النص المفهرس

صفحات 61-80

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس ، عن ابن
إسحاق ، عن شيوخه الذين رَوَى عنهم قصَّة بني المصطلق ، قالوا : فانصرف
رسول الله * حتى إذا كان ببقعاء من أرض الحجاز دون البقيع، هَبَّتْ ريح
شديدةٌ؛ فخافها الناس، فقال رسول الله وَله: لا تخافوها فإِنها هبّت لموت
عظيم من عظماءِ الخُفْرِ ، فوجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت ، ماتَ في ذلك
اليوم ، وكان من بني قُيُنقاعِ، وكانَ قَدْ أَظْهَرَ الاسلام، وكان كهفاً للمنافقين(٢).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا :
حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ،
قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش (ح ) .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو عبد الله بن يعقوب ، قال :
حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي ، قال : حدثنا أبو كريبٍ ، قال : حدثنا حفصٌ
ابن غياث، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر .
أنَّ النبي ◌َّهِ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فلما كان قُرْبَ المدينةِ ، هاجَتْ رِيحٌ تكادُ أن
تَدْفِنَ الراكب، فَزَعَمَ أنَّ رَسُولَ اللهِوَ، قال: بُعِثَتْ هُذِهِ الرِّيحُ لمَوْتٍ منافق ،
قال : فَقَدِمَ المدينة ، فإِذا منافقٌ عظيمٌ من المنافقين قد مات .
لفظ حديث حَفْصٍ ، وفي رواية أبي معاوية ، قال : هبَّت ريحٌ شديدةٌ
والنبي # في بعض أسفاره . فقال: هذه لموت منافق. قال: فلما قَدِمْنا
المدينة ، إذا هو قد مات عظيمٌ من عُظماءِ المنافقين .
(٢) الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٥٠).
٦١

رواه مسلم في الصحيح عن أبي كُريب(٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس ، عن ابن
إسحاق قال : حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة ، قال :
لما قدِمَ رَسولُ اللهِ ﴿ المدينة من بني المصطلق أتاه عبد الله بن عبد الله
ابن أبيّ، قال له : يا رسول الله ، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبيّ ؛
فإن كنت فاعلًا فَأُمرني به ، فأنا أحمل إليك رأسه(٤) فوالله لقد عَلِمَتِ الخزرج ما
كان بها رَجُلٌ أبَرَّ بوالده مني، ولكني أخشى أن تأُمُرَ به رجلا مسلماً فيقتلُهُ فلا
تذعني نفسي أن انظر إلى قاتِل عبد الله يمشي في الأرض حَيّاً حتى أقتله ،
فأقتل مؤمناً بكافرٍ فأدْخِلُ النار، فقال النبي ◌َّ: بَلْ نحسن صُحْبَتَهُ ونترفق به ما
صحبنا(٥) .
وعن ابن إسحاق ، قال : حَدَّثنا عبد الله بن أبي بكر ، قال : كان عبد الله
ابن أبي إذا طلع على رسول الله وَل وعنده أصحابه من الأوس والخزرج ، وقد
كانوا قد عرفوا ضِغْنَهُ على رسول الله ◌َّ ويعجبُهم أن يعْرِفَ له شرفَهُ ، ويكرهون
أن يقولوا ذلك له ، لما تعرفون من ضغنه عليه ، فيقول بعضهم لبعضٍ : هذا
عبد الله بن أبيٍّ، فإِذا سَمِعَها رسول الله وَّ قال له: ادْنُهْ .
٢
(٣) أخرجه مسلم عن أبي كريب في: ٥٠ - كتاب صفات المنافقين ، الحديث (١٥) ص (٤ :
٢١٤٥ - ٢١٤٦).
(٤) وفي هذا البرهان النير من أعلام النبوة، فإن العرب كانت اشدّ خلق الله حميَّةً وتعصباً، فبلغ
الإيمان منهم ، ونورُ اليقين، الى ان يرغب الرجل منهم في قتل ابيه وولده تقرباً إلى الله، وتزلفاً
الی رسوله.
(٥) رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٥٠)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ١٥٨).
٦٢

باب
حديث الإِفك(١)
قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري - رحمه الله - قال النعمان بن
راشدٍ ، عن الزهري : كان حديث الإِفك في غَزْوَة المريسيع .
أخبرناه أبو الحسين بن بشران ، قال : أخبرنا أبو الحسن : علي بن
محمد المصريُّ، قال : وَحَدَّثنا محمد بن إبراهيم بن جَنَّادٍ ، قال: حدّثنا
سُليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن زيدٍ ، عن النعمان بن راشدٍ ، ومعمٍ،
عن الزهري، عن عُرْوة ، عن عائشة أن النبي ◌َّ كان إذا أرادَ سَفّراً. أقرع بين
نسائِه(٢). قالت : فأقرُعَ بيننا في غزاةِ المُرَيْسيع فخرج سهمي ، فهلك
[ فيَّ](٣) من هلك .
(١) انظر في خبر الإِفك: سيرة ابن هشام (٣: ٢٥٤)، تاريخ الطبري (٢: ٦١٠ - ٦١٩)، مغاري
الواقدي (٢ : ٤٢٦)، الدرر في اختصار المغازي والسير ص (١٩٠)، عيون الأثر (٢: ١٢٨)،
البداية والنهاية (٤ : ١٦٠).
(٢) الحديث أخرجه ابن ماجة في: ٩ - كتاب النكاح ، (٤٧) باب القسمة بين النساء، الحديث
(١٩٧٠)، ص (١: ٦٣٣)، واعاده في: ١٣ - كتاب الأحكام (٢٠) باب القضاء بالقرعة،
الحدیث (٢٣٤٧)، ص (٢ : ٧٨٦).
(٣) الزيادة من (ح).
٦٣

قلت : وإِلى هذا ذَهَبَ أصحاب المغازي : محمد بن يسار ، ومحمد بن
عمر الواقدي .
وروى الواقدي ، عن يعقوب بن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير ،
عن عيسى بن معمر ، عن عبَّد بن عبد الله قال: قُلت لعائشة: يا أُمّاه حدثيني
حديثك في غزوة المُرَيْسيع .
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، قال أبو سهل بن زياد القطان :
حدثنا عُبيد بن عبد الواحد بن شُريك البزاز ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الله بن
بُکیر (ح) .
وأخبرنا أبو الحسين : عليُّ بن أحمد بن عبدان ، قال : أخبرنا أحمد بن
عبيد الصفّار ، قال : حدثنا عبيد بن شُريك وابن ملحان فرقهما (ح ) .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه ،
قال : حدثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان ، قال : أخبرنا يحيى بن عبد الله بن
بُكير ، قال : حدثنا الليث بن سَعْدٍ ، عن يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، أنه
قال : أخبرني عُروةُ بن الزبير ، وسعيد بن المسيب ، وعلقمةُ بن وقاصٍ ،
وعبيد الله بن عبد الله بن عُتُبة، عن حديث عائشة زوج النبي ◌َّهُ حين قالَ لها
أهلُ الإِفك ما قالوا ؛ فبرأها الله مما قالوا ، وكُلُّ حدثني طائفةٌ من الحديث .
وبعض حديثهم يُصدّقُ بعضاً، وإِن كان بعضهم أوعى له من بعضِ الذي
حدّثني ◌ُروة عن عائشة ، وزعموا في رواية القطان ، وان كان بعضهم أوعى له
وزعموا أن عائشة زوج النبي وَّر ، قالت :
كان رسول الله ◌َّ﴾ إذا أراد(٤) أن يخرج أقرع بين نسائه، فأيتهنَّ خَرَجَ
سهمُها، خَرَجَ بها رسول الله ◌َّارِ معه .
(٤) في (أ): ((إذا اراد الرحل)).
٦٤

قالت عائشة" فَأُقرّعَ بَيْنَا في غزوةٍ غزاها(٥)، فَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجْتُ
مَعَ رَسُول اللّهِوَّهِ بعدما نزل(٦) الحجاب، وأنا أُحْمَلُ في هودجي وأنْزِلُ فيه ،
وَسِرْنا، حتى فَرَغَ رسول اللّهِوََّ من غَزْوته تلك، وقَفَل(٧) ودنونا من المدينة
قافلين ، آذَنَ(٧) بالرحيل، فقمت حين أذنوا بالرحيل ، فمشيت حتى جاوزتُ
الجيش ، فلما قضيت شأني أقبلت ، إلى رَحْلي فإِذا عِقْدٌ لي من جَزْعٍ
ظَفَارِ(٨)، قد انقطعَ، فالتمستٌ عِقْدي وحبسني ابتغاؤُهُ ، وأقبل الرَّهطُ الذين
كانوا يرحلون بي ، واحتملوا هودجي فَرَخَّلُوهُ على بعيري الذي كنتُ ركْبْتُ ،
وهم يحسبون أني فيه ، وكان النساءُ إذ ذاكَ خِفّاقاً لم يثقلهنَّ(٩) اللحْمُ ، إنما
يأكلن العُلْقَةً (١٠) من الطعام، فلم يستنكر القومُ خِفَّةَ الهَوْدَجِ حين رفعوه . وكنت
جاريةٌ حديثة السِّنِّ، فبعثوا الجمل وسارُوْا، فوجدت عقدي بعدَمَا استمرّ
الجيش . فجئتُ منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ ، فأقمْت ، وفي رواية
القطان : فأتيت منزلي الذي كنتُ فيه، وظننتُ أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ ،
وفي رواية القطان : فيوجهونَ إليَّ فبينا أنا جالسة في منزلي ، غَلبْنِي عينيْ ،
فنمت ، وكان صفوان بن المعطل السّلميُّ، ثم الذكوانيُّ (١١) مِن وراء الجيش،
(٥) هي غزوة بني المصطلق ، وتعرف بغزوة المريسيع .
(٦) في البخاري: ((أنزل)).
(٧) (قفل) = رجع .
(٧) ( آذن ) = أَعْلَمْ.
(٨) ( جزع ظفار) : خرز يمان يوجد في اليمن في معادن العقيق ، ومنه ما يؤتى به من الصين وهو
أصناف .
(٩) لم يكنَّ سمينات، وفي رواية: ((لم يغشهن اللحم )).
(١٠) ( العُلقة)= القليل مما يسد الرمق.
(١١) صفوان بن المعطل السلمي صفوان اما من الصفا او من صفن ففي الأول النون زائدة والمعطل
بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد الطاء المهملة ابن وبيصة بن المؤمل بن خزاعى بن
محارب بن مرة بن هلال بن فالح بن ذكوان بن ثعلبة بن بهنة بن سليم ذكره الكلبي وغيره ونسبه
خليفة رحيضة موضع وبيصة وفي محارب محاربي قولها ((السلمى ) بضم السين المهملة وفتح =
٦٥
( م ٣ - دلائل النبوة جـ ٤ )

فأدلج فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسانٍ نائم ، فأتاني فعرفني حين رآني ،
وكان يراني قبل الحجاب ، فاستيقظتُ باسترجاعه حين عرفني ، فَخَمِّرْتُ وجهي
بجلبابي والله ما كلمني كلمةٌ ، ولا سمعتُ منه كلمةٌ ، غير استرجاعِهِ ، فأناخَ
راحلته ، فوطىء على يديها ، فركبتُها فانطلقَ يقود بي الراحلة ، حتى أتينا
الجيش بعد ما نَزَلُوا موغر بين في نَحْرِ الظهيرة ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ وكان الذي تولى
الإِفك عبد الله بن أبيّ بن سلول(١٢) ، فقدمنا المدينةَ فاشتكيت حين قَدِمْتُ
= اللام نسبة الى سليم المذكور في نسبة وهو من شواذ النسب لان القياس فيه السليمي قولها ، ثم
الذكواني )) بفتح الذال المعجمة نسبة إلى ذكوان المذكور في نسبه وكان صفوان على الساقة
يلتقط ما يسقط من متاع الجيش ليرده اليهم وقيل انه كان ثقيل النوم لا يستيقظ حتى يرتحل
الناس وقد جاء في سنن أبي داود (( شكت امراته ذلك منه لسيدنا رسول الله فقال انا اهل
بيت نوم عرف لنا ذلك لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس » وذكر القاضي ابو بكر بن العربي انه
كان حصور لم يكشف كنف انثى قط وفي السير لقد سئل عن صفوان فوجدوه لا يأتي النساء
واول مشاهده المريسيع وذكر الواقدي انه شهدا الخندق وما بعدها وكان شجاعاً خيراً شاعراً وعن
ابن إسحاق قتل في غزوة ارمينية شهيداً سنة تسع عشرة وقيل توفي في خلافة معاوية سنة ثمان
وخمسين واندقت رجله يوم قتل فطاعن بها وهي منكسرة حتى مات ولما ضرب حسان بن ثابت
بسيفه لما هجاه ولم يقتصه منه سيدنا رسول الله ية استوهب من حسان جنايته فوهبه لرسول الله
55* فعوضه منها حائطاً من نخيل.
(١٢) ان الذين جاؤ بالافك هم عبد الله بن أبي وحمنة بنت جحش وعبد الله ابو احمد اخوها ومسطح
وحسان وقيل حسان لم يكن منهم وقال النسفي في هذه الآية اهل الافك هم عبدالله بن ابي
رأس المنافقين ويزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن اثاثة وحمنة بنت جحش ومن
ساعدهم وفي صحيح مسلم وكان الذين تكلموا مسطح وحمنة وحسان واما المنافق عبد الله بن
ابي فهو الذي كان يستوشيه ويجمعه وهو الذي تولى كبره وحمنة قوله يستوشيه أي يستخرجه
بالبحث والمسألة ثم يفشيه ويشيعه ويحركه ولا يدعه يخمد وقال النسفي في قوله تعالى :
﴿والذي تولى كبره ﴾ هو عبد الله بن أبي الذي تولى عظمه وبدا به ومعظم الشركان منه قال الله
تعالى ﴿والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ لامعانه في عداوة رسول اللّه ميلي وانتهازه
الفرص وطلبه سبيلاً إلى الغميزة .
٦٦

شهراً، والناس يفيضون(١٣) في قَوْلِ أصحاب الإِفك لا أشعر بشيءٍ من ذلك ،
وهو يَرِيبُني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله وَّ اللطفَ الذي كنت أرى
منه حين أشتكي ، إنما يدخل عَلَّيَّ رسول الله وَ ◌ّه، فيسلم، ثم يقول: كيف
تيكم ، ثم ينصرف فذلك الذي يريبُني ، ولا أشعر بالشِّ، حتى خرجت يوماً
بعدما نقهت ، فخرجت مع أم مِسْطَحٍ قبل المناجع ، وهو مبَرَّزُنا ، وكنّا لا نخرج
إلا ليلاً إلى الليل، وذلك قبل أن تُتَّخَذّ الكُنُفُ(١٤) قريباً من بُيوتِنا، وأَمْرُنا أمر
العرب الأول في التبرُّز قبل الغائِطِ ، وكنا نتأذى بالكُنِفِ أن نتخذها عند بيوتنا ،
فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطحٍ وهي ابنة أبي رُهْمٍ بن عبد مناف، وأمُّها ابنة صخْر بن
عامر ، خالةُ أبي بكر الصديق ، وابنها مِسْطِحُ بن أثاثة بن عبد المطلب ، فأقبلتُ
أنا ، وأمّ مُسْطَحٍ قبل بيتي قَدْ فرغنا من شأننا، فَعَثَرَتْ أُمّ مسطح في
مِرطها(١٥) ، فقالت : تَعَس مسطح ، فقلت لها : بئسَ ما قلت ، أتسبّينَ رجلاً
شهد بدراً! قالت: أي هَنْتَاهُ(١٦)! أولم تسمعي ما قال؟ قالت: وماذا قال ،
وفي رواية القطان: رجلًا من أصحاب رسول اللّهِ وَه قالت: أو ما عَلِمْت ما
قال ؟ قلت : لا والله قالت : فأخبرتني بقول أهل الإِفك .
قالت : فازددتُ مرضاً على مرضي ، قالت : فلما رجعتُ إلى بيتي ودَخَل
عليَّ رسول الله وَ﴾ فسلّم، ثم قال: كيف تيكم (١٧)؟ فقلتُ: أتأذن لي أن آتي
أَبَوَيُّ ؟ قالت وأنا حينئذٍ أريد أن أَسْتَيْقِنَ الخَبَرَ من قبلهما، قالتْ: فأذن لي
رسولُ اللهِ وَلَ فجئتُ أبويٍّ، فقلت لأمّي: يا أمَّتاه ما يتحدث الناسُ ؟ قالت : يا
(١٣) أي يخوضون فيه، من الإفاضة، وهي التكثير والتوسعة .
(١٤) جمع كنيف، وهو مكان الغائط.
(١٥) (المرط ): كساء من صوف يؤتزر به .
(١٦) ( يا هنتاه) = هذه الكلمة تختص بالنداء، ومعناها يا هذه، وقيل : يا امرأة .
(١٧) (کیف تیکم ) = إشارة الى المؤنث
٦٧

بنية هوّني عليك. فوالله لقلَّ ما كانت امرأةٌ قط، وضيئة عند رَجُلٍ يحبّها لها
ضرائر ، إلا أكثرن (١٨) عليها . قالت : فقُلت : سبحان الله، ولقد تحدَّث الناس
بهذا ؟ قالت : فبكيتُ الليلةَ حتى أصبحتْ لا تَرْقالي (١٩) دمعٌ، ولا أكتحل
بنوم . .
قالت : ثم أصبحتُ أبكي ، فدعا رسول اللّه ◌َخٍ عليّ بن أبي طالب،
وأسامة بن زيد حين استلبثَ الوحي يأمرهما في فِراقٍ أهله ، قالت : فأما أسامةٌ
ابن زيد فأشار على رسول اللّه ◌َ بالذي يعلم من براءةٍ أهله ، وبالذي يعلمْ لهم
في نفسه من الوُدِّ ، فقال أسامة : يا رسول اللّه أَهْلُكَ، ولا نَعْلَمُ إلا خيراً وامًّا
عليّ بن أبي طالبٍ فقال: يا رسول اللّه لم يُضَيِّقِ اللَّهُ عليك، النساء سواها
كثيرٌ ، وإِن تسأل الجارية تصدقك .
قالت : فَدَعَا رسول اللّه وَه بريرة، فقال: أي بريرة! هَلْ رَأَيْتٍ مِنْ شيء
يُرِيْبُكِ؟ قالت بريرة : لا، والذي بَعَثِّكَ بالحق ، إن رأيت عليها أمراً
أُغْمِصُه(٢٠) عليها أكثر من انها جاريةٌ حديثة السّن تَنَامُ عن عجين أَهْلِها فتأتي
الداجنُ(٢١) فَتَأْكُلُهُ .
فَقَامَ رسول اللّه ◌َر فاستعذر(٢٢) يومئذ من عبد الله بن أبيّ بن سلول،
قالت فقال رسول اللّه ◌َاخر وهو على المنبر: يا معشر المسلمين! من يَعْذِرنا من
رجلٍ قد بَلّغَنا أذاهُ في أهل بيتي ، فوالله ما علمتُ في أهلي إلا خيراً ، ولقد
(١٨) في (أ): ((كثرن عليها)).
(١٩) (لا يرقأ) = لا ينقطع.
(٢٠) ( أغمصه ) = أعيبها عليه .
(٢١) (الداجن ) = الشاة التي تألفت البيت ولا تخرج للمرعى.
(٢٢) (استعذر) أي قال: من يعذرني فيمن آذاني في اهلي، وقيل: معناه: ((من ينصرني))،
والعذير : الناصح.
٦٨

ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يَدْخُل على أهلي إلا معي ، فقام
سعد بن معاذٍ الأنصاري (٢٣)، فقال: يا رسول الله ! أنا أعذرك منه ، إن كان من
الأوْسِ ضربْتُ عنقه، وان كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك .
قالت : فقام سَعْد بن عُبَادةٌ ، وهو سيّدُ الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً
صالحاً ، ولكن احتملْهُ الحميَّةُ فقال لسعد بن مُعَاذٍ : كذبت لَعَمْرو الله لا تقتُلُه ،
ولا تقدر على قَتْلِهِ! فقام أُسَيْدٍ بن حُضير(٢٤)، وهو ابن عم سعد بن معاذٍ ،
(٢٣) فقام سعد بن معاذ فقال يا رسول الله انا اعذرك منه قال ذلك لان الاوس من قومه وهم بنو النجار
ومن آذى رسول الله8* وجب قتله ثم ان الموجود في الاصول سعد بن معاذ ووقع في موضع
آخر سعد بن عبادة وقال ابن حزم هذا عندنا وهم لان سعد بن معاذ مات اثر غزوة بني قريظة بلا
شك وبنو قريظة كان في آخر ذي القعدة من سنة اربع فبين الغزوتين نحو من سنتين والوهم لم يعر
منه أحد من البشر وقال ابن العربي ذكر سعد بن معاذ هنا وهم اتفق فيه الرواة وقال ابن عمر هو
وهم وخطأ وتبعه على ذلك جماعة وقال القاضي عياض قال بعض شيوخناذ كر سعد بن معاذ في
هذا وهم الاشبه انه غيره ولهذا لم يذكره ابن اسحاق في السير وانما قال ان المتكلم أولاً وآخر
أسيد بن حضير وقال القاضي هذا مشكل لان هذه القصة كانت في غزوة المريسيع وهي غزوة بني
المصطلق سنة ست وسعد بن معاذ مات في أثر غزاة الخندق من الرمية التي اصابته وذلك في
سنة أربع ولهذا قيل ان ذكره وهم والاشبه انه غيره وقال القاضي في الجواب ان موسى بن عقبة
ذكر ان المريسيع كانت سنة أربع وهي سنة الخندق فيحتمل أن المريسيع وحديث الافك كانا في
سنة أربع قبل الخندق قلت هذا يبين صحة ما ذكره البخاري من انه سعد بن معاذ وهو الذي في
الصحيحين.
(٢٤) اسيد بضم الهمزة فهو ابن حضير بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة ابن سماك بن عتيك
ابن امرىء القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن عمرو بن مالك بن الاوس
الانصاري الاوسي الاشهلي ابو يحيى اسلم على يد مصعب بن عمير بالمدينة بعد العقبة الأولى
وقيل الثانية واختلف في شهوده بدراً فنفاه ابن إسحاق والكلبي واثبته غيرهما وشهدا احداً وما
بعدها من المشاهد وشهد مع عمر رضي الله عنه فتح البيت المقدس مات بالمدينة سنة عشرين
وصلى عليه عمر رضي الله عنه قولها ((وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً)) وفي مسلم وكان رجلاً
صالحاً يعني لم يكن قبل ذلك يحمي لمنافق قولها (( ولكن احتملته الحمية )) بحاء مهملة وميم
اي أغضبته وعند مسلم اجتهلته بجيم وهاء اي اغضبته وحملته على الجهل فالروايتان
صحيحتان .
٦٩

فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمرو الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن
المنافقين، فتثاور الحيَّان الأوس والخزرج حتى هموا ان يقتتلوا ، ورسول الله
﴿ََّ قائِمٌ على المنبر، فلم يزل رسول الله وَ لَه يُخْفِضُهُمْ حتى سكتوا، وَسَكت .
قالت : فبكيت يَوْمي ذلك لا يَرْقَأ لي دَمْعٌ ولا أكتحلُ بنومٍ ، قالت :
فاصبح أبواي عندي ، وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنومٍ ولا يَرقأ لي دَمْعٌ
يُظنَّان أن البُكاءَ فالقِّ كبدي .
قالت : فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذَنَتْ عليَّ امرأةٌ من الأنصار
فأذنتُ لها ، فجلست تبكي معي . قال : فبينا نحن على ذلك دَخَلَ علينا رسول
الله ﴿، فسَلَّمَ ثم جَلَسَ، قالت: فلم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل
قبلها ، وقد لبثَ شهراً لا يُوحى إليه في شأني قالت: فتشهد رسول الله (ێ حين
جلس ثم قال : أمَّا بعدُ يا عائشة فإِنه قَدْ بَلَغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة
فسيبرئك الله وان كنت الممت بذنب فاستغفري الله ، وتوبي إليه ، فإِن العَبْدَ إذا
اعترف بذنبه، ثم تاب إلى الله تاب الله عليه، قالت: فلما قَضى رسول الله والخير
مَقَالَتَهُ قَلَص دمعي حتى ما أُحسُّ قطرة، فقلتُ لأبي: أَجِبْ رسولَ اللهِصلّ فيما
قال، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله وَ له، فقلت: لأمي أجيبي رسول
اللّه ◌َله، قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله وَله .
قلت : وأنا يومئذٍ حديثة السنّ لا أقرأ كثيراً من القرآن : إني والله لقد
علمت لقد سمعتم هذا الحديث حَتّى استقرّ في أنفسكم ، وصَدَّقتم به ، فلئن
قلت لكم : إني بريئة والله يعلم إني بريئة لا تصدقوني بذلك ، ولئن اعترفت
لكم بأمرٍ واّ يعلم أني بريئة لتصدقني ، والله ما أجد لكم مثلاً إلا قَوْلَ أبي
يوسف عليهم السلام، قال: ((فَصَبْرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون))(٢٥) .
(٢٥) [ سورة يوسف - ١٨ ].
٧٠

قالت ثم تحولتُ فاضطجعتُ على فراشي ، قالت : وأنا حينئذٍ أعلمُ أني
بريئة ، وأن الله - عزّ وجل - يبرّثني ببراءتي ، وفي رواية القطان سيبرثني براءتي
ولكنَّ والله ما كنتُ أظنُّ أن الله مُنْزِلٌ في شأني وحياً يُتْلى ولشأني في نفسي كان
أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بأمرٍ - وفي رواية القطان : أمرٌ يُتْلى - ولكن كنتُ أرجو
أن يرى رسول الله ◌ّهر في اليوم رؤيا يبرثني الله بها .
قالت: فوالله ما قامَ رسول اللّهِ وَّ، ولا خرج أحدٌ من أهل البيت حَتّى
نَزَلَ عليه ما كان يأخذه من البرحاء حتى أنه ليتحدَّر منه مثل الجُمانِ من العرق
في يوم شاتي ، من ثِقِلِ القَوْلِ الذي ينزل عليه ، قالت : فلما سُريَ عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ وَلَّ سُرّيَ عنه وهو يَضْحَكُ، فكانَ أول كلمةٍ تكلم بها يا عائشة أما والله لقد
برَّأَكِ اللّه، قالت : فقالت أُمّي : قومي إليه، قالت: فقلت : والله ! لا أقومُ إليه
ولا أحْمَدُ ، إلا الله، وأنزل الله عز وجل : ﴿إِنَّ الذين جاءوا بالإِفك عُصْبَةٌ منكم
لا تحسبوه شرَاً لكم ، بَلْ هو خيرٌ لكم ، لكل امرئٍ منهم ما اكتسبَ من
الإِثم﴾ (٢٦). العشر الآيات كلها .
فلما أنزل الله عز وجل هذا في براءتي ، قال أبو بكرٍ وكان ينفق على
مسطحٍ بن اثاثة لقرابته منه وفقره : والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي
قال لعائشة ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿ولا يأتَلِ أُولوا الفضل منكم والسعة أنْ يؤتوا
أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ، وليعْفوا وليصفحوا ألا تحبُّون
أن يغفر الله لكم، والله غفور رحيم﴾(٢٧)، قال أبو بكر: بلى، والله إني لأحبُّ
أن يغفر الله لي ، فَرَجَعَ إلى مِسْطَحِ النفقة التي كان ينفق عليه، وقال : والله لا
أنزعها منه أبداً .
(٢٦) [ سورة النور - ١١ ].
(٢٧) [ سورة النور - ٢٢ ].
٧١

قالت عائشة فكان رسول الله صل﴿ يسأل زينب بنت جحش ، عن أَمْري ،
فقال : يا زينب ما علمتِ أو ما رأيتٍ ؟ قالت : يا رسول الله ! أحمي سمعي
وبصري ، ما علمت إلا خيراً قالت : وهي التي كانت تُساميني من أزواج النبي
تََّ، فعصمها الله بالوَرَع وطَفِقتْ أختها حمنهُ تحارب لها ، فهلكت فيمن هلكَ
من أصحاب الإِفك .
لفظ حديث أبي عبد الله القطان .
رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن عبد الله بن بكير (٢٨).
وأخرجه مسلم من حديث ابن المبارك عن يونس بن يزيد(٢٩).
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد ، قال :
أخبرنا إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفَّار ، قال : حدثنا أحمد بن
منصور ، قال : حدثنا عبد الرزّاق، قال : أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْري ، قال :
كنت عند الوليد بن عبد الملك ، فقال الذي تولى كِبْرَهُ منهم : عليٌّ،
فقلتُ : لا ، حَدّثني سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وعلقمة بن وقاص ،
وعبيد الله بن عتبة بن مسعود ، كلهم سَمِعَ عائشة - رضي الله عنها - تقول :
الذي تولى كبره : عبد الله بن أبيّ ، قال فقال لي: فما كان جُرْمُه ؟ قال قلت :
(٢٨) البخاري عن يحيى بن عبد الله بن بكير في تفسير سورة النور فتح الباري (٨: ٤٥٢)، وفي
التوحيد باب (٥٢)، قول النبي وثة ((الماهر بالقرآن مع الكرام البررة))، وأخرجه البخاري ايضاً
في : ٥٢ - كتاب الشهادات (١٥) باب تعديل النساء بعضهن بعضاً؛ الحديث (٢٦٦١)، فتح
الباري (٥ : ٢٦٩ - ٢٧٢) بطوله، وفي تفسير سورة النور كلاهما من طريق الليث،، وانظر
تحفة الأشراف (١١ : ٤١٣ - ٤١٤).
(٢٩) أخرجه مسلم في: ٤٩ - كتاب التوبة (١٠) باب في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف،
الحديث (٥٦)، ص (٤ : ٢١٢٩)، عن حبان بن موسى، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس
ابن يزيد الأيلي .
٧٢

سبحان الله ! من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وأبو بكر بن عبد
الرحمن بن الحارث بن هشام أنهما سمعا عائشة ، تقول : كانَ مُسيئاً في
أمري .
أخرجه البخاري في الصحيح من حديث معمر (٣٠).
وأخبرنا أبو علي الروذباري ، قال : حدثنا أبو محمد بن شَؤْذَب المقرىءُ
بواسط ، قال : حدثنا محمد بن عبد الملك ، قال: حدثنا يزيد بن هارون ،
قال: حدثنا أبو معشر، قال : حدثنا أفلح بن عبد الله بن المغيرة ، عن
الزهري ، قال : كنت عند الوليد بن عبد الملك ، فذكر الحديث بطوله عن
عُروة ، وابن المسيب وعلقمة ، وعبيد الله بن عبد الله ، عن عائشة لم يذكر أبا
سلمة ، وأبا بكر بن عبد الرحمن ، وزاد : قال : حدثنا الوليد ، وما ذاك قال :
أن رسول الله ◌َ ◌ّ غزا غزوة بني المصطلق، فَسَاهَمَ بين نسائِه ، فخرج سَهْمي ،
وسهم أمِّ سلمة وذكر الحديث .
أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب ، قال : حدثنا أبو بكر الإسماعيلي ،
قال : حدثنا القاسم بن زكريا ، قال : حدثنا بندار، وابن المثنى ، قال : حدثنا
ابن أبي عدي ، قال : أخبرنا شعبة ، عن سليمان ، عن أبي الضحى ، عن
مسروق ، قال : دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبَّبَ بأبيات له ، فقال :
حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ وتُصبح غَرْئِىْ من لحُومِ الفوافل(٣١)
قالت : لست كذاك ، قلت : تَدَعين مِثْل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله
عزّ وجل : ﴿والذي تَوَلَّى كِبْره منهم له عذابٌ عظيم﴾ فقالت : وأي عذابٍ أشد
من العَمَى .
(٣٠) البخاري في تفسير سورة النور، فتح الباري (٨ : ٤٥١).
(٣١) (حصان) = محصنة عفيفة، ( رزان ) = كاملة العقل، ( ماتُزَنَ) = ما تتهم (غَرْثى) = جائعة.
٧٣

قال وقالت : قد كان يردُّ عن رسول الله اله.
رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن بشَّار بُندارٍ (٣٢).
. ورواه مسلم عن محمد بن المثنى (٣٣).
أخبرنا أبو بكرٍ أحمد بن الحسن القاضي ، قال : حدثنا أبو العباس :
محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن
بُكير، عن ابن إسحاق ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ،
عن عَمْرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة ، عن عائشة أنها قالت : لما تلى
رسول اللّهَ القصة التي نزل بها عُذْرِي على الناس نزل رسول اللهِوَ له فأمَّرَ
برجلين وامرأةٍ ممن كان باءَ بالفاحشة في عائشة فَجُلدوا الحَدِّ ، قال : وكان رماها
عبد الله بن أبي ، ومسطح بن أثاثة ، وحسَّان ، وحمنة بنت جحشٍ أُخت زينب
بنت جحشٍ ، رموها بصفوان بن المعَطَّل السُّلمي (٣٤).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال : حدثنا يونس عن ابن
إسحاق ، قال : حدثنا محمد بن إبراهيم التيميُّ ، قال: وكان حسّان بن ثابت قد
كثَّرَ على صفوان بن المعَطَّلِ في شأنٍ عائشةً ، ثم قال بيت شعْرٍ يعرّض به فيه
وبأشباهه ، فقال :
أمسَى الجلابيبُ قَدْ عَزَّوْا وَقَدْ كَثروا وابنِ الفَريعةِ أمسى بَيْضَةِ الْبَلْدِ (٣٥)
(٣٢) البخاري عن محمد بن بشار في تفسير سورة النور، فتح الباري (٨: ٤٨٥)، وعن عثمان بن
أبي شيبة في المغازي، فتح الباري (٧ : ٤٣٦).
(٣٣) أخرجه مسلم عن ابن المثنى في: ٤٤ - فضائل الصحابة ، الحديث (١٥٥)، ص (٤ :
١٩٣٤ ).
(٣٤) سيرة ابن هشام (٣: ٢٥٩)، ونقله ابن كثير في البداية والنهاية (٤ : ١٦٣).
(٣٥) (الجلابيب) = هذا القب ، كان المشركون في مكة يلقبون به أصحاب النبي ، (والفريعة ) =
أم حسان بن ثابت، و ( بيضة البلد ) = انه اصبح وحيداً لا نظير له ، ولا يقوى على أحد ، وهذه
عبارة تقال للردح والذم .
٧٤

فاعترضهُ صفوان ليلةٌ ، وهو آتٍ من عند أخواله بني سَاعِدة فضربه بالسيف
على رأسه، فيعْدوا عليه ثابت بن قيس بن شَمَّاسٍ ، فجمع يديه إلى عُنقِه
بحبل أسودَ ، وانطلق به إلى دار بني حارثة ، فلقيه عبد الله بن رواحة ، فقال
له : ما هذا؟ فقال : ما أعجبك عَدَا على حسان بالسيف ، فوالله ما أراه إلا قد
قتلهُ، فقال: هل عَلِمَ رسول الله ◌َله بما صنعت به؟ فقال: لا ، فقال: والله
لقد اجترأت ، خَلَّ سبيلهُ، فستغدوا على رسول الله مصر ، فذكروا له ذلك ،
فقال : أين ابن المعطّلِ ، فقام إليه ، فقال : ها أنذا يا رسول الله ، فقال : ما
دَعاك إلى ما صنعت ؟ فقال: يا رسول اللّه أذاني وكَثَّرَ عليَّ، ولم يَرْضَ حتى
عَرَّض في الهجَاءِ، فاحتملني الغضب ، وها أناذا . فما كان عليّ من حَقِّ
فخذني به فقال رسول الله وَّه: ادعوْ إليّ حَسَّانَ، فأُتي به، فقال : يا حسان !
اتشوَّهْتَ على قومك أن هداهم الله للإِسلام ، يقول: تَنْفَّسْتَ عليهم ، يا حسان
احْسِنْ فيما أصابك، فقال: هي لك يا رسول الله، فأعطاه رسول اللّه وله
سيْرِيْنَ القبطية ، فولدت له عبد الرحمن بن حسان ، وأعطاه أرضاً كانت لأبي
طلحة تصدَّق بها على رسول اللّه وَيرِ (٣٦).
قال ابن إسحاق : حدثنا يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس : أن
صفوان بن المعطِّل ، قال حين ضرب حسَّان :
تلَقَّ ذبابِ السَّيْفِ عنك فإِنّني غلامٌ إِذَا هُوْ جِيتُ لسْت بشاعرٍ
وقال حسان لعائشة :
من المحصناتِ غير ذات غوائِلٍ
رأيتك وليغفر لك اللّه حُرَّةً
وتصبح غَرْثَى من لحوم الفوافل
حصانٌ رزَانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ
(٣٦) رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٦١ - ٢٦٢)، ونقله ايضاً ابن كثير في التاريخ (٤: ١٦٣).
٧٥

بِكِ الدّهْرُ بل قيل أمْرِىء متماحِلٍ (٣٧)
وأن الذي قد قيل ليس بلائط
فإِن كُنْتُ اهجوكم كما بلَّغوكم
فكيف وَؤُدّي ما حييت ونُصرتي
فلا رَجْعَتْ سَوْطي إليَّ انامِلي
لآلِ رسول الله زين المحافل
قِصارٌ وطال العزُّ كل التَّطاوُلِ (٣٨)
وإِنَّ لهم عِزًّا يُرى الناس دونه
وأخبرنا الحسين بن الفضل القطان ، قال : أخبرنا أبو بكر بن عَتَّابِ ،
قال : أخبرنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة ، قال : حدثنا ابن أبي أويس ،
قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، عن عمه موسى بن عقبة ، في ذكر
ما جرى بين جهجاه وبين فتية من الأنصار على الماء في غزوة بني المصطلق ،
قال : وبلغ حسان بن ثابت الشاعر الذي كان بين جهجاهٍ الغفاري وبين الفتية
الانصاريين قال فغضب وقال وهو يريد المهاجرين من القبائل الذين يقدمون على
رسول الله وَالو للإِسلام:
أمسى الجلابيبُ قد زاغوا وقد كثروا وابن الفريعة أمْسى بيضه البلّدِ
فخرج رجل من بني سُليم مغضباً من قول حسان فرصده فلما خرج ضربه
السلمي حتى قيل قتله لا يُرى الا انه صفوان بن المُعَطَّل فإِنه بلغنا انه ضرب
حسان بالسيف فلم يَقْطَعْ رسول اللّه ◌َ# يده في ضربه إياه بالسيف فبلغ رسول
الله ◌َ* ضَرْب السلمي حَسَّان فقال لهم خذوه فإِن هلك حَسَّان فاقتلوه به فخذوه
فأسروه وأوثقوه فبلغ ذلك سَعْد بن عبادة، فخرج في قومه إليهم فقال : ارسلوا
الرجل فأبوا عليه فقال عَمَدْتم إلى قوم رسول اللّه وَّ فتشتمونهم وتُؤْذونهم وقد
زعمتم انكم نصرتموهم فغضب سَعْدٌ لرسول الله وَّله ولقومه فقال ارسلوا الرجل
(٣٧) في سيرة ابن هشام: ((ولكنه قول امرىء بي ماهل)).
(٣٨) سيرة ابن هشام (٣ : ٢٦٣).
٧٦

فأبوا عليه حتى كاد ان يكون بينهم قتال ثم أرسلوه فخرج به سعدٌ إلى أهله فكساه
حُلَّة ، ثم أرسله فبلغنا أن السُلمي دخل المسجد ليصلي فيه ، فرآه رسول الله
وَليه، فقال : من كساك كساه الله من ثياب الجنة ؟ فقال : كساني سعد بن
عبادة .
ثم ذكر موسى بن عقبة قصة عبد الله بن أبي في الإِنفاق على أصحاب
رسول الله ﴿ ونُزول إذا جاءك المنافقون، ولم يتعرض لذكر حديث الإِفْكِ في
هذه الغزوة وفي رواية الزهري عن الجماعة عن عائشة حتى استعذر النبي مَّ من
عبد الله بن أبيٍّ، فقام سعدٍ بن مُعَاذٍ الأنصاري ، فقال : يا رسول اللّه أنا أعذرك
منه ، وقد مضى الحديث الصحيح عن عروة عن عائشة في قصة رمي سعد بن
مُعَاذٍ يوم الخندق في أكحله ووفاته من تلك الرَّمية بَعْدَ قريظة ، فإن كان قول من
قال أن قصة الإفك كانت في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق محفوظاً
فيشبه أن يكون جُرْحُ سعد بن مُعاذٍ رضي الله عنه لم ينفجر حتى كان بعد
المريسيع ، وحديث الإفك .
وذكر أبو عبد الله بن مَنده الحافظُ أنَّ سعد بن مُعاذٍ توفي بالمدينة سنة
خمس من الهجرة .
وذكرنا فيما تقدم ان غزوة بني المصطلق كانت في شعبان سنة خمسٍ من
الهجرة ، فكأنَّ سعداً مات بعد شعبان في هذه السنة والله أعلم .
٧٧

باب
سريّة نَجْد
يقال أنها كانت في المحرم سنة ست من الهجرة ، بَعثَ فيها محمد بن
مَسلمة فجاء بسيد أهل اليمامة ثُمامة بن أثَالٍ وما ظهر في أخذه
وإِسلامه من الآثار
أخبرنا أبو عبد الله : محمد بن عبد الله الحافظ - رحمه الله - قال : أخبرنا
أبو بكر بن إسحاق الفقيه ، قال : أخبرنا أحمد بن إبراهيم ، هو ابن مَلْحَانَ ،
قال : حدثنا يحيى بن بُكير، قال : حدثنا الليث ، قال : حدثنا سعيد بن أبي
سعيد أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - ، يقول: بَعَثَ رسول الله وَهُ خَيْلاً
قبل نجد فجاءت برجلٍ من بني حنيفة يقالُ له ثمامة بن أثال سيّد أهل اليمامة ،
فَرَ بَطُوه بساريةٍ من سواري المسجد فخرج إليه رسول اللهِ وَّةِ، فقالَ: ماذا
عندك يا ثُمامة؟ قال : عندي يا محمد خيرُ إنْ تَقْتُل تَقْتُلْ ذا دَمٍ ، وان تُنْعمْ تُنْعِمْ
على شاكرٍ، وإن كنت تُريد المال فسل تُعْطَ منه ما شئت، فتركه رسول الله ◌ِص ◌َل
حتى كان بَعْد الغَدِ ، فقال : ما عندك يا ثمامَةُ ؟ فقال : عندي ما قُلتُ لك ان
تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شاكرٍ وان تقتل تقتل ذا دمٍ ، وإن كنت تريد المال فسَلْ تُعْطَ منه
ما شئت، فقال رسول الله وَلجر: اطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخلٍ قريب من
المسجد ، فاغتسل ثم دَخَلَ المسجد ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وان
محمداً رسول الله ، يا محمد! والله ما كان على وجه الأرض وجهً أبغضُ إليَّ من
وجهك ، وقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلَّها إلىٍّ، والله ما كان دينٌ أبغض إليّ
من دينكْ ، فَأَصْبَحَ دِينك أحَبَّ الدين كله إليّ ، والله ما كان من بلدٍ أبغضُ إليّ
· من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليَّ، وان خيلك أخذتني وأنا أريدُ
٧٨

العُمْرَةَ، فماذا ترى، فَيَسَّرِه رسول اللّهِ وَّ، وأمرهُ أن يعتمر، فلما قَدِمَ مكة ،
قال له قائل: صبأت(١) يا ثمامة؟ قال: لا، ولكني أسلمتُ مع رسول اللّه وَليل
فوالله لا يأتيكم من اليمامة حَبَّ حنطة حتى يأذن فيها رسول الله لَه .
رواه البخاري في الصحيح عن عبد الله بن يوسف ، ورواه مسلم عن قتيبة
كلاهما عن الليث ، وأخرجه مسلم أيضاً من حديث عبد الحميد بن جعفر عن
سعيد المقبري هكذا(٢) .
وخالفهما محمد بن إسحاق بن يسار (٣) عن المقبري في كيفية أخذه ،
وذكر أوّلاً من قبل نفسه أن ثُمامة بن أثالٍ كان رسول مُسيلمة إلى رسول اللّهِ وَل
فدعا الله ان يُمَكّنِه منه .
ثم روى عن المقبري ما أخبرنا أبو عبد الله الحافط وأبو محمد بن موسى
ابن الفضل ، قالا : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن
عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثني
سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : كان إسلام ثمامة بن أثالٍ الحنفي أن
رسول الله وَّ دعا الله حين عَرَضَ لرسول اللهِ وَّ بما عرض له أن يمكنه الله
منه ، وكان عَرَضَ له وهو مشرك، فأَراد قَتْلَهُ فَأَقْبَلَ ثُمامة معتمراً وهو على
شِرْكِه، حتى دخل المدينة فتحير فيها، حتى أُخِذَ فأتيَ به رسول اللّهِ وَّ وهو
مُشْرِكِ فَأَمَرَ بِهِ فَرُبِطَ إلى عمودٍ من عَمَد المسجد، فخرج عليه رسول الله وآله
فقال : مالك يا ثُمَامُ ؟ هل أمكن الله منك ؟ فقال : قد كان ذلك يا محمد : ان
تَقْتُل تَقْتُل ذا دَمٍ ، وان تَغْفُ تعْف عن شاكرٍ ، وإِن تسأل مالاً تُعْطَةْ
(١) في الأصول: ((صبوت)) وهو صحيح، وصباً إذا خرج من دينه ، وصبأت النجوم: إذا خرجت من
مطالعها :
(٢) رواه البخاري مختصراً في صحيحه (٦: ٢)، ومسلم مطولاً (١٢: ٨٧) شرح مسلم للنووي.
(٣) رواية ابن إسحاق ذكرها ابن هشام في السيرة (٤: ٢٤٦ - ٢٤٧).
٧٩

فمضى رسول الله وَّ وتركه ، حتى إذا كان الغد مرّ به ، فقال : مالك يا
ثمام ؟ فقال : خيراً يا محمد : إن تَقْتُل تَقْتُل ذا دمٍ ، وان تَعْف تعف عن
شاكرٍ، وإن تسأل مالاً تعطه ثم انصرف عنه رسول الله وَلتر .
قال أبو هريرة : فجعلنا المساكين نقول : بيننا ما يصنع بدم ثمامَة ، والله
لُأَكْلَةٌ من جُزورٍ سمينةٍ من فدائِه أحب إلينا من دَمِ ثمامة .
فلما كان الغَدُ ، مَرَّ به رسول الله وَِّ فقال : مالك يا ثمام؟ فقال خيراً يا
محمد ان تقتل تقتل ذا دَمٍ ، وان تعف تعف عن شاكر ، وان تسألُ مالاً تعطه ،
فقال رسول الله وَ﴿ : عَفَوْتُ عنك يا ثُمامُ.
فخرج ثمامة حتى أتى حائطاً من حيطان المدينة ، فاغتسل به وتطهر ،
وطهر ثيابه ، ثم جاء رسول الله ﴿ وهو جالسٌ في المسجد في أصحابه ، فقال:
يا محمد والله لقد كُنْتَ وَما وجه أبغضُ إليَّ من وجهك، ولا دِينٌ أبغض إليّ مِنْ
دينك ، ولا بلدٌ أبغض إليَّ من بلدك ، ثم لقد أصبحت وما وجه أحبُّ إليَّ من
وجهك ، ولا دينّ أحبُّ إلي من دينك، ولا بلدٌ أحب إليَّ من بلدك، وإِني أشهد
أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله ، يا رسول الله إني كنتُ خرجتُ
معمراً، وأنا على دين قومي فيسِّرْني صلى الله عَلَيْكَ في عَمْرتي، فَيَسَّرَهُ رسول
الله وَ فِي عُمرته وعَلَّمُه، فخرج معتمراً .
فلما قدم مكة وسمعته قريش يتكلم بأمر محمد من الإِسلام ، قالوا : صَبأ
ثمامَةُ فاغضبوه فقال : إني والله ما صبوت ولكني أسلمت ، وَصَدَّقت محمداً ،
وآمنتُ به ، وأيم الذي نفس ثمامة بيده . لا تأتيكم حَبَّة من اليمامة - وكانت رَيْفَ
مكة - ما بقيتُ حتى يَأْذَنَ فيها محمدٌ رَّه. وانصرفَ إلى بلده، ومنع الحَمْل إلى
مَكّة، حتى جَهدت قريشٌ ، فكتبوا إلى رسول اللهِ وَّ ر يسألونه بأرحامهم أن
يكتب الى ثمامة يُخلى حمل الطعام، ففعل رسول الله وَالإِ(٤) ..
(٤) الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٤ : ٢٤٦ - ٢٤٧ ).
٨٠