النص المفهرس

صفحات 401-420

أصيب معه من العشاء ، فقال كعب : ائذنوا له فإِنه مسؤوم والله ما طَرَفنا بخير ،
فَدَخَل حُبِيٌّ ، فقال : إني جئتك والله بعز الدهر إن لم تتركهُ عليّ ، أتيتك
بقريش [وسادتها وقادتها](١٠) وسقتُ اليك الحليفين: أسدٌ وغطفان ، فقال.
كعب بن أسد إنما مثلي ومثل ما جئت به كمثل سحابة أفرغَتْ ما فيها ثم
انطلقَتْ ، ويحك يا حُبيّ دعنا على عهدنا لهذا الرجل فإني لم أرَ(١١) رجلاً
أصدق ولا أوفى من محمد وأصحابه والله ما أكرهنا على دين ولا غصبنا مالاً ولا
نَنْقِم من محمدٍ وعملك شيئاً ، وأنت تدعو إلى الهلكة ، فنذكرك الله الا ما أعفيتنا
من نفسك ، فقال : والله لا أفعل ولا يختبرها محمدٌ الى يوم القيامة ، ولا نفترق
نحن وهذه الجموع حتى نهلك ، وقال عمرو بن سعدِ القُرَظيُّ : يا معشر يهود
إنكم قد حالفتم محمداً على ما قد علمتم أن لا تخونوه ولا تنصروا عليه عدوًا ،
وان تنصروه على من دَهِم يثرب ، فأوفوا على ما عاهد تموه عليه ، فإِن لم تفعلوا
فخلوا بينه وبين عدوِّه واعتزلوهم ، فلم يزل بهم حُبِيُّ حتى شامهم ، فاجتمع
ملأهم في الغد على أمر رجل واحد ، غير أن بني شَعْية اسداً وأُسَيْداً وثعلبة
خرجوا إلى رسول الله وَّر، زعموا وقالت اليهود يا حُبيُّ انطلق إلى أصحابك فإِنّ
لا نأمَنُهُم ، فإن أعطونا من أشرافهم من كل من جاء معهم رهناً فكانوا عندنا فإِذا
نهضوا لقتال محمدٍ وأصحابه خرجنا نحن فركبنا أكتافهم ، فإِن فعلوا ذلك فاشدُد
العقد بيننا وبينهم ، فذهب حُبِيٌّ إلى قريش فعاقدوه على أن يدفعوا اليه السبعين
ومزقوا صحيفة القضية التي كانت بين رسول الله وَلير وبينهم، ونبذوا الى رسول
اللهِ وَّ بالحرب وتحصنوا، فَخَرَجَ رسول الله وَّرَ فعبَّأ أصحابه للقتال وقد
جعلهم المشركون في مثل الحصن بين كتائبهم فحاصروهم قريباً من عشرين ليلة
وأخذوا بكل ناحية حتى ما يدري الرجل أتم صلاته أم لا ووجهوا نحو منزل
(١٠) الزيادة من الدُّرر .
(١١) في (أ) رسمت: ((لم أرى))!
٤٠١

رسول الله* كتيبة غليظة يقاتلونهم يوماً إلى الليل، فلما حضرت الصلاةُ
صلاةُ العصر دنت الكتيبة ، فلم يقدر النبي ◌َّ ولا أحدٌ من أصحابه الذين كانوا
معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا فانكفأت الكتيبة مع الليل ، فزعموا أن
رسول اللّه الله، قال: (( شغلونا عن صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقبورهم
ناراً)» (١٢).
وفي رواية ابن فليحٍ : بطونهم وقبورهم ناراً ، فلما اشتد البلاء على
النبي ◌َّله وأصحابه نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح، فلما رأى رسول الله والتي
ما فيه الناس من البلاء والكرب ، جعل يبشرهم ويقول : والذي نفسي بيده
لَيُفْرَجَنَّ عنكم ما ترون من الشدَّة ، وإني لأرجو أن أطوفَ بالبيت العتيق آمِناً ،
وأن يدفع الله عزّ وجل إليّ مفاتيح الكعبة ، وليُهلِكُنَّ اللّه كِسْرَى وقيصر ولَتُنْفَقَنَّ
كنوزُهما في سبيل الله عز وجل .
وقال رجل ممن معه لأصحابه : ألا تعجبون من محمد يَعِدُنا أن نطوف
بالبيت العتيق وأن نَقْسم كنوز فارس والروم ونحن هاهنا لأ يأمن أحدنا أن يذهب
الغائط، واللّه لَمَا يَعِدُنا إلا غُروراً.
وقال آخرون ممن معه : ائذن لنا فإن بيوتنا غَوْرة .
وقال آخرون : يا أهل يثرب لا مَقَام لكم فارْجِعوا .
(١٢) أخرجه البخاري في : ٥٦ - كتاب الجهاد، (٩٨) باب الدعاء على المشركين بالهزيمة
والزلزلة ، الحديث (٢٩٣١)، فتح الباري (٦ : ١٠٥) عن إبراهيم بن موسى ، عن عيسى ،
عن هشام ، عن محمد ، عن عَبِيدة، عن علي، وأعاده في : ٦٤ - كتاب المغازي (١٩) باب
غزوة الخندق ، الحديث (٤١١١)، فتح الباري ( ٧ : ٤٠٥) .
وأخرجه مسلم في : ٥ - كتاب المساجد، (٣٥) باب التغليظ في تفويت صلاة العصر،
الحديث (٢٠٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة ، ص (٤٣٦) ، والحديث (٢٠٦)، عن عون بن
سلام اللوفي ، ص (٤٣٧)، وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده ( ١ : ٧٩، ٨١).
٤٠٢

وَبَعَثَ رسول اللهِرَله: سعد بن معاذ أخا بني عبد الأشهل، وسعدَ بن
عبادة ، وعبد الله بن رواحة ، وخوَّانَ بن جبير الى بني قرَيْظة ليكلموهم
ويناشدوهم في حِلْفهم ، فانطلقوا حتى أتوا باب حصن بني قريظة استفتحوا ،
ففُتح لهم فدخلوا عليهم ، فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف ، فقالوا : الآن
وقد كسروا جناحنا ، يريدون بجناحهم المكسورة بني النضير ، ثم أخرجوهم
وشتموا النبي ◌َّهُ شَتْماً، فجعل سعد بن عبادةً يشاتمهم ، فأغضبوه ، فقال سعد
ابن معاذ لسعدٍ بن عبادة: أنَّا والله ما جئنا لهذا، وَلَمَا بيننا أكثر من المشاتمة ،
ثم ناداهم سعد بن معاذ ، فقال : إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة
وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير ، أوْ أَمَرَّ منه ، فقالوا : أكلت أَيْرَ أبيك ، ،
فقال : غير هذا من القول كان أجمل وأحسن منه، فرجعوا الى رسول الله (ص84*
حين يئسوا ممّا عندهم، فَعَرَفَ رسول اللّهِ بَّ في وجوههم الكراهية لما جاؤوا
به ، فقال : ما وراءَكُم ؟ فقالوا : أتيناك من عند أخابث خلق الله وأعداهُ لله - عز
وجل(١٣). ولرسوله 3 #، وأخبروه بالذي قالوا، فأمرهم رسول الله صل بكتمان
خبرهم .
وانصرف رسول الله ﴾ إلى أصحابه ، وهم في بلاء شديد يخافون أشد
من يوم أُحُد، فقالوا: حين رأوا رسول اللّه وكثلاثة مقبلاً: ما وراءَك يا رسول الله؟
قال : خيرٌ فأبشروا ، ثم تقنَّع بثوبه فاضطجع ومكث طويلاً واشتد عليهم البلاء
والخوف حين رأوا رسول اللّه * اضطجع وعرفوا أنه لم يأته من بني قريظة
خيرٌ ، ثم أنه رفع رأسه ، فقال : أبشروا بفتح الله ونصره ، فلما أصبحوا دنا القوم
بعضهم إلى بعض فكان بينهم رمي النبل والحجارة .
قال ابن شهاب، قال سعيد بن المسيب، قال رسول اللّه ومثل: ((اللهم
(١٣) من (ح) .
٤٠٣

إني أسألك عهدك ووعدك ، اللهم ان تشأ لا تُعبد )).
وأقبل نوفل بن عبد الله المخزوميّ وهو من المشركين على فرسٍ له
ليقحمهُ الخندق ، فقتله اللّه وكبت به المشركين ، وعَظُم في صدورهم وأرسلوا
إلى رسول الله وَله: انا نعطيكم الدِّيَّة على أن تدفعُوه إلينا فندفنَهُ، فَرَدَّ إليهم
النبي ◌َ﴾ أنه خبيثٌ خبيثُ الدِّيَّة، فلعنه الله ولَعَن دَيّته، فلا أَرَبّ لنا بديَّتْه ولسنا
مانعيكُمْ أن تدفنوه ، وَرُميَ سعد بن معاذ رميةً فقطعت منه الأكحل من عضده ،
ورمّاهُ زعموا حيَّن بن قيس أخو بني عامر بن لؤيّ ، ثم أحَدُ بني العرقة ويقول
آخرون : أبو أسامة الجُشّميُّ حليف بني مخزوم .
وقال سعد بن معاذ : رب اشفني من بني قريظة قبل الممات فرقاء الكَلْمُ
بعد ما كان قد انفجر ، وَصَبَرّ أهل الإِيمان على ما رأوا من كثرة الأحزاب وشدّة
أمرهم وزادهم يقيناً لموعد الله تبارك وتعالى الذي وعدهم ، ثم رجع بعضهم عن
بعض ، ثم أن أبا سفيان أرسل إلى بني قريظة أَنْ قَدْ طال ثواؤنا هاهنا وأجدب
من حَوْلَنَا فما نجد رَعْيَاً للظَهْر ، وقد أردنا أن نخرج الى محمد وأصحابه فيقضي
اللّه بيننا وبينهم فماذا ترون ؟ وبَعثت بذلك غطفانُ فأرسلوا اليهم أن نِعْمَ ما رأيتُم
فإذا شئتم فانهضوا فإنا لا نحبسكم إذا بعثتم بالرهن إلينا .
وأقبل رجل من أشجع يقال له نُعيم بن مسعود يُذيع الأحاديث ، وقد سمع
الذي أرسَلتْ به قريش وغطفان إلى بني قريظة ، والذي رجعوا إليهم ، فلما رآه
رسول الله و# أشار إليه وذلك عشاءً فأقبل نعيم بن مسعود حتى دخل على رسول
اللّه ◌ُهُ قُبَّةً له تركيّة ومعه نفرٌ من أصحابه، فقال له رسول اللهو له: ما وراءَك؟
قال : انه واللّه مَالَكَ طاقةٌ بالقوم وقد تَحَزَّبوا عليك وهم مُعَاجِلُوكَ، وقد بعثوا الى
بني قريظة أنه قد طال ثواؤنا وأجدب ما حولنا ، وقد أحببنا أن نُعاجل محمداً
وأصحابه فَنستريح منهم ، فأرسلت اليهم بنو قريظة : ان نعْمَ ما رأيتم فإذا
شئتم، فابعثوا بالرَّهن ثم لا يحبسكم إلا أنفسكم ، فقال له رسول اللّه شهيد: إني
٤٠٤

مُسِرَّ إليك شيئاً فلا تذكره ، قال : نعم ، قال : انهم قد أرسلوا اليّ يدعونني إلى
الصلح وأردُّ بني النضير إلى دورهم وأموالهم .
فخرج نُعيم من عند رسول الله ويله إلى غطفان، فقال رسول اللّه الچور: ان
الحرب خدعة ، وعَسَى اللّه أن يصنع لنا، فأتى نعيم غطفان فقال : إني لكم
ناصح وإني قد اطلعت على غدر يهود، تعلمون أن محمداً [##] لم يكذب
قط وإني سمعتُه يحدث أن بني قريظة قد صالحوه على أنْ يردِّ عليهم اخوانهم
من بني النضير إلى ديارهم وأموالهم ويدفعون إليه الرّهن ، ثم خرج نعيم بن
مسعود الأشجعي حتى أتى أبا سفيان بن حرب وقريشاً ، فقال : اعلموا إني قد
اطلعت على غدر يهود إني سمعت محمداً يحدث أنَّ بني قريظة صالحوه على أن
يردّ عليهم إخوانهم من بني النضير إلى دورهم وأموالهم ، على أن يدفعوا إليه
الرهن ويقاتلون معه ويعيدون الكتاب الذي كان بينهم .
فخرج أبو سفيان إلى أشراف قريش فقال أشيروا عليّ ، وقد مَلُوا مقامهم
وتعذّرت عليهم البلاد ، فقالوا : نَرَى أن نرجع ولا نُقيم فإن الحديث على ما
حدثك نُعيم والله ما كذب محمدٌ وان القوم لَغُدَرٌ .
وقالتْ الرُّهن حين سمعوا الحديث : والله لا نأمنهم على أنفسنا ، ولا
ندخل حصنهم أبداً .
وقال أبو سفيان لن نعجل حتى نُرسل اليهم فنتبين ما عندهم .
فبعث أبو سفيان إليهم عكرمة بن أبي جهل ، وفوارس وذلك ليلة السبت ،
فأتوهم فكلموهم ، فقالوا : أنا مقاتلون غداً فاخرجوا إلينا ، قالوا : إن غداً
السبت وانا لا نقاتل فيه أبداً، فقال عكرمة : انا لا نستطيع الإقامة هَلَك الظهر
والكُراع ولا نجد رِعْياً، فقالت اليهود : انا لا نعمل يوم السبت عملاً بالقتال ،
ولكن امكثوا إلى يوم الأحد ، وابعثوا إلينا بالرَّهن ، فرجع عكرمة وقد يئس من
نصرهم .
٤٠٥

واشتد البلاء والحصر على المسلمين وشغلتهم أنفسهم فلا يستريحون ليلاً
ولا نهاراً، وأراد رسول الله ﴾ أن يبعث رجلًا فيخرج من الخندق فيعلم ما خبر
القوم، فأتى رسول الله وَّ﴿ رجلاً من أصحابه فقال هل أنت مُطَّلعٌ القوم؟ فاعتل
فتّركَهُ ، وأتى آخر فقال مثل ذلك ، وحذيفة بن اليمان يسمع ما يقول رسول
اللهِ وَّ، وهو في ذلك صامت لا يتكلم ممّا به من الضُّرِّ والبلاء، فأتاه رسول
اللّهِ وَّ وهو لا يدري من هو، فقال: من هذا؟ قال أنا حذيفة بن اليمان،
قال : إياك أريدُ أسمعت حديثي منذ الليلة ومسألتي الرجال لأبعثهم فيتخبرون لنا
خبر القوم ؟ قال حذيفة : والذي بعثك بالحق إنه لبأذُني ، قال : فما منعك أن
تقوم حين سمعت كلامي ؟ قال : الضَّرُّ والجوع، فلما ذكر الجوع ضحك رسول
اللّه ◌َيُّه فقال: قم حفظك الله من أمامك ومن خلفك ومن فوقك ومن تحتك وعن
يمينك وعن شمالك حتى ترجع إلينا ، فقام حذيفة مستبشراً بدعاء رسول الله ولايخه
كأنه احتمل احتمالاً، فما شق من جُوْعٍ ولا خوف ولا ذرى شيئاً مما أصابه قبل
ذلك من البلاء ، فانطلق حتى أجاز الخندق من أعلاه فجلس بين ظهري
المشركين فوجد أبا سفيان قد أمرهم أن يوقدوا النيران ، وقال : ليعلم كل امرىء
مَنْ جَليسُهُ ، فقبض حذيفة على يد رجل عن يمينه ، فقال : من أنت ؟ قال : أنا
فلان ، وقبض يد رجل عن يساره ، قال : من أنت؟ قال : أنا فلان، وَبَدَرَهُمْ
بالمسألة خشية أن يفطنوا لَهُ .
ثم أن أبا سفيان أذَنَّ بالرحيل ، فارتحلوا وحملوا الأثقال فانطلقت ،
ووقفت الخيل ساعة من الليل ، ثم انطلقت ، وسَمِعَتْ غطفان الصِّيَاحَ والإِرصاء
من قبل قريش فبعثوا إليهم ، فأتاهم الخبر برحيلهم فانقشعوا لا يلوون على
شيء ، وقد كان الله عز وجل قبل رحيلهم قد بَعَثّ عليهم بالريح بضع عشرة
ليلة ، حتى ما خلق الله لهم بيتاً يقوم، ولا رُمحاً ، حتى ما كان في الأرض منزلٌ
أشدّ عليهم ولا أكره إليهم من منزلهم ذلك ، فأقشعوا والريح أشَدُّ ما كانت معها
جنود الله لا تُرَى كما قال الله عز وجل .
٤٠٦

ورجع حذيفة ببيان خبر القوم ، فأتى رسول الله وَّلي وهو قائم يصلي
وكذلك فعل رسول الله وَّ حين خرج محمد بن مسلمة وأصحابه فقتلوا كَعْب بن
الأشرف ، فلم يزل قائماً يصلي حتى فَرَغُوامنه وسمع التكبير ولما دنى(١٤) حذيفة
من رسول الله﴿ أمره أن يدنو حتى ألصق ظهره برجل رسول الله وَّةٍ، فَثْنَا ثوبَهُ
حتّى دَفِىء، ثم انصرف إليه رسول الله وّر فسأله عن القوم ، فأخبره الخبر ،
فأصبح رسول الله وَّ﴿ والمسلمون قد فتح الله عز وجل لهم وأقَر أعيُنَهم ، فرجعوا
إلى المدينة شديداً بلاؤهم مما لَقُوا من محاصرةً العَدُوِّ وكانوا حاصروهم في شتاء
شديد فرجعوا مجهودين فوضعوا السلاح .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو جعفر البغدادي قال : حدثنا
أبو عُلاثة محمد بن عمرٍو بن خالد ، قال : حدثنا أبي قال حدثنا أبي قال :
حدثنا ابن لهيعة قال : حدثنا أبو الأسود ، عن عروة فذكر هذه القصة بمعنى ما
ذكر موسى بن عقبة (١٥) وَلِما ذَكّرا في مغازيْهما من هذه القصّة شواهد في
الأحاديث الموصولة وفي مغازي محمد بن إسحاق بن يسار ، ونحن نذكرها بعون
الله تعالى مفرَّقة في أبوابٍ .
(١٤) في (أ) رسمت: (( دنا )).
(١٥) فقرات من سياق غزوة الأحزاب عن موسى بن عقبة في البداية والنهاية، وسردها ابن عبد البر
مختصرة في الدرر .
٤٠٧

باب
تحزيب الأحزاب وحفر رسول الله وم# الخندق
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقُوب قال :
حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن اسحاق ،
قال : حدثنا يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير قال : وحدثنا يزيد بن زياد ،
عن محمد بن كعب القرظي ، وعثمان بن يهوذا ، أحد بني عمرو بن قريظة ،
عن رجال من قومه ، قالوا : كان الذين حزّبوا الأحزاب نفراً من بني وائل ، وكان
من بني النضير حُبّيُّ بن أخطب وكِنَّانة بن الربيع بن أبي الحُقيق ، وأبو عمار ،
ومن بني وائل حَيٍّ من الأنصار من أوس الله، وَحْوَحُ بن عَمْرٍو، ورجال منهم لا
أحفظهم، وخرجوا حتى قدموا على قريش فدعوهم إلى حرب رسول الله وَل
فنشطوا لذلك ، فقالوا لهم : انا سنكون معكم عليه(١) ، فقالت لهم قريش :
أنتم أحبار يهود وأهل الكتاب الأول والعلم بما اختلف فيه نحن ومحمد ، فدينُنا
خيرٌ أم دينُه ؟ فقالوا : بل ، دينكم خير من دينه ، فأنزل الله عز وجل فيهم :
﴿ أَلَمْ تَرَ إلى الذِيْنَ أُوتُوا نصيباً مِن الكتّاب﴾، الى قوله: ﴿وكفى بجهنم
سعيراً ﴾(٢).
(١) في (أ): ((عليه)).
(٢) الآيات الكريمات (٥١ - ٥٤) من سورة النساء .
٤٠٨

وإنما قالوا ذلك حَسَداً للعرب أنْ جعل الله - عز وجل - محمدً ايز منهم،
فلما قالوا ذلك لقريش أجابوهم إلى ما دعوهم إليه ، ثم خرجوا حتى جاءوا
غطفان فاستصرخوهم على حرب رسول الله وَليل ، ودعوهم إلى أن يجاهدوه
معهم ، وأخبروهم أن قريشاً تابعوهم على ذلك فواعدوهم(٣).
فلما أقبلت قريش نزلوا بجمع الأسْيال من رومَةً بئرٌ بالمدينة ، قائِدُهَا أبو
سفيان بن حرب ، وأقبلت غطفان معها عيينة بن حصن ، والحارث بن عوفٍ ،
حتى نزلوا بنَقْمَيْن إلى جانب أُحُدٍ ، فلما نزلوا بذلك المنزل وقد كان جاء رسول
الله ◌َّ الخبرُ بما أجمعت(٤) له قريش وغطفان، فضرب الخندق على المدينة
وعمل فيه ترغيباً للمسلمين في الأجر، وعمل المسلمون فيه فَدَأَبَ رسول اللّهِ وَهُ
ودأبوا، وأبطأ عن رسول اللّه لله وعن المسلمين في عملهم ذلك: رجال من
المنافقين ، وجعلوا يُوَرُّون(٥) بالضعيف من العمل، فيتسلّلون إلى أهليهم بغير
علمٍ من رسول اللّه وَ﴿ ولا إذنٍ، وجَعَلَ الرجل من المسلمين إذا نابت النائبة من
الحاجة التي لا بدّ منها يذْكر ذلك لرسول الله وَلهم ويستأذنه في اللحوق بحاجته
فيأذن له ، فإذا قضى حاجته رجع الى ما كان فيه من عمله رغبةً في الخير
واحتساباً له ، فأنزل الله عز وجل في أولئك من المؤمنين: ﴿إِنّمَا الْمُؤْ مِنُونَ
الذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ ورسولِه وَإِذَا كَانُوا معَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يذهَبُوا حتى يِسْتَأذنوه﴾
إلى قوله ﴿والله بِكُلِّ شيءٍ عليمٌ﴾(٦).
فعمل المسلمون فيه حتى أحكموه وارتُجز فيه برجُلٍ من المسلمين كان
يقال له جُعَيْل فسماه رسول اللّهِ وَلِّ عَمْراً، فقالوا:
(٣) سيرة ابن هشام (٣: ١٦٩)، ونقله الحافظ ابن كثير مختصراً في التاريخ ( ٤: ٩٤ - ٩٥).
(٤) في (ح): (( جمعت )).
(٥) ( يورّون ) = يستترون .
(٦) الآيات (٦٢ - ٦٤) من سورة النور.
٤٠٩

سماه من بعد جُعَيْل عَمْراً
وكان للبائِس يوماً ظَهْراً (٧)
فإذا مُرُوا بعمروٍ قال رسول الله وال﴿ عَمْراً، وإذا قالوا ظهراً قال رسول
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [ قال ](٩): حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني ، قال : حدثنا عبد الله بنُ بكر ، قال :
حدثنا حميد، عن أنس بن مالك، قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّ في غداةٍ باردةٍ
والمهاجرون والأنصار يحفرون الخندق بأيديهم ، فقال :
اللهم إن الخير خيرُ الآخرةَ
فاغفر للأنصار والمهاجرة
فأجابوه :
نحن الذين بايعوا محمداً
على الجهاد ما بقينا أبداً (١٠)
أخبرنا أبو الحسن عليّ بن أحمد بن عبدان قال : أخبرنا أحمد بن عبيد
قال : حدثنا عبيد بن شريك ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثنا أبو
اسحاق، عن حميد، قال: سمعتُ أنس بن مالك يقول خرج رسول اللّهِ وَّ
إلى الخندق وإذا المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق في غداةٍ باردة ولم يكن
(٧) البائس: الفقير، والظهر: القوة والمعونة، والضمير المستتر في ((سماه)) وفي ((كان)) راجع
إلى النبي ، وكان النبي مع البائس الفقير أكبر عون.
(٨) هذه الأخبار في سيرة ابن هشام (٣ : ١٧٠ - ١٧١)، وفي البداية والنهاية (٤: ٩٥).
(٩) ليست في (ح) ، وكذا في سائر الخبر .
(١٠) أنظر الحاشية التالية .
٤١٠

لهم عبيد يعملون ذلك لهم ، فلما رأى ما بهم من النَّصَب والجوع قال : -
اللّهم ان العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة
فقالوا مجيبين له :
نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً.
أخرجه البخاري من أوجه عن حميد ، ومن حديث أبي إسحاق عن
حُميد(١١).
حدثنا أبو عبد الرحمن : محمد بن الحسين السّلمي إملاءً ، قال : أخبرنا
جدي أبو عمرو يعني ابن نُجيد ، قال : أخبرنا أبو مسلم الكجيّ ، قال : حدثنا
حجاج بن منهال ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت وحميد ، عن أنس
أن أصحاب النبي ◌َّ# كان يقولون يوم الخندق:
نحن الذين بايعوا محمداً على الإسلام (١٢).
وقال حميدٌ: على الجهاد ما بقينا أبداً. والنبي # يقول:
اللهم إن الخير خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة
أخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر ، عن حماد بن سلمة ، عن
ثابت .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، [قال](١٣): أخبرنا أبو عمرو بن أبي
(١١) أخرجه البخاري في: ٦٤ - كتاب المغازي (٢٩) باب غزوة الخندق، الحديث (٤٠٩٩)، فتح
الباري ( ٧ : ٣٩٢) .
(١٢) أخرجه مسلم في: ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، (٤٤) باب غزوة الأحزاب ، الحديث
(١٣٠)، ص (١٤٣٢) عن محمد بن حاتم ، عن بهز، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ،
عن أنس .
(١٣) ليست في (ح) .
٤١١

جعفر ، قال : أخبرنا أبو يعلى ، قال : حدثنا جعفر بن مهران ، قال : حدثنا
عبد الوارث بن سعيد ، قال : حدثنا عبد العزيز بن صهيب ، عن أنسٍ ، قال :
كان المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة ، وينقلون التراب على
متونهم ، ويقولون :
نحن الذين بايعوا محمداً على الاسلام ما بقينا أبداً .
قال ويقول رسول الله (ّ# وهو يحييهم:
اللهم لا خير إلّ خير الآخرة. فبارك في الأنصار والمهاجرة قال: ويؤتّوْن
بملىء(١٤) جفنتيْن شعيراً يُضع لهم بإهالة سَيْخَة(١٥)، وهي بَشِعَةٌ في الحلق(١٦)
ولها ريحٌ منكرة ، فتوضع بين يدي القوم .
رواه البخاري في الصحيح (١٧)، عن أبي معمر، عن عبد الوارث.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرني أبو الحسين بن يعقوب
الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن اسحاق، قال : حدثنا قتيبة بن
سعيد، قال : حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه ، عن سهل بن سعيد ،
قال : كنا مع رسول الله﴿ بالخندق، وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على
أكتافنا، فقال النبي ◌َّد :
اللهم لا عَيْشَ إلا عَيْشَ الآخرة. فاغفر للمهاجرين والأنصار.
رواه البخاري في الصحيح عن قتيبة (١٨).
(١٤) في (أ) رسمت : بملأ.
(١٥) ( الإمالة ) = الزيت والشحم، (السنخة) = المتغيرة الربح والطعم .
(١٦) ( بشعة في الحلق ) : كريهة الطعم .
(١٧) رواه البخاري في: ٦٤ - كتاب المغازي، (٢٩) باب غزوة الخندق، الحديث (٤١٠٠)، فتح
الباري ( ٧ : ٣٩٢) .
(١٨) أخرجه البخاري في الموضع السابق، الحديث رقم (٤٠٩٨)، فتح الباري ( ٧ : ٣٩٢).
٤١٢

رواه مسلم ، عن القعنبي، عن عبد العزيز(١٩).
أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد اللّه الأديب ، قال : أخبرنا أبو بكر
الإسماعيلي، قال : أخبرنا أبو خليفة، قال : حدثنا أبو الوليد، قال : حدثنا
شعبة، قال: أخبرنا أبو اسحاق قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله (الاه
ينقل معنا التراب يوم الأحزاب ، وقد وارى التراب بياض بطنه، وهو يقول :
اللهم لولا أنت ما اهتدينا لا تَصَدَّقْنَا ولا صلينا
فأنزلنْ سكينة علينا وَثِّبتِ الأَقْدَامَ إِن لاقَيْنا
إذ أرادوا فتنة أبينا
إن الألى قد بَغَوْا علينا
رفع بها صوته : [ أبينا، أبينا ] (٢٠).
رواه البخاري ، في الصحيح عن أبي الوليد(٢١) وأخرجاه من أوجهٍ عن
شعبة(٢٢).
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عَبْدَانَ [ قال]: (٢٣) أخبرنا أحمد بن عبيد
الصفار ، قال : حدثنا عثمان بن عمر الضَّبيّ قال : حدثنا مُسَدّد قال : حدثنا أبو
(١٩) مسلم عن القعنبي ، في : ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، (٤٤) باب غزوة الأحزاب ، الحديث
(١٢٦)، ص (١٤٣١) .
(٢٠) الزيادة من صحيح البخاري .
(٢١) البخاري عن أبي الوليد في : ٥٦ - كتاب الجهاد ، (٣٤) باب حفر الخندق ، الحديث
(٢٨٣٦)، فتح الباري ( ٦: ٤٦).
(٢٢) البخاري عن حفص بن عمر، عن شعبة عن أبي إسحاق ، عن البراء - فتح الباري (٦ :
٤٦)، البخاري عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة، ... في ٦٤: كتاب المغازي (٢٩) باب
غزوة الخندق ، الحديث ( ٤١٠٤ )، فتح الباري (٧ : ٣٩٩).
مسلم عن محمد بن المثنى ، وابن بشار، قالا : حدثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن أبي
إسحاق ، عن البراء، في : ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، (٤٤) باب غزوة الأحزاب ، الحديث
(١٢٥)، ص ( ١٤٣٠ ) .
(٢٣) ليست في (ح) ، وكذا في سائر الخبر .
٤١٣

الأحوص ، قال : حدثنا أبو اسحاق ، عن البراء ، قال : رأيت رسولَ الله {8# يوم
الخندق وهو ينقل التراب ، حتى وارى التراب شعر صدره ؛ وكان كثير الشعر ، وهو
يرتجز برَجَز عبد الله بن رواحة فَذْكر الأبيات بمثل رواية شعبة الا أنه قال :
ان العدو قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا
يُمدّ بها صوته .
رواه البخاري في الصحيح ، عن مسدد (٢٤).
أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصِّفار قال :
حدثنا اسماعيل بن الفضل البلخي ، قال : حدثنا إبراهيم بن يوسف البلخي ،
قال : حدثنا المسيب بن شريك ، عن زياد بن زياد ، عن أبي عثمان ، عن سلمان
أن النبيِ وَ﴾ ضَرَب في الخندق وقال:
بسم الله وبه هُذْينًا ولو عَبَدْنا غيره شَقِيْنَا. فأحبُّ رَبًّا وأَحِبُّ دينا(٢٥).
(٢٤) البخاري عن مسدد ، في : ٥٦ - كتاب الجهاد ، (١٦١) باب الرجز في الحرب ، الحديث
(٣٠٣٤)، فتح الباري ( ٦ : ١٦٠).
(٢٥) نقله الصالحي في السيرة الشامية ( ٤ : ٥١٧)، وجاء في آخره :
((يا حبِّذا رباً وحبّ دينا)).
٤١٤

باب
ما ظهر في حفر الخندق من
دلائل النبوة وآثار الصدق
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب،
قال: (١) حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن
إسحاق، قال : وكان في الحفر بالخندق أحاديث بلغتني فيها عبرةٌ في تصديق
رسول الله 43* وتحقيق نبوّته، وعاين ذلك المسلمون منه .
وكان مما بلغني أن جابر بن عبد الله كان يحدث انه اشتد عليهم في بعض
الخندق كُذْية(٢) فشكوها الى رسول الله وَّلته، فدعا بإناءٍ من ماء فَتَقَلَ فيه، ثم
دَعًا بما شاء الله أن يدعو، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية ، وقال من
حضرها: فوالذي بعثه بالحق لا نهالتٍ حتى عادت كالكثِب ما ترُدُّ فأساً ولا
مِسْحاةٍ(٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر: أحمد بن الحسن القاضي، قالا :
حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد ابن عبد الجبار،
(١) في (ح) بدون (قال ) ، وكذا في سائر الخبر .
(٢) الْكَذْية : الصخرة العظيمة .
(٣) الخبر في سيرة ابن هشام (٣ : ١٧١ - ١٧٢).
٤١٥

قال: (٤) حدثنا يونس بن بكير، عن عبد الواحد بن أيمن المخزومي، قال:
حدثنا(٥) أيمن المخزومي، قال سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا يوم الخندق
نحفر الخندق فعرضت فيه كذّانةٌ وهي الجبل، فقلنا يا رسول الله ان كذَّانة قد
عرضت فيه، فقال رسول الله وَّهَ: رُشَّوا عليها، ثم قام رسول الله روحه فأتاها
وبطنُه معصوبٌ بحجرٍ من الجوع، فأخذ المعول أو المسحاة فَسَمَّى ثلاثا ثم
ضرب فعادت كئيبا أهْيَلَ(٦) فقلت له: إئذن لي يا رسول اللّه إلى المنزل.
ففعل(٧)، فقلت للمرأة (٨): هل عندك من شيء؟ فقالت : عندي صاع من
شعير وعناق(٩)، فطحنت الشعير وعجنته ، وذكت العناق ، وسلختها ، وخليت
من المرأة وبين ذلك ثم اتيت رسول الله وَّليه(١٠)، فجلستُ عنده ساعة، ثم
قلت : ائذن لي يا رسول اللّه ففعل، فأتيت المرأة فإِذا العجين واللحم قد أمكنا،
فرجعتُ إلى رسول اللّهِ وَّ فقلت: إنَّ عندي طعيّماً(١١) لنا، فقم يا رسول الله
أنت ورجلان من أصحابك، فقال: وكم هو؟ فقلت: صاع من شعير، وعناق،
فقال للمسلمين جميعاً : قوموا إلى جابر! فقاموا، فلقيت من الحياء مالا يعلمه
إلا الله ، فقلت : جاء بالخَلْقِ على صاع شعير وعناق!
فدخلتُ على امرأتي أقول: افتضحت جاءك رسول الله صل بالجند
(٤) ليست في (ح) .
(٥) في (ح): ((حدثني)).
(٦) أي رملا سائلاً .
(٧) من هنا وحتى نهاية الباب سقط من نسخة (أ).
(٨) في البخاري ((فقلت لامرأتي))، وقال الحافظ ابن حجر: ((هي سهيلة بنت مسعود الأنصارية)).
(٩) ( العناق ) : الأنثى من المعز .
(١٠) في الصحيح: ((ثم جئت النبي ( والعجين قد انكسر، والبُرْمة بين الأثافي، قد كادت أن
تنضج ) .
(١١) للمبالغة في تصغيره .
٤١٦

أجمعين، فقالت : هل كان سألك كم طعامك ؟ فقلت : نعم ، فقالت : الله
ورسوله اعلم قد أخبرناه ما عندنا فكشفّتْ عني غماً شديداً، فدخلَ رسولُ الله
وَالر، فقال: خذي ودعيني من اللحم، فجعل رسول اللّهَ اوَل يثرد، ويغرف
اللحم، ثم يخمّر هذا، ويخمّر هذا ، فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا
أجمعين ، ويعود التنور والقدر أملأ ما كانا، ثم قال رسول اللّه ◌َليقول: كلي
واهدي .
فلم نزل نأُلُ ونهدي يومنا أجمع .
رواه البخاري في الصحيح عن خلّاد بن يحيى، عن عبد الواحد ..
أيمن (١٢).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب، حدثنا
أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس ، عن ابن إسحاق ، قال: حُدِّثْتُ عَنْ
سَلْمان، قال :
ضَرَبْتُ في ناحية من الخندق [ فغلظت عليَّ صخرة ](١٣)، فعطف عليّ
رسول اللّهِ وَ*، وهو قريب مني، فلما رآني أضرب، ورأى شدة المكان عليّ
نَزَلَ فأخذ المِعْوَلَ من يدي ، فَضَرَبَ بِهِ ضَرْبةٌ فلمعت تحت المعول بَرْقَة، ثم
ضرب ضربةً أخرى فلمعت تحته بَرْقَةً أخرى ثم ضرب الثالثة فلمعت تحته برقة
أخرى ، فقلت : يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، ما هذا الذي رأيت يلمع تحت
المعول، وأنت تضرب به ؟ فقال : أُوَقَدْ رَأَيْتَ ذلك يا سلمان؟ فقلت: نعم،
فقال: أما الأولى فإن الله - عز وجل - فَتَحَ عليَّ بها اليمن، وأما الثانية، فإِن
(١٢) البخاري عن خلاد بن يحيى في: ٦٤ - كتاب المغازي (٢٩) باب غزوة الخندق ، فتح الباري
( ٧ : ٣٩٥)، ورواية المصنف هنا فيها اختلاف لفظي يسير.
(١٣) من سيرة ابن هشام (٣ : ١٧٣).
٤١٧
( م ١٤ - دلائل النبوة جـ ٣ )

الله - عَزَّ وجل - فتح عليٍّ بها الشام والمغرب، واما الثالثة ، فإن الله فتح عليَّ بها
المشرق(١٤).
قال ابن إسحاق: (( وحدثني من لا أتهم عن أبي هريرة انه كان يقول في
زمن عمر، وزمن عثمان، وما بعده : افتتحوا ما بدا لكم فوالذي نفس أبي هريرة
بيده ، ما افتتحهم من مدينة ولا تَفْتَتِحونها إلى يوم القيامة، إلا الله - عز وجل -
وقد أعطى محمداً (َ﴿ مفاتحها))(١٥).
قلت : وهذا الذي ذكره محمد بن إسحاق بن يسار من قصة سلمان قد
ذكرنا معناه منقول عن معاذ بن أبي الأسود، عن عروة، عن موسى بن عقبة .
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ - رحمه الله - قال : أخبرنا أبو بكر:
محمد بن عَلّون المقري ببغداد، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يونس
القرشي، قال: حدثنا محمد بن خالد بن عثمة ، قال : حدثنا كثير بن عبد الله
ابن عمرو بن عوف المزني ، قال: حدثني أبي عن أبيه ، قال: خط رسول الله
وَّ* الخندق عام الأحزاب من أجم السُّمُر طرف بني حارثة حين بلغ المداد، ثم
قطع اربعين ذراعاً بين كل عشرة ، فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان
الفارسي، وكان رجلاً قوياً، فقالت الأنصار: سلمان منا ، وقالت المهاجرون :
سلمان منا، فقال رسول الله صل : سلمان منا اهل البيت(١٦).
(١٤) رواه ابن هشام في السيرة ( ٣ : ١٧٣ ).
(١٥) سيرة ابن هشام (٣ : ١٧٣ ).
(١٦) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٣: ٥٩٨)، وقال الذهبي: ((سنده ضعيف)).
قلت : في سنده : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني المدني، قال ابن معين: ((ليس
بشيء))، وقال الشافعي وأبو داود: ((ركن من أركان الكذب))، وضرب أحمد على حديثه .
وقال الدارقطني وغيره: متروك، وقال ابن حبان: ((له عن أبيه ، عن جده - نسخة موضوعة »
ميزان الاعتدال (٣ : ٤٠٧ )
٤١٨

قال عمرو بن عوف(١٧): فكنت انا ، وسلمان، وحذيفة بن اليمان،
والنعمان بن مقرِّن، وستة من الأنصار في اربعين ذراعاً فحضرنا حتى إذا بلغنا
الثديَّ اخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مدورة، فكسرت حديدنا ،
وشقَّت علينا، فقلنا: يا سلمان! ارقَ إلى رسول اللهِوَالتّ فأخبره خبر هذه
الصخرة، فإِنا ان نعدل عنها فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيها بأمره فإِنا لا
نحب ان نجاوز خطه، فرقي سلمان حتى أتى رسول اللّه وَّـ، وهو ضارب عليه
قبة تركية، فقال: يا رسول اللّه! بأبينا أنت وأمنا خرجت صخرة بيضاء من الخندق
مروه فكسرت حديدنا ، وشقت علينا حتى ما يحيك فيها قليل ولا كثير، فمرنا
فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نجاوز خطك، فهبط رسول اللّه ولا مع سلمان في
الخندق، ورقينا عن الشقة في شقة الخندق ، فأخذ رسول الله ور المعول من
سلمان فضرب الصخرة ضربةً صدعها ، وبرقت منها بَرْقَةٌ أضاء ما بين لابتيها -
يعني لا بتي المدينة ، حتى لكأن مصباحاً في جوف ليل مظلم ، فكبرَّ رسول الله
﴿* تكبيرةً فتح، فكبر المسلمون .
ثم ضربها رسول اللّه وَ﴿ الثانية، فصدعها وبرق منها برقةً أضاء لها ما بين
لابتيها حتى لكأنَّ مصاحباً في جوف ليل مظلم، فكبر رسول اللّه ◌َلغيره تكبيرة
فتح، وكبرَّ المسلمون.
ثم ضربها رسول الله # الثالثة، فكسرها ، وبرق منها برقة أضاء ما بين
لابتيها، حتى لكأنَّ مصباحاً في جوف بيت مظلم، فكبر رسول اللّه وَّر تكبيرة
فتح ، فكبرِّ المسلمون.
ثم أخذ بيد سلمان فرقيَ فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! لقد
(١٧) هو عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة المزني، ذكر ابن سعد أنه شهد غزوة الأبواء ، ويقال : أول
مشاهد الخندق ، ومات في ولاية معاوية الإصابة (٣: ٩).
٤١٩

رأيت شيئاً ما رأيته قط، فالتفت رسول الله و 18 إلى القوم، فقال: هل رأيتم ما
يقول سلمان ؟ قالوا : نعم يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا، قد رأيناك تضرب،
فخرجَ برقٌ كالموج فرأيناك تكبر، ولا نرى شيئاً غير ذلك، فقال: صدقتم،
ضربت ضربتي الأولى، فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة ،
ومدائن كسرى، كأنها انياب الكلاب ، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها.
ثم ضربت ضربتي الثانية، فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحمر
من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبريل - عليه السلام - ان امتي
ظاهرة عليها .
ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق منها الذي رأيتم ، أضاءت منها قصور
صنعاء كأنها انياب الكلاب ، فأخبرني جبريل - عليه السلام - ان أمتي ظاهرة
عليها، فأبشروا، يبلغهم النصر، وابشروا يبلغهم النصر، وابشروا يبلغهم النصر.
فاستبشر المسلمون، وقالوا : الحمد لله موعود صادق بَأنَّ اللَّهَ وَعَدّنَا النصر
بعد الحصر، فطلعت الأحزاب، فقال المسلمون: ((هذا ما وَعَدنا الله ورسوله،
وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً))(١٨).
وقال المنافقون : ألا تعجبون : يحدثكم ويمنيكم ، ويعدكم بالباطل،
يخبركم أنَّهُ بصر من يثرب قُصورَ الحيرة ، ومدائنَ كسرى، وانها تفتح لكم ،
وأنتم تحفرون الخندق ، ولا تستطيعون أن تبرزوا !!
وانزل القرآن: ﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وَعدنا اللّه
ورسوله إلا غروراً ﴾ (١٩).
(١٨) سورة الأحزاب [ ٢٢ ].
(١٩) سورة الأحزاب [ ١٢ ].
٤٢٠