النص المفهرس
صفحات 441-460
وروينا عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب الزهري : أن مصعب بن عمير كان أول من جمع الجمعة بالمدينة للمسلمين قبل أن يَقْدَمَهَا رسول اللّه ◌ُعَجية)). وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال : حدثنا يونس ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل ، عن أبيه ، قال : حدثني عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، قال : كنت قائد أبي حين كف بصره فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان بها استغفر لأبي أمامة : أسعد بن زرارة ، فمكثت حيناً أسمع ذلك منه ، فذكرت ذلك له ، فقال : أيْ بُنََّّ : كان أسعد أول من جمع بنا بالمدينة قبل مقدم النبي محمد في هَزْمٍ (٢٣) من حَرَّةٍ بني بياضة ، في نقيع الخضِمات (٢٤) قلت وكم أنتم يومئذ؟ قال أربعون رجلا . قلت ويحتمل أن لا يخالف هذا قول ابن شهاب ، وكأنّ مصعب جمع بهم بمعونة أسعد بن زرارة فأضافه كعب إليه والله أعلم (٢٥). (٢٣) (الهزم): ((المنخفض من الأرض». (٢٤) اسم موضع . (٢٥) سيرة ابن هشام (١: ٤٢ - ٤٣)، وانظر في بيعة العقبة الأولى أيضاً: طبقات ابن سعد ( ١: ٢١٩) ط. بيروت، والطبري (٢: ٣٥٣) وما بعدها. ط - المعارف، وابن سيد الناس ( ١: ١٩٧)، وتاريخ الاسلام للذهبي (٢: ١٩٢)، والبداية والنهاية (٣: ١٤٥)، والنويري (١٦: ٣١٠)، والدرر لابن عبد البر (٦٧ ) . ٤٤١ باب ذكر العقبة الثانية (١) وما جاء في بيعة من حضر الموسم من الأنصار رسول الله ور على الإِسلام وعلى أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرىء الاسفرايني بها ، قال : أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق ، قال : حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي ، قال حدثنا عبد الأعلى بن حماد ، قال : حدثنا داود العطار ، قال : حدثنا ابن خُثَيْم ، عن ابن الزبير : محمد بن مسلم ، أنه حدثه جابر بن عبد الله الأنصاري ((أن رسول الله ﴾﴾ لبث عشر سنين يتبع الحاجَّ في منازلهم في المواسم: مجَنَّةً ، وعُكاط ، ومنازلهم بمنىٌّ من يُؤْويني وينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة ؟ فلا يجد أحداً يؤويه ولا ينصره ، حتى أن الرجل يرحل صاحبه من مصر أو اليمن فيأتيه قومه أو ذوو رحمه فيقولون : احذر فتى قريش لا يفتنُك ! يمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله عز وجل ، يشيرون اليه بأصابعهم ، حتى بعثنا الله عز وجل له من يثرب ، فيأتيه الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن ، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه ، حتى لم يبق دار من يثرب إلا وفيها رهط من المسلمين ، يظهرون الإِسلام . (١) أنظر العقبة الثانية: طبقات ابن سعد (١: ٢٢١)، تاريخ الطبري (٢: ٣٦١) وما بعدها ، وسيرة ابن هشام (٢ : ٤٧)، والدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر، (٦٨)، وتاريخ الاسلام للذهبي (٢: ٢٠٠)، والبداية والنهاية (٣: ١٥٠)، وابن سيد الناس (١ : ١٩٢)، والنويري (١٦ : ٣١٢) . ٤٤٢ ثم بعثنا الله عز وجل وائتمرنا واجتمعنا سبعين رجلاً منا فقلنا : حتى متى نَذَرُ رسول اللّهِ وَيَّ يطوف في جبال مكة ويخافُ ، فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم ، فواعدنا شعبَ العقبة فاجتمعنا فيه من رَجُل وَرَجُلَيْن ، حتى توافَيْنا عنده فقلنا : يا رسول الله! على ما نبايعك فقال بايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في اللّه لا تأخذكم فيه لومة لائم ، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب تمنعوني مما تمنعون منه (٢) أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ، ولكم الجنة . فقمنا نبايعه ، وأخذ بيده أسعد بن زرارة ، وهو أصغر السبعين رجلاً إلا أنا، فقال : رويداً يا أهل يثرب ! إِنَّا لم نضرب إليه أكبار المطيِّ إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، إن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة ، وقتل خياركم ، وإن تعضكم السيوف ، فإما أنتم قوم تصبرون على عض السيوف إذا مستكم ، وعلى قتل خياركم ، وعلى مفارقة العرب ، كافة فخذوه وأجركم على اللّه ، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله عز وجل ، فقلنا : أُمِطْ يدك يا أسعد بن زرارة ، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقبلها ، فقمنا إليه نبايعه رجلاً رجلا، يأخذ علينا شرطه، ويعطينا على ذلك الجنة))(٣). وحدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء ، قال : حدثني محمد بن إسماعيل المقرىء ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني ، قال : حدثنا يحيى بن سليمان ، عن ابن خثيم ، عن ٠ (٢) في (ص): ((به )). (٣) وأخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (٣ : ٣٣٩ - ٤٤٠). ٤٤٣ أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري فذكر الحديث بمعناه إلا أنه زاد في وسط الحديث قال (( فقال له عمه العباس يا ابن أخي لا أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤ وك !(٤) إني ذو معرفة بأهل يثرب فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين فلما نظر العباس في وجوهنا ، قال : هؤلاء قوم لا أعرفهم هؤلاء أحداث ، فقلنا يا رسول الله علام نبايعك)) فذكره . أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، قال : فحدثني مّعْبد بن كعب بن مالك بن القين ، أخو بني سلمة ، عن أخيه عبد اللّه، عن أبيه ، كعب بن مالك، قال: (( خرجنا في الحجة التي بايعنا فيها رسول اللّه وله بالعقبة مع مشركي قومنا، ومعنا البَرَاء ابن مَعْرور كبيرنا وسيّدنا، حتى إذا كنا بظاهر البيداء ، قال : يا هؤلاء ! تعلَمُنَّ ، أني قَدْ رأيتُ رأياً، والله ما أدري توافقون عليه ، أم لا ؟ فقلنا : وما هو يا أبا بشر؟ قال : إني قد أردت أن أصلي إلى هذه البَنِيَّة، ولا أجعلها مِنِّي بِظَهْرٍ(٥). فقلنا: لا، والله لا تفعل. والله ما بلغنا أن نبينا ولار يصلي إلا إلى الشام(٦)، قال : فإني وَاللّه لمصلِّ إليها ، فكان إذا حَضَرَتِ الصلاة توجه إلى الكعبة ، وتوجهنا إلى الشام . حتى قَدِمْنا مكةٍ ، فقال لي البراء : يا ابن أخي ! انطلق بنا إلى رسول اللّهَ ا، حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا، فلقد وجدت في نفسي منه (٤) في (ح): ((ما هذا القوم الذي جاءوك))، وأثبت ما في (ص) و(هـ) ، وهو موافق لسياق الحديث كما ورد في مسند الإمام أحمد (٣ : ٣٣٩). (٥) يعني الكعبة . (٦) في السيرة لابن هشام (٢: ٤٧): زيادة: ((وما نريد أن نخالفه)). ٤٤٤ بخلافكم إياي. قال فخرجنا نسأل(٧) عن رسول الله مح له، فلقينا رجلا بالأبطح(٨)، فقلنا : هل تدلنا على محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ؟ فقال : وهل تعرفانه إن رأيتماه ؟ فقلنا : لا ، والله ما نعرفه . ولم نكن رأينا رسول اللّه الشهير، فقال : فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب ؟ فقلنا : نعم ، وقد كنا نعرفه : كان يختلف الينا بالتجارة ، فقال : فإذا دخلتما المسجد فانظرا العباس ، فهو الرجل الذي معه . قال: فدخلنا المسجد فإذا رسول اللّهالمحليه والعباس ناحية المسجد جالسين ، قال : فسلمنا ، ثم جلسنا، فقال رسول اللّه ولو للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل ؟ قال : نعم ، هذا البراء بن مُعْرور سيد قومه ، وهذا كعب بن مالك ، فوالله ما أنسى قول رسول اللّه ◌ِوَليّ ((الشاعر)) ؟ قال : نعم ، فقال له البراء : يا رسول الله ! إني قد كنت رأيت في سفري هذا رأياً ، وقد أحببت أن أسألك عنه لتخبرني عما صنعت فيه ، قال : وما ذاك ؟ قال : رأيت أن لا أجعل هذه البَنِيَّة منّي بظهر، فصليت إليها. فقال له رسول اللّه الات: ((قد كنت على قبلة، لو صبرت عليها))، فرجع إلى قبلة رسول الله و له، وأهله يقولون: قد مات عليها(٩)، ونحن أعلم به، قد رجع إلى قبلة رسول اللّه ول وصلى معنا إلى الشام . (٧) في (ح): ((نسل)). (٨) عند ابن هشام: ((فلقينا رجلاً من أهل مكة)). (٩) في سيرة ابن هشام: ((وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات ، وليس ذلك كما قالوا ، نحن أعلم به منھم ، وقال عَوْن بن أيوب الأنصاري : .وَمِنَّا المُصَلِّي أَوَّلّ النَّاسِ مُقْبِلاً عَلَى كَعْبَةِ الرَّحْمْنِ بَيْنَ المَشْاعِرِ يعني : البراء بن المعرور، وهذا البيت في قصيدة له )). ٤٤٥ ثم قد واعدنا رسول اللّه ه# العقبة أوسط أيام التشريق ، ونحن سبعون رجلًا للبيعة ، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حَرَام أبو جابر، وإنه لعلى شركه ، فأخذناه فقلنا يا أبا جابر : والله إنا لنرغب بك أن تموت على ما أنت عليه فتكون لهذه النار غداً حطباً، وإن اللّه قد بَعَثَ رسولاً يأمر بتوحيده وعبادته ، وقد أسلم رجال من قومك، وقد واعدنا رسول الله بَّلٌ للبيعة، فأسْلم وَطَهِّرَ ثيابه وحضرها معنا ، فكان نقيباً . فلما كانت الليلة التي واعدنا فيها رسول الله وسل ◌ّ بمنى أول الليل مع قومنا فلما استثقل الناس في النوم تسللنا من قريش تسلُّلَ القَّطا ، حتى إذا اجتمعنا بالعقبة، فأتانا رسول الله بُّل وعمه العباس(١٠) ليس معه غيره، أحب أن يَحْضّر أَمْرَ ابن أخيه ، فكان أول متكلم ، فقال : (( يا معشر الخزرج - وإنما كانت العرب تسمي هذا الحي من الأنصار - أوسها وخزرجها - : إن محمداً منا حيث قد علمتم ، وهو في منعة (١١) من قومه وبلاده قد منعناه ممن هو على مثل رأينا فيه ، وقد أبى إلا الانقطاع إليكم وإلى ما دعوتموه إليه ، فإن كنتم تَرَوْنَ أنكم وافون له بما دعوتموه فأنتم وما تحملتم ، وإن كنتم تخشون من أنفسكم خذلانا فاتركوه في قومه فإنه في مَنْعَةٍ من عشيرته وقومه(١٢) . فقلنا قد سمعنا ما قلت، تكلم يا رسول الله (١٣)، فتكلم رسول الله دولار ، ودعا إلى الله عز وجل، وتلا القرآن، ورَغَّبَ في الإِسلام ، فأجبناه بالإِيمان به (١٠) في السيرة: ((وهو يومئذ على دين قومه)). (١١) ابن هشام: ((وقد منعناه من قومنا)). (١٢) ابن هشام: ((فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده)). (١٣) ابن هشام: ((فخذ لنفسك ولربك ما أحببت)). ٤٤٦ والتصديق له ، وقلنا له : يا رسول الله ! خذ لربك ولنفسك، فقال : إني أبايعكم على أن تمنعوني مما منعتم منه أبناءكم ونسائكم)). فأجابه البراء بن معرور (١٤) فقال : نعم والذي بعثك بالحق مما تمنع منه أُزُرَنا ، (١٥) فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحرب وأهل الحلْقَة (١٦)، ورثناها كابراً عن كابر . فعرض في الحديث(١٧)، أبو الهيثم بن النِّيَّهان ، فقال: يا رسول الله أن بيننا وبين أقوام حبالاً، وإنا قاطعوها ، فهل عَسَيْتَ إن الله أظهرك أن ترجع إلى قومك وتدعنا(١٨)؟ فقال رسول الله مَّه: ((بل الدَّمُ الدَّمُ، والهَدْمُ الهَدْمُ (١٩) أنا مِنْكُم، وَأَنْتُم مني: أَسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ، وَأُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ))(٢٠). ١ (١٤) ابن هشام: ((بيده فقال)). (١٥) أزرنا : نساءنا، والمرأة يكنى عنها بالإِزار . (١٦) الحَلْقَة : السلاح عاماً . (١٧) ابن هشام: ((فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله صل: أبو الهيثم بن النَّيِّهان)). (١٨) ابن هشام: ((يعني اليهود)). (١٩) في الروض الأنف: ((قال ابن قتيبة : كانت العرب تقول عند عقد الحلف والجوار : دمي دمك ، وهدمي هدمك ، أي : ما هدمت من الدماء هدمته أنا . ويقال أيضاً : اللدم اللدم والهدم الهدم ، وأنشد : * ثمَّ الْحَقِي بِهَدَمِي وَلَّدَمِي * فاللدم جمع لادم ، وهم أهله الذين يلتدمون عليه إذا مات ، وهو من لدمت صدره إذا ضربته ، والهدم : قال ابن هشام : الحرمة ، وإنما كني عن حرمة الرجل وأهله بالهدم لأنهم كانوا أهل نجعة وارتحال ولهم بيوت يستخفونها يوم ظعنهم ، فكلما ظعنوا هدموها ، والهدم ( بالتحريك ) بمعنى المهدوم . كالقبض بمعنى المقبوض ، ثم جعلوا الهدم وهو البيت المهدوم عبارة عما حوى .. ثم قال : هدمي هدمك : أي رحلتي مع رحلتك ، أي لا أظعن وأدعك)) اهـ . (٢٠) سيرة ابن هشام (٢: ٤٧ - ٥١)، وعنه الطبري (٢ : ٣٦٢). ٤٤٧ فقال له البراء بن معرور : ابسط يدك يا رسول اللّه نبايعك ، فقال رسول الله الله: ((أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً))، فأخرجوهم له. فكان نقيب بني النجار : أسْعَد بن زرارة . وكان نقيب بني سلمة : البراء بن معرور ، وعبد الله بن عمرو بن حرام . وكان نقيب بن ساعدة : سعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو . وكان نقيب بني زريق : رافع بن مالك بن العجلان . وكان نقيب بني الحارث بن الخزرج : عبد الله بن رواحة ، وسعد بن الربيع . وكان نقيب القوافل(٢١) بني عوف بن الخزرج : عبادة بن الصامت ، وفي الأوس من بني عبد الأشهل : أسيد بن حضير، وأبو الهيثم بن التيهان . وكان نقيب بني عمرو بن عوف ، سعد بن خيثمة ، فكانوا اثني عشر نقيباً : تسعة من الخزرج ، وثلاثة من الأوس . قال فأخذ البراء بن معرور بيد رسول الله # فضرب عليها ، وكان أول من بايع ، وتتابع الناس فبايعوا ، فصرخ الشيطان على العقبة بأبعد - والله - صوت ما سمعته قط : فقال يا أهل الجباجب هلَّ لكم في مذمَّم ما يقول محمد والصُّبَّاءُ(٢٢) معه قد اجتمعوا على حربكم. فقال رسول الله وَّ: «هذا أَزَبُّ العقبة ، هذا ابن أُزَيْب(٢٣) أما والله لأفرغنَّ لك، ارفَضُّوا (٢٤) إلى رحالكم))، (٢١) في (ص): ((القلاقل))، وهو تحريف . (٢٢) الصباء : جمع صابىء . (٢٣) قال ابن الأثير: ((هو شيطان اسمه: أزب الكعبة))، وقيل : الإزب : القصير الدميم . (٢٤) ( ارفضوا إلى رحالكم ) : تفرقوا إليها . ٤٤٨ فقال العباس بن عُبادة بن نَضْلة أخو بني سالم : يا رسول الله ! والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلنَّ غداً على أهل مِنَّى بأسيافنا، فقال رسول اللّهِ وَال ◌َر: (« إنا لم نؤمر بذلك، ارفَضُّوا إلى رحالكم))، فرجعنا إلى رحالنا فاضطجعنا على فرشنا . فلما أصبحنا أقبلت جِلَّة من قريش فيهم : الحارث بن هشام فتى شاب وعليه نعلان جديدان ، حتى جاءونا في رحالنا ، فقالوا : يا معشر الخزرج ! إنه قد بلغنا أنكم جئتم إِلى صاحبنا لتستخرجوه من بين أظهرنا ، وإِنه والله ما من العرب أحد أبغض إلينا أن ينشب الحرب فيما بيننا وبينهم منكم ، فانبعث مَنْ هناك من قومنا من المشركين يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شيء وما فعلناه ، وأَنا انظر إلى أبي جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام ، وهو صامت ، وأَنا صامت ، فلما تَثَوَّرَ القوم لينطلقوا ، قلت كلمة كأني أشركهم في الكلام : يا أبا جابر أنت سيد من سادتنا وكهل من كهولنا لا تستطيع أن تتخذ مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ فسمعه الفتى فخلع نعليه فرمى بهما إِليَّ، وقال: والله لتلبسنهما، فقال أبو جابر: مَهْلًا أَحْفَظْتَ لعمر الله الرجل ، يقول أخجلته : آردد عليه نعليه ، فقلت: والله لا أردهما، فَأَلٌ صالحٌ : والله إني لأرجو أن أَسْلُبَّه(٢٥) . قال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، قال : ثم انصرفوا عنهم وأتوا عبد الله بن أبي، فسألوه ، وكلموه، فقال : إن هذا الامر جسيم، وما كان قومي لِتَفَوَّتوا عليّ بمثله، فانصرفوا عنه)) (٢٦). وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري ، قال : أخبرنا الحسن بن محمد (٢٥) سيرة ابن هشام ( ٢ : ٥٧ ) . (٢٦) السيرة لابن هشام (٢ : ٥٧ ). ٤٤٩ ( م ١٥ - دلائل النبوة حـ ٢) ابن إسحاق ، قال : حدثنا يوسف بن يعقوب ، قال : حدثنا نصر بن علي ، قال : حدثنا وهب جرير بن حازم ، قال : حدثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق ، فذكر هذه القصة بإسناد يونس بن بكير عن ابن إسحاق ومعناه . وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق، قال : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم: أن العباس بن عبادة بن نضلة: أَخا بني سالم، قال: (( يا معشر الخزرج! هل تدرون على ما تبايعون رسول الله وَله: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود ، فإن كنتم ترون أنها إذا نهكت أموالكم مُصِيبَةٌ، وأشرافكم قَتْلًا : أَسلمتموه ، فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة ، وإن كنتم ترون أنكم مستضلعون له وافون له بما عاهدتموه عليه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فهو واللّه خير الدنيا والآخرة . قال عاصم: فوالله ما قال العباس هذه المقالة إلا ليشتد لرسول الله صل بها العقد . وقال عبد الله بن أبي بكر ما قالها إلا ليؤخِّرَ بها أمر القوم تلك الليلة ليشهد عبد الله بن أبي أمرهم فيكون أقوى لهم)). أخبرنا أبو الحسين بن بشران ببغداد قال أخبرنا أبو عمرو بن السماك قال حدثنا حنبل بن إسحاق، قال : حدثنا أبو نعيم الفضل بن دُكَيْن ، قال : حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن عامر، قال: ((انطلق النبي ◌َلّ معه العباس عمه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة ، قال : ليتكلم متكلمكم ولا يطيل الخطبة فإِن عليكم من المشركين عيناً وإن يعلموا بكم يفضحوكم ، فقال قائلهم وهو أبو أمامة : سل يا محمد لربك ما شئت، ثم سل لنفسك بعد ذلك ما ٤٥٠ شئت ، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ، ذلك، قال: أسلكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأسلكم لنفسي ولأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم، قالوا : فمالنا إذا فعلنا ذلك ؟ قال لكم الجنة قالوا فلك ذلك)). أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، قال أخبرنا أبو عبد الله : محمد ابن يعقوب، قال : حدثنا محمد بن عبد الوهاب، قال : أخبرنا جعفر بن عون ، قال: أخبرنا زكريا بن أبي زائدة، عن عامر، قال: ((انطلق رسول الله وَل ومعه العباس وكان ذا رأي إلى السبعين من الأنصار ليلاً على العقبة تحت الشجرة . فذكر الحديث بنحوه وزاد : قال : فسمعت الشعبي يقول فما سمع الشيب ولا الشبان خطبة أقصر ولا أبلغ منها . وأخبرنا أبو الحسين بن بشرأن ، قال : أخبرنا أبو عمرو بن السماك، قال : حدثنا حنبل بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو عبد الله يعني أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا يحيى بن زكريا، قال : حدثني مجالد، عن عامر، عن أبي مسعود الأنصاري بنحوه ، قال : وكان أبو مسعود أصغرهم سناً . وأخبرنا أبو الحسين بن بشران قال أخبرنا أبو عمرو بن السماك ، قال : حدثنا حنبل بن إسحاق، قال : حدثني أبو عبد الله ، قال : حدثنا يحيى ، قال : حدثنا اسماعيل بن أبي خالد ، قال : سمعت الشعبي ، يقول : ما سمع الشيب والشبان خطبة مثلها . أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الفقيه ، قال : أخبرنا محمد بن إبراهيم بن الفضل الفحام ، قال : حدثنا محمد بن يحيى الذهلي ، قال : حدثنا عمروبن عثمان الرقي ، قال : حدثنا زهير ، قال : حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة ، عن أبيه: عبيد بن رفاعة، قال : قَدِمَتْ رَوَایَا ٤٥١ خَمْرٍ فأتاها عبادة بن الصامت فحرقها(٢٧) وقال: أنا بايعنا رسول الله وَّر على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم وعلى أن ننصر رسول الله وسلم إذا قدم علينا يثرب بما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة. فهذه بيعة رسول الله وَّلإر بايعناه عليها . أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال : حدثنا يونس ، عن ابن إِسحاق، قال : حدثني عبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت، عن أبيه ، عن جده: عبادة بن الصامت، قال (( بايعنا رسول اللّه وَالر بيعة الحرب على السمع والطاعة في : عسرنا ، ويسرنا ، ومنشطنا ، ومكرهنا ، وأثرةٍ علينا ، يقول: وإن استؤثر عليكم وقومي يلومونني على هذا الحرف، فقلت : والله لأحدثنك ما سمعت أبي يحدثني ولا تنازعن الأمر أهله وأن تقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم )». قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم ((أن رسول الله وَة- قال لأسعد بن زرارة أنت على قومك بما فيهم وأنا على باقي قومي كفالةٌ ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم عليه السلام)). وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر ، قال : حدثنا يعقوب بن سفيان ، قال : حدثنا الحسن بن الربيع ، قال : حدثنا ابن إدريس، عن إسحاق، قال: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم: ((أَن رسول اللّه ◌َ اير قال لهم ابعثوا لي منكم اثني عشر نقيباً كفلاء على قومهم فيما كان منهم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم عليه السلام ، فقال أسعد بن زرارة أحد (٢٧) في (هـ): فَخَرِّقَها )). ٤٥٢ بني النجار: نعم يا رسول الله فقال رسول الله وَلّم وأنت نقيب على قومك فبايعوا رسول الله ◌َ وأخذ منهم أثنى عشر نقيباً ثم سماهم)) كما مضى في روايته عن معبد بن كعب بن مالك وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر، قال : حدثنا يعقوب بن سفيان، قال : حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا مالك ، قال: ((كان أسيد بن حضير أحد النقباء وكانت الأنصار منهم اثنا عشر نقيباً وكانوا سبعين رجلاً)). قال مالك : فحدثني شيخ من الأنصار (( أن جبريل عليه السلام كان يشير له إِلى من يجعله نقيباً، قال مالك : كنت اعجب كيف جاء من كل قبيلة رجلان ، ومن قبيلة رجل، حتى حدثني هذا الشيخ أن جبريل عليه السلام كان يشير اليهم يوم البيعة ، يوم العقبة ، قال لي مالك : عدة النقباء اثنا عشر رجلاً تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس ))(٢٨) . أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، قال : أخبرنا أبو بكر بن عتاب، (٢٨) قال ابن عبد البر في: الدرر في اختصار المغازي والسير ص ( ٧١ ): وكان المبايعون لرسول الله وي تلك الليلة سبعين رجلاً وامرأتين. واختار رسول اللّه و القر منهم اثنى عشر نقيباً ، وهم : أسعد بن زرارة بن عُدَس أبو أمامة، وهو أحد الستة ، وأحد الإثني عشر، وأَحد السبعين ، وسعد بن الربيع ، وعبد الله بن رواحة ، ورافع بن مالك بن العَجْلان وهو أيضاً أُحد الستة وأُحد الاثني عشر وأحد السبعين ، والبراءُ بن مَعْرور ، وعبد الله بن عمرو بن حرام ، وسعد بن عبادة بن دُليم ، والمنذر ابن عمرو بن ◌ُخُنِيس ، وعبادة بن الصامت وهو أحد الستة في قول بعضهم ، وأحد الاثني عشر وأحد السبعين . فهؤلاء تسعة من الخزرج ، وثلاثة من الأوس : أُسَيْد بن حُضَيْر ، وسعد بن خَيْئمة بن الحارث ، ورفاعة بن عبد المنذر . وهؤلاء هم النقباءُ . وقد أسقط قوم رفاعة بن عبد المنذر منهم ، وعدّوا مكانه أبا الهيثم بن النَّيْهان ، والله أعلم . ٤٥٣ قال : حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة الجوهري ، قال حدثنا ابن أبي أوس ، قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة . (ح) وأخبرنا أبو الحسين ، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر ، قال : حدثنا يعقوب بن سفيان ، قال حدثنا إِبراهيم بن المنذر ، عن ابن فليح ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، قال : وحدثنا يعقوب قال وذكر حسان بن عبد الله ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الأسود، عن عروة ، وهذا لفظ حديثه، عن ابن عتاب ، قال : ((ثم حج العام المقبل من الأنصار سبعون رجلاً منهم أربعون رجلاً من ذوي أسنانهم ، وثلاثون من شبابهم أصغرهم عقبة بن عمرو بن ثعلبة ، وهو أبو مسعود، وجابر بن عبد الله ، فلقوه بالعقبة ومع رسول الله وَّيقر العباس بن عبد المطلب فلما أخبرهم رسول اللّه ◌َّهُ بالذي خَصَّهُ الله عز وجل به من النبوة، والكرامة، ودعاهم إلى الإِسلام، وإلى أن يبايعوه على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم، أجابوا الله ورسوله ، وصدقوه ، وقالوا : اشترط علينا لربك عز وجل ولنفسك ما شئت ، فقال رسول الله صل#: أشترط لربي أن لا تشركوا به شيئاً ، واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون من أنفسكم وأموالكم ، فلما اطمأنت بذلك أنفسهم من الشرط اخذ عليهم العباس بن عبد المطلب المواثيق لرسول اللّهِ وَّر بالوفاء، وعظّم العباس الذي بينهم وبين رسول الله وَّ، وذكر أن أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو بن زيد بن عديّ بن النجار ، وذكر الحديث في مبايعة أبي الهيثم بن التيهان له أولاً، وما قال وما أجابه رسول الله وَّر بمعنى ما مضى في رواية ابن إسحاق ، ثم ذكر أسماء الذين بايعوه رضي الله عنهم ، قال عروة : فجميع من شهد العقبة من الأوس والخزرج سبعون رجلاً وامرأة))(٢٩) . (٢٩) في سيرة ابن هشام أنهم كانوا ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين ، وعند ابن سعد : أنهم كانوا سبعين يزيدون رجلاً أو رجلين . ٤٥٤ وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ : قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق، قال: (( فجميع من شهد العقبة من الأوس والخزرج وأفناء القبائل سبعون رجلًا وامرأتان من بني الخزرج إحداهما أم عمارة وزوجها وابناها فجميع أصحاب العقبة مع المرأتين خمسة وسبعون نفساً))(٣٠). وسماهم ابن إسحاق وذكرهم ههنا مما يطول به الكتاب(٣١). قال ابن إسحاق: ((فلما تفرق الناس عن بيعة رسول الله وسلم ليلة العقبة ، وكان الغد فتشت قريش عن الخبر والبيعة فوجدوه حقاً ، فانطلقوا في طلب القوم ، فأدركوا : سعد بن عبادة وَأَقْلَتَهُم منذر بن عمرو، فشدوا يدي سعد إِلى عنقه بنسعة(٣٢) ، وكان ذا شعر كثير، فطفقوا يجبذونه بجمته ، ويصكونه ، ويلكزونه إلى أن جاء مطعم بن عدي ، والحارث بن أمية وكان سعد يجيرهما إذا قدما المدينة حتى أطلقاه من أيديهم وخليا سبيله)) (٣٣). وبهذا الإِسناد عن ابن إِسحاق ، قال : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال: (( كانت حواء بنت زيد بن السكن ، عند قيس بن عبيد الخطيب ، كذا قال وإنما هو ابن الخطيم بالمدينة ، وكانت أمها عقرب بنت معاذ أُخت سعد بن معاذ، فأسلمت حواء ، فحسن إسلامها ، وكان زوجها قيس على كفره ، فكان يدخل عليها وهي تصلي، فيؤذيها، وكان لا يخفي على رسول الله وَ # بمكة أمر يكون بالمدينة إلا بلغه وأخبر به . (٣٠) سيرة ابن هشام (٢: ٦٣) و (٢ : ٧٤). (٣١) أسماؤهم عند ابن هشام على حسب القبائل (٢ : ٦٤ - ٧٥)، ورتبهم الصالحي مصنف السيرة الشامية أبجدياً على الأحرف (٣: ٢٩٣ - ٣٠٧). (٣٢) النسع : الشراك الذي يشد به الرحل . (٣٣) سيرة ابن هشام (٢ : ٥٨ - ٥٩). ٤٥٥ قال قيس فقدمت مكة في رهط من مشركي قومي حُجَّاجاً، فبينا نحن إذ جاء رجل يسأل عني فدُلَّ عليّ فأَتاني فقال أَنت قيس قلت نعم قال زوج حواء قلت نعم قال فمالك تعبث بامرأتك وتؤذيها على دينها فقلت : إني لا أفعل قال فلا تفعل ذلك بها دعها لي ، قلت: نعم، فلما قدم قيس المدينة ذكر ذلك لامرأته وقال فَشَانُكِ بدينك فوالله ما رأيته إلا حَسَنَ الوجه حَسَنَ الهيئة . وبهذا الإِسناد عن ابن إسحاق قال : كان معاذ بن عمرو بن الجموح قد شَهِدَ العقبة، وبايع رسول الله وَ﴾ بها ، وكان عمرو سيداً من سادات بني سلمة ، وكان قد اتخذ في داره صنماً من خشب يقال له : منافة فلما أسلم فتيان بني سلمة معاذ بن جبل وابنه معاذ بن عمرو وغيرهما كانوا يدخلون بالليل على صنم عمرو فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة ، وفيها عِذَرُ الناس منكساً على رأسه ، فإذا أصبح عمرو، قال : ويلكم من عدا على إلهنا في هذه الليلة ، ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وَجده غسله وطهره وطيبه ، ثم قال : أما والله لو أعلم من يصنع هذا بك لأحرقه ، فإِذا أمسى وقام عمرو عدوا عليه ففعلوا به مثل ذلك ، وفعل مرات ، فلما ألحوا عليه استخرجه من حيث ألقوه فغسله وطهره وطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ، ثم قال : إِني والله ما أعلم من يصنع بك ما ترى فإن كان فيك خير فامتنع، فهذا السيف معك، فلما أمسوا ونام عدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه ، ثم أخذوا كلباً ميتاً، فعلقوه ، وقرنوه بحبل ، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عِذّرُ الناس، وغدا عمرو فلم يجده ، فخرج يتبعه حتى وجده في البئر منكساً مقروناً بكلب ميت ، فلما رآه أبصر شأنه وكلمه من أسلم من قومه، فأسلم عمرو بن الجموح ، فحسن إسلامه ، فقال عمرو حين أسلم، وعرف من الله ما عرف وهو يذكر صنمه ذلك : تالله (٣٤) لو كنتَ إلها لم تَكُنْ أَنْت وكلبٌ وَسْطَ بئر فِي قَرَنْ (٣٥) (٣٤) ابن هشام: ((والله )). (٣٥) القرن : الحبل . ٤٥٦ الآن فتشناكَ عن سوءِ الْغَبَنْ (٣٧) أف لمصرعك (٣٦) إلهاً مُسْتَدَنْ الواهِبِ الرِّزَّاق ودِيَّان الدِّيَنْ الحمد لله العليِّ ذي المنن أكون في ظلمة قبر مرتهن هو الذي أنقذني من قبل أن بأحمد المهدي النبي المؤتمن(٣٨) (٣٦) ابن هشام: ((أنَّ لملقاك)). (٣٧) مستدن : ذليل ، والغبن يكون في الرأي ، وهو سفاهة الرأي . (٣٨) الزيادة من سيرة ابن هشام، والخبر عنده ( ٢ : ٦١ - ٦٣ ). ٤٥٧ باب من هاجر من أصحاب النبي ◌َّ إِلى المدينة حين أريها دار هجرته قبل نزول الإِذن له بالخروج حدثنا أبو عبد الله الحافظ : إملاءً، قال حدثنا أبو العباس : القاسم بن القاسم السياري بمرو، قال : حدثنا إبراهيم بن هلال ، قال : حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، قال : حدثنا عيسى بن عُبَيْد الكندي، عن غيلان بن عبد الله العامري، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جرير: ((أن النبي 98*، قال : إِن اللّه تعالى أوحى إليّ أي هؤلاء البلاد الثلاث نزلت فهي دار هجرتك : المدينة ، أَو البحرين ، أَو قُنَّسْرِينٌ، قال أهل العلم ثم عزم له على المدينة فأمر أصحابه بالهجرة إليها))(١). أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل القطان ، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر، قال : حدثنا يعقوب بن سفيان ، قال : حدثنا الحجاج بن أبي منيع ، (١) أخرجه الترمذي في: ٥٠ - كتاب المناقب (٦٨) باب في فضل المدينة، الحديث (٣٩٢٣)، صفحة ( ٥ : ٧٢١)، وقال : هذا حديث غريبٌ لا نعرفه إلا من حديث الفضل بن موسى. وفي سند الحديث : غيلان بن عبد الله العامري ، ذكره ابن حبان في الثقات ( ٧ : ٣١١) ، وقال : ((يروي عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير حديثاً منكراً، وروى عنه: عيسى بن عبيد، قال: ان الله أوحى إليّ أن دار هجرتك بالمدينة ))اهـ. والحديث أيضاً عند البخاري في ((التاريخ الكبير)) ( ٤ : ١ : ١٠٥)، ونقله ابن حجر في التهذيب (٨: ٢٥٤). ٤٥٨ قال: حدثنا جدي ، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: ((قال النبي * وهو يومئذ بمكة للمسلمين: قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرتِكم: أريتُ سَبْخَةً (٢) ذات نخلٍ بين لَابَتَيْنِ(٣)، وهما الحرَّتان ، فهاجَرَ من هاجر قِبَل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله ومحمد، ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجَرَ إلى أرض الحبشة من المسلمين ، وتجهز أبو بكر رضي الله عنه مهاجراً، فقال له رسول الله ض#1: على رِسْلِكَ فإني أرجو أن يؤذن لي ، فقال أبو بكر وترجو ذلك بأبي أنت وأمي ؟ قال: نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه وَالله ليصتحبه، وعلف راحلتين عنده ورق السَّمُر(٤) أربعة أشهر)). أخرجه البخاري(٥) في الصحيح من حديث عقيل وغيره عن الزهري أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، قال : أخبرنا أبو بكر بن عتاب ، قال : أخبرنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة ، قال : حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة (ح) . وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل ، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان ، ، قال : حدثنا إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب، وهذا لفظ حديث إسماعيل بن إبراهيم، قال: ((فلما اشتدوا على رسول الله صل والمسلمين ، أمرهم رسول اللّه ◌َّ بالخروج إلى المدينة، فخرجوا أرسالاً(٦) فخرج منهم قبل خروج رسول (٢) سبخة : الأرض تعلوها الملوحة ، ولا تكاد تنبت شيئاً ، إلا بعض الشجر . (٣) بين لابتين : الأرض فيها حجارة سود كأنها احترقت بالنار ، وكذلك الحرّة . (٤) ورق السمر : شجر الطلح . (٥) أخرجه البخاري في: ٣٩ - كتاب الكفالة (٤) باب جوار أبي بكر في عهد النبي ◌َه وعَقْدِهِ، فتح الباري ( ٤ : ٤٧٥ - ٤٧٦ ) . (٦) أرسالاً : جماعات . ٤٥٩ الله = إلى المدينة: أبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية (٧)، وعامر بن ربيعة، وامرأته أم عبد الله بنت أبي حثمة ، ويقال: أول ضعينة(٨) قدمت المدينة أم سلمة. ويقول بعض الناس أم عبد الله - والله أعلم . ومصعب بن عمير ، (٩) وعثمان بن مظعون ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعبد الله بن جحش، وعثمان بن الشريد، وعمار بن ياسر . فنزل أبو سلمة وعبد الله بن جحش في بني عمرو بن عوف. ثم خرج عمر بن الخطاب ، وعياش بن أبي ربيعة في أصحاب لهم ، فنزلوا في بني عمرو بن عوف، فطلب أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام والعاص بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وهو أخوهم لأمهم ، فقدموا المدينة فذكروا له حزن أمه وقالوا له : إنها حلفت لا يظلها سقف بيت ، ولا يمس رأسها دهنٌ حتى تراك، ولولا ذلك لم نطلبك فنُذَكِّرك اللّه في أمك ، وكان بها رحيماً وكان يعلم من حبها إياه ورأفتها به، فصدق قولهم ورق لها، ولما ذكروا له منها أبى أن يتبعهما حتى عقد له الحارث بن هشام عقداً، فلما خرجا به أوثقاه فلم يزل هنالك حتى خرج مع من خرج قبل فتح مكة، وكان رسول الله وص# يدعو له بالخلاص . قال : وخرج عبد الرحمن بن عوف، فنزل على سعد بن الربيع ، في بني الحارث بن الخزرج . وخرج عثمان بن عفان ، وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام ، وطائفة أخرى . (٧) ابن عبد البر في الدرر: ((وحُبِسّتْ عنه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بمكة نحو سنة ، ثم أذن لها في اللحاق بزوجها فانطلقت مهاجرة ، وشيعها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة وهو كافر إلى المدينة)). (٨) الظعينة : المرأة في الهودج . (٩) في بعض الروايات أنه أول من هاجر . ٤٦٠