النص المفهرس

صفحات 401-420

للناس ، وَجَعل أمتي أمة وسطاً ، وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون ، وشرح
صدري ، ووضع عني وزري ، ورفع لي ذكرى وجعلني فاتحاً وخاتماً .
فقال إبراهيم : بهذا فَضَلَكم محمد .
قال : ثم أتى بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها : فأتى بإناء منها فيه ماء ، فقيل
له : اشرب فشرب منه يسيراً ، ثم رفع إليه إناء آخر فيه لبن فشرب منه حتى
روي ، ثم رفع إليه إناء آخر فيه خمر ، فقال : قد رويت لا أريده ، فقيل له :
قد أصبت ؛ أما إِنها ستحرم على أمتك ، ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا
قليلا ، قال : ثم صعد به إلى السماء)).
فذكر الحديث بنحو مما رويناه في الأحاديث السابقة إلى أن قال :
(( ثم صعد إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل : من هذا ، قال :
محمد ، قالوا : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم ، قالوا : حياه الله من أخ وخليفة ،
فنعم الأخ ، ونعم الخليفة ، ونعم المجيء جاء ، فدخل فإذا برجل أشمط جالس
على كرسي عند باب الجنة وعنده قوم بيض الوجوه وقوم سود الوجوه ، وفي
ألوانهم شيء ، فأتوا نهراً فاغتسلوا فيه ، فخرجوا منه وقد خلص من ألوانهم
شيء، ثم إنهم أتوا نهراً آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء
ثم دخلوا النهر الثالث فخرجوا وقد خلصت من ألوانهم مثل ألوان أصحابهم ،
فجلسوا إلى أصحابهم فقال : يا جبريل ! من هؤلاء بيض الوجه وهؤلاء الذين
في ألوانهم(١٢٥) شيء فدخلوا النهر [فخرجوا ](١٢٦) وقد خلصت ألوانهم، فقال:
هذا أبوك إبراهيم هو أول رجل شمط على وجه الأرض ، وهؤلاء بيض الوجوه قوم
لم يلبسوا إيمانهم بظلم ، قال : وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء : خلطوا
(١٢٥) في (ص): ((وجوههم)).
(١٢٦) الزيادة من (ص) و(هـ) .
٤٠١

عملا صالحاً وآخر سيئاً فتابوا فتاب الله عليهم .
فأما النهر (١٢٧) الأول فرحمة الله ، وأما النهر الثاني فنعمة الله ، وأما النهر
الثالث فسقاهم ربهم شرابا طهوراً .
ثم انتهى إلى السدرة [ المنتهى ](١٢٨) فقيل لي هذه السدرة إليها منتهى
كل أحد من أمتك ، ويخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن ، وأنهار [ من
لبن ] لم يتغير طعمه ، وأنهار من خمر لذة للشاربين ، وأنهار من عسل مصفى .
قال : وهي شجرة يسير الراكب في أصلها عاماً لا يقطعها ، وإن الورقة
منها مغطية الخلق ، قال : فغشيها نور الخالق ، وغشيها الملائكة .
فكلمه ربه عنذ ذلك ، قال له : سل ، قال : إنك اتخذت إبراهيم خليلاً
وأعطيته ملكا عظيماً، وكلمت موسى تكليماً ، وأعطيت داود ملكا عظيماً ،
وألنت له الحديد وسخرت له الجبال ، وأعطيت سليمان ملكاً عظيماً وسخرت له
الجبال والجن والإنس وسخرت له الشياطين والرياح وأعطيته ملكاً لا ينبغي لأحد
من بعده ، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص
ويحيى الموتى بإذنك وأعذته وأمه من الشياطين فلم يكن له عليهما سبيل ، فقال
له ربه : قد اتخذتك خليلاً ، قال : وهو مكتوب في التوراة خليل الرحمن ،
وأرسلتك إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، وشرحت لك صدرك ، ووضعت عنك
وزرك ، ورفعت لك ذكرك ، فلا أُذكرُ إلا ذكرت معي يعني بذلك الأذان ،
وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس ، وجعلت أمتك أمة وسطاً ، وجعلت
أمتك هم الأولون وهم الآخرون ، وجعلت من أمتك أقواماً قلوبهم أناجيلهم ،
وجعلت أمتك لا تجوز، عليهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي ،
(١٢٧) في (ص) و(هـ): (( وأما)).
(١٢٨) ليست في (ص) ولا في (هـ) .
٤٠٢

وجعلتك أول النبيين خلقاً وآخرهم مبعثاً ، وآتيتك سبعاً من المثاني لم أعطها نبياً
قبلك ، وأعطيتك خواتيم(١٢٩) سورة البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبياً
قبلك وجعلتك فاتحاً وخاتماً)).
قال وقال النبي ◌َّه: ((فضلني ربي أرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس
بشيراً ونذيراً، وألقى في قلب عدوي الرعب من مسيرة شهر، وأحلت لي
الغنائم ، ولم تحل لأحد قبلي وجعلت الأرض كلها لي مسجداً وطهوراً ،
وأعطيت فواتيح الكلام وخواتمه وجوامعه ، وعرضت عليَّ أمتي فلم يخف عليّ
التابع والمتبوع .
ورأيتهم أتوا على قوم ينتعلون الشعر، ورأيتهم أتوا على قوم عراض
الوجوه صغار الأعين كأنما خرمت أعينهم بالمخْيَطِ فلم يخف عليَّ ما هم لاقون
من بعدي ، وأمرت بخمسين صلاة فرجعت إلى موسى)) .
فذكر الحديث بمعنى ما روينا(١٣٠) في الأسانيد ، الثابتة غير أنه قال في
آخره: (( قال فقيل له اصبر على خمس فإنهم يجزين عنك بخمس كل خمس
بعشر أمثالها ، قال : فكان موسى أشد عليهم حين مرَّ بِهِ وخيرهم حين رجع
إليه)»(١٣١).
(١٢٩) في (ح): ((خواتم)).
(١٣٠) في (ص) و(هـ): ((ما رويناه )).
(١٣١) الخبر بطوله رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والحاكم ، وصححه من طريق أبي العالية والهيثمي
في ((مجمع الزوائد ٢٢ (١ : ٦٧ - ٧٢)، وعزاه للبزار أيضاً .
كما ذكره الهيثمي ( أيضاً) في (( كشف الأستار عن زوائد البزار)) ( ١: ٣٨ - ٤٥) بإسناده ، عن
أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية أو غيره ، عن أبي هريرة ، وقال البزار :
(((وهذا لا نعلمه يروى إلا بهذا الاسناد من هذا الوجه)).
وتقدم في الحاشية (١٢٠) من هذا الباب أن راويه أبا جعفر الرازي : سيء الحفظ ، يخلط ،
وتداخل في هذا الخبر مقتطفات من أحاديث صحاح .
٤٠٣

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن
أسباط بن نصر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي، قال ((لما
أسري برسول الله وَّلخر وأخبر قومه بالرفقة والعلامة في العير، قالوا فمتى يجيء ،
قال : يوم الأربعاء فلما كان ذلك اليوم أشرفَتْ قريش ينظرون وقد ولى النهار ولم
يجىء فدعا النبي ◌ّلقر فزيد له في النهار ساعة، وحبست عليه الشمس، فلم تُرَدّ
الشمس على أحد إلا على رسول الله ويهلل يومئذ، وعلى يوشع بن نون حين قاتل
الجبارين يوم الجمعة ، فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم
ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم فيه ، فدعا الله فرد عليه الشمس حتى فرغ من
قتالهم (١٣٢).
قلت : وقد روي في المعراج أحاديث أخر .
( منها ) : حديث أبي حذيفة اسحاق بن بشر، عن ابن جريج ، عن
مجاهد ، عن ابن عباس، وجويبر، عن الضحاك ، عن ابن عباس (١٣٣)
وإسحاق بن بشر متروك لا يُفْرح بما ينفرد به .
(( ومنها ) : حديث إسماعيل بن موسى القواريري عن عمر بن سعد
المصري وذلك حديث راويه مجهول وإسناده منقطع ، وقد أخبرناه أبو عبد الله
الحافظ ، قال : أنبأنا عبدان بن يزيد بن يعقوب الدقاق بهمدان ، قال : حدثنا
إبراهيم بن الحسين الهمداني ، قال : حدثنا أبو محمد إسماعيل بن موسى
الفزاري ، قال : حدثنا عمر بن سعد البصري من بني نصر بن قُعَيْن ، قال :
حدثني عبد العزيز، وليث بن أبي سليم ، وسليمان الأعمش ، وعطاء بن
(١٣٢) ذكره ابن دحية، ونقله الصالحي في السيرة الشامية (٣ : ١٣٣ ).
(١٣٣) عن ابن عباس أخرجه الإمام أحمد ، وابن أبي شيبة ، والبزار، بطرق كلها مختصرة .
٤٠٤

السائب بعضهم يزيد في الحديث على بعض ، عن علي بن أبي طالب(١٣٤)
رضي الله عنه وعن عبد الله بن عباس ومحمد بن إسحاق بن يسار(١٣٥) عمن
حدثه عن ابن عباس ، وعن سليمان أو سلمة العقيلي ، عن عامر الشعبي ، عن
عبد الله بن مسعود ، وجويبر عن الضحاك بن مزاحم ، قالوا ((كان رسول
اللهَ وَّ في بيت أم هانىءٍ(١٣٦) راقداً، وقد صلى العشاء الآخرة .
قال أبو عبد الله قال لنا هذا الشيخ وذكر الحديث فكتبت المتن من نسخة
مسموعة منه ، فذكر حديثاً طويلاً يذكر فيه عدد الروح والملائكة وغير ذلك مما لا
ينكر شيء منها في قدرة الله تعالى إن صحت الرواية ، وفيما ذكرنا قبل حديث
أبي هارون العبدي في إثبات المسرى والمعراج لَغَايةٌ وبالله التوفيق .
أنبأنا الإِمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن ، قال : أنبأنا أبو نعيم :
أحمد بن محمد بن إبراهيم البزاز، قال : حدثنا أبو حامد بن بلال ، قال : قال
أبو الأزهر، قال: جابر بن أبي حكيم قال: رأيت في النوم رسول الله إِ ل ،
فقلت : يا رسول الله ! رجل من أمتك يقال له سفيان الثوري لا بأس به ، فقال
النبي (١٣٧) ## لا بأس به ، حدثنا عن أبي هارون، عن أبي سعيد الخدري ،
عنك ليلة أسري بك: أنك قلت: (( رأيت في السماء فحدثته بالحديث ، فقال
لي نعم ، فقلت له يا رسول الله إن ناساً من أمتك يحدثون عنك في المسرى
بعجائب ، فقال لي : ذاك حديث القصاص)).
(١٣٤) عن علي بن أبي طالب رواه الإمام أحمد ، وابن مردويه .
(١٣٥) سيرة ابن هشام (٢ : ٩).
(١٣٦) عن أم هانىء بنت أبي طالب - رضي الله عنها - رواه الطبراني، وأبو يعلى ، وابن عساكر، عن
طريق أبي صالح ، وابن إسحاق بلفظ آخر .
(١٣٧) في (ص): (( رسول الله )).
٤٠٥

باب
( كيف فرضت الصلاة في الابتداء)
أنبأنا أبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي ، قال ؛ حدثنا أبو
العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا محمد بن عوف ، قال : حدثنا أبو
المغيرة ، قال: حدثنا الأوزاعي ، قال : سئل الزهري كيف كانت صلاة
النبي ◌َّه بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة ؟ فقال : أخبرني عروة بن الزبير، عن
عائشة [رضي الله عنها ](١) قالت: (( فرض الله الصلاة أول ما فرضها ركعتين ،
ثم أتمها في الحضر، وأقرت صلاة المسافر على الفريضة الأولى))(٢).
هكذا رواه الأوزاعي ، ورواه معمر عن الزهري ، عن عروة عن عائشة
قالت: ((فرضت الصلاة على النبي ◌َليل. بمكة ركعتين ركعتين فلما خرج إلى
المدينة فرضت أربعا، وأقرت صلاة السفر ركعتين)) (٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرني أبو بكر بن عبد الله ، قال :
(١) الزيادة من (ص) و(هـ) .
(٢) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين ، الحديث (٣) صفحة (٤٧٨)، والبخاري في أول كتاب الصلاة ،
مختصراً، وابن خزيمة (١: ١٥٦). والبيهقي في السنن الكبرى (١ : ٣٦٢).
(٣) هو الحديث السابق ، وبلفظ للبخاري أخرجه في باب من أين أرخوا التاريخ ، وابن خزيمة رواه في
كتاب الصلاة ( ١ : ١٥٦ ).
٤٠٦

أخبرنا الحسن بن سفيان ، قال : حدثنا فياض بن زهير ، قال : حدثنا عبد
الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، فذكره ومن حديث معمر عن الزهري . أخرجه
البخاري في الصحيح ، وروي أيضاً عن عامر الشعبي عن مسروق عن عائشة.
واستثنى في هذه الرواية عن الأربع : المغرب ، والصبح .
وذهب الحسن بن أبي الحسن البصري إلى أن الصلوات فرضت في
الابتداء بأعدادهن ، وذلك فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو
العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا
عبد الوهاب بن عطاء ، قال : أخبرنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن
الحسن ((أن نبني الله و ◌ّيره لما جاء بهن إلى قومه يعني الصلوات، خلى عنهم
حتى إذا زالتِ الشمس عن بطن السماء نودي فيهم : الصلاة جامعة ، ففزعوا
لذلك واجتمعوا فصلّى بهم رسول الله وَّر الظهر أربع ركعات لا يقرأ فيهن
علانية ، رسول الله وَل بين يدي الناس وجبريل بين يدي رسول الله مثله ، يقتدي
الناس برسول الله وَله، ويقتدي رسول الله وَله بجبريل.
ثم خلّى (٤) عنهم حتى تَصوَّبَتِ الشمس وهي بيضاء نقية نودي بهم الصلاة
جامعة فاجتمعوا لذلك فصلَّى بهم رسول الله وَّر العصر أربع ركعات دون صلاة
الظهر ، رسول الله وَل ه بين يدي الناس، وجبريل عليه السلام بين يدي رسول
اللهِ وَلُّ يقتدي الناس برسول الله وَّر، ورسول الله وَله يقتدي بجبريل.
ثم خلَّى عنهم حتى إذا غابت الشمس نودي فيهم الصلاة جامعة فاجتمعوا
لذلك، فصلى بهم رسول الله وَّر المغرب ثلاث ركعات يقرأ فيهن في كل
ركعتين علانية وركعة لا يقرأ فيها علانية: رسول الله صل* بين يدي الناس ،
وجبريل بين يدي رسول الله وَله: يقتدي الناس برسول الله صل﴾، ورسول الله اله
(٤) في (ح) و(هـ): ((خلاّ)).
٤٠٧

يقتدي بجبريل عليهما السلام .
ثم خلَّى عنهم حتى إذا غاب الشفق وأبطأ العشاء فنودي فيهم الصلاة
جامعة فاجتمعوا لذلك فصلّى بهم رسول الله صلّ أربع ركعات: يقرأ في ركعتين
علانية ولا يقرأ في ركعتين يعني علانية، يقتدي الناس بنبيهم، ورسول الله واله
يقتدي بجبريل عليه السلام .
ثم بات الناس ولا يدرون أيزادون على ذلك أم لا ، حتى إذا طلع الفجر
نودي فيهم الصلاة جامعة ، فاجتمعوا لذلك فصلى بهم رسول الله وَّ ركعتين
يقرأ فيهما علانية ويطيل فيهما القراءة، ورسول الله وَّ* بين يدي الناس،
وجبريل عليه السلام بين يدي رسول الله مّلا يقتدي الناس بنبيهم ويقتدي رسول
اللّهِ وَلل بجبريل))(٥).
(٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣٦٢:١)، وقال: «ففي هذا الحديث وما روي في معناه دليل على أن
ذلك كان بمكة بعد المعراج ، وأن الصلوات الخمس فرضت حينئذ بأعدادهن ، وقد ثبت ذلك عن
عائشة - رضي الله عنها - خلاف ذلك .
٤٠٨

باب
تزوج النبي ◌ّر بعائشة بنت أبي بكر الصديق
رضي الله عنه وبسودة بنت زمعة بعد وفاة خديجة
وقبل أن يهاجر إلى المدينة وما أري في منامه من صورة عائشة [ رضي
الله عنها ](١) وأنها امرأته
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل العطار ببغداد ، قال : أخبرنا عبد الله بن
جعفر ، قال : حدثنا يعقوب بن سفيان ، قال : حدثنا الحجاج ، قال : حدثنا
حماد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ((تزوجني رسول
اللّه ◌ُّ بعد مُتَوَفَّى خديجة قبل مخرجه من مكة، وأنا ابنةسبع أو ست سنين،
فلما قدمنا المدينة جاءني نسوة وأنا ألعب في أرجوحة وأنا مُجَمَّمةٌ (٢) فهيأنني
وصَنَّعْنَني، ثم أتين بي إلى رسول اللّه ◌َّر وأنا ابنة تسع سنين)).
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال : أخبرنا أبو القاسم الطبراني ، قال
حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي ، حدثنا سفيان ، عن هشام بن عروة ، عن
أبيه ، عن عائشة: ((أن النبي ◌ّهز تزوجها وهي ابنة ست وأدخلت عليه وهي ابنة
(١) الزيادة من (ص) .
(٢) المجمِّمّة ) : التي شعرها نازل إلى أذنيها .
(٣) أخرجه مسلم في: ١٦ - كتاب النكاح (١٠) باب تزويج الأب البكر الصغيرة ، الحديث (٦٩) ، ص
(٢ : ١٠٣٨ ) .
وأخرجه ابن ماجة في : ٩ - كتاب النكاح (١٣) باب نكاح الصغار يزوجهن الآباء ، الحديث
(١٨٧٦)، ص (١ : ٦٠٣ ) .
وأخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب في تزويج الصغار، ح (٢١٢١)، ص (٢ : ٢٣٩).
٤٠٩

تسع ومكثت عنده تسعاً)»(٤).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا : حدثنا أبو العباس
محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن
بكير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال: ((تزوج رسول الله وَّ ر عائشة بعد
موت خديجة بثلاث سنين ، وعائشة يومئذ بنت ست سنين ، وبنى بها رسول
اللّهَ وَّل وهي بنت تسع سنين ومات رسول الله ولير وعائشة ابنة ثماني عشرة
سنة)) (٥) .
ورواه أبو أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال: (( توفيت خديجة
قبل مخرج النبي ◌َّ﴾ [إلى المدينة ] (٦) بثلاث سنين فلبث سنتين أو قريباً من
ذلك ونكح عائشة وهي ابنة ست سنين ثم بنى بها(٧) وهي ابنة تسع سنين))(٨).
ومن هذا الوجه أخرج البخاري في الصحيح هكذا مرسلاً ، أخبرناه أبو
عبد الله الحافظ ، قال : أخبرني أحمد بن محمد النسوي ، قال : حدثنا حماد
ابن شاكر ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل ، قال : حدثني عبيد بن إسماعيل ،
قال : حدثنا أبو أسامة فذكره(٩).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا : حدثنا أبو
العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا
يونس بن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ((أن رسول الله وَّ قال أريتك
(٤) صحيح مسلم(٢ : ١٠٣٩)، فتح الباري (٩ : ١٩٠).
(٥) صحيح مسلم ( ٢ : ١٠٣٩)، فتح الباري ( ٩ : ١٩٠).
(٦) الزيادة من (ص) و(هـ) .
(٧) في (صْ) وسمت: (( بنا)).
(٨) صحيح مسلم ( ٢ : ١٠٣٨ - ١٠٣٩ )
(٩) فتح الباري (٩: ١٩٠) و(٩ : ٢٣٤)
٤١٠

في المنام مرتين أرى رجلا يحملك في سَرَقَةٍ(١٠) حرير فيقول هذه امرأتك
فاكشف فأراك فأقول إن كان هذا من عند الله يُمْضه)) أخرجاه في الصحيح من
أوجه عن هشام بن عروة .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب .
(ح) وأنبأنا أبو الحسن : علي بن أحمد بن محمد بن داود الرزاز ببغداد ،
قال : أخبرنا أبو سهل بن زياد القطان ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ،
قال : حدثنا عبد الله بن إدريس الأوْدي ، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن
عبد الرحمن بن حاطب ، قال: قالت عائشة: (( لما ماتت خديجة بنت خويلد
جاءت خَوْلَةُ بنت حكيم إلى رسول اللهِ وَّر، فقالت: يا رسول الله ألا تُزَوَّجَ؟
قال : وَمن ؟ قالت: إن شئت بكراً وإن شئت ثيباً، فقال : ومن البكر ومن
الثيب ؟ فقالت : أما البكر : فابنة أحب خلق اللّه إليك : عائشة ، وأما الثيب:
فسودة بنت زمعة ، قد آمنت بِكَ ، واتبعتك .
قال فاذكريهما عليَّ ، قالت : فأتيت أم رومان ، فقلت : يا أم رومان ماذا
أدخل الله عليكم من الخير والبركة ؟ قالت : وذاك ماذا ؟ قالت : قلت رسول الله
يذكر عائشة ، قالت : انتظري فإن أبا بكر آت ، قالت : فجاء أبو بكر ، فذكرت
ذلك له فقال: أفتصلح له وهي ابنة أخيه؟ فقال رسول الله وَله: (« أنا أخوه وهو
أخي وابنته تصلح لي))(١١).
قالت : وقام أبو بكر ، فقالت لي أم رومان : إن المطعم بن عدي قد كان
ذكرها على ابنه والله ما أَخْلَفَ وعداً قط ـ يعني أبا بكر - قالت : فأتى أبا بكر
(١٠) في (ح): شرقة وهو تصحيف، ومعنى سَرَقّةٍ: هي الشقق البيض من الحرير.
(١١) الحديث أخرجه مسلم في : ٤٤ - كتاب الفضائل .
٤١١

المطعم فقال : ما تقول في أمر هذه الجارية ، قال : فأقبل على امرأته ، فقال
لها : ما تقولين يا هذه ، قال : فأقبلت على أبي بكر ، فقالت : لعلنا إن أنكحنا
هذا الفتى اليك تصيبه وتدخله في دينك الذي أنت عليه ! قالت : فأقبل عليه أبو
بكر ، فقال : ماذا تقول أنت؟ فقال : إنها لتقول ما تسمع ، قالت : فقام أبو
بكر وليس في نفسه من الموعد شيء .
قالت : فقال لها أبو بكر: قولي لرسول اللّه محلية: فليأت.
قالت: فجاء رسول اللّه مَله، فملكها .
قالت خولة : ثم انطلقت إلى سَوْدَة بنت زمعة وأبوها شيخ كبير ، قد جَلّسَ
عن الموسم ، قالت : فحييته بتحية أهل الجاهلية ، وقلت : أَنْعِمْ صباحاً ،
قال : من أنت قالت : قلت خولة بنت حكيم ، قالت : فرحَّبَ بي وقال : ما شاء
الله أن يقول ، قالت قلت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يذكر سودة بنت
زمعة ، قال : كفؤ كريم ماذا تقول صاحبتك قالت : قلت تحب ذاك قال : قولي
له فليأت، قالت: فجاء رسول اللّه مصر، فملكها. قالت وقدم عبد بن زمعة
فجعل يحثي على رأسه التراب ، وقال بعد أن أسلم : لعمرك إني لسفيه يوم
أحثي على رأسي التراب أن تزوج رسول اللّه وَلخر سودة بنت زمعة))(١٤).
لفظ حديث أبي العباس .
(١٣) باب في فضل عائشة - رضي الله عنها -، الحديث (٧٩)، ص (١٨٨٩ - ١٨٩٠).
وأخرجه البخاري في : ٩١ - كتاب التعبير (٢١) باب ثياب الحرير في المنام ، الحديث (٧٠١٢ )
فتح الباري (١٢ : ٣٩٩).
١
وأخرجه أيضا الإِمام أحمد في ((مسنده)) ( ٦ : ١٦١ ).
(١٤) جزء من حديث طويل رواه الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٩: ٢٢٥ - ٢٢٧)، وقال: في الصحيح
طرف منه ، روى أحمد بعضه ، صرَّح فيه بالإتصال عن عائشة وأكثره مرسل ، وفيه : محمد بن عمرو
ابن علقمة : وثقه غير واحد ، وبقية رجاله رجال الصحيح » .
٤١٢

باب
عرض النبي ول# نفسه على قبائل العرب وما لحقه من الأذى في تبليغه
رسالة ربه - عز وجل - إلى أن أكرم الله به الأنصار من أهل المدينة وما
ظهر من الآيات الله عز وجل في إكرامه نبيه صل# بما وعده من إعزازه
وإظهار دينه
أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري ، قال : أخبرنا أبو بكر محمد
ابن بكر بن عبد الرزاق ، قال : حدثنا أبو داود السجستاني ، قال : حدثنا محمد
ابن كثير ، قال : أخبرنا إسرائيل .
(ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرني أبو الحسين بن يعقوب ،
قال أخبرنا محمد بن إسحاق بن ابراهيم ، قال : حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا
مصعب ، عن إسرائيل بن يونس ، عن عثمان بن المغيرة ، عن سالم بن أبي
الجعد، عن جابر، قال: ((كان رسول اللّه ◌َ ل يعرض نفسه على الناس
بالموقف ، فيقول : هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشاً قد منعوني أن أُبلِّغَ
كلام ربي(١) - زاد مصعب بن المقدام في روايته - قال: فأتاه رجل من هَمْدان
فقال : أنا ، فقال : وهل عند قومك مَنْعَة وسأله من أين هو ، فقال: من هَمْدان
ثم إن الرجل الهَمْداني خشي أن يُخْفِرُه قومه، فأتى رسول اللّهِ وَله فقال:
(١) أخرجه الترمذي في: ٤٦ - كتاب فضائل القرآن، الحديث (٢٩٢٥)، ص ( ٥ : ١٨٤ )، وقال :
هذا حديث غريب صحيح .
وأخرجه أبو داود في السنة ، باب في القرآن ، الحديث (٤٧٣٤)، ص (٤ : ٢٣٤ - ٢٣٥).
وأخرجه ابن ماجة في المقدمة (١٣) باب في الجهمية، الحديث (٢٠١)، صفحة (١ : ٧٣).
٤١٣

آتيهم فأخبرهم ثم ألقاك من عامٍ قابلٍ ، قال : نعم فانطلق وجاء وفد الأنصار في
رجب)) (٢).
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل ، قال أخبرنا أبو بكر : محمد بن عبد الله بن
أحمد بن عتاب العبدي ، قال : أخبرنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة
الجوهري ، قال : أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس ، قال : حدثنا اسماعيل بن
إبراهيم بن عتبة ، عن عمه موسى بن عقبة ، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال :
أخبرني اسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني ، قال : حدثنا
جدي ، قال : حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ، قال : حدثنا محمد بن
فليح ، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب ، وهذا لفظ حديث القطان ، قال :
((كان رسول اللّه وَليل في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل
موسم ، ويكلم كل شريف قوم لا يسلهم مع ذلك إلا أن يروه ويمنعوه ويقول :
(( لا أكره أحداً منكم على شيء ، من رضيَ منكم بالذي أدعوه إليه فذلك ، ومن
كره لم أكرهه ، إنما أريد أن تحرزوني(٣) مما يراد بي من القتل حتى أبلغ
رسالات ربي وحتى يقضي الله عز وجل لي ولمن صحبني بما شاء الله)) فلم
يقبله أحد منهم ، ولم يأت أحد من تلك القبائل إلا قال : قوم الرجل أعلم به
أترون أن رجلاً يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه ، فكان ذلك مما ذخر الله عز وجل
للأنصار وأكرمهم به (٤).
(٢) في (ص) و(هـ): ((في ركب)).
(٣) في (ص): ((يحرزوني)) وهو تحريف .
(٤) قال ابن الجوزي في وفاء الوفا ( ١ : ٢١٦): ربما عرض لملحد قليل الإِيمان فقال: ما وَجْه احتياج
رسول اللّه وَّ﴾ إلى أن يَدْخل في خَفَارة كافر وأن يقول في المواسم: من يُؤْ ويني حتى أيلِّغْ رسالةً ربي ..
فيقال له : قد ثبت أن الإِله القادر لا يفعل شيئاً إلا لحكمة، فإذا حَفِيت حكمةُ فِعْله علينا وجب علينا
التسليم. وما جرى لرسول اللّه وَ ◌ّله إنما صَدَر عن الحكيم الذي أقام قوانين الكلَّات وأدار الأفلاك" "
وأَجْرَى المياه والرياح، كلُّ ذلك بتدبير الحكيم القادر، فإِذا رأينا رسولَ الله { * ** يشدُّ الحجر من=
٤١٤

فلما توفي أبو طالب ارتدَّ البلاءُ على رسول الله الر أشد ما كان، فعمد
لثقيف بالطائف رجاء أن يأووه ، فوجد ثلاثة نفر منهم سادة ثقيف يومئذ وهم
أخوة : عَبْدُ يا ليل بن عمرو، وحبيب بن عَمْرو، وَمْسعود بن عمرو ، فَعَرَض
عليهم نفسه ، وشكا إليهم البلاء وما انتهكَ منه قومه .
فقال أحدهم : أنا. أمرق(٥) أستار الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط .
وقال الآخر : أُعَجَزَ الله أن يرسل غيرك .
وقال الآخر : والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا أبداً ، والله لئن كنت رسول
الله لأنت أعظم شَرَفاً وحقاً من أن أكلمك ، ولئن كنت تكذب على الله لأنت أشر
من أن أكلمك .
وتهزَّأُوا به وأفشَوْا في قومهم الذي راجعوه به وقعدوا له صفين على
طريقه ، فلما مرَّ رسول اللّه وَّه بين صفيهم جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا
رضخوهما بالحجارة ، وكانوا أعدوها حتى أدموا(٦) رجليه .
فخلص منهم وهما يسيلان الدماء ، فعمد إلى حائط من حوائطهم ،
واستظل في ظل حَبَلة (٧) منه ، وهو مكروب موجع تسيل رجلاه دماً فإِذا في
الحائط : عقبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم
من عداوتهما الله ورسوله ، فلما رأياه أرسلا إليه غلاماً لهما يدعى عداساً وهو
= الجوع ويُقْهَر وَيُؤْذّى علمنا أَن تحت ذلك حِكْمًا إِن تَلَمِّحْنا بعضَها لاحَتْ من خلال سجُف البلاء
حكمتان .
إحداهما : اختبار المبْتَلَى لَيَسْكُن قلبُه إلى الرضا بالبلاء فيؤدِّي القلبُ ما كلّف من ذلك والثانية : أَن
تُبَثَّ الشبهةُ في خلال الحُجُجِ لِيُثَاب المجتهد في دَفْع الشبهة .
(٥) أمرق : أمزق .
(٦) في (ص) و(هـ): ((دمّوا)).
(٧) الحبلة : طاقات من قضبان العنب .
٤١٥

نصراني من أهل نينوى معه عنب، فلما جاءه عداس، قال له رسول الله ولاير:
من أي أرض أنت يا عداس ؟ قال له عداس : أنا من أهل نينوى ، فقال له
النبي ◌َّ﴾: من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى، فقال له عداس: وما
يدريك من يونس بن متى ، قال له رسول الله و # - وكان لا يحقر أحداً أن يبلغه
رسالة ربه - أنا رسول الله ، والله تعالى أخبرني خبر يونس بن متى .
فلما أخبره بما أوحى الله عز وجل من شأن يونس بن متى ، خرَّ عداس
ساجداً لرسول الله ◌َ، وجعل يقبل قدميه وهما يسيلان الدماء .
فلما أبصر عقبة وشيبة ما يصنع غلامهما سكنا ، فلما أتاهما ، قالا : ما
شأنك سجدت لمحمد ، وقَبَّلْتّ قدميه ، ولم نرك فعلته بأحد منا ؟ قال : هذا
رجل صالح ، أخبرني بشيء عرفته من شأن رسولٍ بعثه الله إلينا يدعى : يونس
ابن مَتّى ، فضحكا به ، وقالا : لا يفتُنَكَ عن نصرانيتك ، فإِنه رجل خداع،
فرجع رسول الله (وَلفي إلى مكة))(٨).
حدّثنا الإِمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان إملاء ، قال : أخبرنا
أبو العباس : إسماعيل بن عبد الله الميكالي قال : حدّثنا عبد الله بن أحمد بن
موسى الأهوازي، قال: حدّثنا عمرو بن سواد السَّرحي قال : أنبأنا عبد الله بن
(٨) هذا خبر موسى بن عقبة، ولم يذكر الدعاء في السياق، وقد نقله الحافظ ابن كثير في «البداية
والنهاية)) (٣: ١٣٦)، وقد ورد خبر خروج النبي # إلى الطائف كاملاً في سيرة ابن هشام ( ٢ :
٢٨ - ٣٠) والإمام أحمد (٤: ٣٣٥)، وفيه الدعاء الذي دعاه رسول اللّه له بعد أن عمد إلى ظل
حائط البستان . :
(( اللهم إني أشكو إليك ضَعْف قوّتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب
المستضعفين وأنت ربي إلى من تَكِلِنِي إِلى بعيدٍ يتجهُّمني أو إلى عدوًّ ملكته أمري إِن لم يكن بك عليّ
غضب فلا أبَالي ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلُح عليه
أَمرُ الدنيا والآخرة من أن تُنْزِل بي غضبك أو تحلَّ علي سَخَطك لك العُتْبِى حتى ترضى ولا حول ولا قوة
إلا بك » .
٤١٦

وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عروة بن
الزبير، عن عائشة ، حدّثته (( أنها قالت لرسول الله وَّ: هل أتى عليك يوم
[ كان ](٩) أشد عليك من يوم أحد ؟ قال : ما لقيت من قومك كان أشد منه يوم
العقبة ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كُلال ، فلم يجبني إلى ما
أردت فانطلقْتُ وأنا مهمومٌ على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ،
فرفعت رأسي فإِذا أنا بسحابة قد أظلَّتني ، فنظرت فإذا هو جبريل عليه السلام
فناداني ، فقال : إن الله قد سَمِعَ قول قومِكَ لك، وما ردوا عليك ، وقد بَعَثَ
إليك ملك الجبال لتأمرَهُ بما شئتَ فيهم ، ثم ناداني مَلَكُ الجبال ، فسَلُّمَ عليَّ ،
ثم قال : يا محمد ! إنَّ الله - عز وجل - قد سَمِعَ قول قومك ، وأنا ملك
الجبال ، وقد بعثني إليك ربك لتأمرني بما شئت : إن شئت نُطْبق(١٠) عليهم
الأخشَبَيْن(١١) فقال له رسول الله وَّهُ: بل أرجو أن يُخْرِجَ الله من أشرارهم(١٢) أو
قال من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً)) .
رواه البخاري في الصحيح عن عبد الله بن يوسف عن ابن وهب(١٣).
ورواه مسلم عن عمرو بن سواد(١٤)، وغيره .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدّثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال: حدّثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدّثنا يونس بن بكير ، عن
(٩) الزيادة من صحيح البخاري .
(١٠) في الصحيح: ((أن أطبق عليهم)).
(١١) هما جبلا مكة : أبو قبيس ، والجبل الذي يقابله .
(١٢) في (ص) و(هـ): ((من أسرارهم)) ، وليست في البخاري ولا في مسلم .
(١٣) في: ٥٩ - كتاب بدء الخلق ، (٧) باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء ، الحديث
(٣٢٣١)، فتح الباري (٦ : ٣١٢ - ٣١٣).
(١٤) في: ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، (٣٩) باب ما لقي النبي صل من أذى المشركين والمنافقين،
الحديث (١١١)، ص ( ١٤٢٠ ).
٤١٧
(م ١٤ - دلائل النبوة جـ ٢ )

ابن إسحاق، قال: حدّثنا الزهري، قال: ((أتى رسول الله وَلَّ كِنْدَةً في
منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له : مليح ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعَرَض
عليهم نفسه فأبوا أن يقبلوا منه ، نفاسة عليه ، ثم أتى حياً في كلب يقال لهم بنو
عبد الله، فقال لهم : يا بني عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم فلم يقبلوا ما
عرض عليهم)) (١٥) .
(١٥) سيرة ابن هشام (٢: ٣٢ - ٣٣).
٤١٨

( حديث سويد بن الصامت )
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدّثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدّثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدّثنا يونس بن بكير ، عن
ابن إسحاق ، قال: فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة [ الأنصاري ](١٦) عن
أشياخ من قومه ، قالوا: ((قدم سُوَيْد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف مكة
حاجًّاً أو معتمراً ، وكان سُوَيْد يسميه قومه فيهم : الكامل ، لسنه وجَلَدِه وشِعره(١٧) ،
قال: فتصدى له رسول الله وَالر، ودعاه إلى الله عز وجلّ وإلى الإِسلام، فقال
سويد : فلعل الذي معك مثلُ الذِي معي، فقال له رسول الله صل *: وما الذي
معك؟ فقال مُجَلَّةُ (١٨) لقمان، يعني: حكمة لقمان، فقال رسول الله والتر:
اعرضها عليٍّ، فعرضها عليه، فقال: إن هذا الكلام حسن ، والذي معي
أفضل منه : قرآن أنزله الله عز وجل عليَّ هو هدى ونور، فتلا عليه رسول الله
وَ* القرآن، ودعاه إلى الإِسلام، فلم يبعد منه وقال: إنّ هذا لقول حسن ، ثم
انصرف فقدم المدينة على قومه ، فلم يلبث أن قتلته الخزرج ، وكان رجال من
قومه يقولون: إنا لنرى أنه قتل وهو مسلم، وكان قتله قبل بُعاث))(١٩).
(١٦) الزيادة من سيرة ابن هشام .
(١٧) في سيرة ابن هشام ساق طرفاً من أشعاره، وخبراً من أخباره (٢ : ٣٥).
(١٨) أي صحيفة لقمان .
(١٩) بعاث: موضع كانت فيه حرب بين الأوس والخزرج ، والخبر أخرجه ابن هشام في السيرة (٢ : ٣٥ -
٣٦ ) .
٤١٩

( حديث إياس بن معاذ الأشهلي وحديث يوم بعاث )
حدّثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء ، قال : حدّثنا أبو العباس: محمد بن
يعقوب ، قال : حدّثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدّثنا يونس بن بكير ، عن
محمد بن إسحاق ، قال: حدّثني الحُصَيْن بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ(٢٠)
عن ، محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل قال: ((لما قدم أبو الحَيْسَر أنسُ بن
رافع مكّة ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن مُعاذ يلتمسون الحلْفَ من
قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول اللّه مخطئة ، فأتاهم ، فجلس
إليهم ، فقال لهم : هل لكم إلى خير مما جئتم له فقالوا : وما ذاك ؟ قال : أنا
رسول الله : بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ، وأنزل
عليّ الكتابَ ، ثم ذكر لهم الإِسلام، وتلا عليهم القرآن ، فقال إياس بن معاذ ،
وكان غلاماً حدثاً: يا قوم(٢١) هذا والله خير مما جئتم له .
فأخذ(٢٢) أبو الحيسر : أنسُ بن رافعَ حفنةٌ من البطحاء فضرب بها وجه
إياس ، وقال : دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا .
(٢٠) في السيرة: ((الحصينبن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ.
(٢١) كذا في الأصول، وفي السيرة : ((أي قوم)).
(٢٢) في (هـ): ((فيأخذوا))، وفي (ص)، وسيرة ابن هشام: ((فيأخذ)).
٤٢٠