النص المفهرس

صفحات 281-300

عن خَبَّاب ، قال: ((كنت رجلاً قيْناً وكان لي على العاص بن وائل دينٌ فَأَتَيْتُهُ
أَطْلُبُهُ فقال : والله لا أَقضيك حتى تكفرُ بمحمدٍ ، قال : قلت والله لا أكفر به
أبداً حتى تموت ثم تُبُعث ، قال: فإني إذا بُعثْتُ كان لي ثَمَّ مالٌ وولد
[ فتأتيني ](٣٥) فأقضيك فأنزل الله عز وجل ﴿أفرأيت الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وقال
لُّوتيَنَّ مالاً وَوَلَداً﴾(٣٦).
أخرجاه في الصحيح من أوجُهٍ أُخر عن الأعمش (٣٧).
حدّثنا أبو عبد الله الحافظ ، املاء قال : حدّثنا أبو العباس محمد بن
يعقوب ، قال : حدّثنا أبو البَخْتري عبد الله بن محمد بن شاكر، قال : حدّثنا
الحسين بن علي الجعفي ، قال: حدّثنا زائدة، [ عن عاصم](٣٨) عن زرِّ ،
عن عبد اللّه، قال: ((إن أول من أظهر إسلامه سَبْعةٌ: رسول الله، وأبو بكر،
وعمار، وأمه سمية، وصهيبٌ، وبلال، والمقداد. فأَما رسول الله وَّهِ فمنعَهُ
اللّه عز وجل بِعَمِّه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعَهُ اللّه بقوْمِهِ، وأما ساتُرُهُم
فأخذهم المشركون فألبَسُوهُمْ أدْراع الحدِيدِ وأوقفوهم في الشمس فما من أحد
إلا وقد واتاهم على ما أرادوا غيرُ بِلالٍ، فإِنه هانَتْ عليه نفسُهُ في الله ، وهان
(٣٥) ليست في (ح).
(٣٦) الآية الكريمة (٧٧) من سورة مريم.
(٣٧) أخرجه البخاري في: ٣٤ - كتاب البيوع (٢٩) باب ذكر القين والحداد، حديث (٢٠٩١)، فتح
الباري (٤ : ٣١٧)، وفي ١٥: كتاب الإجارة (١٥) باب هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في أرض
الحرب ، الحديث (٢٢٧٥)، فتح الباري (٤ : ٤٥٢)، وفي : ٤٤ - كتاب الخصومات (١٠) باب
التقاضي، حديث (٢٤٢٥)، فتح الباري (٥: ٧٧)، وفي تفسير سورة مريم ، (٣) باب « أفرأيت
الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالاً وولداً)) حديث (٤٧٣٢)، الفتح (٨: ٤٢٩)، والأبواب التي تليه.
فتح الباري (٨ : ٤٣٠ - ٤٣١ ).
وأخرجه مسلم في: ٥٠ - كتاب المنافقين، الحديث (٣٦)، والترمذي في التفسير، تفسير سورة
مريم. والإمام أحمد في ((مسنده)) (٥: ١١٠ - ١١١).
(٣٨) من (ح) فقط، وثابتة في ((المستدرك)).
٢٨١

على قومِه ، فأعطوه الوِلْدَان فجعَلُوا يطُوفُون به في شِعَابٍ مَّةَ وجعل يقول :
أَحَدٌ أَحد))(٣٩).
وحدّثنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدّثنا إِبراهيم بن عِصْمَة العدل ،
قال : حدّثنا السَّريُّ بن خُزيمة ، قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم، قال : حدّثنا
هشام بن أبي عبد الله عن أبي الزُّبَيْر عن جَابِرِ ((أن رسول الله وََّ مَرَّ بعمَّار وأهله
وهم يُعذّبُون فقال أبشروا آل عَمَّار أو آل ياسرٍ فإِنَّ موعدكم الجنّة(٤٠).
أخبرنا أبو الحسين بن بشران ببغداد ، قال : أخبرنا أبو عمرو بن السماك ،
قال : حدّثنا حَنْبَلُ بن إسحاق ، قال : حدّثني أبو عبد الله يُزيد بن أحمد بن
حنبل ، قال: حدّثنا وكيعٌ عن سفيان عن منصور عن مجاهد، قال: ((أوّلُ
شهيدٍ كان في الإِسلام استُشْهِد أمُّ عمّارٍ سُميّة طعنها أبو جهل بحربةٌ في
قُبُلِهَا(٤١) )).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حَدّثَنا أبو العباس محمد بن يعقوب ،
قال: حدّثنا أحمد بن عبد الجبّار، قال: حَدّثنا يونس بن بُكْيْر عن هشام بن
عُروة عن أبيه : ((أن أبا بكرٍ أعتق ممن كان يُعذّبُ في الله سبعةٌ فذكر منهم
(٣٩) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٣: ٢٨٤)، وقال: ((صحيح الإسناد، ولم يخرجاه))، ووافقه
الذهبي، واخرجه ابو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١: ١٤٩)، وابن عبد البر في الاستيعاب .
(٤٠) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)» (٣: ٣٨٨)، وقال: ((صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه )»،
ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٩ : ٢٩٣) من طريق الأعمش، عن عمروبن
مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن عثمان، وقال: ((رواه الطبراني ورجاله ثقات))، وهو في سيرة
. ابن هشام (١: ٣٤٢): ((صبراً آل ياسر موعدكم الجنة)).
(٤١) الاستيعاب (٤: ٣٣٠) على هامش الإصابة والإصابة (٤: ٣٣٥) كلاهما في ترجمة سمية أم عمار
ابن ياسر .
٢٨٢

الزِّنيرة(٤٢). قال فذهب بَصرُها وكانت ممن يُعَذَّبُ في الله على الإِسلام فتأبى
إِلَّ الإِسلام فقال المشركون : ما أصاب بصرها إلا اللَّتُ والعُزَّى. فقالت :
كلا، والله ما هو كذلك فردَّ الله عليها بَصَرها)»(٤٢).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه ،
قال : أخبرنا بِشُرُ بن موسى ، قال : حدّثنا الحُمْيْدي ، قال : حدّثنا سفيان ،
قال : حدّثنا بيانُ بن بِشرٍ وإسماعيلُ بن أبي خالد ، قالا : سمعنا قيساً يقول
سمعت خَبَّاباً يقول: ((أتيت رسول الله وََّ وهو مُتَوسِّدٌ بُرْدَهُ في ظل الكعبة وقد
لقينا من المشركين شِدَّة شديدة ، فقلت : يا رسول الله ألا تدعو الله لنا فقعد وهو
مُحمِّرٌ وجهه فقال إن مَنْ كان قَبْلُكُم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمِهِ
من لحمٍ أو عَصَبٍ ما يَصْرِفُهُ ذلك عن دينه ، ويوضع المنشار على مفرق رأسهِ
فُشقُّ باثنين (٤٣) ما يصرفه ذلك عن دينه ولُيُتِمَّنَّ اللّه هذا الأمر حتى يسير الراكب
من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله عز وجل - زاد بيان: والذئب على
غنّمِهِ )) .
رواه البخاري في الصحيح عن الحُمْيديّ (٤٣).
وأخرجاه من أَوْجُهٍ أُخَر عن إسماعيل (٤٤) .
(٤٢) زنيرة مولاة أبي بكر الصديق، كانت من السابقات إلى الاسلام، وممن يعذب في اللّه، وذكر الخبر في
ترجمتها ابن عبد البر في الاستيعاب (٤: ٣٢٢) على هامش الإصابة، وابن حجر في الإصابة (٤ :
٣١١).
(٤٣) في (م) و(ص) و(هـ): ((باثنتين)).
(٤٤) البخاري عن الحميدي في: ٦٣ - كتاب مناقب الانصار، (٢٩) باب مالقي النبي وّله من المشركين
بمكة ، حديث (٣٨٥٢)، فتح الباري (٧ : ١٦٤ - ١٦٥).
(٤٤) كذا في الأصل ، وليس في مسلم ، إنما أخرجه البخاري ايضاً في الاكراه عن مسدّد، فتح الباري
(١٢ : ٣١٥)، وفي علامات النبوة في الاسلام، عن محمد بن المثنى، عن يحيى، عن اسماعيل،
فتح الباري (٦: ٦١٩)، وأبو داود في الجهاد عن عمرو بن عون، عن هُشيم، وخالد بن عبد الله، =
٢٨٣

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو بكر القاضي ، قالا : حدّثنا أبو العباس
محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا محمد بن خالد ، قال : حدّثنا أحمد بن خالد ،
قال : حدّثنا إِسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: ((مَرَّ النّبِيُّ ◌َ ﴿﴿ على أبي جهل ،
وأبي سفيان ، وهما جالسان فقال أبو جهل : هذا نبيَّكُم يا بني عَبد شمْسٍ .
فقال أبو سفيان : وتعجب أن يكونَ مِنَّ نبِيُّ والنّبيُّ يكون فيمن هو أقلُّ مِنَّ وأذلٌّ .
فقال أبو جهل : عَجِبْتُ أن يخرج غلامٌ من بين شيوخ نبياً ورسول الله وَّ يسمعُ
فأتاهم ، فقال أمّا أنت يا أبا سفيان، فما لله ورسوله غضبتَ ولكنك حَمِيتَ
للأصل وأمَّا أنت يا أبا الحكم فوالله لتَضْحكنَّ قليلاً ولتبْكِيَنَّ كثيراً(٤٥). قال(٤٦):
بئسما تعدني ابن أخي من نبوتك)) .
= كلاهما عن إسماعيل، تحفة الأشراف (٣: ١١٧)، والإمام أحمد في ((مسنده)) (٥: ١٠٩)،
وذكره ابن كثير في «البداية والنهاية (٣: ٥٩ - ٦٠)، وقال: ((انفرد به البخاري دون مسلم)).
(٤٥) نقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية)). (٣: ٦٥) عن المصنف، وقال: ((هذا مرسل من هذا
الوجه ، وفيه غرابة)».
(٤٦) نهاية المقابلة مع النسخة المرموز اليها بالرمز ( م)،.
وانظر وصف النسخة في تقدمتنا للكتاب في الجزء الاول.
٢٨٤

باب
الهجرة الأولى الى الحبشة ثم الثانية وما ظهر فيها من الآيات
وتصديق النجاشي ومن تبعه [ من القسس ](١) والرهبان
رسولَ الله ◌ِال
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد ، قال : أنبأنا أبو بكر بن
عتاب ، قال : حدّثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة ، قال : أخبرنا إسماعيل بن
أبي أويس قال : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة
في كتاب المغازي، قال: (( ثم إن قريشاً، ائتمرت رويَّتهم(٢) وأشتد مكرهم ،
وهموا بقتل رسول الله و#، أو إخراجه حين رأوا أصحابه يزدادون ويكثرون ،
فعرضوا على قومه أن يعطوهم ديته ويقتلوه ، فأبى ذلك قومه ومنع الله عز وجل
رسوله بحمية رهطه ، واشتدوا على من اتَّبعه على دين الله من أبنائهم واخوانهم
وقبائلهم ، فكانت فتنة شديدة وزلزالاً شديداً فمنهم من عصم الله ومنهم من
افتتن، فلما فُعِل بالمسلمين ذلك(٣) أمرهم رسول الله وَ ﴿ ﴿ حين دخل الشِعْبَ مع
بني عبد المطلب بالخروج إلى أرض الحبشة .
وكان بأرض الحبشة ملك يقال له النجاشي (٤) لا يظلم بأرضه أحد(٥)،
(١) في (هـ): ((ومن تبعه من القسيسين))، وفي (ص): ((ومن معه من القسيسين)).
(٢) في (ص) و (هـ): ((اختمرت رؤوسهم)).
(٣) في (ص) و (هـ): ((فما فُعِلَ ذلك بالمسلمين)).
(٤) النجاشي: واسمه اصحمة ملك الحبشة ، معدود في الصحابة رضي الله عنهم - وكان ممن حَسُنَ =
٢٨٥

وكان يثنى عليه مع ذلك خيراً ، فانطلق إليها عامتهم حين قُهِرُوا وخافوا الفتنة ،
ومكث رسول اللّه ◌ُه فلم يبرح ، وذلك قبل خروج جعفر بن أبي طالب وأصحابه
رضي الله عنهم إلى أرض الحبشة ، وأنهم خرجوا مرتين ، ثم رجع الذين خرجوا
المرة الأولى قبل خروج جعفر وأصحابه حين أنزل الله [ عز وجل ](٦) عليه سورة
النجم ، وكان المشركون يقولون لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه(٧)
وأصحابه ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل ما يذكر به
آلهتنا من الشتم والشر، وكان رسول اللّه لمير قد اشتد عليه ما ناله هو وأصحابه
من أذاهم وتكذيبهم وأحزنته(٨) ضلالتهم وكان يتمنى هُداهم فلما أنزل الله عز
وجل سورة النجم قال: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾(٩) ألقى
الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله عز وجل آخر الطواغيت فقال: (( وإِنهن
الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لَّهِي التي ترتجى)) وكان ذلك من سجع الشيطان
وفتنته ، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة ، وزلت بها ألسنتهم
وتباشروا بها ، وقالوا : إن محمداً قد رجع إلى دينه(١٠) الأول ودين قومه ، فلما
بلغ رسول الله ( آخر النجم سجد، وسجد كل من حضر من مسلم أو مشرك ،
غير أن الوليد بن المغيرة وكان شيخاً كبيراً رفع ملء كفيه تراباً فسجد(١١) عليه ،
فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود بسجود رسول الله والي : فأما
= إسلامه ولم يهاجر ولاله رؤية، فهو تابعي من وجه، صحابي من وجه، وقد توفي في حياة النبي ◌ِؤون
فصلى عليه بالناس صلاة الغائب ، وأصحمة بالعربية يعني: عطية .
(٥) في (ص): ((أحد بأرضه)).
(٦) الزيادة من (ص) و (هـ).
(٧) في (ص) و (هـ): ((قَرِّرْناه)).
(٨) في (ح): ((وأحزنه)).
(٩) الآيتان الكريمتان (١٩ - ٢٠) من سورة النجم.
(١٠) في (ص) و (هـ): ((ديننا)).
(١١) في (ص): ((وسجد)).
٢٨٦

المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين ، ولم يكن
المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان على ألسنة المشركين ، وأما المشركون
فاطمأنت أنفسهم إلى النبي و # وأصحابه لما ألقى في أمنية النبي(١٢) { {*،
وحدثهم الشيطان أن رسول اللّه # قد قرأها في السجدة، فسجدوا لتعظيم
آلهتهم ، وفشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض
الحبشة ، ومر بها من المسلمين عثمان بن مظعون وأصحابه ، وحُدِّثوا أن أهل
مكة قد أسلموا كلهم وصلوا مع رسول الله {143ه ، وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة
على التراب على كفيه ، وحدثوا أن المسلمين قد آمنوا بمكة ، فأقبلوا سراعاً وقد
نسخ الله عز وجل ما ألقى الشيطان وأحكم الله آياته وحفظها من الباطل فقال الله
عز وجل : ﴿وما أرسلنا من قَبْلِك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان
في أمنيته ، فينسخ الله ما يلقى الشيطان ، ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ،
ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإِن
الظالمين لفي شقاق بعيد﴾(١٣).
(١٢) في (ص) و (هـ): ((رسول الله)).
(١٣) سورة الحج آيتا (٥٢ - ٥٣)، وقصة الغرانيق هذه لها طرق كثيرة، ثلاثة اسانيد منها على شرط
الصحيح ، وهي مراسيل يحتج بها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتقاد بعضها بعضاً.
روى (الأول) : الطبري ، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ، والمقدسي في صحيحه كلهم عن سعيد
ابن جبير ، عن ابن عباس -
(والثاني): رواه ابن جرير عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
(الثالث : رواه ابن جرير عن أبي العالية .
قال السهيلي: ((واهل الحديث يدفعون هذا الحديث بالحجة)) ثم اضاف: ((والحديث غير
مقطوع بصحته )).
وقال القاضي عبد الجبار في ((تنزيه القرآن عن المطاعن)) ص (٢٤٣): « فإن قيل : فما المراد
بقوله : إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته)) وكيف يصح ذلك على الأنبياء ؟.
وجوابنا ان المراد : إذا تلى يلحقه السهو في قراءته وذلك معروف في اللغة ، فلذلك قال بعده : =
٢٨٧
٠٠

((فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته)) ولو كان المراد غير ما ذكرناه من التلاوة لم يصح
ذلك.
أما ما يرويه الحشوية من أنه 8* ذكر في قراءته أصنامهم، وقال: ((إن الغرانيق العلى شفاعتهن
ترتجى )) حتى فرح الكفار فلا أصل له ، ومثل ذلك لا يكون إلا من دسائس الملحدة)) .
وحديث الغرانيق هذا متهافت من عدة وجوه وأحسن ما جاء في ردها ما كتبه الأستاذ الكبير:
محمد حسين هيكل في كتاب ((حياة محمد)» # ص (١٧٧ - ١٨٢) وكنت اريد كتابة فحواها إلا
أني رأيت ان اضيفها هنا لاهميتها :
هذه الحجج التي يسوقها من يقولون بصحة حديث الغرانيق ، هي حجج واهية لا تقوم امام
التمحيص ، ونبدأ بدفع حجة المستشرق موير ، فالمسلمون الذين عادوا من الحبشة إنما دفعهم
الى العود الى مكة سببان : اولهما أن عمر بن الخطاب اسلم بعد هجرتهم بقليل. وقد دخل عمر
في دين الله بالحميَّة التي كان يحاربه من قبلُ بها، لم يُخف إسلامه ولم يستتر، بل ذهب يعلنه على
رؤوس الملأ ويقاتلهم في سبيله . ولم يرض عن استخفاء المسلمين وتسللهم إلى شعاب مكة
يقيمون الصلاة بعيدين عن أذى قريش ، بل دأب على نضال قريش حتى صلى عند الكعبة وصلى
المسلمون معه . هنالك أيقنت قريش ان ما تنال به محمداً وأصحابه من الأذى يوشك ان يثير حرباً
اهلية لا يعرف احد مداها ولا على من تدور دائرتها . فقد اسلم من قبائل قريش وبيوتاتها رجال تثور
لقتل أيّ واحد منهم قبيلته وإن كانت على غير دينه . فلا مفرّ إذاً من الالتجاء في محاربة محمد إلى
وسيلة لا يترتب عليها هذا الخطر . وإلى ان تتفق قريش على هذه الوسيلة . هادنت المسلمين فلم
تنل أحداً منهم بأذى وهذا هو ما اتصل بالمهاجرين الى الحبشة ، ودعاهم إلى التفكير في العود إلى
مکة.
وربما تردّدوا في هذا العود لو لم يكن السبب الثاني الذي تُبِّت عزمهم ، ذلك أن الحبشة شبّت بها
يومئذ ثورة على النجاشي ، كان دينه وكان ما ابدى من عطف على المسلمين بعض ما أذيع فيها من
تهم وجهت اليه . ولقد ابدى المسلمون احسن الأماني ان ينصر الله النجاشي على خصومه ؛
لكنهم لم يكونوا ليشاركوا في هذه الثورة وهم أجانب، ولم يك قد مضى على مقامهم بالحبشة غير
زمن قليل. أما وقد ترامت إليهم أنباء الهدنة بين محمد وقريش ، هدئة أنجت المسلمين مما كان
يصيبهم من الأذى ، فخير لهم أن يدعوا الفتنة وراء ظهورهم وان يلحقوا بأهليهم ؛ وهذا ما فعلوه
كلهم او بعضهم. على أنهم ما كادوا يبلغون مكة حتى كانت قريش قد ائتمرت ما تصنع بمحمد
واصحابه، واتّفقت عشائرها وكتبوا كتاباً تعاقدوا فيه على مقاطعة بني هاشم مقاطعة تامة ؛ فلا
ينكحوا اليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم، وبهذا الكتاب عادت الحرب العوان
٢٨٨

بين الفريقين ، ورجع الذين عادوا من الحبشة، وذهب معهم من استطاع اللحاق بهم . وقد وجدوا
هذه المزة عَنْتاً من قريش إذا حاولت ان تمنعهم من الهجرة .
ليس الصلح الذي يشير إليه المستشرق موير، هو إذا الذي دعا المسلمين إلى العودة من بلاد
الحبشة ، إنما دعاهم هذه الهدنة التي حدثت على إثر إسلام عمر وحماسته في تأييد دين الله .
فتأييد حديث الغرانيق إذاً بحجة الصلح تأييد غير ناهض.
أمّا احتجاج المحتجين من كتاب السيرة والمفسرين بالآيات .: ﴿وإِنْ كَادُوا لَيَفتنونك ﴾ و ﴿ وَمَا
أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إلَّ إذَا تَمَنَّى الْقى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنَّتِهِ .. ﴾ فهو احتجاج أشدُّ
تهافتاً من حجة السير موير ويكفي أن نذكر من الآيات الأولى قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَنْ
بْنَاكَ لَقَدْ كِدْت تَرْكَنُ إليهم شَيْئاً قَليلاً﴾ لنرى أنه إن كان الشيطان قد ألقى في أمنية
الرسول حتى لقد كان يركن اليهم شيئاً قليلاً فقد ثبته الله فلم يفعل، ولو أنه فعل لأذاقه الله ضعف
الحياة وضعف الممات .. وإذاً فالاحتجاج بهذه الآيات احتجاج مقلوب. فقصة الغرانيق تجري بأن
محمداً ركن إلى قريش بالفعل. وان قريشاً فتنته بالفعل فقال على الله ما لم يقل. والآيات هنا تفيد
أن الله ثبّته فلم يفعل. فإذا ذكرت كذلك أن كتب التفسير واسباب النزول جعلت لهذه الآيات
موضعاً غير مسألة الغرانيق، رأيت ان الاحتجاج بها في مسألة تتنافى في عصمة الرسل في تبيلغ
رسالاتهم، وتتنافى مع تاريخ محمد كله ، احتجاج متهافت ، بل احتجاج سقيم.
أما الآيات ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبِلِكَ مِنْ رَسُولٍ .. ﴾ فلا صلة لها بحديث الغرانيق البتة، فضلاً عن
ذكرها ان الله ينسخ ما يلقي الشيطان ويجعله فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ،
ويُحكم الله آياته والله عليم حكيم.
وندع هذا إلی تمحيص القصة التمحیص العلمي الذي يُثبت عدم صحتها. واول ما يدل على ذلك
تعدّد الروايات فيها ، فقد رويت ، كما سبق القول. على انها : تلك الغرانيق العلا وإذا شفاعتهن
لترتجى. ورواها بعضهم: ((الغرائقة العلا إن شفاعتهم ترتجى)). وروى آخرون: ((إن شفاعتهم
ترتجى)) دون ذكر الغرائقة او الغرانيق. وفي رواية رابعة: ((وإنها لهي الغرانيق العلا)» وفي رواية
خامسة: ((وإنهن لهن الغرانيق العلا . وإن شفاعتهم لهي التي ترتجى)) وقد وردت في بعض كتب
الحديث روايات أخرى غير هذه الروايات الخمس . وهذا التعدُّد في الروايات يدلّ على أن
الحديث موضوع، وانه من وضع الزنادقة . كما قال ابن إسحاق، وان الغرض منه التشكيك في
صدق تبليغ محمد رسالات ربه.
ودليل آخر أقوى واقطع ؛ ذلك سياق سورة النجم وعدم احتماله لمسألة الغرانيق. فالسياق يجري
بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأْى من آيات رَبِّهِ الْكُبْرَى أَفْرَأَيْتُمُ اللّت والعُزّى وَمَنَاهَ الثَّالِثَةِ الْأُخْرَىَ، أَلَكُمُ الذِّكَرَ وْلَهُ
الأَنْثَى تَلْك إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى. إِنْ هِيَ إِلَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُموها أَنْتُمُ وَآبَاءُكُمْ مَا أَنْزَلَ الله بِها مِنْ سُلْطَانٍ .
٢٨٩
( م. ١٠ - دلائل النبوة جـ ٢ )

إِنْ يَتْبِعُون إِلَّ الظَنَّ وَمَا تَهْوَى أَلَأَنْفُسُ وَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَىْ﴾ .
وهذا السياق صريح في أن اللَّات والعزّى أسماء سَمّاها المشركون هم وآباؤهم ما أنزل الله بها
من سلطان . فكيف يحتمل ان يجري السياق بما يأتي: «أفرأيتم اللات والعزى . ومناة الثالثة
الأخرى . تلك الغرانيق العلا . إن شفاعتهنَّ ترتجى. ألكم الذكر وله الأنثى . تلك إذاً قسمة
ضيزى . إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان)» إن
في هذا السياق من الفساد والاضطراب والتناقض، ومن مدح اللات والعزّى ومناة الثالثة الأخرى
وذمها في أربع آيات متعاقبة ، ما لا يسلّم به عقل ولا يقول به إنسان، ولا تبقى معه شبهة في أن
حديث الغرانيق مفترى وضعه الزنادقة لغاياتهم ، وصدّقه من يسيغون كل غريب ومن تقبل عقولهم
ما لا يسيغ العقل المنطقي .
وحجة أخرى ساقها المغفور له الاستاذ محمد عبده حين كتب يفندّ قصة الغرانيق . تلك أن وصف
العرب لآلهتهم بأنها الغرانيق لم يرد في نظمهم ولا في خطبهم ، ولم ينقل عن أحد أن ذلك
الوصف كان جارياً على ألسنتهم ، وإنما ورد الغرنوق والغرنيق على أنه اسم لطائر مائي أسود او
أبيض، والشابّ الأبيض الجميل . ولا شيء من ذلك يلائم معنى الآلهة ، أو وصفها عند العرب.
بقيت حجة قاطعة، نسوقها للدلالة على استحالة قصة الغرانيق هذه من حياة محمد نفسه ؛ فهو منذ
طفولته وصباه وشبابه لم يجرب عليه الكلب قط حتى سُمى الأمين ولمًّا يبلغ الخامسة والعشرين من
عمره . وكان صدقه أمراً مسلماً به عند الناس جميعاً، حتى لقد سأل قريشاً يوماً بعد بعثه: ((أرأيتم
لو أخبرتكم ان خيلاً بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقوني؟)) فكان جوابهم: ((نعم ! أنت عندنا غير
متَّهم وما جرّبنا عليك كذباً قط )). فالرجل الذي عُرف بالصدق في صلاته بالناس منذ نعومة أظفاره
إلى كهولته كيف يصدّق إنسان أنه يقول على ربّه ما لم يقل ، ويخشى الناس والله أحق ان يخشاه !
هذا امر مستحيل ، يُدرك استحالته الذين درسوا هذه النفوس القويّة الممتازة التي تعرف الصلابة في
الحق ولا تداجى فيه لأي اعتبار. وكيف ترى يقول محمد : لو وضعت قريش الشمس في يمينه
والقمر في شماله على أن يترك هذا الأمر او يموت دونه ما فعل ، ثم يقول على الله ما لم يوح إليه ،
ويقوله لينقض به أساس الدّين الذي بعثه الله به هدّى وبشرى للعالمين !
ومتى رجع إلى قريش يمدح آلهتهم ؟ بعد عشر سنوات أو نحوها من بعثه . وبعد ان احتمل هو
وأصحابه في سبيل الرسالة من الوان الأذى وصنوف التضحية ما احتمل، وبعد ان أعزَّ الله الإِسلام
بحمزة وعمر، وبعد ان بدأ المسلمون يصبحون قوّة بمكة ، ويمتدّ خبرهم إلى بلاد العرب كلها
وإلى الحبشة وإلى مختلف نواحي العالم . إن القول بذلك حديث خرافة وأكذوبة ممجوجة. ولقد
شعر الذين اخترعوها بسهولة افتضاحها، فأرادوا سترها بقولهم : إن محمداً ما كاد يسمع كلام قريش
إذ جعل لآلهتهم نصيباً في الشفاعة حتى كبر ذلك عليه ، وحتى رجع إلى الله تائباً أول ما أمسى =
٢٩٠

فلما بَيَّن الله عز وجل قضاءه وبرّأه من سجع الشيطان ، انقلب المشركون
بضلالتهم وعداوتهم على المسلمين واشتدوا عليهم .
قال : وكان عثمان بن مظعون وأصحابه فيمن رجع فلم يستطيعوا أن
يدخلوا مكة حتى بلغهم شدة المشركين على المسلمين إلا بجوار فأجار الوليد
ابن المغيرة عثمان بن مظعون، فلما رأى عثمان الذي يلقى رسول الله اله
وأصحابه من البلاء وعُذِّبَ طائفةٌ منهم بالنار والسياط وعثمان معافىً لا يُعْرَضَ
له ، استحَبَّ البلاء على العافية فقال أما من كان في عهد الله عزّ وجل وذمته
وذمة رسوله # التي اختار الله لأوليائه من أهل الإِسلام فهو مبتلىَّ ومن دخل فيه
= ببيته وجاءه جبريل فيه . لكن هذا السّتْر احرى ان يفضحها . فما دام الأمر قد كبر على محمد منذ
سمع مقالة قريش ، فما كان احراه أن يراجع الوحي لساعته ! وما كان احراه أن يُجْرِي الوحيُّ
الصواب على لسانه؟ وإذاً فلا أصل المسألة الغرانيق إلا الوضع والاختراع. قامت بهما طائفة الذين
اخذوا أنفسهم بالكيد للإسلام بعد انقضاء الصدر الأول .
٠
وأعجب ما في جرأة هؤلاء المفترين انهم عرضوا للافتراء في أمّ مسائل الإِسلام جميعاً: في
التوحيد ! في المسألة التي بعث محمد لتبليغها للناس منذ اللحظة الأولى، والتي لم يقبل فيها منذ
تلك اللحظة هوادة ، ولا أماله عنها ما عرضت عليه قريش ان يعطوه ما يشاء من المال او يجعلوه
ملكاً عليهم . وعرضوا ذلك عليه حين لم يكن قد اتَّبعه من أهل مكة إلا عدد يسير . وما كان اذى
قريش لأصحابه ليجعله يرجع عن دعوة امرّه ربه ان يبلغها للناس . فاختيار المفترين لهذه المسألة
التي كانت صلابة محمد فيها غاية ما عُرف عنه من الصلابة ، يدلّ على جرأة غير معقولة ، ويدلّ
في الوقت نفسه على أن الذين مالوا إلى تصديقهم قد خُدِعوا فيما لا يجوز أن يُخْدَع فيه احد .
لا أصل إذاً لمسألة الغرانيق على الإطلاق، ولا صلة البتة بينها وبين عودة المسلمين من الحبشة،
إنما عادوا ، كما قدّمنا، بعد أن أسلم عمر ونصرَ الإِسلام بمثل الحميَّة التي كان يحاربه من قبل
بها ، حتى اضطُرْت قريش لمهادنة المسلمين. وعادوا حين شبّت في بلاد الحبشة ثورة خافوا
مغبّتها. فلما علمت قريش بعودتهم ازدادت مخاوفها أن يعظمُ امر محمد بينهم ، فأتمرت ما
تصنع . وقد انتهت بوضع الصحيفة التي قرّروا فيها فيما قرروا ألا يناكحوا بني هاشم ولا يبايعوهم
ولا يخالطوهم ، كما أجمعوا فيما بينهم ان يقتلوا محمداً إن استطاعوا .
٢٩١

فهو خائف وأما من كان في عهد الشيطان وأوليائه من الناس فهو معافىًّ ، فعهد
إلى الوليد بن المغيرة فقال يا عم قد أجرتني وأحسنت إليَّ فأنا أحب أن تخرجني
إلى عشيرتك فتبرأ مني بين ظهرانيهم ، فقال الوليد : يا ابن أخي لعل أحداً من
قومك آذاك أو شتمك وأنت في ذمتي فأكفيك ذاك ، قال : لا والله ما اعترض لي
أحد ولا آذاني ، فلما أبى إلا أن يبرأ منه الوليد ، أخرجه إلى المسجد وقريش فيه
كأحفل ما كانوا ، ولبيد بن ربيعة الشاعر ينشدهم فأخذ الوليد بيد عثمان فأتى به
قريشاً فقال إن هذا قد غلبني وحملني على أن أَتْبرّا من جواره ، وإني أشهدكم
أني بريء منه إِلَّ أنْ يَشَاءَ، فقال عثمان: صدق، أنا والله أكرهته على ذلك
وهو مني بريءٌ ثم جلسنا مع القوم ولبيد ينشدهم فقال لبيد :
ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل
فقال عثمان صدقت ، ثم أتم لبيدٌ البيت فقال :
وكل نعيم لا محالة زائل
فقال عثمان : كذّبت(١٤)، فأسكتّ القوم ولم يدروا ما أراد بكلمته ثم
أعادوها(١٥) الثانية وأمروه بذلك فقال عثمان حين أعادها مثل كْلِمَتَيْهِ الأولتين صدقه
مرة وكذبه مرة(١٦) وإِذا ذكر ما خلا الله باطل صدقهُ وإذا ذكر كل نعيم لا محالة
زائلُ كذبه ، لأن نعيم الجنة لا يزول ، فنزل عند ذلك رجل من قريش ، فلطم
عين عثمان بن مظعون - رضي الله عنه - فاخضرت. فقال الوليد بن المغيرة
وأصحابه : قد كنت في ذمة مانعة ممنوعة (١٧) فخرجت منها وكنت عن الذي
(١٤) في السيرة لابن هشام: ((كذبت، نعيم الجنة لا يزول)).
(١٥) في (ص): ((أعادوا الثانية))، وفي (ح): ((أعادها)).
(١٦) في (ح): ((أخرى)).
(١٧) في (هـ): ((في ذمة مانعة، ومنعة ممنوعة)). وفي (ص): ((في ذمة ومنعة ممنوعة)).
٢٩٢

لقيت غنياً . فقال عثمان : بل كنت إلى الذي لقيت منكم فقيراً ، وعيني التي لم
تلطم إلى مثل ما لقيت صاحبتها فقيرة ، ولي فيمن هو أحب إليَّ منكم
أسوة(١٨)، فقال الوليد بن المغيرة: إن شئت أجرتك الثانية ، فقال عثمان بن
مظعون : لا أرب لي في جوارك (١٩).
وخرج جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في رهط من المسلمين عند
ذلك فراراً(٢٠) بدينهم أن يُفْتَنوا عنه إلى أرض الحبشة ، وبعثت قريش عمرو بن
العاص ، وعمارة بن الوليد بن المغيرة ، وأمروهما أن يسرعا السير، فَفَعَلا
وأهدّوْا للنجاشي فرساً ، وجُبَّةَ ديباج ، وأهدَوْا لعظماء الحبشة هدايا، فلما قدما
على النجاشي قبل هداياهم ، وأجْلَسَ عمرو بن العاص على سريره ، فقال
عمرو : إن بأرضك رجالاً منا سفهاء ليسوا على دينكم ولا على ديننا ، فادفعهم
إلينا ، فقالت عظماء الحبشة للنجاشي : أَجَلْ فادفعهم إليهم ، فقال النجاشي :
لا والله، لا أدفعهم إليهم حتى أكلمهم وأعلم على أي شيء هم . فقال عمرو
ابن العاص : هم أصحاب الرجل الذي خرج فينا وسنخبرك بما نعرف من سفههم
وخلافهم الحقَّ أنهم لا يشهدون أن عيسى ابن الله ، ولا يسجدون لك إذا دخلوا
عليك كما يفعل من أتاك في سلطانك .
فأرسل النجاشيُّ إلى جعفر وأصحابه ، وأجلس النجاشي عمرو بن العاص
على سريره فلم يسجد له جعفر ولا أصحابه ، وحيوه بالسلام ، فقال عمرٌو
وعمارة : ألم نُخبرك خبر القوم والذي يُرادُ بك ؟ فقال النجاشيُّ : ألا تحدثوني
أيها الرهط ! ما لكم لا تحيوني كما يحييني من أتاني من قومكم وأهل بلادكم
(١٨) في السيرة لابن هشام بعده: ((وإني لفي جوار من هو اعز منك وأقدر يا ابا عبد شمس)).
(١٩) الخبر في سيرة ابن هشام (١ : ٣٩١ - ٣٩٢).
(٢٠) في (ص): ((فارّین)).
٢٩٣

وآخرون ؟ [ وأخبروني ](٢١) ماذا تقولون في عيسى بن مريم ؟ وما دينكم:
أنصارى أنتم ؟ قالوا : لا ، قال : أفيهود أنتم ؟ قالوا : لا ، قال : فعلى دين
قومكم ؟ قالوا : لا . قال : فما دينكم ؟ قالوا : الإِسلام . قال : وما الإِسلام ؟
قالوا : نعبد الله وحده لا شريك له(٢٢) ولا نشرك به شيئاً .
قال : من جاءكم بهذا؟ قالوا : جاءنا به رجل من أنفُسِنا قد عرفنا وجهَه
ونسَبَه ، بعثه(٢٣) الله إلينا كما بعث الرسل إلى من قبلنا، فأمرنا بالبر والصدق
والوفاء وأداء الأمانة ، ونهانا أن نعبد الأوثان ، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك
به ، فصدقناه وعرفنا كلام الله تعالى ، وعلمنا أن الذي جاء به من عند الله ، فلما
فعلنا ذلك عادانا قومنا وعادوا النبي صل* الصادق، وكذبوه، وأرادوا قتله ،
وأرادونا على عبادة الأوثان ، فَفّرَرْنًا إليك بديننا ودمائِنا من قومنا ، ولو أقرونا
استقررنا .
فقال النجاشي : والله إن خرج هذا الأمر إلا من المشكاة التي خرج منها
أمر عيسى عليه السلام(٢٤) قال جعفر: وأما التحية فإِن رسولنا أخبرنا أن تحية
أهل الجنة السلام وَأَمَرَنَا بذلك فَحَيَّيْنَاكَ بالذي يُحَيِّي [ به ](٢٥) بَعْضُنا بعضاً.
وأما عيسى بن مريم عليه السلام فهو عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى
مريم وروح منه ، وابن العذراء البتول فخفض النجاشي يده إلى الأرض فأخذ
منها عوداً وقال : والله ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود .
(٢١) الزيادة من (ص ).
(٢٢) الزيادة في (ح ) فقط.
(٢٣) في (ص): ((فبعثه)).
(٢٤) في (ح) ((موسى)) وكذا في البداية والنهاية (٣ : ٧٣)؛ واثبتُ ما في (ص).
(٢٥) زيادة من (ح).
٢٩٤

فقال عظماء الحبشة : والله لئن سمعت هذا الحبشة لتَخْلَعَنَّكَ . فقال
النجاشي: والله لا أقول في عيسى غير هذا أبداً، وما أطاع الله [عز وجل ](٢٦)
الناس فيَّ حين رَدَّ إليَّ مُلكي، فأنا أطيع الناس في دين الله، معاذ الله من
ذلك(٢٧) .
وكان أبو النجاشي مَلِكَ الحبشة ، فمات والنجاشي غلام صغير ، فأوصى
إلى أخيه : أَنَّ إليك ملك قومي حتى يبلغ ابني ، فإِذا بَلَّغَ فله الملك ، فرغب
أخوه في الملك فباع النجاشي من بعض التّجار ، فقال للتاجر : دعه حتى إذا
أردت الخروج فآذِنّي فأدفَعَهُ إليك فَآذَنَّه التاجرُ بخروجه فأرسل بالنجاشي حتى
أوقَفَّهُ عند السفينةِ ولا يَدرِي النجاشيُّ ما يراد به، فأخذ الله عز وجل عَمَّه الذي
باعه صعقاً فمات(٢٨)، فجاءت الحبشة بالتاج فجعلوه على رأس النجاشي ،
وملكوه .
فلذلك قال النجاشي : والله ما أطاع الله الناس فيَّ حين رد [ الله ](٢٩)
عليَّ ملكي وزعموا أن التاجر الذي كان ابتاعه قال: ما لي بُدُّ من غلامي الذي
ابتعت أو مالي ، قال النجاشي: صدقت ، فادفعوا إليه ماله(٣٠).
فقَال النجاشي حين كلمه جعفر بما كلمه وحين أبى أن يدفعهم إلى
(٢٦) زيادة من (ص).
(٢٧) هذه رواية أم سلمة للحديث وهي في سيرة ابن هشام (١ : ٣٦٢) عن الزهري ، عن عروة بن
الزبير، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام ، عن أم سلمة ، وأخرجه أحمد في
«مسنده)). (١: ٢٠١) و(٥: ٢٩٠)، والهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦: ٢٤ - ٢٧)، وقال:
(((رواه احمد، ورجاله رجال الصحيح))، ونقله الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٣: ٧٢).
(٢٨) في (ح): ((قعصاً)) وكذا في (ص)، والأوكد انها صعقاً، حيث انه اصابته صاعقة فقتلته .
(٢٩) من (ص).
(٣٠) رواية موسى بن عقبة. البداية والنهاية (٣: ٧٦)، وقال: وسياق ابن إسحاق أحسن وأبسط.
٢٩٥

عمرو : أرجعوا إلى هذا هديته - يريد عمرو بع العاص - والله لو رَشَوْني في هذا
دَبْرَ ذَهَبٍ والدَّبُرُ في لسان الحبشة الجَبَل ـ ما قبلته .
وقال لجعفر وأصحابه : امكثوا فإِنكم سُيُّومٌ والسيوم الآمنون ، قد منعكم
الله عز وجل . وأمر لهم بما يصلحهم من الرزق وقال : من نظر إلى هؤلاء
الرهط نظرة تؤذيهم فقد رَغِمَ أي فَقَدْ عصاني (٣١).
وكان الله عز وجلّ قد ألقى العداوة بين عمرو بن العاص وعمارة في
مسيرهما قبل أن يقدما إلى النجاشي ، ثم اصطلحا حين قدما على النجاشي
ليدركا حاجتهما التي خرجا إليها من طلب المسلمين ، فلما أخطأهما ذلك رجعا
إلى أشد ما كانا عليه من العداوة وسوء ذات البين ، فمكر عمرو بعمارة ، فقال :
يا عمارة ! إنك رجل جميل فاذهب إلى امرأة النجاشي فتحدث عندها إذا خرج
زوجها ، فإِن ذلك عون لنا في حاجتنا ، فراسلها عمارة حتى دخل عليها ، فلما
دخل عليها انطلق عمرو إلى النجاشي ، فقال له : إن صاحبي هذا صاحب
نساء، وإِنه يريد أهلك فاعْلَمْ عِلمَ ذلك ، فبعث النجاشي فإِذا عُمارةُ عند
امرأته ، فأمر به فنفخ في إحليله ، ثم ألقي في جزيرة من البحر فجن واستوحش
مع الوحش ، ورجع عمرو إلى مكة قد أهلك الله صاحبه وخيب مسيره ومنعه
حاجته (٣٢) .
وقد روينا قصة إلقاء الشيطان في أمنيته )) عن محمد بن إسحاق بن يسار .
وروى محمد بن إسحاق بن يسار قصة عثمان بن مظعون عن صالح بن
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف سماعاً منه عمن حدثه ، وذلك فيما أخبرناه أبو
عبد الله الحافظ ، أن أبا العباس الأصم حدثهم ، قال : حدّثنا أحمد بن عبد
(٣١) سيرة ابن هشام (١: ٣٦٠ - ٣٦١).
(٣٢) مجمع الزوائد (٦: ٣١) وقال: ((رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح)).
٢٩٦

الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق فذكر القصتين ، بمعنى
موسى بن عقبة ، وأما قصة الهجرة فهي مروية في أحاديث موصولة .
أما الهجرة الأولى إلى الحبشة ففيها : أنبأنا أبو الحسين بن الفضل
القطان ، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه ، قال : حدّثنا يعقوب بن
سفيان ، قال : حدّثني العباس بن عبد العظيم ، قال حدثني بشر بن موسى
الخفاف قال : حدّثنا الحسين بن زياد البُرجُمي إمام مسجد محمد بن واسع ،
قال : حدثنا قتادة، قال: (( إن أول من هاجر إلى الله عز وجل بأهله عثمان بن
عفان [ وسمعت النضر بن أنس يقول سمعت أبا حمزة يعني أنساً يقول خرج
عثمان بن عفان ومعه رقية بنت رسول اللّه ◌َل](٣٣) إلى أرض الحبشة فأبطأ
خبرهم على رسول اللّه ◌َ﴾(٣٤)، فقدمت امرأة من قريش فقالت: يا محمد! قد
رأيت ختنك ، ومعه امرأته ، قال : على أي حال رأيتيهما ، قالت : رأيته قد
حمل امرأته على حمار من هذه الدّبّانة، وهو يسوقُها فقال رسول اللّه وال
صحبهما اللّه إن عثمان لأوّل من هاجر بأهله بعدَ لُوط))(٣٥) وأخبرنا أبو عبد الله
الحافظ قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إِسحاق الخراساني ببغداد قال حدّثنا
يحيى بن جعفر عن الزبرقان قال حدثنا بشر بن موسى ، فذكره بإسناده ومعناه
عالياً .
وأما الهجرة الثانية إلى الحبشة وهي فيما زعم الواقدي سنة خمسٍ من
مبعث النبي * ففيما حدّثنا الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك - رحمه
الله - قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر بن أحمد الأصبهاني، قال: حدّثنا يونس
(٣٣) الزيادة من (ص)، ومكانها في (ح): ومعه رقية بنت رسول الله (18)).
(٣٤) في (ح): ((فأبطأ على رسول اللّهِ وَل خبرهم)).
(٣٥) ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد » (٩: ٨٠ - ٨١) وقال: ((رواه الطبراني، وفيه عثمان بن خالد
العثماني وهو متروك)».
٢٩٧

ابن حبيب ، قال : حدّثنا أبو داود الطيالسي، قال : حدّثنا خُدّيج بن معاوية عن
أبي إسحاق [ عن عبد الله بن عتبة](٣٦)، عن عبد الله بن مسعود ، قال :
((بعثنا رسول الله ﴿ إِلى النجاشي، ونحن ثمانون رجلاً، ومعنا جعفر بن
أبي طالب ، وعثمان بن مظعون ، وبعثت قريش عمارة وعمرو بن العاص وبعثوا
معه بهدية إِلى النجاشي ، فلما دخلا عليه سجدا له وبعثا إِليه بالهدية ، وقالا :
إِن ناساً من قومنا(٣٧) رغبوا عن ديننا وقد نزلوا بأرضك قال وأين هم؟قالا هم في
أرضك فبعث إليهم النجاشي فقال جعفر : أنا خطيبكم اليوم ، فاتبعوه حتى
٤
دخلوا على النجاشي فلم يسجدوا له ، فقالوا : مالكم لم تسجدوا للملك،
فقال : إن الله عز وجل بعث إلينا نبيه فأمرنا أن لا نسجد إلا لله تبارك وتعالى ،
فقال النجاشي : وما ذاك ؟ قال عمرو بن العاص إِنهم يخالفونك في عيسى قال فما
يقولون في عيسى وأمه قالوا نقول كما قال الله عز وجل هو روح اللّه وكلمته ألقاها
إلى العذراء [ البتول ](٣٨) التي لم يمسَّها بشر ولم يفرضها ولد، فتناول النجاشي
عوداً، فقال : يا معشر القسيسين والرهبان ما تزيدون على ما يقول هؤلاء ما تزن
هذه فمرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، فأَنا أَشهد أنه نبي ، ولوددت أني عنده
فأحمل نعليه ، أَو قال : أَخدمه، فأَنزلوا حيث شئتم من أرضي - فجاء ابن مسعود
فبادر فشهد بدراً))(٣٩).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي ، قالا :
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب قال حدثنا محمد بن عبد الوهاب قال أخبرنا
جعفر بن عون، قال: أخبرنا أبو عيسى، عن القاسم، قال: ((خرج عبد الله
ابن مسعود في رهط من أصحاب رسول اللّه وَليل إلى أرض الحبشة في البحر وكان
(٣٦) سقطت من (ح).
(٣٧) في (ص): ((قريشاً))، وفي ((البداية والنهاية)) ((بني عمنا)).
(٣٨) ليست في (ص).
(٣٩) ((البداية والنهاية)) (٣ : ٦٩).
٢٩٨

بها سوق يبيعون ويشترون، فانطلق عبد الله وحده وأخذ ما معه فقال له صاحب
منزله : إني أراك تنطلق وحدك وإني أحذرك رجلًا بلغ من شره لا يلقى غريباً إِلا
ضربه أو قتله وأخذ ما معه .
قال : ثم وصف لي صفة الرجل فلما جئت السوق غرفته بالصفة فجعلت
استخفي منه بالناس لا يأخذ طريقاً إِلا أُخذت غيره حتى بعت ما معي بدينارين
ثم إِني غفلت غفلة فلم أشعر إلا وهو قائم على رأسي قد أخذ بيدي فجعل
يسألني ما معك قال قلت له أتجعل لي إِن يخلي سبيلي أعطك ما معي قال وكم معك
قلت ديناران قال : زدني ، قلت : ما بعت إلا بهما، قال : زدني، قال : فبينما
هو إذا بصر به رجلان وهما على تل فانحطا نحوه ، فلما رآهما خلى
سبيلي وهرب، فجعلت أناديه هاك الدينارين فقال لا حاجة لي فيهما واتبعا
ورجعت إلى أصحابي )).
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد قال أخبرنا أبو عمرو بر
السماك قال حدثنا الحسن بن سلام ح وأخبرنا أبو القاسم عبد الخالق بن علي
ابن عبد الخالق المؤذن قال أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حبيب(٤٠)، قال :
حدثنا أبو علي : الحسن بن سلام السَّواق سنة خمس وسبعين ومائتين ، قال :
حدثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا إِسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي بردة،
عن أبيه قال ((أمرنا رسول الله و 18 ان ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض
الحبشة ، قال : فقدمنا فبعث إلينا قال لنا جعفر لا يتكلم(٤١) منكم أحدٌ أنا خطيبكم
اليوم .
(٤٠) في (ص): ((خَنْب)).
(٤١) في (ص): ((لا يتكلمن)).
٢٩٩

قال : فانتهينا إِلى النجاشي وهو جالس في مجلسه فزبرنا من عنده من
القسيسين والرهبان أسجدوا للملك فقال جعفر لا نسجد إلا لله قال له النجاشي :
وما منعك أن تسجد؟ قال: لا نسجد إِلا الله، قال: وما ذاك؟ قال: إن الله عز
وجل بعث إلينا رسوله ، وهو الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم يأتي من بعدي
اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ،
وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر .
فأعجب النجاشي قوله قال فما يقول صاحبك في ابن مريم ، قال : يقول
.فيه هو روح الله وكلمته أخرجه من العذاراء البتول التي لم يقربها بشر، فتناول
النجاشي عوداً من الأرض، فقال : يا معشر القسيسن والرهبان: ما يزيد هؤلاء
على ما تقولون في ابن مريم ما تزن هذه . مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده فأنا
أشهد أنه رسول الله وإنه بشر به عيسى بن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته
حتى أُحمل نعليه امكثوا في أرضي ما شئتم وأمر لنا بطعام وكسوة)).
قلت هذا إِسناد صحيح (٤٢) وظاهره يدل على أن أبا موسى كان بمكة ،
وإنه خرج مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه إلى أرض الحبشة ، والصحيح
عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى ((أنه بلغهم
مخرج رسول اللّه وَّر وهم باليمن فخرجوا مهاجرين في بضع وخمسين رجلاً في
سفينة فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بالحبشة فوافقوا جعفر بن أبي طالب وأصحابه
عنده فأمرهم جعفر بالإِقامة فأقاموا حتى قدموا على رسول الله (﴿ زمن خيبر)).
فأبو موسى شهد ما جرى بين جعفر وبين النجاشي ، فأخبر عنه ولعل
الراوي وَهَم في قوله أمرنا رسول الله وَّ أَن ننطلق والله أعلم.
(٤٢) وأخرجه أبو نعيم في الدلائل، ونقله الحافظ ابن كثير في («البداية والنهاية)) (٣: ٧٠).
٣٠٠