنة فأتيته
بها ، وكانت البينة محمد بن مسلمة ، ومحمد بن بشير الأنصاريان، فسلمها إليَّ
فنزل إلينا أخوها : عبد المسيح يريد الصلح ، قال : بِعْنيها. فقلت : لا أنقُصُهَا
والله عن عشرة مائة درهم فأعطاني الف درهم ، وسلَّمتُها اليه ، فقيل : لو قلت
مائة ألف لدفعها إليك؛ فقلت ؟: ما كنتُ احسبُ ان عدداً أكثر من عشرٍ
مائةٍ(١٥).
٤
(١٤) ما بين الحاصرتين سقطت من (ح)، وفي (ك): ((خالد بن الوليد رضي الله عنه)).
(١٥) نقله ابن كثير في التاريخ (٢٨:٥) عن المصنف .
٢٦٩

حديث أبي لُبابة وأصحابِهِ
أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل [ قال ] (١) حدثنا أبو محمد
أحمد بن عبد الله المزنيُّ [ قال ]: أخبرنا علي بن محمد بن عيسى ، حدثنا أبو
اليمان [قال ]: أخبرني شعيب عن الزهري [ قال ] أخبرني سعيد بن المسيب أن
بني قريظة كانوا حُلفاء لأبي لبابة فاطلعوا إليه وهو يدعوهم إلى حكم رسول الله
*، فقالوا: يا أبا لبابة! أتأمُرنا أن ننزل؟ فأشار بيده إلى حَلْقِهِ أَنَّهُ الذُّبْحُ،
فأخْبرَ عنه رسول الله :﴿ بذلك، فقال له لَمْ تَرَ عيني فقال رسول الله صلّدٍ:
أَحَسِبْتَ ان الله [تعالى ](٢) غفل عن يدك حين تُشير اليهم بها الى حَلْقك، فَلَبِثَ
حيناً ورسول الله ﴿ عَاتِبٌ عليه.
ثم غزا رسول الله ﴿ تبوكاً وهي غزوة العُسْرَةِ فتخلّف عنه أبو لبابة فيمن
تخلّف، فلما قَفَّل رسول الله ﴿ منها، جاءه أبو لبابة يسَلُّمُ عليه، فأعرض عنه
رسول الله وَ﴿، فَفَرِّعَ أبو لبابة، فارتبط بسارية التوبة التي عند باب أم سلمة
زوج النبي ﴿ سبْعاً بين يومٍ وليلةٍ في حَرِّ شديد، لا يأكل فيهنَّ ولا يشرب
قطرةٍ، وقال لا يزال هذا مكاني حتى أفارق الدنيا أو يتوب الله [ تعالى ] عليّ،
(١) الزيادة من (ك)، وكذا في سائر الاسناد .
(٢) من ( ك ) .
٢٧٠

فلم يزل كذلك حتى ما يسمع الصوت من الجهد، ورسول الله # ينظر اليه
بکرة وعشية ، ثم تاب الله [ تعالی ] عليه : فنودي ان الله [ تعالی ] قد تاب
عليك ، فأرسل إليه رسول الله﴿ ليطلق عنه(٣) رِبَاطُهُ، فأبى ان يطلقه عنه أحدٌ
إلّ رسول الله وَ﴾، فجاءه رسول الله﴾ فأطلق عنه بيده، فقال ابو لُبابَة حين
افاق : يا رسول الله ! إني اهجر دار قومي التي أصبتُ فيها الذنب وأَنتقلُ اليك
فأساكنك، وأني اختلع من مالي صدقة الى الله - عز وجل - ورسوله - {َله - فقال
يَجْزِىء عنكَ الثلث، فَهَجَرَ أبو لبابة دارَ قَوْمِهِ، وسَاكن رسول اللهِ وَّةِ، وَتَصَدَّقَ
بثلث ماله ، ثم تاب فلم يُرَ منه بعد ذلك في الإِسلام(٤) إلا خيرٌ حتى فارقَ
الدنيا(٥).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، [ قال]: أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن
القاضي [قال]:، حدثنا إبراهيم بن الحسين [قال]: آدم [قال ]: حدثنا
ورقاء ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿اعترفوا بذنوبهم﴾، قال : هو
أبو لبابة إذ قال لقريظة ما قال، واشار إليه إلى حلقه بأنَّ محمداً يذبحكُم إِنْ
نَزَلْتم على حكمه .
وزعم محمد بن اسحاق بن يسار أنَّ ارتباطَهُ كان حينئذ .
وقد رُوّينا عن ابن عباس ما دَلَّ على ان ارتباطه بسارية المسجد كان
بتخلفه عن غزوة تبوك ، كما قال ابن المسيب ، قال : وفي ذلك نزلت هذه
الآية .
أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي أخبرنا ابو الحسن الطرايفي حدثنا
عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثنا معاوية بن صالح عن
(٣) في (ح): ((عليه)).
(٤) في (ح): ((فلم يُرَ منه - بعد ذلك - في الإسلام الا خير)).
(٥) مرت قصته في غزوة قريظة، وقد رواها سعيد بن المسيب ، ومجاهد ، ومحمد بن إسحاق .
٢٧١

علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله: ((وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا
عملاً صالحاً))(٦) قال كانوا عشرة رهط تخلفوا عن النبي # في غزوة تبوك ،
فلما حضر رجوع النبي8# أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان
ممّر النبي﴿ إذا رجع من المسجد عليهم، فلما رآهم، قال: ((من هؤلاء
الموثقون انفسهم بالسواري »؟ قالوا: هذا أبو لبابة ، وأصحابٌ له تخلفوا عنك یا
رسول الله حتى يُطلقهم النبي ﴿ ويَعْذرهُمْ، قال: وأنّا أقسم بالله لا أطلقهم ولا
اعْذِرُهُمْ حتى يكون الله [تعالى ](٧) هو الذي يُطلقهم : رغبوا عني، وتخلفوا
عن الغزو مع المسلمين فلما [أن](٨) بلغهم ذلك: [ قالوا ](٩) ونحن لا نطلق
انفسنا حتى يكون الله [ تعالى]: هو الذي يُطلقنا، فأنزل الله عزّ وجل: وآخرون
اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله ان يتوب عليهم))
وعسىّ من الله واجبٌ انه هو التواب الرحيم ، فلما نزلت أرسل اليهم النبي مقا#
فأطلقهم وعذرهم فجاؤا بأموالهم ، فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا فتصدّق بها
عنّا واستغفرْ لِنًا، قال: ما أمرتُ أن آخُذَ أموالكم، فأنزل الله تعالى: ﴿خُذ من
أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ﴾ يقول استغفر لهم ﴿ان
صلاتكِ سَكّنٌ لهم﴾(١٠) فخذ منهم الصدقة واستغفر لهم .
وکان ثلاثةُ نفرٍ منهم يوثقوا أنفسهم بالسواري فارجؤا لا يدرون أيعذبون أو
يُتابُ عليهم ، فأنزل الله عز وجل : ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين
والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ الى آخر الآية، وقوله: ﴿وعلى الثلاثة
الذين خلفوا ﴾ إلى: ﴿ ثم تاب عليهم ليتوبوا ان الله هو التواب الرحيم﴾(١١)
يعني استقاموا .
وبمعناه رواه عطية بن سعدٍ عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] (١٢).
(٦) [ سورة التوبة - ١٠٢ ].
(٩) من (ح) .
(١٠) [ التوبة - ١٠٣ ].
(٧) من ( ك ) .
(١١) [التوبة - (١١٧ - ١١٨)].
(٨) من ( ك) .
(١٢) ليست في (أ) .
٢٧٢

حديث كعب بن مالك وصاحبيه رضي الله عنهم
أخبرنا أبو الحسن : علي بن أحمد بن عبدان [ قال ] أخبرنا أحمد بن عبيد
الصفار، حدثنا عبيد بن شريك (ح ).
وحدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ. لفظاً ، وسياق الحديث
له ، حدثنا أبو بكر بن إسحاق أخبرنا عبيد بن عبد الواحد يعني ابن شريك ،
حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عبد
الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ، أن عبد الله بن کعب ـ قائد کعب حین
عَيِىَ من بنيه - قال : سمعتُ كعب بن مالك يحدّث حديثَهُ حين تخلَّف عن
رسولِ الله # في غزوة تبوك ، قال كعب بن مالك :
لم أتخلّف عن رسول الله # في غزوة غزاها قط إلا غزوة تبوك ، غير أني
تخلفت عن غزوة بدرٍ، ولم يعاتب الله أحداً حين تخلف عنها إنما خرجَ رسول
الله* يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعادٍ،
ولقد شهدتُ مع رسول الله ﴿ ليلة العقبة وما أحبُّ أن لي بها مشهدَ بدرٍ ، وان
كانت بدرٌ يعني أذْكَرَ(١) في الناس منها . وكان من خبري حين تخلفت عن رسول
الله * في غزوة تبوك أني لم أکن قط أقوى ولا ایسرّ مني حين تخلفتُ عنه في
(١) أي أشهر عند الناس بالفصيلة .
٢٧٣

تلك الغزوة ، والله ما اجتمعتْ عندي قبلها راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك
الغزوة ، ولم يكن رسول الله ﴿ يُريدُ غزوة يغزوها إلَّ ورْى بغيرها، حتى كانت
تلك الغزوةُ غَزَاهَا رسولُ اللهِ وََّ فِي حَرِّ شديدٍ، واستقبل سفراً بعيداً ومغازاً
وعدُوّاً كثيراً فجلىّ للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أُهْبَةَ غزوهم، وأخبرهم بوجهه
الذي يريد، والمسلمونَ مع رسول اللهِ وَ﴿ كثيرٌ، لا يَجْمَعَهُمْ كتابٌ حافظٌ - يُريد
الديوان(٢).
قال كعبٌ : فما زجلٌ يريد ان يتغيّبَ إلَّ ظَنَّ أنه سيخض له ما لم يَنْزِلُ فيه
وَحْيٌ من الله .
وَغَزّا رسول اللّهِوَّيِ تلك الغزوة حين طابت الثمارُ والظلالُ، فَجَهَّز رسول اللّه
والمسلمون معه وطفقت(٣) أغدُو لكي اتجهز معهم، ولم اقض شيئاً، واقول
في نفسي : أنَّا قادر على ذلك إذا أردته، فلم یزل یتمادى بي حتى اشتد بالناس
الجدُّ، فأصبح رسول الله ﴾ والمسلمون معه ولم أقضٍ من جهازي شيئاً ،
فقلت : أتجهز بعده بيوم أو بيومين ثم الحقهم ، فغدوْتُ بعد ان فَصَّلوا لأتجهّزَ،
فرجعتُ ولم أقضِ شيئاً، ثم غدوت ثم رجعْتُ ولم أَقْضٍ شيئاً، فلم يزل ذلك
يتمادى بي حتى اسرعوا وتفارط الغَزوُ (٤)، وهممتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فأدركهم وليتني
فعلتُ، فلم يُقدَّرْلي ذلك، فكنتُ إِذا خرجتُ في الناس بعد خروجٍ رسول اللّه وَّ
فطفتُ فيهم أحْزَنني أني لا أرى الا رجلاً مغموصاً(٥) من النفاق ، أوْ رجُلًا ممن
عَذَرَ اللَّهُ من الضعفاءِ، فلم يذكرني رسول اللّه وَّ حتى بلغ تبوك ، قال وهو جالس
في القوم بتبوك : ما فعل كعَبُ ؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله ! حَسَبَهُ
(٢) وهو الكتاب الذي يجمع فيه الحساب ، وهو معرّب ، وقيل: عربي .
(٣) ( طفقتُ ) : هو من أفعال المقاربة معناه : أحذت .
(٤) ( تفارط الغزو) : أي مات وسبق .
(٥) (مغموصاً) : أي مطعوناً عليه في دينه ، متهماً بالنفاق وقيل معناه مستحقراً ، تقول : غمصت علاناً
إذا استحقرته .
٢٧٤

برْداه ينظر في عِطْفه(٦)، فقال له معاذ بن جبل : بئس ما قلت ! والله يا رسول الله
ما علمنا إلا خيراً، فسَكَتَ رسول اللّه الات .
قال كعبّ: فلمَّا بلغني أن رسول الله وَّ قد توجّه قافلا من تبوك حضرني
همي فطفقتُ أتذكرُ الكَذِبَ وأقولُ : بماذا أخرجُ من سَخطِهِ غداً ، وأستعين
على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: أن رسول الله و له قد أطل قادماً
راحَ عني البطالُ ، وعرفتُ أني لا أخرج منه أبداً بشيء فيه كذب ، فأجمعتُ
صِدْقَهُ، وأصبح رسول الله وَي قادماً ، وكان إذا قدم من سفرٍ بدأ بالمسجد فصلى
فيه ركعتين ، ثم جلسَ للناس ، فلما فَعَل ذلك جاء المخلّفون فطفقوا يعتذرون
إليه ويحلفون له وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله وَّ علانيتهم
وَبَايِعَهُمْ ، واستغفر لهم ووكلَ سرائرهم إلى الله تعالى فجئته، فلمَّا سلّمت عليه
تَبَسِّمَ تبسُّمَ المغضب ، ثم قال : تَعَالَ : فجئتُ أمشي حتى جلستُ بين يديه ،
فقال : ما خلفك ؟ ألم تكن ابتعت ظهرك ؟ فقلت : بلى يا رسول الله إني والله
لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا لرأيتُ أن سَأخرجُ من سَخَطِهِ بعذْرٍ ، ولقد
أعطيتُ جَدَلاً ، ولكن والله لقد عَلمتُ لئن حدثتُكَ اليوم حديثاً كاذباً ترضى به
عني ليوشكنَّ الله أن يُسْخَطَ عليَّ ، ولئن حدثتك حديث صدقٍ تجدُ عليَّ فيه أني
لأرجُوْ عفوَ الله، لا والله ما كان لي من عذرٍ ، ووالله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر
مني حين تخلَّفتُ عنك، قال رسول الله صلٌ: (( أما هذا فقد صَدَق، تُمْ حتى
يقضيَ الله فيك)) ، فقمتُ وثارَ رجال من بني سلمة فقالوا لا والله ما علمناك كنت
أذنبتَ ذنباً قبل هذا عجزت أن لا تكون اعتذرت الى رسول الله صل# بما اعتذر إليه
المخلفون، قد كان كافيك ذنبَكَ استغفار رسول الله وَ ل ◌ّ لك، فوالله ما زالوا
يؤنبونَني حتى أردت أن أرجع فأَكَذِّبَ نفسي ، ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي
أحدٌ قالوا : نعم رجلان قالا : مثل ما قلت وقيل لهما ما قيل لك فقلتُ : من
(٦) إشارة إلى اعجابه بنفسه ولباسه ، وقيل : كنى بذلك عن حسنه وبهحته والعرب تصف الرداء بصفة
الحسن .
٢٧٥

هما؟ قالوا : مُرارَةُ بن ربيع العَمْرِيُّ، وهلالُ بن أمّة الواقفي ، فذكروا لي
رَجُظليْن صالحين ، قَدْ شَهدا بدْراً فيهما أسوة (٧) ، فمضيت حين ذكروهما لي
وَنَّهَى رسول اللهِ﴾ عَن كلامِنا أيُّها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنًا الناسُ
وتغيروا لنا ، حتى تنكرتْ في نفسي الأرضُ فما هي التي أعرف ، فلبثنا على
ذلك خمسين ليلةً فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما [يبكيان ](٨)، فأمَّا أنا
فكنتُ أشَبُّ القومِ وأجلدهم ، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمينَ ،
وأطوفَ في الأسواق، ولا يكلمني أحدٌ ، وآتي رسولَ اللهِ ◌ّ وهو في مجلسه
بعد الصلاة فأسَلّمُ عليه، فأقول في نفسي : هل حرُّك (٩) شفتيه بردّ السلام عليّ
أم لا؟ ثم أصلي فأسارقُ النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إليّ ، فإذا التفتّ
[ نحوه أُعْرَض عني حتى إذا طال عليّ ذلك ](١٠) من جفوة المسلمين تسورت
جدارَ حائط أبي قتادة ، وهو ابنُ عَمّي، وأحَبُّ الناس إليَّ، فسلمتُ عليه فوالله
ما رَدَّ عليّ السلام، فقلتُ له: يا أبا قتادة أنشدك الله ، هل تعلمني أحبّ الله
ورسوله ؟ قال : فسكتَ ، فَعُدتُ له فنشدته ، فسكتَ ، قال : فعدتُ له فناشدتُه
الثالثة ، فقال : الله ورسوله أعلم . ففاضتْ عيناي وتوليتُ حتى تسورتُ
الجدار .
قال فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطيٌّ من أنباط الشام ممن قدم
بالطعام يبيعهُ بالمدينة ويقول : من يدلّ على كعب بن مالك فطفقّ الناس يشيرون
له(١١) حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابا من ملك غسانَ وكنت كاتبا فإذا فيه : أما بعدُ
فقد بلغني أن صاحبك قد جفاكَ ، ولم يجعلك الله بدار هوان ، ولا مَضْيَعةٍ ،
(٧) في (ح): ((أسوة حسنة)) وليست في البخاري.
(٨) الزيادة من صحيح البخاري .
(٩) في (ك): ((هل حرك اليوم. )) وليست في البخاري .
(١٠) ما بين الحاصرتين ليس في (ح) .
(١١) في (ك): ((يشيرون إليَّ)).
٢٧٦

فالحق بنا نوَاسِك، فقلتُ حين قرأتُها : وهذا أيضاً من البلاءِ ، فتيمِّمْت به التنور
فسجرْتُهُ(١٢) بها حتى إذا مضت لنا أربعون ليلة من الخمسين إذا رسولُ رسولٍ
الله :﴿ يأتيني، فقال: إِن رسولَ الله ﴿ يأمُرك أن تعتزل امرأَتَكَ، فقلتُ:
أطلقها أم ماذا أفعل بها ؟ فقال : لا بَلِ اعتزِلْها ، فلا تقربنها، وأرسل إلى
صاحبيَّ بمثل ذلك ؛ فقلتُ لأمرأتي : إلحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي
الله هذا الأمْرَ .
قال كعب: فجاءتِ إمرأة هلالٍ بن أُميّة رسولَ الله ◌ِله، فقالت: يا
رسول الله إن هلال بن أمية شيخٌ ضائعٌ ليستْ له خادم فهل تكره أن أخدُمَهُ ؟
فقال : لا ولكن لا يقربنْكِ . قالت : إنه والله ما به حركةٌ إلى شيء ، والله ما زال
بيكي مذ كان من أمره ما كان إلى يومي هذا ، فقال لي بعضُ أهلي لو استأذنتَ
رسول الله 18 في إمرأتك كما أذن لبلال بن أمية تخدمه ، فقلتُ: والله لا
أستأذن فيها رسول الله 18، وما يُدريني ما يقول لي رسول الله ﴿ إن استأذَنْتُه
فيها ، وأنا رجلٌ شابٌ .
فلبثتُ بعد ذلك عشر ليالٍ حتى كَمَلَتْ لنا خمسون ليلةٌ من حين نَھَی
رسول الله عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صُبح خمسينَ ليلة ، وأنا
على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى قد
ضاقت عليّ نفسي، وضاقت عليّ الأرض بما رَحُبَت سمعتُ صوت صارخٍ
أوفَى على جَبَّل سَلعٍ (١٣): يا كعب بن مالكٍ أبشر، قال: فخررتُ ساجداً ،
وعرفتُ أنه قد جاء الفرج، وآذن (١٤) رسول الله و18 بتوبة الله علينا حين صلى
(١٢) أي أوقدته بها، أي الكتاب الذي هو الصحيفة، وهذا الصنيع من كعب يدل على قوة إيمانه،
ومحبته لله ورسوله ..
(١٣) هو جبل معروف بالمدينة، وفي رواية معمر: ((من ذروة سلع)) أي: أعلاه.
(١٤) (آذن ) : أعلم .
٢٧٧

صلاة الفجر، فذهبَ الناس يبشروننا وَذَهب قَبِلَ صاحبي مبشرون ، وركضَ
رَجُلٌ إليَّ فرساً، وسَعَى ساع من أسلم فأوفى على الجبل ، وكان الصوت أسرع
إليَّ من الفرس ، فلما جاءني الذي سمعتُ صوته يبشرني نزعتُ ثوْبَيَّ فكسوتهما
إياه بيشراء ، ووالله ما أملك غيرهما يومئذ ، واستعرت ثوبين(١٥) فلبستهما
وانطلقت إلى رسول الله ﴿ فتلقّاني الناس فَوْجاً فوجاً يُهنونني بالتوبة يقولون:
ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فقام إليَّ طلحةُ بن عبيد الله يُهَرول
حتى صافحني وهنأني ما قام إليَّ رَجُلٌ من المهاجرين غيرهُ ولا أنساها لطلحة قال
رسول الله 18 وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مرّ عليك مُذ ولدتك
أُمُك. قلت: أمِنْ عندك يا رسول الله، أم من عند الله [تعالى ]؟ قال: لا بَلْ
من عند الله تبارك وتعالى .
وكان رسول الله وَ﴿ إذا بُشِّر ببشارةٍ يبرق وجههُ حتى كأنه قطعة قمر ، وكنا
نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع
من مالي صدقة إلى الله عز وجل وإلى الرسول، قال رسول الله صل#: ((أمسك
[ عليك ] بعض مالك فهو خيرٌ لك ، فقلت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر ،
وقلت : يا رسول الله إن الله عز وجل إنما نجاني بالصدق وإن من توبتي أني ألا
أحدث إلا صدقاً ما بقيتُ ، فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين ابتلاه الله في
صدق الحديث مذ ذكرتُ ذلك لرسول الله ﴾﴾ أحسن مما ابتلاني ما تعمدت مذ
ذكرت ذلك لرسول الله* إلى يومي هذا كذبا، وإني لأرجُوْ أن يحفظني الله
تعالى] فيما بقي، وأنزل الله عز وجل على رسول الله وله: ﴿لقد تابَ الله على
النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العُسْرَةِ من بعدما كادَ يَزِيغُ
قلوبُ فريقٍ منهم ، ثُمَّ تابَ عليهم إنه بهم رءوفٌ رحيم ، وعلى الثلاثة الذين
خُلِّقُوا حتى إذا ضاقَتْ عليهم الأرضُ بما رَحُبَتْ وضاقَتْ عليهم أنفسهم وظنوا أن
(١٥) استعارهما من أبي قتادة . قاله الواقدي .
٢٧٨

لا مَلْجأُ من الله إلا إليه، ثم تابَ عليهم ليتوبوا إنّ الله هو التوّابُ الرحيم ، يا
أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾(١٦). فوالله ما أنعم الله عليٍّ من
نعمةٍ بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله و * يومئذٍ أن
لا أكون كَذَبْتُهُ ، فأهلك كما هلك الذين كذبوه ، فإن الله عز وجل قال للذين
كذبوه حين نزل الوَحْيُ شرَّ ما قال لأحدٍ، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿سيحلفون
بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجسٌ ومأواهم
جهنم جزاءً بما كانوا يكسبون ، يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن
الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ﴾(١٧).
قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثةُ عن أمر أولئك الذين قَبِلَ منهم رسول
اللهِ وَ﴿ حين حَلفوا لهم فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله وَّهِ أَمْرَنا حتى
قضى الله فيه، فبذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿وعلى الثلاثة الذين خُلفوا﴾
وليس الذي ذكر الله تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفُه إيانا وإرجاؤه أمرنا ممن
حَلفَ واعتذَرَ، فقبل منه رسول الله الصادر .
رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن بُكير ، وأخرجه مسلم من وجه
آخر عن الليث(١٨).
(١٦) الآيات الكريمة (١١٧ - ١١٩) من سورة التوبة.
(١٧) [ التوبة - ٩٥ - ٩٦ ].
(١٨) أخرجه البخاري في : ٦٤ - كتاب المغازي ، (٧٩) باب حديث كعب بن مالك ، الحديث
(٤٤١٨)، فتح الباري (٨: ١١٣ - ١١٦)، وأخرجه البخاري أيضاً في الوصايا وفي الجهاد،
وفي صفة النبي # ، وفي وفود الأنصار، من المناقب، وفي موضعين من المغازي ، وفي
موضعين في التفسير ، وفي الاستئذان ، وفي الاحكام ، مطولاً ومختصراً .
وأخرجه مسلم في : ٤٩ - كتاب التوبة ، (٩) باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه الحديث
(٥٣)، ص (٤ : ٢١٢٠ - ٢١٢٨).
٢٧٩

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [ قال ](١٩) أنبأنا أبو جعفرِ البغدادي [ قال ]:
حدثنا أبو عُلاثة [ قال ] : حدثنا أبي [ قال] : حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود
عن عروة (ح).
وأخبرنا أبو الحُسين بن الفضل القطان [ قال]: أنبأنا أبو بكر بن
عتاب العبدي ، [ قال ]: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة ، [ قال] :
حدثنا ابن أبي أويس، [قال ] : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، عن
موسى بن عقبة، قالا: ثم أقبل رسول الله وَ اي قافلاً ،حتى إذا دنا من المدينة تلقاه
عَامَّةُ الذين تخلفوا عنه، فقال رسول الله وَله لأصحابه، لا تكلموا رَجُلاً منهم
ولا تجالسوهم حتى آذَنَ لكم، فأعرض عنهم رسول الله وِّلتر والمؤمنون حتى إن
الرجل ليُعْرِضَ عن أبيه وعن أخيه وحتى إِنَّ المرأة لتُعرض عن زوجها ، فمكثوا
بذلك أياماً حتى كَرِبَ الذين تخلفوا وجعلوا يعتذرون إلى رسول الله وصايه بالجهد
والاسقام ، ويحلفون له فرحمهم وبايعهم واستغفر لهم .
زاد موسى بن عقبة في روايته: قال ابن شهاب: بلغ رسول الله صل* في
غزوته تلك تبوكاً ، ولم يجاوِزْهَا وأقام بضع عشرة ليلة ، وذكر أن المنافقين الذين
كانوا تخلفوا عنه بضعة وثمانون رجلاً، وذكر أن إِذْرَجَ كانت فيما صالح عليه
يومئذٍ ثم اتفقا، وكان فيمن يخلف رسول الله و # ثلاثة نفر الذين ذكر الله في
كتابه بالتوبة منهم : كعب بن مالك السِّلمي ، وهلال بن أُميَّة الواقفي ، ومُرارةٌ
ابنُ الربيع العَمْريُّ ، وفي رواية عروة العامري ثم ذكرا قصة كعب بن مالك ،
يزيدان وينقصان ، فمما زادا تسميةُ ملك غَسَّانُ بجبلة بن الأيهم ، وذكر أنهم
خرجوا من أهاليهم إلى البريّة فضربوا الفساطيط يأوونَ إليها بالليل ، ويتعبدون لله
في الشمس بالنهار حتى عادوا أمثال الرهبان ، ثم ذكرا رجوع كعب إلى سّلع
(١٩) الزيادة من (ك) وكدا في سائر الخبر .
٢٨٠
9