النص المفهرس

صفحات 481-500

فقلت يا رسول الله لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه قال فقال
النبي ₪: ((يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما))(٢٩).
وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار قال :
حدثنا عبد العزيز بن معاوية القرشي ، قال : حدثنا حبان ، قال : حدثنا همام
عن البناني فذكره بإسناده نحوه إلا أنه قال ((لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا من
تحت قدميه )).
رواه البخاري في الصحيح (٣٠) عن محمد بن سفيان ، وعن عبد الله بن
محمد ، عن حبان بن هلال .
ورواه مسلم عن : زهير بن حرب(٣١) ، وغيره ، عن حبان .
أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي ببغداد ، قال :
حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البري ،
قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم .
(ح) وأخبرنا أبو بكر : أحمد بن الحسن القاضي ، وأبو صادق ، محمد بن
أحمد العطار ، قال : حدثنا أبو العباس الأصم ، قال : حدثنا محمد بن علي
الوراق ، قال: حدثنا مسلم ، قال : حدثنا عون بن عمرو القيسي ، قال :
(٢٩) الحديث أخرجه البخاري في : ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة (٢) باب مناقب المهاجرين وفضلهم،
الحديث (٣٦٥٣)، فتح الباري (٧: ٨ - ٩)؛ وأعاده في: ٦٣ - مناقب الانصار، باب (٤٥) ،
وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير ، تفسير سورة التوبة ، الحديث (٣٠٩٦)، صفحة (٥ : ٢٧٨)
؛ واخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (١: ٤).
(٣٠) فتح الباري (٧ : ١٠).
(٣١) صحيح مسلم في اول كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق ، الحديث (١)،
ص (١٨٥٤).
٤٨١
( م ١٦ - دلائل الندوة جـ ٢)

سمعت أبا مصعب المكي ، قال : أدركت أنس بن مالك ، وزيد بن أرقم ،
والمغيرة بن شعبة، فسمعتهم يتحدثون ((أن النبي وَ لي ليلة الغار أمر الله عز وجل
· بشجرة فنبتت في وجه النبي ◌ّ فسترته (٣٢)، وأمر الله العنكبوت فنسجت في
وجه النبي والر فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأقبل فتيان
قريش من كل بطن رجل ، بعصيهم وهراويهم (٣٣) وسيوفهم ، حتى إذا كانوا من
النبي وله بقدر أربعين ذراعاً، فجعل رجل منهم لينظر في الغار فرأى حمامتين
بفم الغار ، فرجع إلى أصحابه فقالوا له ما لك لم تنظر في الغار ؟ فقال : رأيت
حمامتين بفم الغار، فعلمت أنه ليس فيه أحد ، فسمع النبي ص18 ما قال ، فعرف
أن الله عز وجل قد درأ عنه بهما، فدعاهن النبي ◌َل﴿ فَسَمّتْ(٣٤) ، علیھن وفرض
جزاءهن ، وانحدرن في الحرم)) (٣٥).
أخبرنا أبو عبد الله إسحاق بن أبي سعيد السوسي ، قال : حدثنا أبو
الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي إِملاء ، قال : حدثنا أبو سعيد :
الحسن بن عبد الصمد القُهُنْدَزِيُّ ، قال : حدثنا محمد بن حميد ، قال : أخبرنا
علي بن مجاهد ، قال : حدثنا أشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: (( فأنزل الله سكينته عليه قال : على
أبي بكر لأن النبي ◌َّه لم تزل السكينة معه)).
(٣٢) وفي رواية عند قاسم بن ثابت بن حزم العوفي السرقسطي ، سمع من النسائي، والف كتاباً في شرح
الحديث سماه : الدلائل ، وفاته في سرقسطة ٣٠٢ هـ ، جاء في كتاب الدلائل هذا على ما ذكره
السهيلي في الروض الأنف (٢: ٤): ((أن رسول الله ﴾ لما دخل الغار، وأبو بكر معه انبت الله
على بابه الراءة، وهي شجرة معروفة ، فحجبت عن النار أعين الكفار)) والراءة شجر مثل قامة
الإنسان طولاً ، ولها خيطان وزهر ابيض كالريش .
(٣٣) الهراوة : العصا الغليظة.
(٣٤) بارك.
(٣٥) أخرجه ابن سعد (١ : ٢٢٩) ، وأبو نعيم في دلائل النبوة ، وابن عساكر كلهم عن ابي مصعب
المكي .
٤٨٢

باب
اتباع سراقة بن مالك بن جعشم أثر رسول الله وَله
وما ظهر في ذلك من دلائل النبوة
أخبرنا أبو الحسين : محمد بن الحسين القطان ببغداد ، وقال : أخبرنا
عبد الله بن جعفر بن درستويه ، قال : حدّثنا يعقوب بن سفيان ، قال : حدّثنا
عبيد الله بن موسى ، وعبد الله بن رجاء : أبو عمر الغُدّاني ، عن إسرائيل ، عن
أبي إسحاق، عن البراء، قال: ((اشترى أبو بكر من عازب رَحْلا بثلاثة عشر
درهماً ، فقال أبو بكر رضي الله عنه لعازب : مُرِ البَراء فليحمله إلى رحلي ،
فقال له عازب: لا، حتى تحدّثنا كيف صَنَعْتَ أنت ورسول الله وَّ حين
خرجتما والمشركون يطلبونكما قال : أَدْلَجْنا من مكة ليلاً، فأحيينا ليلتنا ويومنا
حتى أظهرنا ، وقام قائم الظهيرة ، فرميت ببصري هل أرى من ظل نأوي إليه فإِذا
صخرة ، فانتهيتُ إليها، فإِذا بقية ظل لها، فَسَوَّيْتُه، ثُمَّ فَرَشْتُ لرسول الله ◌ِلَهُ
فَرْوَةٌ ، ثم قلت : اضطجع يا رسول اللّه ، فاضطجع ، ثم ذهبت أَنْفُضُ ما حولي
هل أرى من الطلب أحداً ، فإذا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها
الذي نريد - يعني الظل - فسألته فقلت : لمن أنت يا غلام ؟ فقال : لرجل من
قريش ، فسماه ، فعرفته ، فقلت : هل في غَنَمِكَ من لبن ، قال: نعم ، قلت :
هل أنت حالب لي ، قال : نعم ، فأمرته فاعتقل شاة من غنمه ، وأمرته أن
ينفض ضرعها من التراب ، ثم أمرته أن ينفض كفيه ، فقال : هكذا ، فضرب
إحدى كفيه على الأخرى، فَحَلَبَ لي كُثْبة(١) من لبن وقد رؤِّيت معي لرسول الله
(١) الكُثْبة : كل قليل جمعته من طعام اولين او غير ذلك ، والجمع كثب النهاية .
٤٨٣

وَّ إداوة على فمها خرقة ، فصببت على اللبن حتى برد أسفله ، فأتيت رسول
اللّه ◌َلل، فوافقته وقد استيقظ، فقلت: أتشرب يا رسول الله؟ فشرب رسول الله
"لَّه، حتى رضيت، ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله.
قال : فارتحلنا والقوم يطلبوننا ، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك
ابن جعشم على فرس له فقلت هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله ، قال : لا
تحزن ، إن الله معنا ، فلما أن دنا منا وكان بيننا وبينه قيد رمحين أو ثلاثة ،
قلت : هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله ، وبكيت ، فقال : ما يبكيك ؟
فقلت : أما والله ما على نفسي أبكي ، ولكني إنما أبكي عليك ، قال : فدعا
عليه رسول اللّه * فقال: اللهم! اكفنا بما شئت، قال: فَسَاخَتْ به فرسه في
الأرض إلى بطنها ، فوثب عنها ، ثم قال : يا محمد قد علمت أن هذا عملك
فادع الله أن تنجيني مما أنا فيه ، فوالله لأعميِّنَّ على من ورائي من الطلب ،
وهذه كنانتي فخذ منها سهماً ، فإنك ستمر بإِبلي وغنمي بمكان كذا وكذا ، فخذ
منها حاجتك ، فقال رسول اللّه السيد: لا حاجة لنا في إبلك وغنمك ، ودعا له
رسول اللّه وَ له، فانطلق راجعاً إلى أصحابه، ومضى رسول الله وَله، وأنا معه
حتى قدمنا المدينة ليلاً)»(٢).
وأخبرنا أبو نصر بن قتادة ، قال : أخبرنا أبو عمر بن مطر ، قال : أخبرنا
أبو خليفة ، قال : حدّثنا عبد الله بن رجاء الغُدّانِيُّ فذكره بنحوه.
رواه البخاري في الصحيح عن عبد اللّه بن رجاء ، وأخرجه مسلم من
وجه آخر عن إسرائيل(٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (١: ٢ - ٣)، ويعقوب بن سفيان في ((المعرفة والتاريخ)) (١:
٢٣٩ - ٢٤١)، بهذا الإسناد الذي ذكره المصنف ، وعنهما وعن البيهقي نقله الصالحي في السيرة
الشامية (٣ : ٣٤٥ - ٣٤٦).
(٣) فتح الباري (٧: ٨)، صحيح مسلم في : ٥٣ - كتاب الزهد، (١٩) باب في حديث الهجرة، (٤ :
٢٣١٠).
٤٨٤

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرني أبو الوليد الفقيه ، قال :
حدّثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدّثنا سَلَمَة بن شبيب ، قال : حدّثنا الحسن
ابن محمد بن أعين، قال : حدّثنا زهير، قال : حدّثنا أبو إسحاق ، قال :
سمعت البراء، يقول : ((جَاءَ أبو بَكْر إلى أبي في مَنْزِلِه فاشْتَرَىْ مِنْه - رحْلا -
وذكر الحديث بمعنى حديث إسرائيل إلى أن قال : فارتحلنا بعدما زالت
الشمس ، واتبعنا سراقة بن مالك، قال : ونحن في جَلَدٍ (٤) من الأرض،
فقلت : يا رسول الله أتينا، فقال لا تحزن إن الله معنا)) ، فدعا عليه رسول الله
وَ* فارتطمت فَرِسُهُ إلى بطنها(٥) فقال: إني قد علمت أنكما قد دعوتما عليَّ
فادعوا لي ، فالله لكما أن أردّ عنكما الطلب ، فدعا الله فنجا ، فرجع لا يلقى
أحداً إلا قال: قد كفيتم ما ههنا ولا يلقى أحداً إلا ردّه وَوَفَى لنا)).
رواه مسلم في الصحيح عن سلمة بن شبيب ، وأخرجه البخاري(٦) من
وجه آخر عن زهير بن معاوية .
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ،
قال : حدّثنا ابن ملحان ، قال : حدّثنا يحيى بن بكير، قال : حدّثني الليث،
عن عقيل .
(ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال: أخبرني أبو الحسن : محمد بن عبد
الله ، قال : حدّثنا محمد بن إسحاق ، قال : حدّثنا محمد بن يحيى قال : حدّثنا
أبو صالح، قال: حدّثني الليث، قال: حدّثني عقيل، قال : قال ابن
شهاب ، وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي ، وهو ابن أخي سراقة بن
(٤) (جلد من الارض) = أي : صلبة ، وروي جدد ، وهو المستوى .
(٥) أي غاصت قوائمها في تلك الأرض الصلبة.
(٦) في: ٥٣ - كتاب الزهد (١٩) باب في حديث الهجرة، ح (٧٥)، ص (٤ : ٢٣٠٩ - ٢٣١٠)،
وفتح الباري (٧ : ٢٣٨).
٤٨٥

جعشم ، أن أباه أخبره ، أنه سمع سراقة بن جعشم وفي رواية ابن عبدان أن
سراقة بن مالك بن جعشم يقول :
((جَاءَنا رُسُل كفّار قريش يجعلونَ في رسول الله صل * وفي أبي بكر دية كل
واحد منهما في قتله أو أسره ، فبينا أنا جالس في مجلس (٧) قومي بني مدلج ،
أقبلَ رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال: يا سراقة! إني قد رأيت آنفاً
أَسْوِدة بالساحل ، أراها محمداً وأصحابَهُ قال سراقة : فعرفت أنهم هم - قال ابن
عبدان وذكر الحديث قال أبو عبد الله في روايته - قال فقلت له : إنهم لَيْسوا
بهم ، ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً ، انطلقوا بأعيننا .
قال : ثم قلّ ما لبث في المجلس(٨) حتى قمت فدخلت بيتي ، فأمرت
جاريتي أن تخرج بفرسي ، فتهبطها من وراء أكمة فتحبسها عليَّ فأخذت رمحي
وخرجت من ظهر البيت، فَخَطَّطْتُ بزُجِّهِ(٩) الأرض، وخفضت عالية الرمح(١٠)
حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تَقَرَّبُ(١١) حتى إذا دنوت منهم عثرت بي
فرسي ، فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقمت بها
أأضرهم أو لا أضرهم فخرج الذي أكره لا أضرهم ، فركبت فرسي وعصيت
الأزلام فَرَفَّعتها تَقَرّبُ بي حتى إذا سمعت قراءة رسول اللّهِ وَله وهو لا يلتفت وأبو
بكر يكثر التلفت ساخت(١٢) يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين ،
(٧) صحيح البخاري: ((فبينما انا جالس في مجلس من مجالس قومي)).
(٨) صحيح البخاري: ((ثم لبثت في المجلس ساعة)).
(٩) (الزج) = الحديدة التي في اسفل الرمح.
(١٠) حتى لا يظهر بريقه .
(١١) (التقريب)، السير دون العَذْو، وفوق العادة، وقيل: ((أن ترفع الفرس يديها معاً، وتضعهما
معاً ».
(١٢) ساخت = غاصت.
٤٨٦

فخررت عنها(١٣) ، ثم زجرتها فنهضت فلم تَكَدْ تُخْرِجُ يديها فلما استوت
قائمة ، إذا لأثر يديها عثان (١٤) ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام
فخرج الذي أكره أن لا أضرهم ، فناديتهما بالأمان فوقفا لي ، وركبت فرسي ،
حتى جئتهما ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهما ، أنه سيظهر
رسول الله وَّر، فقلت له : إن من قومك قد جعلوا فيكما الدية ، فأخبرتهما
أخبار ما يريد الناس بهم ، وعرضت عليهما الزاد والمتاع فلم يرزآني شيئاً ، ولم
يسلني إلا أن قال : أُخْفِ عنا ، فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به ، فأمر
عامر بن فهيرة، فكتب لي رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله والتر)).
رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن بكير عن الليث(١٥).
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد قال : أخبرنا أبو بكر محمد
ابن عبد الله بن عتاب العبدي قال : حدّثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة ، قال :
أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس ، قال : حدّثني إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ،
عن عمه موسى بن عقبة ، قال : حدّثنا ابن شهاب ، قال : حدّثني عبد الرحمن
ابن مالك بن جعشم المدلجي أن أباه مالكاً أخبره أن أخاه سراقة بن جعشم
أخبره :
((أنه لما خرج رسول الله وسلم من مكة مهاجراً إلى المدينة جعلت قريش
لمن رده عليهم مائة ناقة قال : فبينما أنا جالس في نادي قومي إذ جاء رجل منّا
فقال: والله لقد رأيت ركباً ثلاثة مروا عليَّ آنفاً، إني لأظنه محمداً، قال :
فأومأت إليه بعيني : أن اسكت ، وقلت : إنما هم بنو فلان يبتغون ضالة
(١٣) أي وثبت.
(١٤) العثان : الدخان.
(١٥) أخرجه البخاري في : ٦٣ - كتاب مناقب الانصار، (٤٥) باب هجرة النبي# وأصحابه الى
المدينة ، حديث (٣٩٠٦)، فتح الباري (٧ : ٢٣٨ - ٢٣٩).
٤٨٧

لهم ، قال : لعله ، ثم سكت .
قال : فمكثت قليلاً ، ثم قمت فدخلت بيتي وأمرت بفرسي ، فقيد إلى
بطن الوادي ، وأخرجت سلاحي من وراء حجراتي ، ثم أخذت قداحي استقسم
بها ، ثم لبست لأمتي ، ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها ، فخرج السهم
الذي أكره : لا تضره ، وكنت أرجو أن أرده فآخذ المائة ناقة .
قال : فركبت على أثره ، فبينا فرسي يسير بي عثر، فسقطت عنه ،
قال : فأُخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره : لا تضره ،
فأبيت إلا أن أتبعه ، فركبت ، فلما بدا لي القوم فنظرت إليهم عَثَرَ بي فرسي
فَذَهَبَتْ يداه في الأرض ، فسقطتُ عنه، فاستخرج يديه واتبعهما دخان مثل
الغبار، فعلمت أنه قد منع مني ، وأنه ظاهِرٌ ، فناديتهم ، فقلت : انظروني فوالله
لا آذيتكم ، ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه .
فقال رسول الله(: قل له : ماذا تبتغي ؟ قال : قلت اكتب لي كتاباً
يكون بيني وبينك آية، قال : اكتب له يا أبا بكر، قال : فكتب لي ثم ألقاه
إليّ، فرجعت ، فسكت ، فلم أذكر شيئاً مما كان ، حتى إذا فتح الله عز وجل
مكة، وفرغ رسول الله صل﴿ من أهل خيبر، خرجت إلى رسول الله وعليه لألقاه
ومعي الكتاب الذي كتب لي ، فبينما أنا عامد له دخلت بين ظهري كتيبة من
كتائب الأنصار ، قال : فطفقوا يقرعونني بالرماح ، ويقولون : إليك ، إليك ،
حتى دنوت من رسول الله وَل وهو على ناقته أنظر إلى ساقه في غرزه ، كأنها
جمارة ، فرفعت يدي بالكتاب ، فقلت : يا رسول الله ! هذا كتابك ، فقال
رسول اللّه ◌َي *: يوم وفاء وبر، أُدْنه ، قال: فأسلمت ، ثم ذكرت شيئاً أسل عنه
رسول الله مَث .
قال ابن شهاب : إنما سأله عن الضالة ، وشيء فعله في وجهه الذي كان
فيه ، فما ذكرت شيئاً إلا أني قد قلت يا رسول الله : الضالة تغشى حياضي قد
٤٨٨

ملأتها لإِبلي هل لي من أجر إن سقيتها؟ فقال رسول الله وَّله: نعم في كل كبد
حرى، قال: وانصرفت فسُقت إلى رسول الله (وَل﴿ صدقتي))(١٦).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب
قال : حدّثنا أحمد بن عبد الجبار قال : حدثنا يونس بن بكير قال : قال ابن
إسحاق قال أبو جهل في أمر سراقة أبياتاً: فقال سراقة يجيب أبا جهل(١٧):
أبا حكم واللات لو كنت شاهداً
لأمرٍ جوادي إذ تسيخ قوائمه
وبرهان فمن ذا يقاومه
نبي
عجبت ولم تشکك بأن محمداً
أرى أمره يوماً ستبدو معالمه
عليك بكف الناس عنه فإنني
لو أن جميع الناس طرّاً تسالمه
بأمر يود. النصر فيه بإِليها
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان ، قال : أخبرنا أحمد بن
عبيد ، قال : حدّثنا ابن أبي قماش، قال : حدّثنا سعيد بن سليمان الواسطي
ببغداد ، عن أبي معشر ، عن أبي وهب ، مولى أبي هريرة ، عن أبي هريرة ،
قال ((قال رسول اللّه وَلّ لأبي بكر في مدخله المدينة: أَلْهِ الناس عني فإِنه لا
(١٦) سيرة ابن هشام (٢: ١٠٢ - ١٠٤)، الدرر في اختصار المغازي والسير (٨٢)، البداية والنهاية
(٣ : ١٨٥).
(١٧) لما عاد سراقة جعل يقص ما رأى وشاهد من امر النبي # فخاف أمراء قريش ان يكون ذلك سبباً
لإسلام كثير من الناس فكتب ابو جهل الى بني مدلج :
بني مدلج إني أخاف سفيهكم
سراقة مستفي لنصر محمد
عليكم به ألا يفرق جمعكم
فيصبح شتى بعد عز وسُؤْددٍ
فأجابه سراقة بالأبيات التي ذكرها المصنف .
٤٨٩

ينبغي لنبيِّ أن يكذب ، قال : فكان أبو بكر إذا سئل ما أنت ؟ قال : باعٍ ، فإذا
قيل : من الذي معك؟ قال: هادٍ يهديني))(١٨).
(١٨) السيرة الشامية (٣: ٣٥٧) عن المصنف، وهنا ينتهي الجزء الثاني من نسخة (هـ)، وقد جاء في
آخرها: «نجز الجزء الثاني من دلائل النبوة، ومعرفة احوال صاحب الشريعة، من تجزئة ثمانية
اجزاء ، جمع الإمام الحافظ : أبي بكر احمد بن الحسين بن علي البيهقي، يتلوه في الجزء الثالث
إن شاء الله تعالى (باب): اجتياز النبي ### ومن كان معه بخيمة ام معبد الخزاعية ؛ وما ظهر في
ذلك من دلائل النبوة ، والحمد لله رب العالمين ، ووافق الفراغ منه يوم الخميس ثاني عشر شوال
سنة ست وخمسين وثمانمائة على يد العبد الفقير إلى الله تعالى : أبي الجود خليل إبراهيم بن عبد
الرحمن بن علي الدمياطي منشأ ، المنهاجي لقباً، القرشي نسباً، غفر الله له ، ولوالديه ولجميع
المسلمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .
ثم سماعات الكتاب ، ومجالسه من المجلس الأول إلى المجلس العاشر ، والتي ذكرناها في تقدمتنا
للكتاب فانظرها هناك .
٤٩٠

باب
اجتياز رسول الله أَ# بالمرأة وابنها ،
وما ظهر في ذلك من آثار النبوة
أنبأنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان ، قال : أنبأنا أحمد بن عبيد
الصفار ، قال : أنبأنا أحمد بن يحيى الحلواني ، ومحمد بن الفضل بن جابر،
قالا : حدّثنا محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال :
حدّثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة .
(ح)وأخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد ، واللفظ له، قال: أنبأنا أبو
الحسن علي بن محمد المصري ، قال : حدّثنا عبد الله بن محمد بن أبي
مريم ، قال : حدّثنا أسد بن موسى ، قال : حدّثنا يحيى بن زكريا بن أبي
زائدة ، قال : حدّثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال : حدّثنا عبد
الرحمن بن الأصبهاني ، قال : سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى ، يحدث عن
أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال :
(( خرجت مع رسول الله وَلير من مكة فانتهينا إلى حي من أحياء العرب ،
فنظر رسول الله وَ﴿ إلى بيت مُنْتَحياً فقصد إليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا
امرأة ، فقالت : يا عَبْدَ الله ! إنما أنا امرأة ، وليس معي أحد ، فعليكما بعظيم
الحيِّ إذا أردتم القِرى، قال: فلم يجبها وذلك عند المساء ، فجاء ابن لها
بأعنز له يسوقها ، فقالت له : يا بني انطلق بهذه العنز والشفرة إلى هذين الرجلين
فقل لهما تقول لكما أمي : اذبحا هذه وكلا واطعمانا، فلما جاء ، قال له النبي
٤٩١

*: انطلق بالشفرة وجئني بالقدح ، قال : إنها قد عزبت وليس لها لبن ،
قال: انطلقْ، فانطلق فجاء بقدحِ فمسح النبي ◌ِّ ضَرْعَها، ثم حلب حتى ملأ
القَدَحِ ، ثم قال : انطلق به إلى أمك، فَشَرِبَتْ حَتّى رَوِيَتْ ، ثم جاء به فقال :
انطلق بهذه وجئني بأخرى ، ففعل بها كذلك ، ثم سَقى أبا بكر ، ثم جاء بأخرى
ففعل بها كذلك، ثم شرب النبي (وَآ)).
قال : فبتنا ليلتنا ، ثم انطلقنا فكانت تسميه المبارك وَكَثُرَتْ غنمها، حتى
جَلَبَتْ جَلْباً إلى المدينة ، فَمَرَّ أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، فرآه ابنها فعرفه ،
فقال : يا أمه إن هذا الرجل الذي كان مع المبارك ، فقامت إليه ، فقالت : يا
عبد الله من الرجل الذي كان معك ؟ قال : وما تدرين من هو؟ قالت : لا ،
قال: هو النبيِ وَله، قالت: فَأُدْخِلْني عليه، قال: فأدخلها عليه، فأطعمها
وأعطاها - زاد ابن عبدان في روايته - قالت فدلني عليه فانطلقت معي وأهدت له
شيئاً من أَقْط(١) ومتاع الأعراب قال فكساها وأعطاها قال : ولا أعلمه إلا قال
أسلمت)» (٢) .
قلت : وهذه القصة وإن كانت تنقص عما روينا في قصة أم معبد ويزيد
في بعضها فهي قريبة منها ، ويشبه أن يكونا واحدة .
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار(٣) من قصة أم معبد شيئاً يدل على أنها
وهذه واحدة والله أعلم (٤).
(١) الأقط : يتخذ من اللبن المخيض ، يطبخ ، ثم يترك حتى يمصل .
(٢) نقله الحافظ ابن كثير عن المصنف في البداية والنهاية (٣: ١٩١ - ١٩٢)، وعنهما الصالحي في
السيرة الشامية (٣ : ٣٥٠).
(٣) سيرة ابن هشام (١: ١٠٠ - ١٠١)، وانظر الروض الأنف (٢: ٨)، وشرح السيرة لأبي ذر (١:
١٢٦).
(٤) ورجّح هذا أيضاً: الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية)) (٣: ١٩٢).
٤٩٢

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ،
قال : حدّثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن
إسحاق، قال: (( ونزل رسول الله 83* بخيمة أم معبد وهي التي غرد بها الجن
بأعلى مكة ، واسمها عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة بن أصرم(٥) ، فأرادوا
القِرى ، فقالت : والله ما عندنا طعام ولا لنا منحة ، ولا لنا شاة ، إلا حائل ،
فدعا رسول اللّه بَّله ببعض غنمها، فمسح ضرعها بيده، ودعا اللّه، وحَلَبَ في
العس(٦) حتى رَغَى(٧) وقال: اشربي يا أم معبد، فقالت: إشْرب فأنت أحق
به ، فرده عليها ، فشربت .
ثم دعا بحائل أخرى ، ففعل بها مثل ذلك فشرب .
ثم دعا بحائل أخرى ، ففعل بها مثل ذلك فسقى دليله .
ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى عامراً ثم يروح .
وطلبت قريش رسول اللّه مَل﴾، حتى بلغوا أم معبد فسألوها عنه، فقالوا :
رأيت محمداً وحليته كذا ؟ فوصفوه لها فقالت : ما أدري ما تقولون ، قد ضافني
حالب الحائل قالت قريش : فذاك الذي نريد .
قلت : فيحتمل أن يكون أولاً أي التي في كِسْر الخيمة ، كما روينا في
حديث أم معبد ، ثم رجع ابنها بأعنز ، كما روينا في حديث ابن أبي ليلى ، ثم
(٥) أم معبد = عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة بن اصرم، وقيل : عاتكة بنت خالد بن خليف؛، بن
منقذ، بن ربيعة، وهي أخت حُبّيْش بن خالد الأشعر، الخزاعي ، القُدَيْدي وله صحبة ورواية ، وهو
راوي حديثها، وزوجها ابو معبد الخزاعي مختلف في اسمه ، وتوفي في حياة الرسول مَا*، وكان
يسكن قُدَيْداً = وهي موضع قرب مكة ، وفي معجم ما استعجم (٣ : ١٠٥٤) أن هذه القرية سميت
قديداً لتقدد السيول بها ، وهي لخزاعة.
(٦) في النهاية: (العس) = القدح الكبير، وجمعه عساس ، وأعساس .
(٧) رَغّى = علت رغوته.
٤٩٣

لما أتى زوجها وصفته له والله أعلم (٨).
(٨) سيرة ابن هشام (٢: ١٠٠)، والسيرة الشامية (٣: ٣٥٠ - ٣٥١).
قلت : هكذا ذكر البيهقي ، ولم يعرج على قصة ام معبد كما وردت في المستدرك للحاكم،
والطبراني ، وأبو نعيم في الدلائل، وقد رويت عن حُبّيْش بن خالد الخزاعي القديدي أخي أم معبد
، كما رواها ابن سعد عن أبي معبد ، وابن السكن عن ام معبد والبزار، ولا غنى عن ذكرها في هذا
الموطىء، روى الطبراني والحاكم وصححه ، وابو نعيم ، وابو بكر الشافعي عن حبيش بن خالد
اخي أم معبد رضي الله عنهما، وابن السكن عن أم معبد: أن رسول اللّه ◌َل حين خرج من مكة
مهاجراً إلى المدينة هو وأبو بكر، ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة ودليلهم الليثي عبد الله بن الأريقط ،
مروا على خيمة ام معبد الخزاعية، وهي لا تعرفه ، وكانت بَرْزَةٌ [ وهي الكهلة التي لا تحتجب
احتجاب الشواب وهي مع ذلك عفيفة عاقلة تجلس للناس تحدثهم، من البروز وهو الظهور ].
جلدة [ قوية] تحتبي بفناء القبة ثم تسقي وتطعم ، فسألوها لحماً وتمراً ليشتروه منها ، فلم يصيبوا
عندها شيئاً من ذلك، وإذا القوم مرملون [ أي نفد زادهم ] مسنتون [ أي أجدبوا وأصابتهم سنة وقحط ].
فقالت والله لو كان عندنا شيء ما اعوزناكم، فنظر رسول اللّه ◌َّ إلى شاة في كِسْرٍ الخيمة [ أي
جانبها ] فقال : ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت : هي أجهد من ذلك .
قال : أتأذنين لي أن أحلبها ؟
قالت : بأبي أنت وأمي نعم ، ان رأيت بها حلباً فاحلبها، فوالله ما ضربها فحل قط[ أي ما ألقحها
فحل ] فشأنك بها .
فدعا بها رسول الله ﴿ فمسح بيدَهَ ضَرْعَهَا وظهرها، وسمِّى اللّه عز وجل ودعا لها في شاتها ،
فتفاجَّت [ فتحت ما بين رجليها للحلب ] عليه، ودرَّت، ودعا بإناء يربض [ يروي ] الرهط ، فحلب فيه
ثُجّأ [ كثيراً]، حتى علاه البهاء [ بريق الرغوة ]، ثم سقاها حتى رويت، ثم سقى أصحابه حتى رووا ،
ثم شرب # آخرهم، وقال: ((ساقي القوم آخرهم شرباً)). [ أخرجه الترمذي وابن ماجة ]، ثم حلب فيه
ثانية بعد بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها . فبايعها وارتحلوا عنها .
فقلُ ما لبث أن جاء زوجها أبو معبد ، يسوق أعنزاً عجافاً يتساوكن [ تتمايل من ضعفها] هزالاً ، فلما
رأى اللبن عجب فقال : من أين لك هذا اللبن يا أم معبد والشاة عازب ولا حلوب في البيت [ والشاة
العازب اي بعيدة المرعى لا تأوي المنزل في الليل ، ولا حلوب اي لا شاة تحلب ].
قالت : لا والله إلا أنه مرَّ بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا.
قال: صفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة [الحسن]، أبلج الوجه [مشرق ]،
٤٩٤

حسن الخلق ، لم تعِبْهُ ثجلة ، ولم تزري به صعلة ، وسيم قسيم، في عينيه دعج ، وفي أشفاره وطف
[ والأشفار جمع شفر وهو طرف جفن العين الذي ينبت عليه الشعر، والوطف : الطول ] وفي صوته
صحل [ خشونة حادة ]، وفي عنقه سطح، وفي لحيته كثاثة ، أزجُ أقرن ، ان صمت فعليه الوقار ، وإن
تكلم سمى وعلاه البهاء، اجمل الناس وأبهاه من بعيد ، وأحسنه وأحلاه من قريب ، حلو المنطق فصل لا
نزر، ولا هذر ، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ، ربعة لا تشنؤه من طول ، ولا تقتحمه عين من قصر
غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظراً وأحسنهم قدراً ، له رفقاء يحقُّون به ، إذا قال استمعوا لقوله ،
وإذا أمر تبادروا إلى أمره ، محفود [ الذي يخدمه أصحابه ويعظمونه ] محشود لا عابث ولا مُفَنَّد [ لا يُخَطَّأ
رأيه ].
قال أبو معبد : هو واللّه صاحب قريش، لقد هممت أن أصحبه ، ولأفعلنُّ إن وجدت الى ذلك
سبيلاً.
فأصبح صوت بمكة عالٍ يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه ، وهو يقول :
جَزَى اللَّهُ رَبُّ الناسِ خَيْرَ جزائِه
رفيقَيْن قَالا خَيْمَتَي أُمَّ مَعْبَدٍ
هما نزَلا بالبرِّ وارْتَخَلا به
فأفلح من أَمْسَىّ رفيقَ مُحَمَّدٍ
فَيَا لَقُصَيِّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمُ
به من فَعَالٍ لا تُجّارَى وسُودَدٍ
لِيّهْنِ بني كَعْبٍ مَقَامَ فتاتِهم
ومقعدها للمؤمنين بمَرْصَدٍ
سَلُوا أُخْتَكُمْ عن شاتها وإِنائها
فإنَّكُمُ إن تسأَلُوا الشاةَ تَشْهَدٍ
دعاها بشاةٍ حائلٍ فَتَحَلِّبَتْ
له بصريح ضَرَّةُ الشّاةِ مُزْبِدٍ
فغادرَهَا رَهْنَاً لديها لحالبٍ
يُردّدُها في مَصْدَرٍ ثم مَوْرِدٍ
وقد سجَّل شاعر العروبة والإسلام أحمد مُحَرَّم في ديوان مجد الاسلام هذا الحدث الجليل من
خيمة أم معبد فقال :
=
٤٩٥

= ما حديثٌ لأمّ معبدَ تَسْتَسْقِيه
ظـمـاى النفوس
سائل الشَّاةَ كيف دَرَّت وكانت
عذباً نميراً
الدُّرورا
ترجّی
لا
كزَّة الضّرع
زائراً أو ٠ مزورا
الأرض
أُمْمَ
قديرا
الجلال
فرد
ربّا
بركّاتُ السَّمح المؤمِّلِ يَقرى
سبحانك
مظهر الحق للنبوة
٤٩٦

باب
اجتيازه مع صاحبه بعبد يرعى غنماً
وما ظهر عند ذلك من آثار النبوة
حدّثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء ، قال : حدّثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق
ابن أيوب ، قال : أنبأنا محمد بن غالب ، قال : حدّثنا أبو الوليد ، قال : حدّثنا
عبيد الله بن إياد بن لقيط ، عن قيس بن النعمان، قال: لما انطلق النبي وَير،
وأبو بكر مستخفين مروا بعبد يرعى غنماً ، فاستسقياه اللبن فقال : ما عندي شاة
تحلب ، غير أن ههنا عناقاً حملت أول الشتاء ، وقد أخرجت وما بقي لها لبن ،
فقال ادع بها ، فاعتقلها النبي نَلز ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت ، قال :
وجاء أبو بكر بِمِجَنٌّ فحلب وسقى أبا بكر ثم حلب فسقى الراعي ، ثم حلب
فشرب فقال الراعي : بالله من أنت ؟ فوالله ما رأيت مثلك قط . قال : أو تراك
تكتم عليَّ حتى أخبرك ؟ قال : نعم ، قال : فإني محمد رسول الله ، فقال :
أنت الذي تزعم قريش أنه صابىء ؟ قال : أنهم ليقولون ذلك ، قال : فأشهد
أنك نبي وأشهد أن ما جئت به حق ، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي ، وأنا متبعك
قال إنك لن نستطيع ذلك يومك فإِذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا))(١).
(١) أخرجه أبو يعلى الموصلي عن جعفر بن حميد الكوفي ، عن عبد الله بن إياد بن لقيط، ونقله الحافظ
ابن كثير في البداية والنهاية (٣ : ١٩٤).
٤٩٧

باب
من استقبل رسول الله وَلَه وصاحبه
من أصحابه ، ثم استقبال الأنصار إياه
ودخوله ونزوله وفرح المسلمين بمجيئه والآيات
التي ظهرت في نزوله
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد ، قال : أخبرنا محمد بن عبد
الله بن عتاب ، قال : حدّثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة ، قال: حدّثنا
إسماعيل بن أبي أويس ، قال : حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، عن
عمه موسى بن عقبة، قال: ((ويقال لما دنا رسول الله وَالر، وأبو بكر من
المدينة ، وقدم طلحة بن عبيد الله من الشام ، خرج طلحة عامداً إلى مكة كما
ذكر له رسول الله وَ﴾ وأبو بكر، خرج إما متلقياً لهما، وإما عامداً عَمْدَهُ بمكة ،
معه ثياب أهداها لأبي بكر من ثياب الشام ، فلما لقيه أعطاه الثياب ، فلبس
رسول الله# منها وأبو بكر .
قال موسى بن عقبة : وزعم(١) ابن شهاب أن عروة بن الزبير [ قال: إن
الزبير ](٢) لقي رسول الله و10 في ركب من المسلمين كانوا تجاراً بالشام قافلين
إلى مكة، فعارضوا رسول الله وَلا، فكسا الزبير رسول اللهِ وَل﴾. وأبا بكر ثياباً
بيضاً .
قال: وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله وَل# من مكة فكانوا
(١) في (ص) و (هـ): ((ويزعم).
(٢) ساقطة من (ص).
٤٩٨

يغدون كل غداة إلى الحرة ينتظرون حتى يؤذيهم حر الظهيرة ، فانقلبوا يوماً فلما
أووا إلى بيوتهم أُوْفى (٣) رجل من يهود على أُطُمٍ (٤) لأمر ينظر إليه، فَبَصُرَ
برسول الله ◌َّ* وأصحابه يزول(٥) بهم السراب مُبَيِّضين(٦) فلم يملك اليهودي
نفسه(٧) أن صاح بأعلى صوته : يا معشر العرب(٨)! هذا صاحبكم الذي
تنتظرون، فثار المسلمون إلى سلاحهم، فَتَلَّقَّوْا رسول الله بَّه، فلقوه إلى بني
عمرو بن عوف ، وذلك يوم الاثنين لهلال شهر ربيع الأول .
فقام أبو بكر رضي الله عنه، فذكر الناس ، وجلس رسول اللّه وقليل صامتاً ،
فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يكن رأى رسول اللّه وَله يحسبه أبا بكر ، حتى
إذا أصابت الشمس رسول الله ﴿ أقبل أبو بكر حتى أَظَلَّ على رسول اللّهَ وَّل
بردائه، فعرف الناس عند ذلك رسول الله وَ ليم(٩).
ثم إن رسول اللّه وَّ مَرَّ بعبد الله بن أبيٍّ بن سلول وهو على ظهر
الطريق، وهو في بيت، فوقف عليه النبي ◌َّ ينتظر أن يدعوه إلى المنزل، وهو
يومئذ سيد الخزرج في أنفسها. فقال له عبد الله : انظر الذين دعوك فأنزل
عليهم ، فذكر رسول الله وَّ لنفرٍ من الأنصار وقوفه على عبد الله بن أبيِّ والذي
(٣) ( أَوْفِى ) = طلع إلى مكان عال، وأشرف منه على ما تحته.
(٤) ( الأطم) - الحصن ، ويقال : بناء من حجارة كالقصر.
(٥) ( يزول بهم السراب ) = أي : يرفعهم ، ويظهرهم ، وقال ابن حجر : أي يزول بسبب عروضهم له،
وفي بعض الروايات: ( يلوح بهم السراب ).
(٦) ( مُبَيَّضِينَ) = اي عليهم الثياب البيض التي كساهم إياها : الزبير أو طلحة.
(٧) ليست في (هـ).
(٨) وفي رواية: يا بني قَيْلة، وهي الجدة الكبرى للأنصار = والدة الأوس والخزرج . شرح المواهب
(١: ٣٥٠).
(٩) رواه الإمام احمد والشيخان عن أبي بكر، وسعيد بن منصور عن عبد الله بن الزبير ، وابن اسحق عن
عويم بن ساعده ، ويحيى بن الحسن عن عُمارة بن خزيمة.
٤٩٩

قال له : فقال له سعد بن عبادة : إنا والله يا رسول الله لقد كنا قبل الذي خصنا
الله به منك ، ومنَّ علينا بقدومك ، أردنا أن نعقد على رأس عبد الله بن أبي
التاج ، ونملكه علينا (١٠) .
فَعَمِدَ رسول الله وَّر بعد وقوفه على عبد الله بن أبي إلى بني عمرو بن
عوف ، ومعه أبو بكر الصديق ، وعامر بن فهيرة ، فنزل على كلثوم بن
الهِدْمِ(١١) ، وهو أحد بني زيد بن مالك ، وكان مسكنه في دار ابن أبي أحمد .
وقد كان قدم على بني عمرو بن عوف قبيل(١٢) قدوم رسول الله ێّر وبعده ناس
كثير من المهاجرين فنزلوا فيهم ، فعد أسماء النازلين والمنزلين .
ثم قال: ومكث رسول الله وَل في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال ،
ويقول بعض الناس : بل مكث أكثر من ذلك، واتخذ فيهم مسجداً ، وأسسه وهو
الذي ذكر في القرآن أنه أسس على التقوى(١٣).
ثم إن رسول اللّه وَل ركب يوم الجمعة فمر على بني سالم، فصلى فيهم
الجمعة ، وكانت أول جمعة صلاها رسول الله 18 بالمدينة (١٤) حين قدم
واستقبل بيت المقدس فلما أبصرته اليهود صلى إلى قبلتهم تذاكروا بينهم أنه
النبي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل .
(١٠) وفاء الوفا (١: ١٨٤)، ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣ : ١٩٩).
(١١) كلثوم بن الهدم: هو أبو قيس كلثوم بن الهدم بن الحارث بن زيد .. وكان شيخاً كبيراً، مات بعد
قدوم النبي 8# المدينة بشيء يسير، وهو اول من مات من الأنصار بعد قدوم النبي صل# ، وكان
لكلثوم بن الهِدْم مربد يبسط فيه التمر ليجف، فأخذه منه رسول الله ﴿ فاسَّسَهُ، وبناه مسجداً.
(١٢) (ص) و (هـ): ((قيل)).
(١٣) (المسجد أسس على التقوى من اول يوم) [ سورة التوبة - ١٠٨ ].
(١٤) سيرة ابن هشام (٢ : ١١٢).
٥٠٠