النص المفهرس

صفحات 161-180

يانبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله - عز وجل ، وبالأمور منا ،
وأنزل الله عز وجل سورة الفتح ﴿إِنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً .. ﴾ إلى قوله :
﴿ صراطاً مستقيماً﴾(١٩) فَبَشَّر الله عز وجل نبيه و ◌ّ* بمغفرته، وتمام نعمته.،
وفي طاعة من أطاع، ونفاق من نافق ، ثم ذكر ما المنافقون معتلون به إذا أتوا
رسول اللّه وَليل، وأخبرهم انهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وإنما
منعهم من الخروج معه أنَّهم ظنوا أن لَنْ يرجع الرسول والمؤمنون إلى أهليهم
أبداً، وظنوا السوء، ثم ذكر أنَّهم إذا انطلقوا إلى مغانم ليأخذوها ، التمسوا
الخروجَ معهم لعرضِ الدنيا ، ثم ذكر أن المنافقين سيُدْعَوْن إلى قوم أولى بأسٍ
شديد ، يُقاتلونهم أو يسلمون ما يبتليهم، فإن أطاعوا ؛ أثابهم على الطاعة .
وإن تَوَّلَّوْا كفعلهم أوّل مرة"؛ عَذَّبهم عذاباً اليماً ، ثم ذكر مَنْ بايع تحت
الشجرة ، ثم ذكر ما أثابهم على ذلك من الفتح ، والمغانم الكثيرة، ((وعَجِّل لهم
مغانم كثيرة ))، ثم ذكر نعمته عليهم بكفّ أيدي العدّوِ عنهم،، ثم بشَّره اَخر
بمكة أنه قد أحاط بها ، ثم ذكر أن ﴿لو قاتلهم الذين كفروا لَوَلَّوُا الأدْبار ، ثم لا
يجدون ولياً ولا نصيراً، ولا عطيّنكُم النصر والظفر عليهم﴾ .
ثم ذكر المشركين وصدهُم المسلمين عن البيت الحرام والهدي معكوفاً أن
يبلغ محلّه ، وأخبر أن ﴿لولا رجالُ مؤمنون ونساءً مؤمناتٌ لم تعلموهم أن
تطؤُ وهم فتصيبكم منهم مَعرَّة بغير علم لو كان قتال﴾، ثم قال: ﴿ لو تَزَيَّلوا
لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً﴾(٢٠).
ثم ذكر الحمية التي جعلها الله في قلوبهم حين أبُوْ أن يقروا لله تبارك وتعالى
باسمه ، وللرسول باسمه ، وذكر الذي أنزل الله تعالى على رسوله وَعليه وعلى
(١٩) [الفتح: ١ - ٥ ] .
(٢٠) [الفتح - ٢٥].
١٦١
( م. ٦ - دلائل النبوة جـ ٤ )

المؤمنين من السكينة حتى لا يحموا كما حمى المشركون لوقع القتال ، فيكون
فيه معرّة ، ثم ذكر أنه قد دَقَ رسوله الرؤيا بالحق ﴿ لتدخلنّ المسجد الحرام إن
شاء الله آمنين محلقين رؤُ وسكم ومقصرين﴾ إلى ﴿ فتحاً قريباً﴾(٢١) هذا لفظ
حديث أبي الأسود ، عن عروة ، وحديث موسى بن عقبة بمعناه .
قال : والفتح القريب، الذي أعطاهُ اللّه رسولَهُ وَّر من الظفر على عدوه
في القضية التي قاضاهم عليها يوم الحديبية ، على أنه يَرْجع من العام المقبل في
الشهر الحرام الذي صُدَّ فيه آمناً هو في أصحابه ، ويقول ناسٌ : الفتحُ القريب
خيبرُ ، وما ذكر فيها . وقد سَمَّى اللّه فتح خيبر في آية أخرى فتحاً قريباً ، قال :
﴿فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً﴾(٢٢) فكان الصلح بين رسول اللّه وَيّة
وبين قريش سنتين ، يأمن بعضهم بعضاً .
هذا لفظ حديث موسى بن عقبة ، وحديث عروة بمعناه .
وقولهما سنتين ، يريدان بقاءَه، حتى نقض المشركون عهدهم ، وخرج
النبي وَّر إليهم لفتح مكة ، فأما المدة التي وقع عليها عقد الصلح ، فيشبه أن
يكون المحفوظ ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار وهي عشر سنين والله أعلم .
أخبرنا أبو نصر بن قتادة ، قال : أخبرنا أبو منصور النصرويّ ، قال :
حدثنا أحمد بن نجدة ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا خالد بن
عبد الله ، عن مغيرة ، عن عامر الشعبي: قوله : ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾
قال : نَزَلتْ يومَ الحديبية ؛ فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وبايعوا بيعة
الرضوان ، وأطعموا نخيل خيبر ، وظهرت الروم على فارس ، وفرح المؤمنون
بتصديق كتاب الله ، وظهور أهل الكتاب على المجوس .
(٢١) [ الفتح - ٢٧ ].
(٢٢) [ الفتح - ١٨ ] .
١٦٢

قال حدثنا سعيد ، قال : حدثنا هُشيم قال : أخبرنا مغيرة ، عن الشعبي
في قوله : ﴿ إِنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ قال : فتح الحديبية وغُفر له ما تقدم من
ذنبه وما تأخر، وأطعموا نخيل خَيْبَرَ ، وفرح المؤمنون بنصر الله أهل الكتاب
على المجوس (٢٣).
أخبرنا أبو سعيد بن عَمْرو قال : أخبرنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ،
قال : حدثنا الحسن بن علي بن عفان ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال :
حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي
ليلى في قوله: ﴿وأثابهم فتحاً قريباً﴾، قال: خيبر، قال: ﴿وأخرى لم
تقدروا عليها ﴾ ، قال : فارس والروم .
قال : وحدثنا يحيى ، قال : حدثنا يحيى بن أبي زائدة عن شعبة ، عن
سمّاك الحنفي ، قال : سمعتُ ابن عباس يقول : قوله ، ﴿وأخرى لم تقدروا
عليها﴾ . قال : هو ما أصبتم بعده(٢٤).
(٢٣) قال الزهري : لم يكن في الاسلام فَتْحَ قبل فتح الحديبية أعظم منه، إنما كان القتال حيث
التقى الناس ، فلما أمن الناس كلهم ، كلم بعضهم بعضاً وتفاوضوا في الحديث والمنازعة ، ولم
يُكلُّم أحد بالإِسلام يعقل شيئاً إلا بادر إلى الدخول فيه فلقد دخل في تينك السنتين مثل من كان
دخل في الإِسلام قبل ذلك وأكثر .
قال ابن هشام : ويدل عليه أنه # خرج في الحديبية في ألف وأربعمائة ، ثم خرج بعد سنتين
إلى فتح مكة في عشرة آلاف .
(٢٤) نقله القرطبي في التفسير ( ١٦: ٢٧٩ )، وقال: وهو قول الحسن ومقاتل وأبن أبي ليلى .
وعن ابن عباس أيضاً والضحاك وآبن زيد وابن إسحاق : هي خيبر، وعدها الله نبيّه قبل أن
يفتحها ، ولم يكونوا يرجونها حتى أخبرهم الله بها . وعن الحسن أيضاً وقتادة : هو فتح مكة .
وقال عكرمة: حُنين؛ لأنه قال: ((لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا)). وهذا يدل على تقدم محاولة لها
وفوات درك المطلوب في الحال كما كان في مكة ؛ قاله القشيري . وقال مجاهد : هي ما يكون
إلى يوم القيامة. ومعنى ((قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا)) : أي أعدّها لكم ؛ فهي كالشيء الذي قد أحيط به =
١٦٣

أخبرنا أبو سعيد بن أبي عَمْرٍو، قال : حدثنا أبو العباس قال حدثنا
الحسنُ ، قال : حدثنا يحيى ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الكلبي ،
عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قوله ﴿ قد أحاط الله بها أنّها ستكون ، لكم ﴾
بمنزلة قوله : ﴿ قد أحاط الله بها علماً انها لكم ﴾ (٢٥).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن
القاضي ، قال : حدثنا إبراهيم بن الحسين ، قال : حدثنا آدم بن أبي إياس ،
قال : حدثنا ورقاءُ ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : أُرِيّ رسول
اللّه ◌َلّر وهو بالحديبية، أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم
ومقصرين ، فقال له أصحابه حين نّحَرَ بالحديبية أين رؤ ياك يا رسول الله فأنزل
الله عز وجل: ﴿لقد صدق الله ورسوله الرُؤيا بالحق) إلى قوله ﴿فجعل من
دون ذلك فتحاً قريباً﴾(٢٦) يعني النحر بالحديبية ثم رجعوا ففتحوا خيبر ثم اعتمر
بعد ذلك فكان تصديق رؤ ياه في السَّنة المقبلة(٢٧).
وقال في قوله : ﴿سيقولُ لَكّ المخلفون مِنَ الأعراب : شغلتنا
= من جوانبه ، فهو محصور لا يفوت ، فأنتم وإن لم تقدروا عليها في الحال فهي محبوسة عليكم
لا تفوتكم. وقيل: ((أَحَاطَ اللهُ بِهَا)) علم أنها ستكون لكم؛ كما قال: (( وَأَنَّ اللّه قَدْ أَحَاطَ بِكُلٌ
شَيْءٍ عِلْماً)). وقيل: حفظها الله عليكم؛ ليكون فتحها لكم. ﴿وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء
قَدِيراً ﴾ .
(٢٥) راجع الحاشية السابقة .
(٢٦) [الفتح - ٣٧ ].
(٢٧) كان رسول الله وهو رأى في المنام أنه يدخل مكة على هذه الصفة؛ فلما صالح قريشاً بالحُدَيْبِيّة
ارتاب المنافقون حتى قال رسول الله إنه يدخل مكة؛ فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللّه
رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ فأعلمهم أنهم سيدخلون في غير ذلك العام ، وأن رؤياه # حق .
وقيل : إن أبا بكر هو الذي قال إن المنام لم یکن مؤقتا بوقت ، وأنه سيدخل . وروي أن الرؤيا
كانت بالحديبية ، وأنّ رؤيا الأنبياء حق. والرؤيا أحد وجوه الوحي إلى الأنبياء .
١٦٤

أموالنا﴾(٢٨) يعني أعراب المدينة: (٢٩) جُهينة ومُزَيْنة وذلك أنه استتبعهم النبي ◌َّ
بخروجه إلى مكة فقالوا أنذهب معه الى قوم جاؤه فقتلوا أصحابَهُ فيقاتلهم في
ديارهم فاعتلوا بالشغل فأقبل النبي والر معتمراً فأخذ أصحابه ناساً من أهل الحرم
غافلين ، فأرسلهم النبي ﴿ ﴿ فذلك الأظفارُ ببطن مكة وهو قوله ﴿ ببطن مكة من
بعد أن أظفركم عليهم﴾، ورجع النبي ◌َّله وقد وعده الله مغانم كثيرة ، وعجل
له خيبر فقال له المخلفون : ذرونا نتبعكم ، وهي المغانم التي قال الله عز
وجل : ﴿ إذا انطلقتم إلى مغانم كثيرة لتأخذوها ذرونا نتبعكم ﴾ وأما المغانم
الكثيرة التي وعدُوا فما يأخذون إلى اليوم وقوله: ﴿أولى بأس شديد﴾، قال :
هم فارس والروم .
وأخبرنا أبو نصر بن قتادة ، قال : أخبرنا أبو منصور النّصروي ، قال :
حدثنا أحمد بن نجدة قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا هشيم ،
قال : أخبرنا منصور ، عن الحسن ، قال : هم فارس والروم .
قال : وحدثنا سعيد ، قال : حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاءٍ ، قال :
فارس ، ورُويّ هذا عن ابن عباس .
أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق قال : أخبرنا أبو الحسن الطرائفيّ ، قال :
(٢٨) [الفتح - ١١ ] .
(٢٩) قال مجاهد وابن عباس : يعني أعراب غِفار ومُزْيْنة وجُهينة وأَسْلم وأشْجَع والدِّيل ؛ وهم
الأعراب الذين كانوا حول المدينة ؛ تخلّفوا عن رسول اللهصل حين أراد السفر إلى مكة عام
الفتح ، بعد أن كان استنفرهم ليخرجوا معه حَذّراً من قريش ، وأحرم بعُمْرَةٍ وساق معه الهَدْيّ ؛
ليعلم الناس أنه لا يريد حرباً فتثاقلوا عنه واعتلّوا بالشّغل؛ فنزلت. وإنما قال: ((الْمُخْلِّفُونَ))
لأن الله خلّفهم عن صحبة نبيّه. والمخلِّف المتروك. وقد مضى في براءة )). ﴿شّغَلْنَا أَمْوَالُنَا
وَأَهْلُونّا﴾ أي ليس لنا من يقوم بهما. ﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنّا﴾ جاءوا يطلبون الاستغفار واعتقادهُم
بخلاف ظاهرهم ؛ ففضحهم الله تعالى بقوله : ﴿ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ وهذا
هو النفاق المحض . ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أُرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ .
١٦٥

حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن
صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ﴿أولى بأس
شدید ﴾ يقول فارس .
وقيل في ذلك ما أخبرنا أبو نصر بن قتادة ، قال : أخبرنا أبو منصورٍ
النصرويُّ ، قال : حدثنا أحمد بن نجده ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ،
قال : حدثنا هشيم ، من الكلبي ، قال: هم بنو حنيفة يوم اليمامة (٣٠).
قال سعيد : قيل لهشيم الكلبي عن من قال كل شيء أقول فهو عن أبي
صالح ، عن ابن عباس ، فعلى هذا أوُجِد تصديق ذلك في إياس بن بكر ، وهو
الداعي إلى حرب مسيلمة ، وبني حنيفة من أهل اليمامة ، وعلى قول ابن أبي
طلحة ، عن ابن عباس ، وقول عطاءٍ وُجد تصديقه في أيام عمرو، وهو الداعي
إلى حرب كسرى ، وأهل فارس ، وعلى قول من قال : فارس والروم ، فإِنه أراد
تنحية أهل الروم عن أرض الشام ، وتصديق أوائله وُجد في أيام أبي بكر ، ثم تم
في أيام عمر مع فتح فارس(٣١).
(٣٠) لخص المسألة القرطبيُّ في تفسيره (٦: ٢٧٢)، فقال: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قوم أولِي بَأْسٍ
شَدِيدٍ ﴾ قال ابن عباس وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن أبي لَيْلى وعطاء الخرساني: هم
فارس . وقال تلعب والحسن وعبد الرحمن بن أبي لَّيْلَى: الروم . وعن الحن أيضاً : فارس
والروم . وقال ابن جبير : هوازن وثقِيف . وقال عكرمة : هوازن . وقال قتادة : هوازن وغَطَفَان
يوم حُنين . وقال الزُّهْري ومقاتل: بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مُسَيْلِمة. وقال رافع بن
خَدِيج: والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ فلا
نعلم من هم حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم . وقال أبو هريرة : لم تأت
هذه الآية بعد. وظاهر الآية يردّه .
(٣١) في هذه الآية دليل على صحة إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؛ لأن أبا بكر دعاهم إلى
قتال بني حنيفة ؛ وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم . وأما قول عكرمة وقتادة إن ذلك في
هوازن وغطفان يوم حنين فلا ، لأنه يمتنع أن يكون الداعي لهم الرسول عليه السلام ، لأنه =
١٦٦

وأخبرنا أبو نصر بن قتادة قال : حدثنا أبو منصور النصروي ، قال : حدثنا
أحمد بن نجده ، قال : حدثنا سعيد بن منصور، قال : حدثنا هُشيم ، قال :
أخبرنا أبو بشْرٍ، عن سعيد بن جبير ، وعكرمة في قوله : ﴿ ستدعون إلى قوم.
أولي بأسٍ شديد ﴾ قال هوازن يوم حنين ، فعلى هذا وُجد تصديقه في عهد
النبي ◌َّ بعد فتح مكة .
وقد أخبرنا أبو الحسين بن الفضل ، قال : أنبأنا عبد الله بن جعفر ،
قال يعقوب بن سفيان : قال : حدثنا بندار، قال : حدثنا محمد بن جعفر ،
قال : حدثنا شعبة ، عن هُشَيْم ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، وعكرمة
في قوله عز وجل : ﴿ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ﴾ قال : هوازن ، وبنو
حنيفة . فعلى هذا وجد تصديق أحدهما في زمانه والآخر في زمان أبي بكر رضي
الله عنه .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو بكر الشافعي ، قال : حدثنا
إسحاق بن الحسن ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا سفيان ، عن سلمة
ابن كهيل، عن أبي الأحوص، عن علي رضي الله عنه: ﴿هو الذي أنزل
السكينة في قلوب المؤمنين﴾(٣٢). قال السكينة لها وجه كوجه الإِنسان ثم هي بعدُ
ريحٌ هَفَّافَةٌ .
= قال: ((لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا معي عَدُوًّا)) فدلّ على أن المراد بالداعي غير
النبي ◌َّ﴾. ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم بعد النبي ◌َّ إلا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
الزَّمَخْشَرِي : فإن صحّ ذلك عن قتادة فالمعنى لن تخرجوا معي أبدا ما دمتم على ما أنتم عليه
من مرض القلوب والاضطراب في الدِّين .
أو على قول مجاهد كان الموعد أنهم لا يتبعون رسول الله صل# إلا متطوّعين لا نصيب لهم في
المغنم .
(٣٢) [ الفتح - ٤ ] .
١٦٧

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن ، قال :
حدثنا إبراهيم بن الحسين ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا ورقاء ، عن ابن
نجيح ، عن مجاهد ، قال : السكينة من الله كهيئة الريح لها رأسٌ مثلُ رأس
الهرّة وجناحان .
أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق ، قال : أخبرنا أبو الحسن الطرائفي ،
قال : قال حدثنا عثمان بن سعيدٍ ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية
ابن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في قوله : ﴿أُنزل
السكينة في قلوب المؤمنين ﴾ قال السكينة هي: الرحمةُ(٣٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، قال : حدثنا معاوية بن عمرو،
قال : حدثنا أبو إسحاق ، عن شريك ، عن منصور، عن مجاهد : القارعةُ :
السرايا ، أو تحل قريباً من دارهم ، قال : الحديبية ونحوها حتى يأتي وعد الله ،
قال : فتح مكة .
وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد ، قال :
حدثنا محمد بن العباس المؤدّب ، قال : حدثنا عاصم بن علي ، قال : حدثنا
المسعودي ، عن قتادة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباسٍ ، قال : تلا هذه
الآية ﴿ولا يزال الذين كَفَرُوا تصيبهم بما صنعوا قارعةٌ﴾(٣٤)، قال: القارعة
(٣٣) السكينة : هي السكون والطمأنينة ، قال ابن عباس: قل سكينة في القرآن هي الطمأنينة إلا التي
في البقرة .
(٣٤) [ الرعد - ٣١ ] .
١٦٨

السَّريّة ﴿أو تحل قريباً من دراهم﴾ قال هو محمد# حتى يأتي وعدُ الله، قال: فتح
مكة(٣٥).
(٣٥) وقال القرطبي في تفسير هذه الآية (٩: ٣٢١): أي داهية تفجؤهم بكفرهم وعتوّهم ؛
ويقال : قرعه أمر إذا أصابه ، والجمع قَوارِع؛ والأصل في القرع الضرب ؛ قال :
أَقْنَى ◌ِلَدِي وَمَا جَمِّعْتُ مِن نَشْبٍ قَرْعُ الْقَوَاقِيزِ أَقْوَاهُ الأباريق
أي لا يزال الكافرون تصيبهم داهية مهلكة من صاعقة كما أصاب أُرْبَد أو من قتل أو من أسر أو
جدب ، أو غير ذلك من العذاب والبلاء ؛ كما نزل بالمستهزئين ، وهم رؤساء المشركين . وقال
عِكرمة عن ابن عباس : القارعة النكبة . وقال ابن عباس أيضاً وعكرمة : القارعة الطلائع
والسرايا التي كان يُنفِذها رسول الله # لهم. ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ أي القارعة. ﴿فَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ﴾
قاله قتادة والحسن . وقال ابن عباس: أو تَحُلّ أنت قريباً من دارهم . وقيل: نزلت الآية
بالمدينة ؛ أي لا تزال تصيبهم القوارع فتنزل بساحتهم أو بالقرب منهم كُتُرى المدينة ومكة .
﴿ حَتَّى يَأْتِي وَعْدُ اللهِ ﴾ في فتح مكة ؛ قاله مجاهد وقتادة . وقيل : نزلت بمكة ؛ أي تصيبهم
القوارع، وتخرج عنهم إلى المدينة يا محمد ، فتحلّ قريباً من دارهم ، أو تحلّ بهم محاصرا
لهم؛ وهذه المحاصرة لأهل الطائف ، ولقِلاع خَيْبر، ويأتي وعد الله بالإذن لك في قتالهم
وقهرهم . وقال الحسن : وعد الله يوم القيامة .
١٦٩

باب
اسلام أم كلثوم بنت عقبة
ابن أبي معيط(١) وهجرتها إلى رسول الله ضَلير في الهدنة
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان ، قال أخبرنا أحمد بن عبيد
الصفار ، قال : حدثنا عبيد بن شريك ، قال : حدثنا يحيى بن بُكير ، قال :
حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، أنه قال : بلغنا أنه قاضى رسول
(١) قال ابن عبد البر في الاستيعاب :
( أم كلثوم) بنت عقبة بن أبي معيط واسم أبي معيط ابان بن أبي عمرو واسم أبي عمرو ذكوان بن
أمية بن عبد شمس بن عبد مناف . أمها أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد
مناف أسلمت أم كلثوم بنت عقبة بمكة قبل أن يأخذ النساء في الهجرة إلى المدينة ثم هاجرت
وبايعت فهي من المهاجرات المبايعات وقيل هي أول من هاجر من النساء كانت هجرتها في سنة
سبع في الهدنة التي كانت بين رسول اللّه # وبين المشركين من قريش وكانوا صالحوا رسول
الله على أن يرد عليهم من جاء مؤمناً وفيها نزلت إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات الآية وذلك
أنها لما هاجرت لحقها أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة ليرداها فمنعها الله منهما بالإِسلام . قال ابن
اسحاق وهاجرت الى رسول اللّه# أم كلثوم ابنة عقبة بن أبي معيط في هدنة الحديبية فخرج
اخواها عمارة والوليد ابنا عقبة حتى قدما علي رسول الله # يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذي
كان بينه وبين قريش في الحديبية فلم يفعل وقال أبى الله ذلك ، قال أبو عمر يقولون أنها مشت
على قدميها من مكة إلى المدينة فلما قدمت المدينة تزوجها زيد بن حارثة فقتل عنها يوم مؤتة
فتزوجها الزبير بن العوام فولدت له زينب ثم طلقها فتزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له
إبراهيم وحميداً ومنهم من يقول أنهم ولدت لعبد الرحمن إبراهيم وحميداً ومحمداً واسماعيل ومات
عنها فتزوجها عمرو بن العاص فمكثت عنده شهرا وماتت وهي أخت عثمان لأمه .
١٧٠

الله وَّر مشركي قريش ، على المدة التي جعل بينه وبينهم يوم الحديبية ، أنزل
الله - عز وجل - فيما قَضَى به بينهم ، فأخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان بن
الحكم والمِسْوَر بن مخرمة يُخبران عن أصحاب رسول الله مسلم أن رسول الله وَليه
لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ ، كان فيما اشترط سهيل بن عمروٍ على رسول
اللهِ وَلّ أنه لا يأتيك منا أحدٌ وإن كان على دينك إِلَّ رددته إلينا، فخليت بينهما
وبينه فكرة المؤمنون ذلك، وأبى سُهيلُ إلا ذلك، فكاتبه رسول الله وَلّ ، وردًّ
يومئذ : أبا جَنْدَلٍ إلى أبيه فسُهيل بن عمروٍ ، ولم يأته أَحدٌ من الرجال إلَّ رَدَّهُ في
تلك المدة وإن كان مسلماً ، وجاء المؤمنات ، وكانت أم كلثوم بنت عُقبة بن
أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله وَّر يومئذ وهي عاتقٌ ، فجاء أهلها يسألون
رسول الله وَلَّ أن يَرْجِعها إليهم، فلم يرجِعْهَا إليهم لمَّا أنزل الله فيهم: ﴿إذا
جاءك المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمناتٍ
فلا ترجعوهن إلى الكفّار لا هنَّ حِلِّ ولا هم يحلون لهن ﴾(٢).
قال عروة : فأخبرتني عائشة أن رسول الله وَلو كان يمتحنهن بهذه الآية :
﴿ يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يُبَايعْنَكَ على أن لا يشركن بالله شيئاً، ولا
يسرقن، ولا يَزْنِينَ، ولا يَقْتُلْنَ أولادهن﴾(٣) الآية.
قال عروة قالت عائشة فمن أقر بهذا الشرط منهن قال لها رسول الله الج ليل:
(( قد بايعتك كلاماً يكلمُهَا به ، والله ما مسَّت يده يد امرأةٍ قط في المبايعة ما
بايعهن إلا بقوله )» .
رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن بكير (٤).
-
(٢) الآية (١٠) من سورة الممتحنة، والحديث تقدم بالحاشية (٣٧) من باب سياق قصة الحديبية .
(٣) [ الممتحنة - ١٢ ] .
(٤) تقدم تخريج الحديث في سياق قصة الحديبية .
١٧١

باب
ما جاء في حديث أبي بُصير الثقفي وأصحابه
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، قال : أخبرنا أبو بكر بن عتاب
العبديّ ، قال : حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة ، قال : حدثنا إسماعيل بن
أبي أويس ، قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن موسى بن
عقبة (ح) .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل
الشعراني ، قال : حدثنا جدي ، قال : حدثنا إبراهيم بن المنذر ، قال :
حدثنا محمد بن فليح ، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب ، وهذا لفظ
حديث القطان، قال: ولما رَجَعَ رسول الله وَ ◌ّه إلى المدينة انغلبَ رجلٌ من أهل
الاسلام ، من ثقيف يقال له: أبو بصير ابن أسيد بن جارية الثقفي من
المشركين، فأتى رسول الله وَّ﴾ مسلماً مهاجراً، فَبَعَثَ في أثره الأخنس بن
شريق رجلين من بني منقذٍ : أحدُهما زعموا مولى ، والآخر من أنفسهم أسمه
جحشُ بن جابر، وكان ذَا جلٍ ، ورأي في أنفس المشركين ، وجعل لهما
الأخنس في طلب أبي بصيرٍ جُعْلاً فقدما على رسول الله وٍِّ فَدَفَعَ أبا بصير
إليهما، فخرجا به حتى إذا كانا بذي الحُلَيْفة سَلَّ جحش سيفُهُ ، ثم هزه فقالَ :
لأضربن بسيفي هذا في الأوس والخزرج يوماً إلى الليل ، فقال له أبو بصير : أوّ
١٧٢

صارم سيفُكَ هذا؟ قال : نعم ، قالَ : ناولنيه أنظر إليه ، فناوله إياه ، فلما قَبَضَ
عليه ضَرَبَهُ به حتى بَرَدَ ، ويقال : بل تناول أبو بصير سيف المنقذي بفيه ، وهو
نائم فقطع إساره ، ثم ضربه به حتى بَرد ، وطلب الآخر فجمز مذعوراً مستخفياً
حتى دخل المسجد ، ورسول الله: ﴿ جالسٌ فيه فقال رسول الله و # حين رآه:
لقد رأى هذا ذعراً، فأقبل حتى استغاثَ برسول الله وَ له، وجاء أبو بصير يتلوه،
فسلم على رسول الله بَّهَ، وقال: وفَتْ ذمَّتُكَ: دفعتني إليهما، فعرفت أنهم
سيعذبونني ويفتنونني عن ديني ، فقتلت المنقذي ، وأفلتني هذا ، قال رسول
اللهِوَهُ: ((ويل أمِّهِ مُسَعِّرُ حَربٍ، لو كان معه أحدٌ))، وجاء أبو بصير، بسّلبه
إلى رسول الله وَ﴿، فقال: خَمِّس يا رسول الله، قال إني إذا خَمِّسْته لم أُوْفٍ
لهم بالذي عاهدتهم عليه ، ولكن شأنَكَ بِسَلبٍ صاحبك ، واذهب حيث شئت ،
فخرج أبو بصير معه خمسة نفرٍ كانوا قدموا معه مسلمين من مكة حيث قدموا فلم
يكن طلبهم أحدٌ ولم ترسل قريش كما أرسلوا في أبي بصير ، حتى كانوا بين
العيص ، وذي المروة من أرض جهينة على طريق غَيْرات قريش مما يلي سيف
البحر لا يَمرُّ بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها ، وكان أبو بصير يكثُر
أن يقول :
الله ربي العليُّ الأكبرُ من يَنْصُر الله فسوف يُنْصَرُ
ويَقَع الأمر على ما يُقْدَرُ
وانفلت أبو جندل ابن سهيل بن عمرو في سبعين راكباً أسلموا وهاجروا
فلحقوا بأبي بصيرٍ وكرهوا أن يقدموا على رسول الله ويّاقيم في هدنة المشركين ،
وكرهوا الثَّوَآءَ بين ظهري قومهم ، فنزلوا مع أبي بصير في منزل كريٍ إلى
قريش ، فقطعوا به مادَّاتهم من طريق الشام ، وكان أبو بصير زعموا وهو في
مكانه ذلك يصلي لأصحابه ، فلما قدم عليه أبو جندل كان هو يُؤْمُّهُمْ ، واجتمع
إلى أبي جندل حين سمعوا بقدومه ناسٌ من بني غِفَارٍ ، وأسلم ، وجهينة ،
وطوائف من الناس ، حتى بلغوا ثلاث مائة مقاتل ، وهم مسلمون .
١٧٣

قال : فأقاموا مع أبي جندل وأبي بصيرٍ لا يمرُّ بهم عيرُ قريش إِلَّ أخذوها ،
وقتلوا أصحابها ، فأرسلت قريش إلى رسول الله و # أبا سفيان بن حرب يسألون
ويتضرَّعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير ، وأبي جندلٍ بن سهيل ، ومن معه
فقدموا عليه ، وقالوا : من خرج منا إليك فامسكه غير حرج أنت فيه ، فإن هؤلاء
والركب قد فتحوا علينا باباً لا يصلح إقراره ، فلما كان ذلك من أمرهم على
الذين كانوا أشاروا على رسول الله وق طر أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية أن
طاعة رسول الله وَل﴿ خيرٌ لهم فيما أحبوا وفيما كرهوا مِنْ رأي مَنْ ظنَّ أن له قوة
هي أفضل مما خصَّ الله به رسوله وَّر من العَوْن والكرامة ، ولم يزل أبو جندل
وأبو بصير وأصحابُهما الذين اجتمعوا إليها هنالك حتى مرَّ بهم أبو العاص بن
الربيع، وكان تحته زينب بنت رسول الله ص18 من الشام في نفرٍ من قريش ،
فأخذوهم وما معهم وأسروهم وَلم يقتلوا منهم أحداً لِصِهْرٍ أبي العاص رسول
اللهِ وَ﴿، وأبو العاص يومئذٍ مشرك، وهو ابن أخت خديجة بنت خويلد لأمها
وأبيها ، وخلوا سبيل أبي العاص ، فقدم المدينة على امرأته وهي بالمدينة عند
أبيها كان أُذن لها أبو العاص حين خرج إلى الشام أن تقدم المدينة فتكون مع
رسول الله وَّير، فكلمها أبو العاص في أصحابه الذين أسَر أبو جندل وأبو بصير
وما أخذوا لهم، فكلمت رسول الله وَّرَ في ذلك، فزعموا أن رسول الله وَّي قام
فخطب الناس فقال: ((إنا صَاهَرْنَا ناساً، وصاهرنا أبا العاصِ ، فنعم الصِّهْرُ
وجدناه ، وأنه أقبل من الشام في أصحاب له من قريش ، فأخذهم أبو جندل وأبو
بَصِيرٍ، فأسروهم ، وأخذوا ما كان معهم ، ولم يقتلوا منهم أحداً ، وأن زينب
بنت رسول الله وَل﴿ سأَلَتْني أن أُجِيرَهُمْ، فهل أنتم مجيرون أبا العاص
وأصحابُهُ؟)) فقال الناس: نَعَمْ، فلما بلغ أبا جَنْدَلٍ وأصحابه قولُ رسول
الله ◌ََّ في أبي العاصِ وأصحابه الذين كانوا عنده من الأسْرى رَدِّ إليهم كل
شيء أخِذَ منهم حتى العقال، وكتب رسول الله # إلى أبي جندل وأبي بصير
يأمرهم أن يقدموا عليه ، ويأمرُ من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا
١٧٤

إلى بلادهم وأهليهم ، ولا يعترضوا لأحد مرّ بهم من قريش وَعَيْرَانها، فقدم
كتاب رسول الله و ◌َ ل# زعموا على أبي جندل وأبي بصير، وأبو بصير يموت،
فمات وكتاب رسول الله و # في يده يقرؤه ، فدفنه أبو جندل مكانّهُ ، وجعل عند
قبره مسجداً، وقدِمَ أبو جَنْدَلٍ على رسول الله وََّ معهُ ناسٌ من أصحابه ، ورجع
سائِرهم إلى أهليهم وأمَّنتْ عيرات قريش ، ولم يزل أبو جندلٍ مع رسول
الله وَل﴿ ، وشهد ما أدرك من المشاهد بعد ذلك، وشهد الفتح، ورجع مع رسول
الله ﴿﴿، فلم يزل معه بالمدينة حتى توفي رسول الله وصفه، وقَدِمَ سُهِيلٌ بن
عمرٍو المدينة أول خلافة عمر بن الخطاب ، فمكث بالمدينة شهراً ، ثم خرج
مجاهداً إلى الشام بأهله وماله ، هو والحارث بن هشام ، فأصطحبا جميعاً ،
وخرج أبو جندل مع أبيه سهيل إلى الشام ، فلم يزالا مجاهدين بالشام ، حتى
ماتا جميعاً ، ومات الحارث بن هشامٍ ، فلم يبق من ولده إلا عبد الرحمن بن
الحارث ، فتزوَّجَ عبد الرحمن : فاخته بنت عتبة ، فولدت له أبا بكرٍ ابن عبد
الرحمن ، وأكابرَ وَلدِهِ ، فهذا حديث أبي جندلٍ وأبي بصير رضي اللّه
عنهما(١) .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو جعفر البغدادي ، قال :
حدثنا أبو علائة ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا ابن لهيعة ، قال : حدثنا أبو
الأسود، عن عروة، قال: ثم إن رسول الله ﴿ رَجَعَ إلى المدينة ، ثم أنه
أفلتهم رجلٌ من ثقيف يقال له : أبو بصير، فأتى رسول الله صل9 بعدما قدم
المدينة فطلبه رجلان من بني منقذ بن عبدٍ بن مَعِيصٍ، فرده رسول اللّه وله
إليهما، فأَوْثقاهُ حتى إذا كان ببعض الطريق نَّامَا، فتناولَ السيفَ بفيه فأمَرَّهُ على
(١) ذكرها ابن عبد البر عن موسى بن عقبة باختصار شديد في الدرر (١٩٥)، ونقل بعضها ابن كثير
في البداية والنهاية ( ٤: ١٧٦ )، كما نقله الصالحي في السيرة الشامية ( ٥ : ٩٨ - ١٠٣ ) عن
موسى بن عقبة ، وعن غيره .
١٧٥

الإِسَارِ فقطعه، فضرب أحدّهما، وطلب الآخر فسبقه إلى رسول اللّه وَطير ، ثم
انطلق أبو بصير فنزل قريباً من ذي المروة على طريق عيرات قريشٍ ، وانفلت أبو
جَنْدَلَ بن سهيلٍ في سبعين راكباً وخرجوا مسلمين فلحقوا بأبي بصير وكرهوا أن
يقدموا على رسول الله وَطير في مدة المشركين ، وكرهوا الثوآءَ بين ظهرانيهم فنزلوا
منزلاً قطعوا على قريش مادّتهم من الشام وطريق عيرانهم ، فأرسلوا أبا سفيان بن
حرب إلى رسول اللّه وَل﴿ يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي جندل بن
. سهيل ومن معه ، وقالوا : من خرج منا إليك فهو لك حلال غير حرجٍ إِيّ هؤلاء
الركب قد فتحوا علينا بابا لا نحبُّ أن يكون سُنةً تقطع الطريق علينا ، فلما
فعلت ذلك قريش وكتُبُوا بذلك إلى رسول الله وسلم علم الذين كانوا أشاروا على
رسول الله ### في أبي جندل أن ينتزعه من أيدي القوم بعد القضية : إن طاعة
النبي ◌َّل خير فيما كرهوا وفيما أحبوا من رأي من شك أو ظن أن له قوة أفضل
مما خصّ الله تعالى به رسوله وَّله من العون والكرامة، فبعث رسول اللّه وَلقر إلى
أبي جندل بن سهيل وأصحابه، فقدموا عليه، وقال رسول الله وضّية: ((اللهم
اشدد وطأتك على مضر مثل سني يوسف ))، فجهدوا حتى أكلوا العِلهِزّ ، وقدم
أبو سفيان على رسول الله وَله، فقال: قد قطعت وأخفت من كان يحمل إلينا
حتى هلك قومك فأَمن الناس حتى يحملوا ، فأَمن الناس حتى حملوا .
أخبرنا عليُّ بن أحمد بن عبدان ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفَّار ،
قال : حَدَّثنا هشام بن علي ، قال : حدثنا عبد الله بن رجاءٍ قال حدثنا حرب ،
عن يحيى، قال: حدثنا أبو سلمة أن أبا هريرة حَدَّثَهُ أن النبي ◌َ ◌ّ كان إذا صلى
العشاء الآخرة نَصَبَ في الركعة الآخرة بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ،
ويقول : اللهم نج الوليد بن الوليد ، اللهم نج سلمة بن هشام ، اللهم نج عياش
ابن أبي ربيغة ، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على
مضر، اللهم اجعلها سنين مثل سني يوسف ، ثم لم يزل يدعو حتى نجاهم الله
١٧٦

عز وجل ثم ترك الدعاء لهم(٢) .
وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرىء ، قال : حدثنا الحسن بن
محمد بن إسحاق ، قال : حدثنا يوسفُ بن يعقوب ، قال : حدثنا نصر بن
علي ، قال حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد ، قال : حدثنا عباد بن منصور ،
عن القاسم بن محمد ، عن أبي هريرة ، عن النبي ◌َّر: فذكر الدعاء
للمستضعفينَ (٣)، ثم قال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، وخذهم بسنين كسني
يوسف ، فأكلوا العلهز ، قال : فقلت للقاسم بن محمد ، قال الوَبْرُ والدَّمُ .
(٢) أخرجه البخاري في: ٦٥ - كتاب التفسير، تفسير سورة النساء، (٢١) باب فأولئك عسى الله أن
يعفوّ عنهم ، وكان الله عفوًّاً غفوراً، الحديث (٤٥٩٨)، عن أبي نُعيم ، عن شيبان ، عن
يحيى ، عن أبي سلمة ، فتح الباري (٨ : ٢٦٤).
وأخرجه مسلم في : ٥ - كتاب المساجد ، (٥٤) باب استحباب القنوت في جميع الصلوات ،
الحديث (٢٩٥) عن محمد بن مهران الرازي ، عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن يحيى
ابن أبي كثير ، عن سلمة، عن أبي هريرة ، ص (٤٦٧) .
وأخرجه أبو داود في صلاة الوتر ، الحديث (١٤٤٢)، ص (٢: ٦٨) عن عبد الرحمن بن
إبراهيم ، عن الوليد ، عن الأوزاعي ...
(٣) راجع الحاشية السابقة .
١٧٧

باب
غزوة ذِي قَرَدٍ(١) حین أغار
عيينة بن حصنٍ بن حذيفة بن بدر
الفزاريُّ أو ابنه في خيلٍ من غطفان
على لقاح رسول الله # بالغابة
أخبرنا أبو عمروٍ محمد بن عبد الله البسطاميُّ ، قال : أخبرنا أبو بكرٍ
(١) راجع في هذه الغزوة:
- طبقات ابن سعد (٢: ٨٠) ويسميها : الغابة .
- سيرة ابن هشام (٣ : ٢٣٩ ) .
- صحيح البخاري ( ٥ : ١٣٠ ).
- مسلم بشرح النووي ( ١٢ : ١٧٣ ).
- مغازي الواقدي ( ٢ : ٥٣٧ ) .
- أنساب الأشراف ( ١ : ١٦٧ ).
- تاريخ الطبري ( ٢ : ٥٩٦) .
- ابن حزم ( ٢٠١ ).
- البداية والنهاية (٤ : ١٠٥ ).
- نهاية الأرب (١٧ : ٢٠١ ).
- شرح المواهب (٢: ١٤٨).
- عيون الأثر (٢ : ١١٣).
- السيرة الحلبية (٣ : ٤ ) .
- السيرة الشامية ( ٥ : ١٤٩).
وذو قَرَد بفتح القاف وقيل بضمها : ماء ، على نحو بريد من المدينة مما يلي بلاد غطفان ، وقيل :
على مسافة يوم منها .
١٧٨

= يسردها المصنف هنا بعد الحديبية، وقبل خيبر، وأكثر الكتب على أنها قبل الحديبية ، وقال
البخاري في صحيحه في غزوة ذي قرٍ : كانت قبل خيبر بثلاث ، وذكرها بعد الحديبية ، قبل
خيبر ، وعلى هذا ساقها البيهقي قبل خيبر ، وبعد الحديبية ، متتبعاً أثر البخاري في ذلك .
ورجح هذا ابن حجر ، فقال :
ويؤيد ذلك ما رَوَاهُ الإِمام أحمد ومسلمُ مِنْ حديث إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه فذكر قصة
الحُذَيْبِيّة ، ثم قصة ذي قّرَد، وقال في آخرها: فرجعنا - أي من الغزوة - إلى المدينة، فَوَالله ما
لَبِثْنَا بالمدينة إِلَّ ثلاث ليال حتى خرجنا إِلى خَيْر .
وأَما ابن إسحاق ، ومحمد بن عمر وابن سعد فقالوا : كانت غزوة ذي قَرّد في سنة ستّ قبل
الحُذَيِْيَة .
قال محمد بن عمر وابن سعد في ربيع الأوّل .
وقيل في جمادى الأولى .
وقال ابن إسحاق في شعبان فيها ، فإِنه قال : كانت غزوة بني لحْيّان في شعبان سنة ست ، فلمّا
رجع رسولُ الله - * - إلى المدينة لم يُقِمْ إِلَّ لْيَالِي حتى أَغارَ عُنِيْنَة بنُ حِصْن على لِفَاحِبِ - ﴾ -
قال ابن كثير : وما ذكره البُخاريّ أشبه بما ذكره ابن إسحاق .
وقال أبو العباس القرطبي - وهو شيخ صاحب التذكرة والتفسير - تبعاً لُأبي عمر - رحمهم الله : لا
يختلفُ أَهل السّير أَنّ غزوة ذي قَرَد كانت قبل الحُذَيْبِيَة ، يكون ما وقع في حديث سلمة وَهْمٌ مِنْ
بَعْضِ الرّواة .
قال: ويحتمل أن يجمع بأن يقال يحتمل أن يكون - ﴾ - أُغْزَى سَرِيّةً فيهم سلمة بنُ الأَنْوع إِلى
خَيْر قبل مختحها، فأخبر سلمة عن نفسه وعمّن خَرَجَ معه، يعني حيث قال: خرجنا إلى خَيْر
قال: ويؤيده أن ابن إسحاق ذكر أنّ رسول الله - # - أَغزى إليها عبد الله بن رَوَاحَة قبل فتحها
مرّتين . انتهى .
قال الحافظ - رحمه الله - تعالى: وسياقَ الحديث يأبى هذا الجمع؛ فإِن فيه بعد قوله: خَرَجْنًا
إلى خَيْبر مع رسول الله - * - فجَعَل عمّي يَرْتَجِزُ بالقوم، وفيه قول النبي - 18 - من السّائِق وفيه
مبارزة عمه لمرحب وقتل عامر ، وغير ذلك مِمًّا وقع في غزوة خيبر حيث خرج إليها رسول
اللّه - * - فعلى هذا ما في الصحيح أَصْحُ مما ذكره أهل السّيْر.
قال الحافظ : ويحتمل في طريق الجمع أَن تَكُونَ إِغارة عُيَيْنَة بن حصن على اللّقاح وقعت
مرْتَيْن ؛ الأولى التي ذكرها ابن إسحاق وهي قبل الحُدَيْبِيّة، والثانية بعد الحُذَيْبَة قبلّ الخروج إلى
خَيْر .
=
١٧٩

الاسماعيليُّ قال أخبرنا الحسن بن سفيان ، قال : حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا
حاتم بن اسماعيل ، عن يزيد بن أبي عبيد ، قال : سمعت سلمة يقول : خَرَجْتُ
قبل أن يؤذَّن بالأولى(٢) وكانت لِقَاحُ(٣) رسولِ الله وَلَّ تَرْعى بذي قَرْدٍ ، فلقيني غلام
لعبد الرحمن بن عوف ، فقال: أَخِذَتْ لقاحُ رسولِ الله ◌ِّر، قلت: من أخذها ؟
قال : غطفان ، فَصَرَخْتُ ثلاث صَرَخَات : يا صباحاه ، قال : فَأَسْمَعْتُ ما بين لا بتي
المدينة ، ثم اندفعت على وجهي حتى ادركتهم ، وقد أخذوا يستقون من الماء ،
فجعلت أرميهم بنبلي وكنت رامياً وأقول :
الأكوع واليوم يوم الرضع (٤)
أنا ابن
وأرتجزُ حتى اسْتَنْقَذتُ اللقاح منهم، واستلبتُ [ منهم ](٥) ثلاثين
بردةً(٦) .
= وكان رأْسُ الذين أَغاروا عبد الرحمن بن عُبَيْنَة كما في سياق سلمة عند مسلم ، ويؤيّدهُ أَنّ الحَاكِمَ
ذكر في الإكليل أَنَّ الخروجِ إِلى ذي قَرَد تَكَرِّر، ففي الأُولى خرج إليها زيدُ بن حَارِئة قَبْلِ أُحُد ،
وفي الثانية خرج إِليها النّبيّ - # * - في ربيع الآخر سنة خمس، والثّالثة هذه المُخْتَلْفُ فيها -
انتهى .
(٢) يعني صلاة الصبح ، ويدل عليه قوله في رواية مسلم أنه تبعهم من الغلس إلى غروب الشمس .
(٣) ( اللقاح) ذوات الدر من الإبل، ( واللقوح ) : الحلوب ، وذكر ابن سعد أنها كانت عشرين
لقحة .
(٤) أي يوم هلال اللئام .
(٥) الزيادة من البخار ) .
(٦) استنقذت اللقاح منهم واستلبت منهم ثلاثين بردة ، في رواية مسلم ((فما زلت كذلك حتى ما خلق
الله من ظهر رسول الله# من بعير إلا خلفته وراء ظهري، ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من
ثلاثين بردة وثلاثين رمحاً يتخففون بها ، قال فأتوا مضيفاً فأتاهم رجل فجلسوا يتغدون فجلست
على رأس قرن ، فقال لهم : من هذا؟ فقالوا لقينا من هذا البرج ، قال فليقم إليهم منكم أربعة ،
فتوجهوا إليه فتهددهم فرجعوا ، قال : فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله # أولهم
الأخرم الأسدي ، فقلت له احذوهم ، فالتقى هو وعبد الرحمن بن عيينة فقتله عبد الرحمن وتحول =
١٨٠