النص المفهرس
صفحات 421-440
أخبرنا أبو الحسن: علي بن احمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد
الصفار، قال: حدثنا أحمد بن غالب بن حرب ، قال: حدثنا هوذة ، قال: حدثنا
عوف ، عن ميمون (٢٠) الزهراني ، قال : حدثني البراء بن عازب الأنصاري ، قال :
لما كان حين أمرنا رسول الله وَل# بحفر الخندق ، عرض لنا في بعض
الخندق صخرة عظيمة شديدة، لأتأخذ فيها المعاول، قال: فَشَكَوْا ذلك إلى
النبي ◌ّ*، قال: فَلَّمَّا رآها اخذ المِعْول وقال: بسم اللّه، وضَرَبَ ضربةً، فكسر
ثلثها، فقال: الله أكبر ، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لابصر قصورها الحمر
إن شاء الله ، ثم ضرب الثانية، فقطع ثلثاً آخر، فقال: الله اكبر اعطيت مفاتيح
فارس ، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة، فقال: بسم
الله، فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن ، والله إني
لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة(٢١).
(٢٠) هو ميمون مولى عبد الرحمن بن سمرة ، قال ابن معين : لا شيء ، وضعفه العقيلي . الميزان
( ٤ : ٢٣٥ ) .
(٢١) أخرجه النسائي في السير في ( السنن الكبرى) عن محمد بن عبد الأعلى ، عن معتمر، عن
عوف ، عن ميمون ، عن البراء ... تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف ( ٢ : ٦٥).
٤٢١
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم يسر يا كريم
باب
ما ظَهَرَ في الطعام الذي دُعيَ إليه
أيام الخندقٍ مِنَ البَرَكَةِ وآثارِ النبوَّةِ
حدثنا أبو الحسن: محمد بن الحسين بن داود العلوي [ - رحمه الله -]
أخبرنا عبد الله بن محمد بن الحسن بن الشرقي ، حدثنا عبد الله بن هاشم،
حدثنا وكيع، حدثنا عبد الواحد بن أيمن المكي ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد
الله، قال: لما حَفَر النبي [ - رَ﴿ -] وأصحابه الخندق أصاب النبي [وَّد]
والمسلمين جَهْدٌ شديدٌ، فمكثوا ثلاثاً لا يجدون طعاماً، حتى رَبَطَ النبيُّ [{ [*]
على بَطْنِهِ حجراً من الجوع (١).
أخبرنا أبو عمرو : محمد بن عبد الله الأديبُ، أخبرنا أبو بكر الإِسماعيلي،
أخبرنا أبو يَعْلى، حَدَّثنا أبو خيثمة، حدثنا وكيع، حدثنا عبد الواحد بن أيمن
(ح).
قال الإسماعيلي : وأخبرني الحسن هو ابن سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، حدثنا المحاربي : عبد الرحمن بن محمد عن عبد الواحد بن أيمن ، عن
أبيه، قال: قلت لجابر بن عبد الله، حدثني بحديث عن رسول الله ولو أرويه
(١) رواه الإمام أحمد عن وكيع ، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه أيمن الحبشي مولى بني مخزوم،
عن جابر بقصة الكلية، وربط الحجر على بطنه الكريم ، ونقله الحافظ ابن كثير في (( البداية
والنهاية)) (٤ : ٩٧ ).
٤٢٢
عنك، فقال جابر كُنَّا مع رسول الله [{َو](٢) يوم الخندق، نحفر فيه، فلبثنا ثلاثة
ايام لا نطعم شيئاً ، ولا نقدر عليه ، فعَرضَتْ في الخندق كُدْيَةٌ(٣) فجئت إلى
رسول الله [َ﴾] فقلت: هذه كُدْيَةٌ قَدْ عَرَضت في الخندق فَرَشَشْنا عليها الماء ،
فقام رسول اللّه [﴿] وبطنهُ معصوبةٌ بحجر فَأَخَذَ المِعْوَلَ أو المسحاة، ثم سَمَّى
ثلاثاً، ثم ضرب فعادت كئيباً(٤) أَهْيلَ! فلما رأيت ذلك من رسول اللّه وَّر،
قلت : يا رسول الله! أئذن لي [ قال فأذن لي ](٥). فجئت أمرأتي، فقلت :
ثكلتك أمك إني قَدْ رَأْيْتُ من رسول اللّهِ وَّرِ شيئاً لا صَبْرَ عليه، فما عندك؟
قالت: عندي صاحٌ(٦) من شعيرٍ وعَنَاقٌ. (٧). قال: فطحنًّا الشعير، وذبحنا
العناق، وأصلحناها، وجَعَلْنَاها في البرْمة(٨)، وعَجَنْتُ الشعير، ثم رجعتُ إلى
رسول اللّه [*] فلبث ساعةً ثم استأذنتُهُ الثانية، فأذِنَ لي فجئتُ، فإِذا العجين
قد أمكن ؛ فأمرتها بالخبز، وجعلت القدر على الأثافي، ثم جِئْتُ رسول الله
[َ*] فسارَرْته فقلتُ: إِن عندنا طُعَيماً(٩) لنا فإِن رأيت ان تقوم معي انت ورجلٌ
او رجلان معك فعلت؛ فقال: ما هو؟ وكم هو؟ قلتُ: صاح من شعيرٍ وعناقٌ.
قال: ارجع الى أهلك فقل لها لا تنزع البرمة من الأثافي ، ولا تخرج الخبز من
التنور حتی آتي، ثم قال للناس: قوموا إلى بيت جابر.
(٢) ليست في ( ص).
(٣) (الكُذْية) = الأرض الصلبة.
(٤) ( الكثيب ) : المجتمع من الرمل.
(٥) الزيادة من ( ص ).
(٦) ( الصاع): مكيال، وهو خمسة أرطال وثلث.
(٧) ( العناق ) : الأنثى من ولد المعز قبل استكمالها الحول.
(٨) (الْبُرْمة ) : القدر من الحجر، والجمع: بُرَم .
(٩) ( طعيم ) : بتشديد التحتية على طريق المبالغة في تحقيره .
٤٢٣
قال فاسْتَحْيَتُ [ حياءً](١٠) حتى لا يعلمه إلا الله، فقلت لامرأتي : ثكلتك
أمّكٍ، وقد جأَءك رسول الله وَله وأصحابه أجمعون، فقالت: أكان رسول الله
[*] سألكَ عن الطعام؟ قلت نعم. قالت: الله ورسوله اعلمُ قد اخبرته بما كان
عندك؛ فذهب عني بعض ما كنتُ اجدُ قلتُ: لقد صدقتٍ. فجاء رسول الله
[*] فدخل ثم قال لأصحابه لا تضاغطوا (١١)، ثم بَرَّك على التنور وعلى
البرمة ، فجعلنا نأخذ من التنور الخُبْزَ، ونأخذ اللحم من البرمة، فَتَثُرُد ونُغَرّفُ،
ونُقَرّبُ إليهم، وقال رسول الله [ََّ]: ليجلس على الصحّفة سبعةٌ أو ثمانيةٌ،
فلما أكلوا كشفنا التنور والبرمة، فإذا هما قد عادا إليَّ أُمْلاً ما كانا فنثرد ونغرف
ونُقُّرِّبَ اليهم ، فلم نزل نفعل ذلك كلما فتحنا التنور وكشفنا عن البرمة،
وجدناهما أُمْلآءَ ما كانا حتى شبع المسلمون ، منها وبقيت طائفةٌ من الطعام،
فقال لنا رسول الله وَ ﴿ : إن الناس قد أصابتهم مخمصةٌ(١٢) فكلوا واطعموا. فلم
نزل يومنا نأكل ونطعمُ.
قال: وأخبرني أنهم كانوا ثمان مائة، أو ثلثمائة .
رواه البخاري في الصحيح عن خلاد بن يحيى ، عن عبد الواحد إلا أنه
لم يذكر العدد في آخره (١٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ، قالا :
حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا
يونس بن بكير ، عن هشام بن سعد ، عن أبي الزبير ، قال : أخبرني جابر بن
(١٠) الزيادة من (ص) فقط .
(١١) (لا تضاغطوا) = لا تزدحموا.
(١٢) (المخمصة ) : الجوع.
(١٣) البخاري عن خلاد بن يحيى في : ٦٤ - كتاب المغازي (٢٩) باب غزوة الخندق، الحديث
(٤١٠١)، فتح الباري (١٧: ٣٩٥).
٤٢٤
عبد الله قال: كنا مع رسول الله [(﴿﴿] ثلثمائة رجُل، نحفر الخندق فرأيتُ
رسول الله [*] أخذ حجراً فجعله بين بطنه وإزاره ، يُقيم بطنه من الجوع.
فلما رأيت ذلك قلت : يا رسول الله ائذن لي فإن لي حاجة في أهلي ؛ فأتيتُ
المرأة فقلت : قد رأيتَ من رسول الله [َله] أمراً غاظني؛ فهل عندك من شيء
فقالت : هذه العَنَاقُ فاذبحها ، وهذا صاعٌ من شعيرٍ فاطحنه ، فطحنتُهُ وذبحت
العَناقُ، وقلت اطبخي حتى آتى رسول الله [وََّ] فأستتبعتُهُ، فانطلقتُ اليه .
فقلت يا رسول الله إني قد ذبحتُ عَنَاقاً، وطحنتُ صاعاً من شعير ، فانطلق معي
فنادى رسول الله [*] في القوم: ألا أجيبُوا جابر بن عبد الله . قال : فرجَعْتُ
إلى المرأة فقلت قد افتضحت، جَاءَكِ رسول الله وَ﴿ ومن معه فقالت بلَّغْتَهُ
وبَيِّنْتَ له ؟ فقلت : نعم . قالتْ : فارجع إليه فبيّنْ له . فأتيتُهُ فقلت : يا رسول
اللّه إنما هي عناقٌ، وصاح من شعير. قال: فارجع . ولا تحرَكَنَّ شيئاً من
التنور ، ولا من القِدْرِ حتى أتيها ، واستعر صِحَافاً .
فَدَخَلَ رسول اللّه [وَّ] فدعا الله عز وجل على القِدْر ، والتنور ، ثم
قال : اخرجي واثردي ، ثم اقعدهم عَشَرةُ عَشَرةٌ ، فأدخلهم فأكلوا . وهم
ثلثمائة . وأكلنا وأهدينا لجيراننا ، فلما خرج رسول الله [وَلّ] ذهب ذلك (١٤).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا
عباس بن محمد الدوري ، حدثنا أبو عاصم (ح ) .
قال : وأخبرني أبو عمروٍ بن أبي جعفرٍ - واللفظ له - قال: حدثنا عبد الله
ابن محمد بن عبد الرحمن [ حدثنا ](١٥) عمرو بن علي ، حدثنا أبو عاصم ،
حدثنا حنظلة بن أبي سفيان ، حدثنا سعيد بن مينا ، قال : سمعت جابر بن عبد
(١٤) المستدرك (٣: ٣١)، البداية والنهاية (٤ : ٩٧).
(١٥) ساقطة من (أ) فقط.
٤٢٥
الله يقول: لما حُفِر الخندق رأيتُ برسول الله [وَّ] خمصاً شديداً قال :
[ فانكفأت إلى امرأتي، فقال: إني رأيتُ برسول الله [﴿] خَمَصاً شديداً ](١٦)
فأخرجَتْ إليَّ جراباً فيه صاع من شعير ، ولنا بهيمةٌ داجنّ ، قال : فذبحتها .
وَطَبَخَتْ ففرَغَتْ إلى فراغي، وَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتَها، ثم وَلَّيْتُ إلى رسول الله
[*] فقالت: لا تفضحني برسول الله [{ّل] ومن معَهُ فجشُه فسارَرْتُه
فقلت : يا رسول الله قد ذبحنا بهيمةً لنا، وطحنتُ صاعاً من شعير كان عندنا ؛
فتعال أنت ونَفّرُ معك، قال : فصاح رسول الله [وَّ] يا أهل الخندق ، إن
جابراً قد صنَّحَ سُوْراً (١٧) فحيَّ هلا بكم(١٨).
وقال رسول اللّه [ وَّ﴾]: لا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، ولا تُخبزُنَّ عجينكم، حتى
جيءَ .
قال: فجئتُ وجاء رسول اللّه [﴿] يَقْدُمُ الناسَ حتى جئتُ امرأتي -
فقالت : بك وبك . فقلتُ : قد فعلتُ الذي قُلت . فأخرجت له عجيناً فبصق
وبارك ، يعني ثم عمد إلى بُرمتنا فبصق وبارك، ثم قال ادعوا لي خابزةٌ فلتخبز
مَعَكٍ ، واقدحي من بُرمتكم ولا تَنْزِلوها، وهم ألفٌ. فاقسِمُ باللّه لأكلوا حتى
تركوا واتحفزوا أو قال: انحرفوا . وإن بُرمتنا لتَغطُّ كما هي . وان عجيننا لَيُخْبَزُ
كما هو (١٩) .
حديث الدوري مخْتَصرُ رواه البخاري (٢٠) في الصحيح عن عَمْرو بن علي.
(١٦) ما بين الحاصرتين ساقطة من (ح).
(١٧) (السّور) بضم السين المهملة وسكون الواو بغير همز، وهو هنا الصنيع بالفارسية كما جزم به
البخاري .
(١٨) (حي هلا): كلمة استدعاء فيها حث ، أي : هلموا مسرعين.
(١٩) بهذا السياق والإِسناد اخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٣: ٣١)، وقال: ((هذا حديث صحيح
على شرط الشيخين ولم يخرجاه )).
(٢٠) أخرجه البخاري في: ٥٦ - كتاب الجهاد باب من تكلم الفارسية، وفي المغازي، (٢٩) باب
غزوة الخندق كلاهما عن عمروبن علي .
٤٢٦
ورواه مسلم عن حجاج بن الشاعر عن أبي عاصم(٢١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا
أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس ، عن ابن إسحاق . قال : حدثنا سعيد بن
مينا ، عن ابنة بشير بن سعيد . قالت : بعثتني أُمّ بتمرٍ في طرفٍ ثوبي إلى أبي
وخالي وهم يحفرون الخندق ، فمررت على رسول الله [وَّ]؛ فناداني،
فأتيته ، فأخذ التّمر . منِّي في كفيه ، وبسط ثوباً فنثره عليه ؛ فتساقط في
جوانبه ، ثم أمر بأهل الخندق فاجتمعوا ، وأكلوا منه. حتى صدروا عنه (٢٢).
(٢١) وأخرجه مسلم في : ٣٦ - كتاب الأشربة، (٢٠) باب باب جواز استتباعه غيره ، إلى دار من يثق
برضاه بذلك، الحديث (١٤١) عن حجاج بن الشاعر. ص (١٦١٠).
(٢٢) الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ١٧٢)، ونقله الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٤:
٩٦).
٤٢٧
باب
مجيء الأحزاب ونقضٍ بني قريظة ما كان بينهم وبين رسول الله
(وَلقر) من العهد والميثاق .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا
أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق بإِسناده الأول -
يريد إسناده الذي ذكر في تخريب الأحزاب - قال: فلما نزل المشركونَ خرج
رسول الله وَّ حتى ضرب عسكره بين الخندق ، وسَلعَ في ثلاثة آلاف ،
والمشركون في عشرة آلاف من أحابيشها ، ومَنْ تابعهم من بني كنانة ، وأهل
تهامة ، وغطفان ، ومن اتَّبعَهم من أهل نجد ، حتى نزلوا باب نعمان إلى جانب
أُحُدٍ ؛ فَجَعَلَ رسول اللّهِ وَّ ظهره ومن معه إلى سَلْعَ والخندق بينه وبين القوم.
وأمر بالذراري والنساء فَجُعِلوا في الآطام ، وخَرَجَ حُيِّيٌّ بن أخطب حتى أتى
كَعْبَ بن أسدٍ صاحب عقد بني قريظة وعهدهم ، فلما سَمِعَ به كعبٌ أغلق حصنه
دونه ؛ فقال : ويحك يا كعبُ . افتح لي ، حتى أدخل عليك . فقال : ويحك
يا حُبِيّ . إنك امرؤٌ مشؤؤْمٌ ، وإنه لا حاجةً لي بك ، ولا بما جئتني به ، إني لم
أَرَ من محمدٍ إلَّ صدقاً، ووفاءً. وقَدْ وادعني ووادعتُه. فدَعْني وارجع عني .
فلا حاجة لي بك. فقال: والله إنْ غَلقت دوني إلا عن
جشيشتك(١) أنْ آكل معَكَ منها، فأَحْفَظَهُ ففتح له ، فلما دخل عليه قال :
(١) (الجشيشة): طعام يصنع من البر الخشن، وقد تقدمت .
٤٢٨
ويحك يا كعب . جئتك بِعِزّ الدهر ، بقريش مَعَهَا قادَتُها حتى أنزلتها بِرُوْمَةَ ،
وجئتُكَ بغطفان ، على قادَتِها وسادتها ، حتى أنزلتها إلى جانب أُحُدٍ . جئتك
ببحرٍ طامٍ (٢) لا يَرُدُّهُ شيءٌ.
فقال: جئتني واللّه بالذُلّ، وبِجَهَامٍ (٣). قد هَراق(٤ ماؤه ليس منه
شيء ، ويلك ! فدعني وما أنا عليه ، فإِنه لا حاجة لي بك ، ولا بما تدعوني
إليه، فلم يزل حُييّ بن أخطب يفْتُلُه في الذروة ، والغَارِبِ(٥) حتى أطاع له ،
واعطاهُ حُبِيٌّ العَهْدَ والميثاق ، لئن رَجَعَتْ قريش وغطفان قبل أن يصيبوا محمداً
لأَدْخُلَنَّ مَعَكَ في حصنكَ حتى يصيبني ما أصابَكَ ؛ فنقض كعب العَهْد ، وأظهر
البراءة من رسول اللّه وَلّر، ومما كان(٦) بينه وبينُه(٧).
قال ابن إسحاق : حدثنا عاصم بن عُمّر بن قتادة ، قال : لما بلغ رسول
اللّهِ وَّ خبر كعب، ونقض بني قريظة، بعث سعد بن عُبادة، وهو سيد
الخزرج ، وسعدٍ بن مُعَاذٍ ، وهو سيّد الأوس، وكان معهما فيما يذكرون . وهو
تبعٌ لهما - خَوَّاتُ بنُ جبير، وعبد الله بن رواحة . فقال ؛ ائتوا(٨) هؤلاء القوم،
فانظروا ، فإِن كانوا على الوفاءِ فيما بيننا وبينهم ؛ فأعلنوه . وان كانوا على ما
بلغنا عنهم ؛ فالحنوا لي عنهم لحناً اعْرفُهُ ، ولا تفتّوا(٩) في اعضاد المسلمين ،
(٢) (البحر الطامي ): المرتفع الكثير الماء، أراد أن يشبه عدد القوم في كثرته بالبحر لأنه يغطي جوانبه
كلها .
(٣) الجهام : السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه .
(٤) ( هراق) : = صُبَّ، يريد أنه خال من المطر .
(٥) (يفتله في الذروة والغارب ) = أي لم يزل يخادعه كما يخادع البعير إذا كان نافراً.
(٦) في (أ) و(ص): ((وما))، وأثبتنا ما في (ح) وهو موافق لسيرة ابن هشام.
(٧) الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ١٧٣ - ١٧٥)
(٨) في سيرة ابن هشام ((انطلقوا)).
(٩) ( فَتَّ في عضده ) = إذا ضعفه ووهنه .
٤٢٩
فلما انتهوا اليهم وجدوهم على أخبث ما بلغَهُم، وقَعُوا برسول الله وَ﴿ وقالوا:
لا عقد بيننا وبيّنُهُ ولا عهد فبادَأهم سَعْدُ بن عُبادة ، وكان رجلاً فيه حَدٌّ
بالمشاتمة . فقال سعد بن معاذ : دعهم عنك . فما بيننا وبينهم أربى (١٠) من
المشاتمة، ثم أقبلوا فلما أتوا رسول اللّه وَّهِ، قالوا: عضَلٌ والقارة . يريدون ما
فعل عضُل والقارةُ، بخبيب وأصحابه ، فقال رسول اللّه وَله: الله أكبر. أبشروا
يا معشر المسلمين(١١).
قال ابن إسحاق: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة ان رسول اللّه ◌ُ الخر بعث
إلى عُيينة بن حصن والحارث بن عوف ، وهما قائدا غطفان . فأعطاهما ثلث
ثمار المدينة على أن يرجعًا ومن معهما عن رسول اللّه # وأصحابه ؛ فجرى بينه
وبينهم الصلح ، حتى كتبوا الكتاب ، ولم تقع الشهادة ، ولا عزيمة الصلح الا
المراوضةُ ، وفي ذلك ففعلا(١٢).
فلما أراد رسول اللّه ◌َ﴿ أن يفعل، بَعَثَ إلى سّعْدٍ بن عبادة، وسعد بن
معاذ؛ وذكر ذلك لهما ، واستشارهما فيه، فقالا: يا رسول الله أمرٌ تُحتُّهُ
فتصنعه، أو شيء أمَرَكُ اللّه به لا بد لنا من عَمّلٍ به ، ام شيءٌ تصْنَعُه لنا ؟ فقال
وَلّ: لا بل لكم ، والله ما اصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوسٍ
واحدةٍ ، وكالبوكم(١٣) من كل جانب؛ فأردت أن أكْسِرّ عنكم شوكتهم. فقال
سعد بن مُعَاذٍ : يا رسول اللّه قد كنَّا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله ، وعبادة
الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرةً إلا قِرِئٌ، أو
شراءً فحين أكرمنا الله بالإِسلام ، وهدانا له ، واعزّنا بك ، نعطيهم أموالنا ! مالنا
(١٠) في (ص) رسمت: ((أربا))، والمعنى: أكثر واعظم.
(١١) الخبر رواء ابن هشام في السيرة (٣ : ١٧٥ - ١٧٦).
(١٢) رواه ابن هشام في السيرة (٣ : ١٧٦ - ١٧٧).
(١٣) (كالبوكم): اشتدوا عليكم، والأصد فيه: الكَلَب ، وهو السعار.
٤٣٠
بهذا حاجةٌ . فوالله لا نعطيهم الا السيف ، حتى يحكم الله بيننا وبينهم . فقال
رسول اللّه اص ليه : فأنت وذاك. فتناول سعد الصحيفة، فمحاها، ثم قال :
ليجهدوا علينا. فأقام رسول اللّه بم وعدّوهم محاصروهم(١٤).
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ، حدثنا
إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا محمد بن كثير ، حدثنا سفيان الثوري ،
حدثنا محمد بن المنكدر . قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : قال رسول الله
﴿* يوم الأحزاب: مَنْ يأتينا بخبر القوم ؟ قال الزبير : أنا - فقال : من يأتينا بخبر
القوم؟ فقال الزبير: أنا، قال النبي ◌ُ﴾: إِنَّ لكل نبيّ حُواريّاً، وحواريّ
الزُّبِيرُ .
رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن كثير(١٥).
(١٤) سيرة ابن هشام (٣: ١٧٧)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ١٠٤ - ١٠٥).
(١٥) البخاري عن محمد بن كثير في المغازي، (باب) غزوة الخندق، فتح الباري (٧ : ٤٠٦).
٤٣١
باب
ما أصاب النبيّ وَّر والمسلمين من محاصرة المشركين اياهم من
البلاء ، والشدة حتى أظهر بعض المنافقين ما في قلوبهم من الرَّيْب
والخيانة ، وحتى شغل المسلمينَ قتالهم عن الصلاة المكتوبة ،
وخروج من خرج منهم إلى المبارزة، وقول رسول الله [{*]: الحربُ
خدعةً(١) وإرسال الله تعالى على المشركين الريح والجنود ، حتى
رجعوا خائبين
أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله البسطامي ، أنبأنا أبو بكرٍ : أحمد بن
١: (١) كان رسول الله # أفصح العرب، فكان يقول القول دون تصنع ولا تقليد، ولا يتكلف المعنى
او يقصد التزيين، وكلامه 43# نتاج الحكمة، وغاية العقل، ومنتهى البلاغة.
وقد نشأ النبي 8 في أفصح القبائل وأخلصها منطقاً، فقال مثل: («أنا أفصح العرب، بيد أني
من قريش، ونشأت في بني سعد)).
وهذه العبارة ((الحرب خدعة)) هي من جوامع كلمه *، ومن أحاديثه التي ذهبت أمثالاً، وكان لها
تأثير كبير في اللغة .
ومن أمثالها من جوامع الكلم قول النبي : ((حمي الوطيس)).
وقوله :
(((مات حتف أنفه)).
(((إنما الأعمال بالنيات)).
((الدين النصيحة)).
((الصبر عند الصدمة الأولى)).
((آفة العلم النسيان)).
((( لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)».
وأمثالها كثير .....
وهذه الأقوال الفرائد جرت منه * مجرى غيرها مما قذفه الطبع المتمكن، وألفته السليقة الواعية،
وهي قوة فطرية، تتميز بالإلهام عن سائر العرب، على النحو الذي اختصت به ذاته الشريفة .
٤٣٢
إبراهيم الإسماعيلي - أخبرني الهيثم بن خلف ، وابنُ ناجية ، قالا : حدثنا
هارون بن إسحاق ، حدثنا عبدةُ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة في قول الله
عز وجل: ﴿إِذْ جَاءوكم مِنْ فَوْقكم ومِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ، وبَلَغَتِ
القُلوبُ الحناجِرَ﴾(٢) قالت كل ذلك يوم الخندق .
رواه البخاري في الصحيح عن عثمان بن أبي شيبة ، عن عبدة(٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أحمد بن كامل القاضي ، حدثنا محمد
ابن سعدٍ العُوفيُّ ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا عمّي الحُسين بن الحسن بن
عطية ، قال : حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ﴿يا أيّها الذين آمنُوا أذكروا
نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتَكُمْ جنودٌ، فَأَرْسَلْنا عليهِمْ ريحاً وَجُنُوداً. لم تَرَوْهَا﴾(٤)
قال : قوم أبي سفيان يوم الأحزاب .
وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ، يقولون: ﴿إِنَّ بيوتَنَا عَوْرَةٌ . وما هي بِعَوْرةٍ إِنْ
يريدُونَ إلّ فِراراً﴾(٥). قال: هُم بنو حارثة(٦)، قالوا: بيوتنا مُخْلِيَةً(٧) ، نخشى
عليها السَّرَقة .
قوله : ﴿ولما رأى المؤمنُونَ الأحزابَ﴾(٨). إلى آخر الآية قال: ذلك أن
(٢) الآية الكريمة (١٠) من سورة الأحزاب.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي (٢٩) باب غزوة الخندق ، عن عثمان بن أبي شيبة ، ومسلم أخرجه
عن أبي بكر بن أبي شيبة، في كتاب التفسير، الحديث (١٢)، صحيح مسلم (٤ : ٢٣١٦).
(٤) [ الآية ٩ - سورة الأحزاب ].
(٥) [ الأحزاب - ١٣ ].
(٦) هم بنو حارثة بن الحارث، في قول ابن عباس، وقال يزيد بن رومان: قال ذلك أوس بن قيظي
على ملأ من قومه . تفسير القرطبي (١٤ : ١٤٨).
(٧) ( فحلية): ليست بحصينة ، وهي مما يلي العدو، قال الجوهري : العورة = كل خلل يتخوف منه
في ثغر أو حرب.
(٨) [ الأحزاب - ٢٢ ].
٤٣٣
الله عز وجل قال لهم في سورة البقرة : ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم
مثل الذين خَلَوْا من قبلكم(٩)؛ مسَّتْهُم البأساءُ والضرّاءُ وزُلزلوا، حتى يقول
الرسول والذين آمنوا معه : متى نصر الله ؟ ألا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قِرِيبٌ﴾ .
فلما مَسَّهُمْ البلاءُ حيث رابطوا الأحزاب في الخندق وتأوّل المؤمنون ذلك
ولم يزدهم إلا إيماناً وتسليماً (١٠) .
(٩) [ البقرة - ٢١٤ ].
(١٠) قال القرطبي (١٤ : ١٥٧):
فلما رأوا الأحزاب يوم الخندق قالوا: ((هَذّا ما وعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ))؛ قاله قتادة . وقول ثانٍ رواه
كُثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده قال: خطب رسول الله (43 عام ذكرت
الأحزاب فقال: (( أخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها - يعني على قصور الحيرة
ومدائن كسرى - فأبشروا بالنصر)) فاستبشر المسلمون وقالوا : الحمد لله ، موعد صادق؛ إذ
وعدنا بالنصر بعد الحصر. فطلعت، الأحزاب فقال المؤمنون: ((هَذَا مَا وَعَدْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ)»
ذكره الماوردي. و((مَا وَعَدّنًا)) إن جعلت ((ما)) بمعنى الذي فالهاء محذوفة. وان جعلتها
مصدراً لم تحتج إلى عائد ﴿ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيماناً وَتَسْلِيماً﴾ قال الفراء: وما زادهم النظر الى
الأحزاب. وقال علي بن سليمان: ((رأى)) يدل على الرؤية، وتأنيث الرؤية ، غير حقيقي،
والمعنى : ما زادهم الرؤية إلا إيماناً بالرب وتسليماً للقضاء ، قاله الحسن . ولو قال : ما
زادوهم لجاز. ولما اشتدّ الأمر على المسلمين وطال المقام في الخندق ، قام عليه السلام ،
على التل الذي عليه مسجد الفتح في بعض الليالي ، وتوقع ما وعده الله من النصر وقال: ((من
يذهب "ليأتينا بخبرهم وله الجنة)) فلم يجبه احد. وقال ثانياً وثالثاً فلم يجبه احد، فنظر الى جانبه
وقال: ((من هذا))؟ فقال حذيفة. فقال: ((ألم تسمع كلامي منذ الليلة)) قال حذيفة: فقلت يا
رسول الله، منعني أن أجيبك الضُّرّ والقُرّ، قال: ((انطلق حتى تدخل في القوم فتسمع كلامهم
وتأتيني بخبرهم. اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتى تردّه إليّ ،
انطلق ولا تحدث شيئاً حتى تأتيني)). فانطلق حذيفة بسلاحه ، ورفع رسول الله 883# يده يقول :
((يا صريخ المكروبين ويا مجيب المضطرين اكشف همي وغمي وكربي فقد ترى حالي وحال
أصحابي)). فنزل جبريل وقال: ((إن الله قد سمع دعوتك وكفاك هول عدوك)) فخر رسول الله
* على ركبتيه وبسط يديه وأرخى عينيه وهو يقول: ((شكراً شكراً كما رحمتني ورحمت
أصحابي)). وأخبره جبريل أن اللّه تعالى مرسل عليهم ريحاً، فبشر أصحابه بذلك . قال =
٤٣٤
وأخبرنا أبو عبد الله قال : أخبرنا الحسنُ بن حكيم المروزي ، حدثنا أبو
الموجّهِ ، أخبرنا عبدان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا مَعْمَرٌ عن قتادة في قوله :
﴿ولمّا رأى المؤمنون الأحزاب قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله
ورسوله﴾ . قال : أنزل الله في سورة البقرة: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما
يأتكم مثل الذين خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتَهُم البأساءُ والضراءُ . وزلزلوا﴾ قال :
﴿ولما رأى المؤمنونَ الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله أم حسبتم أن
تدخلوا الجنة﴾ الآية (١١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ، قالا :
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس
ابن بكير ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثنا يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير
(ح) ويزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القُرظي ، وعثمان بن كعب بن
يهوذا - أحدُ بني قريظة - عن رجال من قومه . قال : قال مُعَتّبُ بن قُشير - أخو
بني عَمْرو بن عوفٍ - وكان محمداً یری أن نأكل من كنوز کسری ، وقیصر واحدُنا
لا يأمنُ ان يذهب الى الغائط . وحتى قال أوسُ بنُ قَيْظيِّ على ملاٍ من قومِه ،
من بني حارثة ، إنَّ بيوتنا عَوْرَةٌ . وهي خارجة من المدينة ، ائذن لنا ؛ فنرجع
= حذيفة : فانتهيت إليهم وإذا نيرانهم تتقد ؛ فأقبلت ريح شديدة فيها حصباء فما تركت لهم ناراً
إلا أطفأتها ولا بناء إلا طرحته، وجعلوا يتترسون من الحصباء. وقام أبو سفيان إلى راحلته وصاح
في قريش : النجاء النجاء ! وفعل كذلك عُيينة بن حصن والحارث بن عوف والأقرع بن
حابس . وتفرقت الأحزاب، وأصبح رسول الله وَّ فعاد الى المدينة وبه من الشِّعَب ما شاء الله؛
فجاءته فاطمةٍ بغسول فكانت تغسل رأسه، فأتاه جبريل فقال: ((وضعتَ السلاح ولم تضعه أهل
السماء ، ما زلت أتبعهم حتى جاوزت بهم الروحاء - ثم قال - انهض الى بني قريظة)). وقال أبو
سفيان : ما زلت اسمع قعقعة السلاح حتى جاوزت الرَّوْحاء .
(١١) راجع (٨) و(٩) و(١٠). وقد تقدموا .
٤٣٥
إلى نسائنا. وأبنائنا، وذرارينا فلمّا قالوا ذلك لرسول الله وَالل أنزل الله عز وجل
على رسوله وَّ ر حين فرغ عنهم ، ما كانوا فيه من البلاء يَذْكر نعمة الله عليهم ،.
وكفايته إياهم بعد سوء الظن منهم ، ومقالةٍ من قال من أهل النفاق ، ﴿يا أيها
الذين آمنوا اذكروا نِعْمَةَ الله عليكُمْ إذ جاءتكُمْ جنودٌ﴾(١٢) أي من فوقکم فارسل
الله (١٣) عليهم ريحاً وجنوداً لم تَرَوْها﴾. فكانت الجنود قريشاً ، وغطفان وبني
قريظة ، وكانت الجنودُ التي أرسلَ الله عليهم مع الريح الملائكةُ: ﴿إِذْ جَاؤُكم
من فوقكم ومن أسفل منكم) إلى قوله: ﴿أتظنونا﴾ فالذين جاؤُكم من فوقكم
بنو قريظة، والذين جاؤُ وا أسفل منهم قريشٌ، وغطفانُ . ((﴿هنالك ابتُليَ
المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً﴾ إلى قوله: ﴿ما وعدنا الله ورسوله الا غروراً﴾
القول معتّب بن قُشَيْر، وأصحابه : وقالت طائفةٌ : يا أهل يثرب إلى قوله :
﴿إلا فراراً﴾ لقول أوس بن قَيْظيّ ومن كان معه - على ذلك - من قومه(١٤).
فأقامَ رسول اللهِ وَهُ والمشركون بِضْعاً وعشرين ليلةٌ، فبينما الناس على
ذلك من الخوف والبلاءِ ، ولم يكن قتالٌ إلا الحصارُ والرّميّا بالنبل ، زاد أبو عبد
الله في روايته عن ابن إسحاق بإِسناده: إلاّ أنَّ فوارِسَ من قريشٌ ، منهم عمرو
ابن عبد وُدٍّ ، وعكرمة بن أبي جهلٍ ، وَضِرَار بنُ الخطاب ، وهبيرة بن أبي
وَهْبٍ، تَلَبَّسوا للقتال، وخَرَجوا على خيولهم ، حتى مرُّوا على منازل بني
كنانة ، وقفوا ، فقالوا : تهيّؤوا للحرب يا بني كنانة ، فستعلمون من الفرسان
اليوم ، ثم أقبلوا تُعيقٌ(١٥) بهم خيلهم ، حتى وقفوا على الخندق ، فقالوا: والله
إِنَّ هذه لمكيدةٌ ، ما كانت العرب تكيدُهَا .
(١٢) [ الأحزاب - ٩ ].
(١٣) هكذا بالنسخ المخطوطة، وفي التلاوة: ((فأرسلنا)) كما في حاشية (أ) و(ح).
(١٤) ذكره ابن هشام في السيرة (٣ : ١٩٨ - ١٩٩).
(١٥) ( تعنق ): تسرع.
٤٣٦
ثم تيمَّموا مكاناً من الخندق ضيقاً ، فضربوا خيولهم فاقتحموا ، فجالت
فِي سَبْخَةٍ بين الخندق وسَلْعَ ، وخرج عليٍّ - رضي الله عنه - في نَفَرٍ معه من
المسلمين ، حتى أخذ عليهم الثغرة التي منها اقتحموا ؛ فأقبلت الفوارسُ تُعْنقُ
نحوهم ، وكان عمرو بن عبد وُدِّ فارس قريشٍ ، وكان قد قَاتَلُ یوم بدٍ حتى
ارتُثَّ(١٦) ، وأثبتهُ الجراحةُ، فلم يشهد أُحُداً ، فلما كان الخندقُ خرج
مُعْلماً(١٧) ليُرَى مشهدُه فلماْ وَقَفَ هو وخَيْلُه ، قال غليٍّ رضي الله عنه: يا عمرو
قد كنت تُعاهد الله لقريش ، ألَّ يدعو رجل إلى خلََّيْن الا قبلْت منه احداهما.
فقال عَمْروٌ : أجَلْ، فقال له عليٍّ: فإِنِي أَدْعُوكَ إلى الله، وإلى رسوله ،
والإِسلام فقال : لا حاجةً لي في ذلك . قال : فإني أدعوكَ إلى البرازِ ، قال له:
يا بن أخي لم ؟ فوالله ما أحب أن أقتلك ، فقال علي رضي الله عنه لكني والله
لأحب أن أقتلك ، فحميَ عَمْروٌ، فاقتحم عن فرسِهِ فعقَرَهُ ، ثم أقبل فجاءَ إلى
علي فتنازلا ، وتجاولا ، فقتلهُ عليٌّ ، وخرجَتْ خيلهم منهزمةٌ هاربةُ ، حتى
اقتحمتْ من الخندق(١٨) .
وذكر ابن إسحاق خروجهم، ودعاء عمرو إلى البراز على وجهٍ آخر في
الإسناد الذي ذكرناه . فقال : وكان ممن خرج يوم الخندق مُبيرة بن أبي وهب
المخزوميّ ، واسم أبي وهب جعدةُ ، وخرج نوفل بن عبد الله بن المغيرة
المخزومي يَسْألُ المبارزة، فَخَرج اليه الزبير بن العوام - رضي الله عنه - فضربَهُ
ضربة ؛ فشقّهُ باثنتين ، حتى فلّ في سيفه فلا ، فانصرف وهو يقول :
إني امرؤٌ أحْمَي وأَحْتَمي عن النبي المصطفى الأمّي(١٩)
(١٦) (ارتث): حُمِلَ جريحاً من المعركة .
(١٧) (مُعْلماً): ((هو الذي يجعل لنفسه علاماً وشعاراً يُعْرف بهما)).
(١٨) الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ١٧٨ - ١٧٩)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤ : ١٠٥).
(١٩) البداية والنهاية (٤ : ١٠٧) عن ابن إسحاق .
٤٣٧
وذكر ابن إسحاق في موضعٍ آخر من هذا الكتاب ان عليّاً طعنهُ ترقُوته ،
حتى أخرجها من مراقّه ، فمات في الخندق ، وبعث المشركون إلى رسول الله
45* يشترون جيفته بعشرة آلافٍ، فقال ◌َّ هو لكم. لا نأكل ثمن الموتى.
قال : وخرج عَمْرُو بن عبد وُدِّ فنادى، من يُبارزُ فقام عليّ رضي الله عنه
وهو مقنَّعُ في الحديد ، أظنهُ عَمْراً فقال : أَنَّا لها يا نبي الله. فقال: إنه عَمْروٌ
اجلس، ونادى عمروٌ، ألا رَجُلٌ وهو يؤنّبهم ويقول أين جنْتُكُمُ التي تزعمون أنّه
من قُتِل منكم دَخّلها . أفلا تبرزُون إليَّ رجلاً؟ فقام عليٍّ فقال: [ أنا ](٢٠) يا
رسول الله فقال : اجلس ، ثم نادى الثالثة ، فقال :
بجمعكم : هل من مبارز
ولقد بُحِحتُ من النداءِ
موقفَ القِرن المُنّاجِزْ
ووقفت اذ جَبُنَ المُشَجَّعُ
مُتّسَّرعاً قَبْلَ الهَزاهِزْ
ولذاك إني لم أزل
والجود من خير الغرائز
إن الشجاعة في الفتى
فقام عليٍّ. فقال: يا رسول الله، أنا، فقال: إنَّهُ عمروٌ. قال: وإن
كان عَمْراً. فأذن له رسول الله وَهُ، فَمَشى إليه. حتى أتاه وهو يقولُ:
لا تعجلنَّ فقد أتاك مجيبُ صوتك غير عاجز
والصدق منجي(٢١) كل فائز
. نية وبصيرة
عليك نائحة الجنائز
إني لأرجو أن أقيم
يبقى ذكرها عند الهزاهز
من ضربة نجلاء
فقال له عمر : ومَنْ أنت . قال: أنا عليّ . قال : ابن عبد مناف فقال :
(٢٠) سقطت من ( أ ).
(٢١) في (ح) رسمت: (( منجا)).
٤٣٨
علي بن أبي طالب ، فقال : غيرك يا بن أخي ومنْ أعمامك مَنْ هو أسنُّ مِنك ،
فأنا أكره أن أهريق دمك ، فقال علي ( رضي الله عنه ): لكني والله ما أكره أن
أهريق دمك ؛ فغضب ، فنزل وسَلُّ سيفه كأنه شعلة نارٍ ، ثم أقبل نحو عليّ
مغضباً، واستقبله عليّ ( رَضِيَ الله عنه) بدرقتهِ فضربه وعمرو في الدرقة
فقدَّها ، واثبت فيها السيف ، وأصاب رأسه فشجّه، وضربه عليٍّ عَلى حَبْل
العاتقْ فسقط، وثارَ العجاجُ، وسَمِعَ رسول الله ◌َّه التكبير، فعرف أن عليًّا قد
قتله ، فتمّ عليّ ( رضي الله عنه) يقول :
عني وعنهم أُخُّروا أصحابي
أُعَليَّ تَقتحمُ الفوارس هكذا
ومصمم في الرأس ليس بَنّابِي
اليوم يمنعني الفرارَ حفيظتي
فذكر أبياتاً آخِرُهُنَّ:
عَبْدَ الحجارة من سَفَاهَةٍ عقله وعَبْدْتُ رَبَّ محمدٍ بِصَوَابٍ
ثم أقبل عليٌّ - رضي الله عنه - نَحْوَ رسول اللّه ◌َ﴾ ووجهه يتهلّلُ. فقال
عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) : هَلَّ استلَبتُه درعَهُ، فإنه ليس للعرب دِرْعُ
خيرٌ منها . فقال : ضربتُه فاتقاني بسواده ، فاستحييتُ ابن عَمِّي أَن استلبه ،
وخرجت خيوله منهزمة حتى اقتحمت(٢٢) من الخندق(٢٣).
أخبرنا أبو بكر محمد الحسن بن فورك ( رحمه الله ) أخبرنا أبو عبد الله بن
جعفر بن أحمد الأصبهاني ، حدثنا هارون بن سليمان ، حدثنا مؤمّلُ بنُ
إسماعيل ، قال : حدثنا حمادُ بن زيد، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عنَّ
عبد الله بن الزبير ، قال : جُعلتُ يوم الخندق مع النساء والصبيان في الأطم ،
(٢٢) في (ص) و(ح): ((أقحمت)).
(٢٣) عن المصنف نقله الحافظ ابن كثير في « البداية والنهاية)) (٤ : ١٠٦ - ١٠٧).
٤٣٩
يعني حصناً، ومعي عمر بن أبي سلمة ، فجعل يُطأطىءُ لي فأصعد على
ظهره ، فانظر إليهم كيف يقتتلون ، وأطاطىءُ لَهُ، فيصعد فوق ظهري فينظُرُ .
قال : فنظرتُ إلى أبي وهو يحمل مرة هاهنا ومرة هاهنا ، فما يرتفع له شيءٌ الا
أتاهُ، فلما أمسَى جاءنا إلى الأطُم قلت : يا أبةٍ ! رأيتك اليوم ، وما تصنع .
قال: ورأيتني يا بني؟ قلت: نعم. قال أمَا أنَّ رسول الله ﴾ قد جمع لي
أبويه . قال : فِداً لك أبي وأمي(٢٤).
أخبرنا أبو الحسن بن عبدان ، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفّار ، حدثنا
اسماعيل بن اسحاق ، حدثنا حجاج بن منهال ، وسليمانُ بن الحارث .
(ح) وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، حدثنا أبو سهل بن زياد
القطان ، حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي ، حدثنا عفان ، قالوا : حدثنا حماد
ابن سلمة ، حدثنا حجاج وفي رواية ابن عبدان : عن الحجاج ، عن الحكم ،
عن مقسم ، عن ابن عباس ، أنَّ رجلاً من المشركين قُتل يوم الأحزاب ؛ فبعث
المشركون إلى رسول الله ﴿ أنْ ابعث إلينا بجسده، ونُعطيهم اثني عشر ألفاً.
فقال رسول الله وَ# لا خير في جسده ، ولا في ثمنه(٢٥).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو بكر : أحمد بن الحسن القاضي قالا :
حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا
يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثنا عبد الله بنُ سَهْلٍ ، عن عائشة
أنّها كانت في حصْن بني حارثة يوم الخندق ، وكان من أحرز حصون المدينة ،
وكانت أم سعدٍ بنُ معاذ معها في الحصْنِ ، وذلك قبل أن يُضْرَب عليهن
الحجاب، وكان رسول الله صل# وأصحابه حين خرجوا إلى الخندق رفعوا الذراري
(٢٤) البداية والنهاية (٤ : ١٠٧ - ١٠٨) عن المصنف .
(٢٥) أخرجه الترمذي من حديث سفيان الثوري، وقال: ((غريب)).
٤٤٠