النص المفهرس

صفحات 261-280

أنَّ امرأة يهودية أهْدَت إلى النبي ◌َّهِ شَاةٌ مَصْلِيَّة(٦) بخيبر فقال ما هذه
فقالت هدّيةٌ وحَذِرت ان تقول: من الصَّدقه فلا يأكل، قال: فأكل النبي ◌َّ ،
وأكل أصحابُه ثم قال : امسكوا، ثم قال للمرأة: هل سمعت هذه الشاة ؟
قالت : من أخبرك هذا؟ قال : هذا العظمُ لساقها ، وهو في يده . قالت : نعم،
قال : لم ؟ قالت : أردت ان كنت كاذباً ان يستريح منك الناس ، وان كنت نبياً
لم يَضُرّك، قال فاحتجم النبي ◌َّي على الكاهل وأمر أصحابه فاحتجموا فمات
بعضهم قال الزهري فاسلمتْ فتركها النبي ◌ََّ قال معمرٌ وأما الناس فيقولون قتلها
النبي ◌َل (٧) .
(٦) (مصلية ) = مشوية .
(٧) نقلة ابن كثير في التاريخ (٤: ٢١٠) عن المصنف وقد اختلف في : إسلام زينب بنت الحارث
التي أهدت الشاة المسمومة، وفي قتلها :
اختلف في إسلام زينب بنت الحارث التي أهدت الشاة المسمومة وفي قتلها ، ((أما إسلامها ؛
فروى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري انها اسلمت، وان رسول الله # - تركها . قال
معمر: والناس يقولون قتلها . وجزم بإسلامها سليمان التيمي في مغازيه ولفظه بعد قولها: ((وإن
كنت كاذباً أرحت الناس منك ، وقد استبان لي أنك صادق ، وأنا أشهدك ومن حضرك أني على
دينك ، وأن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، قال : وانصرف عنها حين أسلمت .
وأما قتلها وتركها، فروى البيهقي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه - يقلل ما عرض لها؛ وعن
جابر قال: فلم يعاقبها رسول الله وَّار، وروى ابن سعد عن شيخه محمد بن عمر بأسانيد له
متعددة هذه القصة ، وفي آخرها فدفعها إلى اولياء بشر بن البراء فقتلوها قال محمد بن عمر: وهو
أثبت وروى أبو داود من طريق الزهري عن جابر نحو رواية معمر عنه، والزهري لم يسمع من جابر ،
ورواه ايضاً عن أبي هريرة .
قال البيهقي - رحمه الله - يحتمل أن يكون تركها اولاً، ثم لما مات بشر بن البراء من الأكلة
قتلها . وبذلك اجاب السُّهيلي - رحمه الله تعالى - وزاد : أنه تركها ، لأنه كان لا ينتقم لنفسه ، ثم
قتلها ببشر قصاصاً .
قال الحافظ - رحمه الله تعالى - : يحتمل ان يكون تركها اولاً، ثم لما مات بشر لكونها اسلمت ،
وإنما أخر قتلها حتى مات بشر لأن بموته يتحقق وجوب القصاص بشرطه .
وروى أبو سعد النيسابوري: أنه - # - قتلها وصلبها، فالله أعلم.
٢٦١

هذا مرسلٌ ويحتمل أن يكون عبد الرحمن حَمّلَهُ عن جابر بن عبد الله ،
فقد أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري، قال : أخبرنا أبو بكرٍ محمد بن
بكر، قال : حدثنا أبو داود السجستانيُّ، قال : حدثنا سليمان بن داود المهريُّ ،
قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرنا يونس ، عن ابن شهاب ، قال : كان جابر
ابن عبد الله يحدِّث ان يهودية من أهل خيبر سَّمت شاةٌ مَصْليَّة ثم أهدتها لرسول
اللهِ وَلّر، فأخذ رسول الله و # الذراع فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه ،
ثم قال لهم رسولُ الله ◌َلخرارفعوا ايديكم، وأرسل رسول الله صل# إلى اليهودية
فدعاها، فقال لها : أسممت هذه الشاة ؟ قالت اليهودية: من أخبرك ؟ قال :
أخبرتني هذه في يدي للذراع ، قالت : نعم ، قال : فما أردتِ إلى ذلك ؟
قالتَ : قلتُ ان كان نبياً فلن يَضرَّهُ، وان لم يكن نبياً استرحنا منه . فعفا عنها
رسول الله وَّر ولم يعباقبها، وتوفّى بعض أصحابه الذين اكلوا من الشاة ،
واحتجم رسول الله # على كاهِلِه من أجل الذي أكل من الشاة حجمه أبو هندٍ
بالقريه والشفرة، وهو مولى النبي ◌َّله من بني بياضة من الأنصار (٨).
وأخبرنا أبو علي، قال : أخبرنا أبو بكر قال حدثنا ابو داود قال حدثنا وهب
ابن بقية قال حدثنا خالد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة أن رسول الله واله
اهدتْ له يهودية بخيبر شةً مَصْلية نحو حديث جابر ، قال : فمات بشر بنُ البرآءِ
ابن مَعْرورٍ، فأرسل إلى اليهودية: ما حملكِ على الذي صنعتٍ ؟ يذكر مثل
حديث جابر . فأمَرَ بها رسول الله وَّ فَقْتَلت ، ولم يذكر أمر الحجامة .
قلت ورويناه عن حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرٍو، عن أبي سلمة ،
عن أبي هريرة ، ويحتمل أنه لم يقتلها في الأبتداء ، ثم لما مات بشر بن البراءٍ
(٨) في (ح) مولى لبني بياضة من الأنصار، والخبر نقله ابن كثير عن المصنف في البداية والنهاية
(٤ : ٢١٠).
٢٦٢

أمَرَ بقتلها والله أعلم(٩).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو جعفر البغدادي ، قال :
حدثنا أبو عُلاثة ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا ابن لهيعة ، قال : حدثنا أبو
الاسود ، عن عروة بن الزبير .
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل ، قال : أخبرنا أبو بكر بن عتاب ، قال :
حدثنا القاسم الجوهري، قال : حدثنا ابن أبي اويس ، قال : حدثنا اسماعيل
ابن ابراهيم عن عمه موسى بن عقبة (ح).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا اسماعيل بن محمد بن الفضل
ابن محمد الشعراني، قال : حدثنا جدي ، قال : حدثنا إبراهيم بن المنذر
الحزامي قال : حدثنا محمد بن فليح ، قال : حدثنا موسى بن عقبة ، عن ابن
شهاب ، قال: لما فتح رسول الله وَّر خيبر، وقتل من قتل منهم أهدت زينب
بنت الحارث اليهودية وهي ابنة أخي مرحب لصفية شاه مَصْلِيَّة، وسمتها وأكثرت
في الكتف والذراع لأنه بلغها أنه أحبَّ اعضاءِ الشاةِ إلى رسول الله وَّر، فدخل
رسول الله ◌َّ على صفية ومعه بشر بن البراءِ بن مَعْرُور أخو بني سلمة، فقدَّمتْ
اليهم الشاةَ المَصْلِيَّة، فتناول رسول الله وَلفي الكتف وانتهش منها ، وتناول بشر بن
البراءِ عَظْماً فانتهش منه، فلما اسْترط رسول الله وٍَّ لِقْمَتُهُ استرط بشر بن البراءِ
ما في فيه ، فقال رسول الله وَّهِ: ارفعوا ايديكم، فإِنَّ كَتِفَ هذه الشاة يخبرني
أن قد بُغيتْ فيها ، فقال بشر بن البراءِ : والذي أكرمك لقد وجدتُ ذلك في
أكلتي التي أكلتُ فما منعني ان ألفظها إلا أني أعظمت ان انغصك طعامك ،
فلما أسغت ما في فيك ، لم أكن أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت ان لا تكون
استرطتها وفيها بغي ، فلم يقم بشرٌ من مكانه حتى عاد لونه مِثل الطيلسان ،
(٩) راجع الحاشية (٧).
٢٦٣

وماطله وجعه حتى كان لا يتحوَّل الى ما حُوَّل(١٠).
قال جَابرٌ: وفي رواية ابن فليح عن موسى قال الزهري قال جابر بن عبد الله:
واحتجم رسول الله وَلقر على الكاهل يومئذٍ حجمه مولى بياضة بالقون والشفرة،
وبقي رسول الله ( # بعده ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيهفقال: ما
زلتُ أجدُ من الأكلة التي أكلتُ من الشاة يوم خيبر عدداً حتى كان هذا أوان
انقطع الأبهر مني، فتوفي رسولُ اللهِ وَلِ شهيداً (١١).
هذا لفظ حديث موسى بن عقبة وفي رواية ابي الاسود عن عروة معناه الا
أنه لم يذكر قول جابر بن عبد الله في الحجامة(١٢).
(١٠) رواية موسى بن عقبة نقل بعضها ابن كثير في التاريخ (٤: ٢١٠)، واختصرها ابن عبد البر في
الدرر (٢٠٤).
(١١) فتح الباري (٨ : ١٣١).
(١٢) الحجامة («Cupping)» هي فصد قليل من الدم من على سطح الجلد باستخدام كأس زجاجي
خاص ، وهو ما يطلق عليه اسم (( كاسات الهواء)).
والحجامة على نوعين: حجامات جافة، وحجامات رطبة .
ففي الحجامة الجافة يسخن الهواء بداخل الكأس فيتمدد بالحرارة وعند ملامسته للجلد يبرد
الهواء فينكمش ويقل حجمه فيحدث فراغاً داخل الكأس يجذب الجلد الى داخل الكأس وبه
کمیة من الدم .
تفيد في تخفيف الآلام (الروماتيزمية )، واوجاع الصدر، حيث تنشط الدورة الدموية ، وتفيد
حالات عسر البول، Anuria الناتجة عن التهاب الكلية.
أما الحجامة الرطبة فتختلف عن الحجامة الجافة بإحداث جروح سطحية بالمشرط طول كل منها
حوالي ٣ سم، ثم توضع الكأس بنفس الطريقة السابقة فتمتص بعض الدم من مكان المرض ،
وتستعمل الطريقة الرطبة على ظهر القفص الصدري في حالات هبوط القلب المصحوب بارتشاح في
الرئتين، وفي بعض امراض القلب لتخفيف الاحتقان الدموي ، وفي آلام المفاصل .
٢٦٤

باب
وقوع الخبر بمكة وۇُرُودِ الحجاج
ابن عِلَاطٍ(١) على أهلها لأخذ ماله
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا ابو جعفر البغدادي قال حدثنا أبو
علاثة، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا ابن لهيعة ، قال : حدثنا أبو الاسود عن
عروة (ح).
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل ، قال : حدثنا أبو بكر بن عتاب، قال :
حدثنا القاسم الجوهري ، قال : حدثنا ابن أبي أويس ، عن إسماعيل بن
إبراهيم بن عقبة : عن موسى بن عقبة ، قالا : وكان بين قريش حين سمعوا
بخروج رسول الله﴿ إلى خيبر تراهنٌ عظيمٌ ، وتبايعٌ ، منهم من يقول: يظهر
محمدٌ وأصحابه، ومنهم من يقول : يظهر الحليفان، ويهودُ خيبر، وكان الحجاج
ابن ◌ِلاطِ السُّلميُّ ثم البهزي أسلم، وشهد مع رسول الله صل# فتح خيبر، وكانت
تحته أمّ شيبة أخت بني عبد الدار بن قصيّ ، وكان الحجاج مكثراً من المال
كانت له معادية ارض بني سُليم، فلما ظهر النبي ﴿ على خيبر قال الحجاج بنُ
(١) في السيرة النبوية لابن هشام (٣: ٢٩٩) ((السلمي ثم البهزي. وفي السيرة الحلبية ٣: ٦٠ هو
أبو نصر بن حجاج الذي نفاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما سمع ام الحجاج بن يوسف
الثقفي تهتف به وتقول.
هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
٢٦٥

عِلاطٍ: يا رسول الله! إنَّ لي ذهباً عند امرأتي ، وإِن تعلم هي وأهلها بأسلامي،
فلا مال لي فأُذَنْ لي يا رسول الله فأُسْرِع السير، ولاسبق الخبر، وذكر الحديث
ومعناه فيما أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، قال : أخبرنا عبد الله بن
جعفر بن درستويه ، قال : حدثنا يعقوب بنُ سفيان ، قال : حدثنا زيد بن
المبارك ، قال : حدثنا محمد بن نور ، عن معمر، قال : سمعتُ ثابتاً البُنائِّي،
عن انس، قال: لما فتح رسول اللّهِ وَلل خيبر، قال الحجاج بن علاطٍ: يبا
رسول اللّه إنَّ لي بمكة مالاً وان لي بها أهلاً، وأنا اريد إتيانهم ، فأنا في حلٍ ان
أنا فِلتُ منك، وقلتُ شيئاً، فأذِنَ له رسول الله وهو أن يقول ما شاء، فقال:
لأمرأته حين قدم : أخْفٍ عليَّ واجمعي ما كان عندك لي ، فإني أريد أن أشتري
من غنائم محمد وأصحابه، فانهم قد استجيبوا وأصيبت أموالهم ففشا ذلك
بمكة ، فاشتدَّ على المسلمين وابلغ منهم وأظهر المشركون فرحاً وسروراً، وبلغ
الخبر العباس فعُقِر، وجعل لا يستطيع أن يقوم .
قال معمرٌ : فأخبرني عثمان الجزري، عن مقسم قال فأخذ العباس ابناً له
يقال له قُثُمُ، واستلقى ووضعه على صدره ، وهو يقول :
حيّ قُثم شبه ذي الأنف الأشم نبي ذي النعم برغم من زعم
قال معمر : في حديث أنس ؛ فأرسل العباس غلاماً له إلى الحجاج أن
ويلك ما جئت به وما تقول فالذي وعَدّ الله خيرً مما جئت به ، قال الحجاجُ: يا
غلام أقرىء أبا الفضل السلام ، وقل له : فليخلِّ لي في بعض بيوتهٍ فآتيه فان
الخبر على ما يسرَّهُ ، فلما بلغ العبد باب الدار ، قال : ابشر يا أبا الفضل فوثب
العباس فرحاً حتى قبّل ما بين عينيه، فاخبره بقول الحجاج، فاعتقه، ثم جاء
الحجاج فأخبره بافتتاح رسول الله وَّر خيبر ، وغنم أموالهم وان سهام الله قد
جرت فيها، وإن رسول الله وَ﴿ اصطفى صفيّة بنت حُييّ لنفسه وخَيِّرها أن يُعْتقها
وتكون زوجتهُ ، أو يلحقها بأهلها ، فاختارت ان يُعتقها وتكون زوجته، ولكن
٢٦٦

جئت لمال كان هاهنا أن اجمعه، فاذهب به، وإني استأذَنْتُ رسول اللّهِ وَ يَ ان
أقول، فأَذِنَ لي أن اقول ما شئت، فَاخْفٍ عليَّ يا أبا الفضل ثلاثا، ثم اذكر ما
شئت .
قال فجمعتْ له امرأته متاعه، ثم انشمر ، فلما كان بعد ثلاثٍ أتى العبّاس
امرأة الحجاج، فقال : ما فعل زوجُكِ؟ قالت : ذهب وقالت: لا يُحْزنُكَ الله
يا أبا الفضل ، لقد شقّ علينا الذي بلَغَك، فقال: أجل لا يحزنني الله، ولم
يكن بحمد الله إلا ما أحببنا فَتَحَ الله على رسوله، وجرت سهام الله في خيبر ،
واصطفى رسول الله وَّ صفية، لنفسه، فان كان لك في زوجك حاجةٌ فالحقي
به ، قالت : اظنك والله صادقاً. قال : فاني والله صادقٌ، والأمر على ما أقول
لك .
ثم ذَهَبَ حتى أتى مجالس قريش وهو يقول إذا مَرَّ بهم: لا يصيبك الأَّ
خيرٌ يا أبا الفضل ، قال: لا يصيبني الا خيرٌ والحمد لله خبرَّني الحجاج بكذا
وكذا ، وقد سألني ان اكتم عليه ثلاثاً لحاجته، فردّ الله ما كان بالمسلمين من كآبةٍ
وجزع على المشركين ، وخرج المسلمون من مواضعهم، حتى دخلوا على
العباس فأخبرهم الخبر .
وفي رواية عروة فدعا العباس ابنا له يُدْعِىَ قُثَمْ وَكان يشبه رسول الله وَّلـ
فجعل يرتجز به تشدَّداً لاعداءِ الله ويقول. وهو يرتجز .
فحزت بالأنف الأشم
يا ابن شَيْبَةً ذى الکرَمْ
يا بن ذي نعم برغم من زعم
وسقط الرِّجزُ من رواية موسى بن عُقبة.
ورواه عبد الرزاق عن معمر وقال في الرَّجْزِ .
٢٦٧

خَيّى
قُشَمْ شبيه ذي الأنف الأشمُ
نبيّ ذي النعم برغم من زعم
أخبرنا، أبو عبد الله الحافظ ، وابو بكر القاضي قالا : حدثنا أبو العباس هو
الأصم، قال : حدثنا محمد بن إسحاق الصغَّاني، قال : محمد بن غيلان ،
قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر فذكره بمعناه(٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده)) (٣: ١٣٨ - ١٣٩)، عن عبد الرزاق ، عن معمر، عن ثابت،
عن أنس ، وأخرجه ابن هشام في السيرة (٣ : ٢٩٩) عن ابن إسحاق، وعنه نقله المصنف، وعن
المصنف نقله ابن كثير في تاريخه (٤ : ٢١٥)، والصالحي في السيرة الشامية (٥ : ٢١٦).
٢٦٨

باب
انصراف رسول الله ◌َ من خيبر وتوجهه الى وادي القرى(١) وما قَال
في شأن من اصِيْبَ وقد غَلَّ في سبيل الله عز وجَلّ
أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري ، قال : أنبأنا أبو بكرٍ بن
داسة قال حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ثور بن زيد
الديلي ، عن أبي الغيث مولى ابن مطيع، عن أبي هريرة، انه قال : خرجنا مع
رسول الله ◌َي عام خيبر فلم نغنم ذهباً ولا وَرِقاً الا الثياب والمتاع والاموال،
قال: فوجَّه رسول الله وَلَ نحو وادي القُرى وقد أُهْدِيّ لرسول الله وله عبداً أسود
يُقال له مِدْعَمٌ، حتى إذا كانوا بوادي القرى فبينما مِدْعَمٌ يَخُطُّ رحل رسول الله
وَ إذجاءه سَهْمٌ فقتله، فقال الناسُ: هنيئاً له الجنَّةُ، فقال رسول اللهِ وَلل كلا
والذي نفسي بيده إنَّ الشَّملة(٢) التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تُصبها
المقاسم لتشتعل عليه ناراً، فلمّا سمعوا بذلك جاء رجل بشراك وشراكين إلى
رسول الله ( 8* فقال رسول الله وَلير: شراك من نار أوْ شراكان من نار .
رواه البخاري في الصحيح عن ابن ابي اويس عن مالك ، ورواه مسلم
عن القعنبي .
(١) وادي القرى : واد كثير القرى بين المدينة والشام ، وقيل : مدينة قديمة بين المدينة والشام ..
(٢) الشملة : كساء غليظ يلتحف به .
٢٦٩

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو عبد الله : محمد بن أحمد
الأصبهاني، قال : حدثنا الحسن بن الجهم بن مصقلة ، قال : حدثنا الحسين
ابن الفرج، قال : حدثنا الواقدي، قال : حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز ،
عن الزهري ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: خرجنا مع رسول الله ولاه
من خيبر الى وادي القرى، وكان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي، قد وَهَبَ
لرسولِ الله وَّ عَبْدَاً أسود يقال له: مِدْعم، وكان يُرَحِّلُ لرسول اللهِوَ لَّ، فلما
نزلنا بوادي القُرى انتهينا إلى يهود، وقد ثوىَ إليها ناسٌ من العرب فبينما مِدْعَمٌ
يَحْطُّ رَحْلَ رسول الله وََّ، وقد استقبلتنا يهودُ بالرمي حيث نزلنا، ولم نكن على
تعبئةٍ وهم يصيحون في آطامهم(٣)، فيُقبِلُ سَهمٌ عائر (٤) أصاب مِدْعماً فقتله، فقال
الناسُ: هنيئاً له الجنَّةُ، فقال النبي ◌ََّ: كَلَّ، والذي نفسي بيده إنَّ الشَّمَلَة
التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم يصبها المَقُسم لتَشْتَعِلُ عليه ناراً ، فلما سمع
بذلك الناس جَآءَ رجلٌ إلى رسول اللهِوَّ بشراكٍ وشراكين، فقال النبي ◌ِّ:
شراكٍ من نارٍ او شراكان من نارً .
وعبى(٥) رسول الله صلّ أصحابه للقتال، وصَفَّهمُ ودفع لواءه الى سَعْدٍ بن
عبادة ، وراية الى الحُباب بن المنذر، وراية الى سهل بن حُنيف ، وراية الى
عَبَّادِ بن بشرٍ، ثم دعاهم إلى الإِسلام ، وأخبرهم انهم ان اسلموا احرزوا
أموالهم ، وحقنوا دماءهم ، وحسَابُهُم على الله ، فبرز رجل منهم ، فبرز اليه
الزبير بن العوام ، فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه عليّ فقتله، ثم برز آخر فبرز اليه
أبو دُجانة فقتله، حتى قُتِل منهم احَدَ عشر رجلاً، كلما قُتِل منهم رجل دَعًا من
(٣) أخرجه البخاري في: ٦٤ - كتاب المغازي، (٣٨) باب غزوة خيبر، وأخرجه مسلم في : ١ -
كتاب الإيمان ، (٤٦) باب غلظ تحريم الغلول وانه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون.
(٤) ( سهم عائر): لا يدری رامیه .
(٥) في (أ) و(ح): رسمت: ((فعبا)).
٢٧٠

بقي إلى الإِسلام، ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذٍ فيصلي بأصحابه ، ثم يعود
فيدعوهم إلى الله ورسوله ، فقاتلهم حتى أمسْوا، وَغَدا عليهم فلم ترتفع الشمسُ
قيد رُمحٍ حتى أعطوا بايديهم وفتحها عنوة ، وغَنَّمهُ الله أموالهم وأصابوا اناثاً
ومتاعاً كثيراً .
فَأَقام رسول الله وَّر بوادي القرى أربعة ايام ، وقسم ما أصاب على
أصحابه بوادي القُرَى وترك الارض والنخل بايدي يهودَ، وعاملهم عليها فلما بلغ
يهود تيماءَ ما وَطىء به رسول الله وَچر وفدك ووادي القرى، صالحوا رسول الله
تَّ على الجزية ، وأقاموا بايديهم باموالهم .
فلما كان عُمَر بن الخطاب أخرج يهود خيبر وفدك، ولم يخرج أهل تيماءٍ
ووادي القرى ، لأنهما داخلتان في أرض الشام، ويرى ان ما دون وادي القرى
الى المدينة حجاز ، وأن ما وراء ذلك من الشام.
فانصرف رسول الله وَ ◌ّل﴿ راجعاً بعد ان فرغ من خيبر، ومن وراء وادي
القرى وغنمّه الله(٦).
قال الواقدي: حدثني يعقوب بن محمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن
صعصعة، عن الحارث ، عن عبد الله بن كمْب، عن أم عمارة، قالت : سمعتُ
رسول الله وَ* بالجرف وهو يقول لا تطرقوا النساء بعد صلاة العشاء، قالت :
فذهب رجلٌ من الحيّ فطرق أهله فوجد ما يكره، فخلى سبيلها ولم يَهِجْهُ(٧)
وَضّن بزوجته ان يفارقها وكان له منها أولادٌ وكان يُحبها فَعْصَى رسول الله وَّر فرأى
ما يكره(٨).
(٦) رواه الواقدي في المغازي (٢: ٧٠٩ - ٧١١)، ونقله ابن كثير (٤ : ٢١٢).
(٧) اي لم يزعجه وينفره.
(٨) مغازي الواقدي (٢ : ٧١١ - ٧١٢).
٢٧١

باب
ما جاء في نومهم عن الصلاة حتى انصرفوا
من خيبر ، وما ظهر في ذلك الطريق من آثار النبوة
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا اسماعيل بن أحمد قال : انبأنا
محمد بن الحسن بن قتيبة ، قال : حدثنا حرملة ، قال : أخبرنا ابن وهب (ح).
وأخبرنا أبو علي الروذباري، قال : أخبرنا أبو بكر بن داسة ، قال : حدثنا
ابو داود، قال : حدثنا احمد بن صالح ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال أخبرنا
يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله وله
حين قفل(١) من غزوة خيبر فَسارَ ليلة حتى إذا ادركنا الكرى عَرَّسَ (٢) وقال لبلالٍ
((اكلاً لنا الَّلْيل))(٣) قال فغلَبتْ بلالاً عيناه وهو مستند إلى راحلته [ مواجه
الفجر](٤) فلم يستيقظ النبي ﴿ ولا بلال ولا أحدٌ من أصحابه حتى ضربتهم
الشمس، فكان رسول الله وَ﴿ أَوَّلهم استيقاظاً، ففزع رسول الله وَّر، فقال: يا
(١) (قفل من غزوة خيبر) اي رجع. والقفول الرجوع. ويقال: غزوة وغزاة.
(٢) (أدركه الكرى عرس) الكرى النعاس. وقيل: النوم. يقال منه : كرى، كرضى ، يكرى
كرى ، فهو كرٍ وامرأة كرية . والتعريس نزول المسافرين آخر الليل للنوم والاستراحة . هكذا قاله
الخلیل والجمهور. وقال ابو زيد : هو النزول اي وقت کان من ليل او نهار.
(٣) (اكلأ لنا الفجر) اي ارقبه واحفظه واحرسه. ومصدره الكلاء.
(٤) (مواجه الفجر) أي مستقبله .
٢٧٢

بلال ! قال : اخذ بنفسي الذي اخذ بنفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال:
فاقتادوا(٥) رواحلهم شيئاً، ثم توضأ النبي وَله وأمَرَ بلالاً فأقام لهم الصلاة،
وصلى لهم الصبح فلما قَضَى الصلاة، قال: (( من نسيَ صلاةٌ فليصلَّها إِذا
ذَكَرَها، فان الله تعالى قال: أقم الصلاة لذكري)). (٦).
قال يونس وكان ابن شهاب يقرأها كذلك قال احمد قال عنبسة يعني عن
يونس في هذا الحديث لِذكرى لفظ حديث احمد بن صالح .
رواه مسلم في الصحيح عن حرملة بن(٧) يحيى كذا في رواية سعيد بن
المسيب عن أبي هريرة ان ذلك كان عند منصرفهم من خيبر وكذلك رواه مالك
في الموطأ عن الزهري عن ابن المسيب مرسلاً .
وأخبرنا أبو أحمد عبد الله بن محمد بن الحسن المهرجاني العدل، قال :
أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر المزكي قال حدثنا أبوعبد الله محمد بن إبراهيم
البوسنجي ، قال حدثنا ابن بكير ، قال حدثنا مالك ، عن زيد بن أسلم أنه قال :
عَرَّسَ رسول الله بِّه ليلة بطريق مكة ، ووكَّلَ بلالاً ان يوقظهم للصلاة فرقد بلالٌ
ورقدوا، حتى استيقظوا وقد طلعت عليهم الشمس، فاستيقظ القوم وقد فرغوا
فامرهم رسول الله وَّر أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، فقال : ان هذا
وادٍ به شيطان، فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي، ثم أمرهم رسول اللّه وَالقر أن
ينزلوا، وأن يتوضؤوا، وأمر بلالاً أن ينادي بالصلاة، ويقيم فصلَّى رسول اللّهِ الَّ
بالناس ثم انصرف وقد رأى من فزعهم فقال ايها الناس ان الله قبض أرواحنا ولو
شاء ردَّها الينا في حين غير هذا فإِذا رقد احدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع
(٥) ( اقتادوا) اي قودوا رواحكم لأنفسكم آخذين بمقاودها.
(٦) [ طه - ١٤ ].
(٧) مسلم في : ٥ - كتاب المساجد ، (٥٥) باب قضاء الصلاة الفائتة ، واستحباب تعجيل قضائها
الحديث (٣٠٩)، ص (١ : ٤٧١)، عن حرملة بن يحيى.
٢٧٣

إليها فليصلها كما كان يُصليها في وقتها، ثم التفت رسول اللّه وَّةٍ إلى أبي بكر
الصديق ، فقال : ان الشيطان أتى بلالاً وهو قائمٌ يصلي فلم يزل يُهدِّثُهُ كما
يُهدي الصبيُّ حتى نام، ثم دعا رسول الله وَّرُ بلالاً فاخبر بلالٌ رسول اللّهِ وَه
مثل الذي أخبر رسول اللّه وَ ر أبا بكر الصديق، فقال أبو بكر: اشهد انك رسول
في هذا الحديث المرسل عن زيد بن اسلم أن ذلك كان في طريق مكة .
وقد روينا عن عبد الله بن مسعود في نومهم عن الصلاة حين رجعوا من
الحديبية .
وأخبرنا أبو علي الروذباري، قال : أخبرنا أبو بكر بن داسة ، قال : حدثنا
أبو داود، قال : حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا
شعبة ، عن جامع بن شداد، قال : سمعت عبد الرحمن بن أبي علقمة ، قال :
سمعت عبد الله بن مسعود، قال: أقبلنا مع رسول الله صل18 زمن الحديبية ،
فقال: النبي ◌َلّى: من يكلؤنا فقال بلال انا فناموا حتى طلعت الشمس فاستيقظ
النبي ◌َّه، فقال : افعلوا كما كنتم تفعلون ، قال : ففعلنا قال فكذلك فافعلوا
لمن نام أو نسي(٩).
كذا قال غندرٌ وغيره عن شعبة ان الذي حرسهم ليلتئذ كان بلالاً ، وكذلك
قاله يحيى القطان في إحدى الروايتين عنه ، وروى عنه وعن عبد الرحمن عن
شعبة أن الحارس كان عبد الله بن مسعود، وكذلك قاله عبد الرحمن بن عبد الله
المسعودي عن جامع بن شدادٍ .
أخبرناه علي بن أحمد بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد قال حدثنا الحسن
ابن سهل المُجَوَّزُ ، قال : حدثنا قرة ، قال حدثنا المسعودي، عن جامع بن
(٨) مالك في الموطأ في كتاب الصلاة، (٢٦).
(٩) أخرجه أبو داود في الصلاة، الحديث (٤٤٧) صفحة (١ : ١٢٢) عن محمد بن المثنى
٢٧٤

شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة الثقفي، عن عبد الله بن مسعود قال لما
انصرفنا من غزوة الحديبية قال لنا رسول الله # من يحرسنا الليلة؟ فقال عبد الله
فقلت : أنا يا رسول الله فقال انك تنام ثم عاد من يحرسنا الليلة ؟ فقلت : أنا ثم
اعاده مراراً فقلت أنا يا رسول اللّه فقال رسول الله وَلل فأنت قال فحرستُهم حتى
إذا كان وجه الصبح أدركني قول رسول اللّه ◌َ﴿ انك تنام، فنمتُ فما أيقظنا إلا
حَرُّ الشمس في ظهورنا، فقام رسول اللّه ◌َّر فصنع كما كان يصنع في الوضوء
وركعتي الفجر ثم صلى بنا الصبح ، فلما انصرف قال : ان الله عز وجل لَوْ أراد
ان لا تناموا عنها لم تناموا عنها ، ولكن أراد أن تكون لمن بعدكم، فهكذا من نام
أو نسي .
قال : ثم ان ابل القوم تفرقت، فخرج الناس في طلبها فجاؤا بإِبلهم
إلاّناقة رسول اللّه وَله. قال عبد الله: فقال لي رسول اللّه المشهور: خذها هاهنا،
فأخذتُ حيثُ قال لي فوجدتُ زمامها قد التوى على شجرة والله ما كانت تحلّها
يد، فجئت بها رسول اللّه وَه، ونَزَلَتْ على رسول الله وَّ إنا فتحنا لك فتحاً
مبيناً .
كذا قال في هذه الرواية وقد روينا عن يوسف بن بكير عن المسعودي هذه
القصة بعد ذكر نزول سورة الفتح مرجعهم من الحديبية فيشبه ان يكون التاريخ
لنزول السورة دون هذه القصة فان كان التاريخ لهما جميعاً فيشبه والله أعلم ان
يكون نومهم عن الصلاة وقع مرجعهم من الحديبية ثم وقع مرجعه من خيبر ، وقد
روى عمران بن حصين وأبو قتادة الأنصاري نومَهُمْ عن الصلاة ، وذكرا في تلك
القصة حديثاً في الميضأَةِ، ولا أدري أكان ذلك مرجعهم من الحديبية او مرجعهم
من خيبر أوْ وڤْتاً آخر واستخرت الله تعالى في استخراج حديثهما هاهنا فوقعت
الخيرة على ذلك وبالله التوفيق. وقد زعم الواقدي في قصة أبي قتادة انها كانت
مرجعَهم من غزوة تبوك . وروى زافِرُ بن سليمان عن شعبة عن جامع بن شداد
في قصة ابن مسعود ان ذلك كان في غزوة تبوك والله أعلم.
٢٧٥

باب
ذكر حديث عمران بن حصين وما ظهر في خبر النبي وَّ عن صاحبة
المزادتين، ثم في ماء المزادتين حين أتي به وفي بقية الماءِ التي كانت
معه من علامات النبوة ودلالات الصدق .
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ببغداد، قال :
حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال : حدثنا أحمد بن منصور، قال : حدثنا
عبد الرزاق ، قال : حدثنا معمر ، عن عوف، عن أبي رجاء العطاردي، عن
عمران بن حُصَيْن قال: سَرَى رسول اللّهِوَّ في سفرٍ هو وأصحابُه، قال :
فأصابهم عَطَشٌّ شديدٌ، فأقبل رَجُلَانٍ من أصحابه، قال : أحسُبه عليّاً والزبير أو
غيرهما ، قال : انكما ستجدان امرأةً بمكان كذا وكذا، امرأةٌ معها بعيرٌ عليه
مزادتان(١) فأتياني بهما، قال : فأتيا المرأة فوجَدَاها قد ركبت بين مزادتين على
البعير، فقالا لها: أجيبي رسول اللّه ◌َّر، قالت: ومن رسول اللّه [{َ*] أهو
الصابيء، قالا: هو الذي تعنين، وهو رسول الله حقاً، فجاء بها فأمَرّ النبي ◌َّ
فَجُعِلَ في آناءٍ من مزادتيهما،. ثم قال فيه ما شاء الله أن يقول ، ثم عاد الماءَ في
المزادتين، ثم أمّرّ بعزلاء المزادتين ففتحت ثم أمر الناس فملؤوا آنيتهم
وأسقيتهم، فلم يدعوا يومئذٍ إناءً ولا سقاءً الا مَلَؤُوْهُ .
قال عمران : فكان يُخَيَّلِ اليَّ إنها لم تزدَدْ إِلَّ امتلاءً، قال : فأمر النبي
(١) المزاد أكبر من القربة؛ والمزادتان حمل بعير.
٢٧٦

﴿ بِثَوبها فَبُسِطَ ثم أُمَرَ أصحابه فجاؤا من زادهم حتى ملأ لها ثوبها، ثم قال
لها : اذهبي فإنَّا لم نأخذ من مائِك شيئاً ، ولكن الله عز وجل سقانا، قال :
فجاءتْ أهلها فاخبرتهم، فقالت : جئتكُم من أسحر الناس ، أو أنه لرسول الله
تَ* حقاً ، قال : فجآء أهل ذلك الحَواءِ حتى أسلموا كلهم .
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو عبد الله
محمد بن يعقوب الشيباني، قال : حدثنا يحيى بن محمد ، قال : حدثنا
مسدد، قال: واخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي، قال : حدثنا عبد الله بن أحمد
ابن حنبل ، قالا : حدثنا ابي ، قال : حدثنا يحيى يعنيان ابن سعيد القطان ، عن
عوف، قال : حدثنا أبو رجاءٍ، قال : حدثنا عمران بن حصين ، قال :
كنا في سفرٍ مع رسول الله وَِّ وانا اسَرْينًا حتى كنا في آخر الليل، وقَعْنا تلك
الوقعة ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، قال: فما أيقظنا إلا حَرّ الشمس،
فكان أول من استيقظ: فلان - كان يسميهم أبو رجاءٍ ثم فلان، ونسيھم عوف، ثم
عمر بن الخطاب الرابع ، وكان رسول الله و # إذا نام لم يوقّظ حتى يكون هو
يستيقظ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه ، فلما استيقظ عُمَرُ ورأى ما أصاب
الناس وكان رجلاً أجوف جليداً، قال: فكبر ورفع صوته بالتكبير ، فما زال يكُبّرٍ
ويرفع صوته بالتكبير، حتى استيقظ لصوته رسول الله وَله، فلما استيقظ رسول
الله ◌َي﴿ شكوا الذي أصابهم فقال: لا ضَيْرَ أو لا يَضِيُرُ ارتحلوا فارتحل غير بعيدٍ
، ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ ونودي بالصلاة فصلى بالناس، فلما انقتل من
صلاته إذا هو برجلٍ معتزلٍ لم يُصل مع القوم ، فقال : ما منعك يا فلان أن
تصلي مع القوم؟ فقال يا رسول الله اصابتني جنابة ولا ماءً، قال رسول الله وَ ◌ّه
عليك بالصعيد، فانه يكفيك.
ثم سارَ رسول الله وَلّ فشكى إليه الناس العطش، فنزل فدعا فلاناً كان
يسميه أبو رجاءٍ ونسيه عوفٌ ، ودعا علياً فقال : اذهبا فابغيانا الماء ، قال :
٢٧٧

فانطلقا فيلقيان امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماءٍ على بعيرٍ لها ، فقالا لها :
أين الماء ؟ فقالت : عهدي بالماء أمس هذه الساعة ، قال : فقالا لها فانطلقي
إذاً، قالت لي: أين؟ قالا: إلى رسول الله صلّر ، قالت : هذا الذي يقال له
الصابى٤؟ قالا : هو الذي تعنين ، فانطلقي إذاً .
فجاءا بها إلى رسول الله وَله، فحدثاه الحديث فاستنزلوها عن بعيرها،
ودعا رسول الله رَّه بإِناءٍ فَأَفْرَغَ فيه من أفواه المزادتين أو السطيحتين يعني
فمضمض في الماءِ وأعاده في أفواه المزادتين ، أو السطيحتين ، وأوكا أفواهما
وأطلق العزالي (٢) ونودي في الناس أن اسقوا واستقوا فسقا من شاء واستقى من
شاء ، فكان آخر من ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماءٍ ، فقال :
اذهب فأفرغه عليك ، قال : وهي قائمة تنظر ما يفعل بمائها ، قال : وأيم الله
لقد أقلع عنها وأنه ليخيل إلينا أنها أشد ملئً(٣) منها حين ابتدأ فيها فقال رسول
الله ◌َّ اجمعوا لها فجُمع لها من بين عجوة ودقيقةٍ وسويقة، حتى جمعوا طعاماً
كثيراً وجعلوه في ثوب وحَملوها على بعيرها ، ووضعوا الثوب بين يديها ، فقال
لها رسول الله ◌َّ: «تعلمين واللّه ما رزيناكِ من مائِكِ شيئاً، ولكن الله عز وجل
هو سقانا )) .
قال : فأتت أهلها وقد احتبست عليهم فقالوا ما حَبَسَكِ يا فلانة ؟ قالت :
العجب ! لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له الصابىءُ ، ففعل بمائي
كذا وكذا للذي قد كان ، قال : فوالله أنه لا سَحُر مَنْ بين هذه وهذه ، وقالت
بأصبعها الوسطى والسبابة فرفعتهما الى السماء تعني السماء والأرض ، أوْ أنه
لرسول الله حقاً، قال فكان المسلمون بعد يغيرون على ما حولها من
(٢) وفي البخاري: ((العزلاوين))، وهو المتعب الأسفل للمزادة الذي يفرغ منه الماء .
(٣) وفي البخاري أنها تنض من الملء .
٢٧٨

المشركين ، ولا يصيبون الصِرْمَ (٤) الذي هي منه، فقالت يوماً لقومها ما أدري أن
هؤلاء القوم يدعونكم عمداً فهل لكم في الإِسلام فأطاعوها فدخلوا في
الإِسلام .
رواه البخاري في الصحيح عن مسدد(٥).
وأخرجه مسلم من حديث النضر بن شميل عن(٦) عوف .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ، قالا :
حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد
الجبار، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن عبّاد بن منصور الناجي ، قال : حدثنا
أبو رجاء العطاردي ، عن عمران بن حصين أن رسول اللّهِمَّ خَرّجَ في سبعين
راكباً فسار بأصحابه وأنهم عرسوا قبل الصبح ، فنام رسول اللّه زيمالر وأصحابه حتى
طلعت الشمس ، فاستيقظ أبو بكر فرأى الشمس قد طلعت فسبَّح وكَبَّر كأنه كرِه
أن يوقظ رسول اللّه وَهُ، حتى استيقظ عُمْرُ، فاستيقظ رجل جهير الصوت، فسبح
وكبر ورفع صوته جداً، حتى استيقظ رسول الله وَّه، فقال رجل من أصحابه :
يا رسول اللّه فَاتَتْنَا الصلاة، فقال: لم تفتكم، ثم أمرهم رسول اللّه وَّر، فركبوا
وساروا هنيهة، ثم نَزّلَ رسول اللّهِ وَّه ونزلوا معه، وكأنه كره أن يصلي في
المكان الذي ينام فيه عن الصلاة، ثم قال رسول الله وضطيار: ((انتوني بماءٍ))،
فأتوه بجُرَيْعة من ماءٍ في مطهرةٍ، فصبها رسول اللّه وَّر في إناء، ثم وضع يده
في الماء ثم قال لأصحابه .: توضؤوا ، فتوضأ قريبٌ من سبعين رجلاً، ثم أمر
(٤) (الصرم ): أبيات مجتمعة.
(٥) البخاري عن مسدد في كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم بكفيه الماء فتح الباري
(١ : ٤٤٧).
(٦) مسلم في: ٥ - كتاب المساجد الحديث (٣١٢)، ص (١ : ٤٧٦).
٢٧٩

رسول الله ﴿ أن يُنادى بالصلاة، فنودي بها ثم قام فصلى رسول الله وَله، فلما
انصرف إذا رَجُلٌ من أصحابه قائمٌ ، فلما رآهُ قال ما منعك أن تصلي ؟ قال : يا
رسول الله أصابتني جنابةٌ ، قال فتيمم بالصعيد ، فإذا فرغْت فصّلٍّ ، فإذا أدركت
الماء فاغتسل، وأصبح رسول الله وَّ وأصحابه لا يدرون أين الماء منهم ،
فبعث علياً رضي الله عنه معه نفرٌ من أصحابه يطلبون له الماء ، فانطلق في نفرٍ
فسار يومه وليلته ثم لقي امرأة على راحلة بين مزادتين ، فقال لها عليٌّ - رضي
الله عنه - : من أين أقبلتِ ؟ فقالت : أقبلت أني استقيت لأيْتامٍ ، فلما قالت له
وأخبرته أن بينه وبين الماء مسيرة ليلة وزيادةٌ على ذلك ، فقال عليٍّ والله لئن
انطلقنا لا نبلغ حتى تَهْلك دوابنا ، ويهلك من هلك منا ، ثم قال : بل ننطلق
بهاتين المزادتين إلى رسول الله منه حتى تنظر في ذلك .
قُلِمَّا جاء عليٍّ رضي الله عنه وأصحابه وجاؤوا بالمرأة على بعيرها بين
مزادتيهما فقال عليٍّ يا رسول الله: بأبي وأمي إنا وجدنا هذه بمكان كذا وكذا ،
فسألتُها عن الماء فزعمت أن بينها وبين الماء مسيرة ليلة أو زيادةٌ ، فظننا أن لم
نبلُغَهُ حتى يهلك منا من هلك، فقال رسول اللّهِ وَالر: (( أنيخوا لها بعيرَها ،
فأناخوا بها بعيرها ، فأقبلت عليهم ، فقالت : استقيت لأيتام ، وقد احتبست
عليهم جدّاً، فقال رسول اللّهِ وَله: إنتوني بإناءٍ فجاؤوا بإناءٍ، فقال : افتحوا
عزلاء هذه المزادة فخذوا منها ماءً يسيراً، ثم افتحوا عزلاء هذه فخذوا منها ماءً
يسيراً أيضاً، ففعلوا ثم أن رسول الله وَرَ دَعًا فيه وغمس يده فيه ، فقال : افتحوا
لي أفواه المزادتين ، ففتحوا فحثا في هذه قليلا وفي هذه قليلا ، ثم قال رسول
اللّهِوَلّ لأصحابه: اشربوا، فشربوا حتى روُوْا، ثم قال: اسقوا ظهركم فسقوا
الظهر حتى رَوِيّ، ثم قال رسول اللّه ◌َّ: ((هاتوا ما كان لكم من قربةٍ أو مطهرة
فاملؤ وها)) فجاؤوا بقربهم ومطاهرهم فملؤوها، ثم قال رسول الله وَله: ((شدُّوا
عزلاء هذه، وعزلاء هذه، ثم قال: ابعثوا البعير)) فبعثوها فنهضت وأن
المزادتين لتكادان تفطان من ملئهما ثم اتخذ رسول الله 18 كساءَ المرأة ، ثم
٢٨٠