النص المفهرس

صفحات 201-220

قوله : ﴿ذرني ومن خَلَقْتُ وحيداً - إلى قوله - سأصليه سقر﴾(١٧).
وأنزل الله عزّ وجلّ في النفر الذين كانوا معه ويُصَنّفون(١٨) له القول في
رسول الله ثر فيما جاء به من عند الله: ﴿الذين جعلوا القرآن عِضِين﴾(١٩) أي
أصنافاً ﴿فوربّك لنسألنَّهُمْ أجمعين﴾(٢٠) أولئك النفر الذين يقولون ذلك الرسول
اللّه وَثّ لمن لقوا من الناس قال وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله
وُ* وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها)) (٢١).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدّثنا أبو العباس ، قال : حدّثنا
أحمد ، قال : حدّثنا يونس عن ابن إسحاق أظنّه عن شيخ من أهل مُضر عن
عكرمة، عن ابن عباس ، قال: ((قام النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن
عبد مناف بن عبد الدار بن قُصيّ فقال : يا معشر قريش ! إنه والله لقد نزل بكم
أمرٌ ما ابتليتم بمثله ، لقد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً أرضاكم فيكم وأصدقكم
حديثاً وأعظمْكُم أَمانةً ، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشَّيْبَ وجاءكم بما جاءكم قلتم :
ساحرٌ. لا والله ماهو بساحرٍ ، قد رأينا السحرة وَنَفْتَهُمْ وَعَقْدَهُمْ، وقلتم: كاهنٌ لا
والله ما هو بكاهن قد رأينا الكهنة وحالهم وسمعنا سجعهم . وقلتم : شاعر . لا والله
ما هو بشاعر : لقد رأينا الشعر(٢٢) وسمعنا أصنافه كلها هَزّجه ورجزه وقريضه ،
وقلتم : مجنون ولا والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا
تخليطه .
يا معشر قريش انظروا في شأنكم فإِنه والله لقد نزل بكم أمرٌ عظيمٌ .
(١٧) الآيات الكريمات من (١١ - ٢٦) من سورة المدثر .
(١٨) في (ح): ((ويصفون))، وفي (هـ): ((يضيفون)).
(١٩) الآية الكريمة (١٩) من سورة الحجر .
(٢٠) [ الحجر - ٢٠ ]
(٢١) البداية والنهاية ( ٣ : ٦١)، عن المصنف ، وعن الحاكم .
(٢٢) في (م) و (ح): ((رويْنا)).
٢٠١

وكان النضر (٢٣) من شياطين قريش وممن كان(٢٤) يؤذي رسول الله مرحلة.
وينصب له العداوة )) (٢٥) .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي
قالا : حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، قال : حدّثنا العباس بن محمد
الدوري ، قال : حدّثنا يحيى بن معين ، قال : حدّثنا محمد بن الفضيل ،
قال : حدثنا الأجلح عن الذّيّال بن حرملة، عن جابر بن عبد الله قال: ((قال أبو
(٢٣) هو النَّضْر بن الحارث بن كلدة ... صاحب لواء المشركين ببدر، كان من شجعان قريش ووجوهها،
له اطلاع على كتب الفرس، وغيرهم، وكان ابن خالة النبي ، ولما ظهر الإسلام استمر على
عقيدة الجاهلية، وآذى رسول الله ويطي كثيراً.
وكان إذا جلس النبي مجلساً للتذكير بالله والتحذير من مثل ما أصاب الأمم الخالية من نقمة الله ،
جلس النضر بعده فحدث قريشاً بأخبار ملوك فارس ورستم وإسفنديار ، ويقول : أنا أحسن منه
حديثاً! إنما يأتيكم محمد بأساطير الأولين !. وشهد وقعة ((بدر)) مع مشركي قريش، فأسره
المسلمون، وقتلوه بالأثيل ( قرب المدينة) بعد انصرافهم من الوقعة. وهو أبو (( قتيلة)) صاحبة
الأبيات المشهورة التي منها :
(ما كان ضرك لو مننت ، وربما
من الفتى وهو المغيظ المحـنق))
رثته بها قبل إسلامها .
وفي ((الإصابة)) و((البيان والتبيين)) ما مؤداه؛ عرضت قتيلة (وسماها الجاحظ: ليلى) للنبي صل
وهو يطوف بالبيت واستوقفته ، وجذبت رداءه حتى انكشف منكبه ، وأنشدته أبياتها هذه ، فرقٌ لها
حتى دمعت عيناه ، وقال : لو بلغني شعرها قبل أن أقتله لوهبته لها . وفي المؤرخين من يقول إنها
أخت النضر. وفي الرواة من يرى أن الشعر مصنوع وأن النضر لم يقتل ((صبرأ )) وإنما أصابته
جراحة ، فامتنع عن الطعام والشراب ما دام في أيدي المسلمين ، فمات .
(٢٤) في (هـ): ((وكان ممن)).
(٢٥) السيرة لابن هشام ( ١: ٣١٩ - ٣٢٠) ط . كتاب التحرير. بتحقيق : محمد محيي الدين عبد
الحميد .
٢٠٢

جهل والملًا من قريش لقد انتشر علينا أمر محمد فلو التمستم رجلاً عالماً بالسحر
والكهانة والشعر فكلّمه ثم أتانا ببيانٍ من أمره فقال عتبة لقد سمعت يقول
السحرة (٢٦) والكهانة والشّعر وعلمت من ذلك علماً وما يخفى عليَّ إن كان كذلك
فأتاه فلما أتاه قال له (٢٧) عتبة يا محمد أنت خير أم هاشم أنت خير أم عبد
المطلب أنت خير أم عبد الله ؟ فلم يجبه قال : فيم تشتم آلهتنا ، وتضلل آباءنا ،
فإن كنت إنما بك الرئاسة عقدنا ألويتنا لك(٢٨) فكنت رأسنا ما بقيت ، وإن كان
بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختار من أيّ أبيات قريش شئت ، وإن كان بك
المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني بها أنت وعقبك من بعدك ، ورسول الله
* ساكت لا يتكلم، فلما فرغ قال رسول اللّه وَلير ﴿بسم الله الرحمن الرحيم.
حم تنزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فُصّلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون - فقرأ
حتى بلغ - أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾(٢٩) فأمسك عتبة على فيه
وناشده الرحم (٣٠) أن يكف عنه ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم .
فقال أبو جهل : يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد صبا إلى محمد
وأعجبه طعامه ، وما ذاك إلا من حاجة أصابته ، آنطلقوا بنا إليه فأتوه ، فقال أبو
جهل : والله يا عتبة ما حسبنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره فإِن كانت
بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد . فغضب وأقسم بالله
لا يكلم محمداً أبداً . قال ولقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً ولكني أتيته فقص
عليهم القصة فأجابني بشيء والله ما هو بسحر ولا شعر ولا كهانة قرأ ﴿بسم الله
(٢٦) في (ح): ((السحر)).
(٢٧) الزيادة من (م).
(٢٨) في (هـ): ((لك ألويتنا)).
(٢٩) ابتداءً من أول سورة فصلت .
(٣٠) في (ح): ((الرحمن)).
٢٠٣

الرحمن الرحيم حم تنزيلٌ من الرحمن الرحيم . كتاب فُصّلت آياته قرآناً عربياً
لقوم يعلمون .
قال يحيى كذا قال يعقلون حتى بلغ فقال : أنذرتكم . صاعقة مثل صاعقة
عاد وثمود﴾ فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكف وقد علمتم أن محمداً إذا قال
شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب ))(٣١).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ،
قال : حدّثنا أحمد بن عبد الجبار، قال : حدّثنا يونس بن بكير عن ابن
إسحاق ، قال : حدّثني يزيد بن زياد مولى بني هاشم عن محمد بن كعب ،
قال: ((حدثت أن عتبة بن ربيعة (٣٢) وكان سيداً حليماً - قال ذات يوم وهو جالس
في نادي قريش ورسول الله و ◌َلّ جالسٌ وحدَهُ في المسجد : يا معشر قريش ألا
أقومُ إلى هذا فَأَكَّلِّمُهُ فأعرض عليه أموراً لعله أن يقبل منّا بعضها ويكُفَّ عنَّا ؟
قالوا بلى يا أبا الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله وَيرٍ فَذَكَّرَ الحدِيثَ
فيما قال له عتبة وفيما عرض عليه من المال والمُلكِ وغير ذلك حتى إذا فرغ عتبة
قال رسول الله* أفرأيت يا أبا الوليد؟ قال نعم قال فاسمع مني قال أفعلَ .
(٣١) أخرجه عبد بن حميد في مسنده ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، .. ونقله الحافظ ابن كثير في البداية
والنهاية (٣ : ٦٢) عنه ، وعن المصنف .
(٣٢) عُتْبَة بن رَبِيعَة (٠٠٠ - ٢ هـ =،،، - ٦٢٤ م).
عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، أبو الوليد : كبير قريش وأحد ساداتها في الجاهلية . كان موصوفاً
بالرأي والحلم والفضل ، خطيباً ، نافذ القول . نشأ يتيماً في حجر حرب بن أمية . وأول ما عرف عنه
توسطه للصلح في حرب الفِجار ( بين هوازن وكنانة ) وقد رضي الفريقان بحكمه ، وانقضت الحرب
على يده . وكان يقال: لم يسد من قريش مملق إلا عتبة وأبو طالب ، فانهما سادا بغير مال . أدرك
الإسلام ، وطغى فشهد بدراً مع المشركين . وكان ضخم الجثة ، عظيم الهامة ، طلب خوذة يلبسها
يوم ((بدر)) فلم يجد ما يسع هامته ، فاعتجر على رأسه بثوبٍ له . وقاتل قتالا شديداً ، فأحاط به علي
ابن أبي طالب وحمزة وعبيدة بن الحارث ، فقتلوه .
٢٠٤

فقال رسول اللّه ◌ُ ﴾ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم. حم تنزيلٌ من الرحمن
الرحيم . كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً﴾(٣٣) فمضى رسول الله وخل فقرأها (٣٤)
عليه فما سمعها عتبة أنصت لها وألقى بيديه خلف ظهره معتمداً عليهما يستمع
منه حتى انتهى رسول الله (83# إلى السجدة فسجد فيها ثم قال : سمعت يا أبا
الوليد ؟ قال سمعت قال فأنت وذاك . فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض
نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا
ما وَرَاءَك يا أبا الوليد ؟ قال ورائي أني والله قد سمعت قولاً ما سمعتُ بمثله قط
والله ما هو بالشعر ولا السحر ولا الكِهَانة . يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها
بي . خُلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزِلُوهُ فوالله ليَكُونَنَّ لِقولِه الذي
سمعتُ نبأٌ فِإِن تُصِبْهُ العرب فقد كَفِيتُمُوه بِغَيْرِكُمْ ، وإِن يَظْهَرَ على العَرَبِ فمِلْكُه
مِلْكَكُمْ ، وعزُّهُ ◌ِزُكم وكنتُم أسعَدَ الناس به . قالُوا سَحَرَكَ والله يا أبا الوليد
بِلِسَانِهِ فقال هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم ثم ذكر شعراً قاله أبو طالب يمدحُ
عُتْبَةَ فِيمَا قَال)) (٣٥).
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني ، قال : أخبرنا أبو قُتَيْبة
سلمة بن الفضل الآدميّ بمكة ، قال : أخبرنا أبُو أيُّوبَ أحمد بن بشرٍ
الطَّيالسيُّ ، قال: أخبرنا داود بن عمرو الضبي، قال: حدّثنا المثنّى بن
زرعة ، عن محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر قال: (( لما قرأ النبي
{* على عتبة بن ربيعة ﴿حم تنزيلٌ من الرحمن الرحيم﴾(٣٦) أتى أصحابه فقال
لهم يا قوم أطيعُوني في هذا اليوم واعصُوني فيما بعده فوالله لقد سمعت من هذا
(٣٣) الآيات الكريمات من أول سورة فصلت .
(٣٤) في (م): ((يقرؤها)).
(٣٥) ونقله الحافظ ابن كثير في («البداية والنهاية)) ( ٣ : ٦٣ - ٦٤) عن المصنف .
(٣٦) أول سورة فصلت .
٢٠٥

الرجل كلاماً ما سَمِعْتْ أُذنايَ قط كلاماً مِثلهُ وما دَرَيْتُ ما أرُدُّ عليه))(٣٧).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ،
قال : حدّثنا أحمد بن عبد الجبار، قال : حدّثنا يونس بن بُكْيْرٍ ، عن ابن
إسحاق، قال: حدّثني الزّهريّ قال: ((حُدِّثت أن أبا جهل، وأبا سفيان ،
والأخنس بن شِريق، خرجوا ليلةً ليستمعوا من رسول اللّه وَ له وهو يُصلِّي بالليل
في بيته وأخذ كل رجل منهم مجلساً ليستمع فيه ، وكل لا يعلم بمكان صاحبه ،
فباتوا يستمعون له ، حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق
فَتَلاوموا ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا فلو رآكم بعض سُفهائِكُمْ لأوقعتم في
· نفسِهِ شيئاً .
ثم انصرفُوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسِهِ
فباتوا يستمعون له حتى إذا طَلَعَ الفجرُ تفرّقوا ، فجمعتهم الطريق فقال بعضهم
لبعض مثل ما قالوا أوّلَ مَرَّةٍ :
ثم انصرفوا فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلِسَهُ ، فباتوا
يستمعون له حتى إذا طلّعَ الفجرُ تفرّقوا فَجَمعتُهُمْ الطريق ، فقالوا : لا نَبْرَحُ حتى
نتعاهد لا نعودُ فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرَّقُوا فلما أصْبَحَ الأخنسُ بن شرِيق أخذ
عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال أخبرني يا أبا حنظَلَة عن رأيك
فيما سمعت من محمد فقال يا أبا ثعلبة والله لقد سمعتُ أشياء أعرفها وأعرف ما
يُراد بها . فقال الأخنس وأنا والذي حلفْتَ به . ثم خرج من عنده حتى أتى أبا
جهل فدخل عليه بيْتَهُ فقال يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد فقال ماذا
سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مَنّاف الشرف؛ أطعَمُوا فَأَطْعَمْنَا وحملوا فحَمَلنا
وأعطُوا فأعْطِيْنَا حتى إذا تجاثيْنا على الرُّكبِ وكنا كفرسيْ رهانٍ قالوا: مِنَّا نبيِّ
(٣٧) («البداية والنهاية)) (٣: ٦٤)، وقال: ((غريب من هذا الوجه)).
٢٠٦

يأتيه الوحيُ من السماءِ فمتى نُدرِك (٣٨) هذه، والله لا نُؤْمِنُ به أبداً ولا نُصدّقُهُ
فقام عنه الأخنس بنُ شِرِيقٍ))(٣٩).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدّثنا أبو العباس ، قال : حدّثنا
أحمد، قال : حدّثنا يُونُسُ، عن هشام بن سعْدٍ ، عن زيد بن أسْلم ، عن
المغِيرَة بن شُعْبة، قال: ((إِنَّ أَوَّل يومٍ عرفتُ رسول اللّهلم﴿ أني كُنْتُ أمشي أنا
وأبو جهلٍ بن هشام في بعض أزقة مكّة، إذ لَقِينًا رسول الله وعليه فقال رسول الله
مَثّ لأبي جهلٍ: يا أبا الحكم هلُمّ إلى الله عز وجل وإلى رسولهِ أدعوك إِلى الله
قال أبو جهلٍ يا محمد هل أنت منتٍ عن سَبِّ آلهتنا هل تريد إلا أن نشهد أن قد
بلَّغْتَ فنحن نشهدُ أن قد بَلَّغْتَ، فوالله لو أنّي أعلمُ أنَّ ما تقول حقّاً ما أُتْبَعْتُكَ
فانصرف رسول اللّه الخلية.
وأقبل عليَّ فقال: فوالله إني لأعْلَمُ أنَّ ما يقُولُ حَقٌّ ولكنَّ بني قُصيٍّ
قالوا : فِيْنَا الحِجابةُ فَقُلْنا نَعمْ. فقالوا فينا النَّدْوةُ فقُلْنا نعَمْ، ثمّ قالوا فِينا اللّواء
فقُلنا نَعَمْ . قالوا فينا السِّقايةُ فقُلْنا نَعَمْ، ثم أطعَمُوا وأطعَمْنَا حتى إذا تحاكَّت
الركب ، قالوا: منَّا نبيِّ والله لا أفعَلُ)) (٤٠).
(٣٨) في (ح): ((تُذْرَك)).
(٣٩) البداية والنهاية (٣ : ٦٤ ).
(٤٠) البداية والنهاية (٣ : ٦٤ ).
٢٠٧

باب
ذكر إسلام أبي ذرّ الغفاريّ رضي الله عنه وما في قصّتِهِ
من تنزيه(١) أخيه أنيس وهو أحد الشعراء
رسول الله مَ عما كانوا يقولون فيه
مما لا يليق به ، واعترافه بإِعجاز القرآن ،
ثم ما فيها من اكتفاء أبي ذرٍّ ثلاثين ليلة
ويومٍ بماء زمزم عن الطعام حتى سمِنَ
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أحمدُ بن سُليمان النَّجَّاد ،
قال : حدّثنا بشر بن موسى ، قال : حدّثنا أبو عبد الرحمن المقرىء وأخبرنا أبو
عبد الله ، قال : أخبرنا محمد بن يعقوب ، قال : حدّثنا محمد بن رجاء وعمران
ابنُ موسى قالا : حدّثنا(٢) هُذْبةُ بن خالد، قال : حدّثنا سُليمانُ بنُ المغيرة ،
قال : حدّثنا حُمَيْدُ بن هلالٍ ، عن عبد الله بن الصّامِت ، قال: قال أبو ذرٍّ:
(( خَرجْنا عن (٣) قومنا غِفَّار وكانوا يحلون الشهر الحَرَام، فخرجْتُ أنا وأخي أنيسٌ
وأُمُّنا ، فَانْطلقْنَا حتى نزلْنا على خالٍ لنا ذي مالٍ وذِي هيئةٍ ، فأكْرَمنا خالُنا،
وأحسن إِلَيْنَا، فحسَدَنا قومُهُ، فقالوا : إنك إِذا خرجتَ عن أهلِكَ خالف إليهم
أنيسٌ ، قال : فجاء خالُنا فنئا علينا (٤) ما قيل له ، قال : فقلت له : أمّا ما مضى
من معروفك فقد كدّرتُه ، ولا جماع لك فيما بعد ، قال : فقرّبْنا صِرمَتنا(٥)
فاحتملنا عليها وتَغَطَّى خالُنا ثوبَهُ فجعل يبكي ، قال : فانطلقنا حتى نزلنا بحضْرةٍ
(١) في (ح) ((تبرئة)).
(٢) في (ح): ((قال: أنبأنا)).
(٣) في (ح): ((عن)).
(٤) ( فنثا علينا)) أي: أشاعه وأفشاه .
(٥) ((فقربنا صرمتنا)): الصرمة هي القطعة من الإبل ، وتطلق أيضاً على القطعة من الغنم.
٢٠٨

مكة ، قال : فنافر(٦) أنيسٌ عن صِرْمتنا وعَنْ مِثلها، فأتيْنا الكاهِنَ فخيَّر أنيساً ،
فأتانا بِصرمتنا ومثلها معها(٧) .
قال: وقد صلّيتُ يا ابنَ أخي قبل أن ألقى رسول الله وَّر بِثَلاث سِنِينَ،
فقلتُ : لمن ؟ قال : لله . قلتُ فأين توَجَّه؟ قال: أتوجّهُ حيث يُوجِّهني الله ،
أُصلِّي عِشاءً حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأنِّي خِفَاءٌ (٨) - في حديث المقرىء
يعني الثوب - حتى تَعْلوني الشمس ، قال أنيس : إن لي حاجةٌ بمكة فاكفني
حتى آتِيكَ، فانطلق أنيسٌ حتى أتى مكة ، فراثٌ(٩) عليَّ ثم أتاني ، فقلت : ما
حَبْسَكَ ؟ قال : لَقِيتُ رَجُلًا بمكة يَزْعمُ أنَّ الله أرسَلَهُ . قال : قلت ما يقول الناس ؟
قال : يَقولون إِنّه لشاعِرٌ ، وساحِرٌ ، وكاهنٌ قال : وكان أنيس أحد الشعراء ، قال :
فقال أنيس : لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ، ولقد وضعت قوله على
أقوال الشعراء وقال غيره على أقْراءِ (١٠) الشعر فوالله ما يلتئم ، على لسان أحدٍ
بعدِي ، إِنَّه شعر ، ووالله إنَّه الصادق ، وإِنهم لكاذبون .
قال قلت له : هل أنت كافيني حتى أنطلق فأنظر ؟ فقال : نعم وكن من
أهل مكة على حذر فإِهم قد شنفوا له وتجهموا، فانطلقت حتى قدمت مكة
.(٦) فنافر: من المنافرة وهي المفاخرة والمحاكمة ، فيفخر كل واحد من الرجلين على الآخر ثم يتحاكما إلى
رجل ليحكم أيهما خير وأعز نفراً ، وكانت هذه المفاخرة في الشعر : أيهما أشعر .
(٧) ( عن صرمتنا وعن مثلها ) = معناه تراهن هو وآخر : أيهما أفضل ، وكان الرهن صرمة ذا وصرمة ذاك ،
فأيهما كان أفضل أخذ الصرمتين ، فتحاكما إلى الكاهن ، فحكم بأن أنّيْساً أفضل ، وهو معنى قوله :
فخيِّر أنيساً ، أي : جعله الخيار والأفضل .
(٨) في (ح): ((كأني جفاء))، ومعنى ((خفاء)): هو الكساء ، وجمع أخفية . ككساء وأكسية .
(٩) أي : أبطأ .
(١٠) ( أقراء الشعر) = أي طرقه وأنواعه .
٢٠٩

فتضعفت(١١) رجلًا منهم فقلت: أين هذا الذي تدعُونَهُ(١٢): الصابىء قال:
فأشار إلى الصابى (١٣) . قال فمال عليَّ أهلُ الوادي بكل مدرة وعظم ، حتى
خررت مغشّياً عليَّ، قال : فارتفعتُ حين ارتفعت ، كأني نُصُبُ أحمرُ ، فأتيت
زمزم فشربتُ من مائها ، وغسلتُ عني الدَّمَ ، فدخلتُ بين الكعبة وأستارها ،
ولقد لبثْتُ يا ابن أخي ثلاثين من بين يوم وليلة ، ومالي طعام إِلَّ ماء زمزم،
فسمِنتُ حتى تكسَّرتُ عُكَنُ بطني(١٤) وما وجدتُ على كبدي سخْفة جُوع (١٥)
قال فبينما أهل مكة في ليلة قمراء(١٦) إضحيان(١٧) قد ضرب الله تعالى على
أصمخة (١٨) أهل مكة، فما يطوفُ بالبيتٍ أحدٌ غير امرأتيْن فأتَتا عليَّ وهما يدعوان
إسافاً ونائلة ، قال : فأتتا عليَّ في طوافهما فقلت : أنكِحا أحدّهُما الأخرى ،
قال فما تناهيتا عن قوْلهما ، وقال غيرُه فما ثناهُما ذلك عمّا قالا قال : فأتيا عليّ
فقلت : هَنٌ مثل الخشبة(١٩) غيرَ أَنِّي لا أكني، فانطلقتا تُوَلْوِلانٍ(٢٠) وَتَقُولانٍ:
(١١) يعني : نظرت إلى أضعفهم فسألته ، لأن الضعيف مأمون الفائلة .
(١٢) في (ح): « يدعونه)).
(١٣) (الصابىء ) : منصوب على الإغراء ، أي: انظروا وخذوا هذا الصابىء .
(١٤) (عكن بطني) = جمع عكنة ، وهو الطيّ في البطن من السمن ، معنى تكسرت : أي انثنت وانطوت
طاقات لحم بطنه .
(١٥) سَخفة: بفتح السين وضمها : هي رقة الجوع وضعفه وهزاله.
(١٦) (قمراء ) = مقمرة .
(١٧) ( أضحيان ) : أي مضيئة ، منوِّرة .
(١٨) أصمخة ، ويقال : أسمخة : المراد هنا: الآذان ، أي ناموا . قال تعالى: ﴿ فضربنا على آذانهم ﴾
أي : أنمناهم .
(١٩) (هَنَّ مِثْلُ الخَشْبَةِ) = الهن، والهنة بتخفيف نونهما، هو كناية عن كل شيء ، وأكثر ما يستعمل كناية
عن الفرج والذكر ، فقال لهما : أو مثل الخشبة في الفرج ، وأراد بذلك : سب إساف ونائلة وغيظ
الكفار بذلك .
(٢٠) ( الولولة ) = الدعاء بالويل .
٢١٠

لوْ كانَ ها هنا أحدٌ من أنفارنا. قال فاسْتقبَلَهُما رسول اللهِوَلته وأبو بكر وهما
هابِطان من الجبل ، فقالا لهما : مَالكُما ؟ قالتا : الصابىُ بين الكعبةِ وأستارِها؛
قال : ما قال لكما ؟ قالتا : قال لنا كلمة تملأ الفم (٢١).
فجاء رسول الله وَّ هو وصاحبه فاستلم الحجر، ثم طاف بالبيتٍ هو
وصاحبه ، ثم صلى ، فلما قضى صلاته، قال أبو ذر : فأتيته فكنت أُول من حياه
بتحية الإِسلام، فقال وعليك ورحمة الله .
ثم قال : ممن أنت ؟ قلت : من غفار ، قال : فأهوى بيده فوضع يده
على جبينه فقلت في نفسي [ كره ] أنٍ انتميت إِلى غفار، قال: فأهويت لآخذ
بيده فقدعنى (٢٢) صاحبه وكان اعلم به مني ثم رفع رأسه فقال متى كنت هاهنا ؟
قلت قد كنت هاهنا منذ ثلاثين ليلة ويوم قال : فمن كان يطعمك ؟ قلت: ما كان
لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرتْ عكن بطني ، وما وجدت على
كبدي سخفة جوع، فقال رسول اللّه وَله: إِنها مباركة إنها طعام طُعْمٍ وشفاء
سُقْمٍ .
فقال أبو بكر : يا رسول اللّه ! إِئذن لي في إطعامه الليلة ، ففعل فانطلق
رسول اللّهِ وَّهِ وأبو بكر وانطلقْتُ معهما حتى فتح أبو بكر باباً، فجعل يقبضُ لنا
من زبيب الطّائف فكان ذاك أوَّل طعام أكلته بها ، قال : فغبرت ما غبرت(٢٣) ثم
أتيت رسول اللّهِ وَال فقال رسول اللّه وَالقر: إِني قد وجهت إلى أرض ذات
نخل (٢٤) لا أحسبها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك لعل الله أن ينفعهم
(٢١) تملأ الضم أي عظيمة لا شيء أقبح منها .
(٢٢) ( قدعني ) = كفني .
(٢٣) (غَبَرْتُ ما غَبْتُ ) : أي بقيت ما بقيت .
(٢٤) ( وُجُّهَتْ لي أرض ) أي : أريت جهتها .
٢١١

بك ، ويأجرك فيهم ؛ فانطلقت حتى أتيت أَخي أنيساً فقال لي : ما صنعت ؟
قلت : صنعت أني أسلمت وصدقت ، قال : فما بي رغبة عن دينك(٢٥) فإني قد
أسلمت وصدقت ، ثم أتينا أُمّنا، فقالت ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت
ء
وصدقت ، قال: ثم احتملنا حتى أتينا قومنا غفار فأسلم نصفهم قبل أن يقدم
رسول الله صل﴿، وكان يؤمهم خُفَاف بن إيماء بن رحضة الغفاري ، قال: وكان
سيدهم يومئذ وقال بقيتهم إذا قدم رسول الله ويتر أسلمنا .
قال فقدم رسول الله ﴿ المدينة فأسلم بقيتهم وجاءت أسلم ، فقالوا يا
رسول الله إخواننا ، نسلم على الذي أسلموا عليه فأسلموا فقال رسول الله رسالآخر :
غفار غفر الله لها ، وأسلم سالمها الله)).
رواه مسلم في الصحيح (٢٦) عن هداب بن خالد .
حدثنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب
الحافظ ، قال : حدثنا الحسين بن محمد بن زياد ، قال : حدثنا عبد الله بن
الرومي ، قال : حدثنا النضر بن محمد ، قال : حدثنا عكرمة بن عمار عن أبي
زميل سماك بن الوليد عن ملك بن مرثد عن أبيه عن أبي ذر، قال: ((كنت
ربع (٢٧) الإِسلام أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع ؛ أتيت النبي ## فقلت السلام
عليك يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فرأيت
الاستبشار في وجه رسول الله (ص#)).
(٢٥) أي : لا أكرهه ، بل أدخل فيه .
(٢٦) أخرجه مسلم في صحيحه ، في : ٤٤ - كتاب الفضائل (٢٨) باب من فضائل أبي ذر - رضي الله عنه -
حديث رقم (١٣٢)، ص (١٩١٩)، وأخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) ( ٥ : ١٧٤ ).
(٢٧) في (ح): ((رابع)).
(٢٨) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٣: ٣٤١ - ٣٤٢).، والهيثمي في مجمع الزوائد (٩ :
٣٢٧ ) .
٢١٢

باب
ذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه
وما في ذلك من وعظ رسول الله وَله .
إياه حتى ألقى الله عز وجل في نفسه الإِيمان بما قال
حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن
٤
يعقوب قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن
محمد بن إسحاق ، قال حدثني رجل من أسلم وكان واعية (( أن أبا جهل اعترض
رسول الله (8# عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه ما يكره من العيب لدينه فذكر ذلك
لحمزة بن عبد المطلب فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه. رفع القوس ،
فضربه بها ضربة شجه منه شجَّةً منكرة، وقامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى
حمزة لينصروا أبا جهل منه ، فقالوا : ما نراك يا حمزة إلا قد صبأْت ، فقال
حمزة وما يمنعني وقد استبان لي منه . أنا اشهد أنه رسول الله وأن الذي يقول
حق، فوالله لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين ، فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة فإني
والله لقد سببت ابن أخيه سباً قبيحاً (١).
فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله وَّر قد عز وامتنع فكفُّوا عن
بعض ما كانوا يتناولون منه وقال حمزة في ذلك شعراً(٢). قال ابن إسحاق : ثم
(١) قصة إسلام حمزة - رضي الله عنه - في سيرة ابن هشام (١: ٣١٢)، والبداية والنهاية (٣: ٣٣).
وغيرها .
(٢) ذكر السهيلي في الروض الأنف قطعة له هي :
إلى الإسلام والدين الحنيف =
حمدتُ الله حين هدى فؤادي
٢١٣

رجع حمزة إلى بيته فأتاه الشيطان فقال : أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابىء
وتركت دين آبائك ، للموت خير لك مما صنعت ، فأقبل على حمزة بثه وقال: ما
صنعت ؟ اللهم إِن كان رشداً فاجعل تصديقه في قلبي ، وإلا فاجعل لي مما
وقعت فيه مخرجاً . فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان حتى أصبح
فغدا على رسول الله وسلم فقال يا ابن أخي ! إِني قد وقعت في أمر لا أعرف
المخرج منه وإقامة مثلي على ما لا أدري ما هو أرشد هو أم غي شديد ، فحدثني
حديثاً فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدثني .
فأقبل رسول الله #ٍ فذكره ، ووعظه ، وخوَّفه، وبشّره، فألقى الله في نفسه
الإيمان بما قال رسول الله وَله فقال: أشهد أنك الصادق شهادة الصدق.
فاظهر يا ابن أَخي دينك ، فوالله ما أحب أن لي ما أظلَّت السماء وأني على ديني
الأول، فكان حمزة [ رضي الله عنه ](٣) ممن أعز الله [عز وجل](٤) به الدين)).
= لدينٍ جاء من ربِّ عزيز
إذا تُليت رسائله علينا
رسائل جاء أحمد من هداها
وأحمد مُصْطفّى فينا مطاع
فلا واللّه نُسْلمه لقوم
ونترك منهم قَتْلى بقاع
وقد خبِّرت ما صنعت ثقيف
إلهُ الناس شرِّ جزاءٍ قوم
(٣) ليست في م .
(٤) الزيادة من (م) .
خبيرٍ بالعباد بهم لطيف
تحدَّر دمعُ ذي اللُّب الحصيفِ
بآيات مبيّنة الحروفِ
فلا تغسوه بالقول الضعيف
ولمَّا نَقْضِ فيهم بالسيوفِ
عليها الطير كالوِرْد العُكوفِ
به فجزّى القبائل من ثقيفٍ
ولا أَستقامُم صَوْبَ الخريف
٢١٤

باب
ذكر إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين
قرأ القرآن ، وعلم إعجازه ، وما كان من إجابة الله
- عز وجل - فيه دعوة رسول الله ولم
بإِعزاز دينه بإِسلام أحد الرجلين
أخبرنا أبو زكرياء بن أبي إسحاق المزكي، قال : أخبرنا أبو محمد عبد الله
ابن إسحاق ، قال : حدثنا عبد الرحمن [ بن محمد بن منصور، قال : حدثنا
يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد قال حدثنا قيس بن أبي حازم ](١)
قال: قال عبد الله بن مسعود: (( ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر)).
رواه البخاري في الصحيح(٢) عن محمد بن المثنى (٣)، عن يحيى بن
سعيد .
أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري ، قال : حدثنا أبو عمر
محمد بن عبد الواحد الزاهد النحوي غلام ثعلب ، قال : حدثنا محمد بن
عثمان ، قال : حدثنا علي بن المديني ، قال : حدثنا أبو عامر العقدي ، قال :
(١) ما بين الحاصرتين سقطت من نسخة (ح) ، وثابتة في بقية النسخ .
(٢) الحديث أخرجه البخاري في : ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة (٦) باب مناقب عمر بن الخطاب القرشي
العدوي ، فتح الباري (٧ : ٤١)، عن محمد بن المثنى، وأعاده في : ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار
(٣٥) باب إسلام عمر بن الخطاب، ح (٣٨٦٣) عن محمد بن كثير، عن سفيان . فتح الباري ( ٧ :
١٧٧ ) .
(٣) في (ح): ((مثنى)).
٢١٥

حدثنا خارجة بن عبد الله بن زيد بن ثابت ، عن نافع، عن ابن عمر، قال : قال
رسول الله : ((اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: أبو جهل بن
هشام، أو عمر بن الخطاب)) قال: فكان يعني عمر [ رضي الله عنه ](٤)
أحبهما إلى الله عز وجل(٥) .
أخبرنا أبو الحسن: علي بن أحمد بن عمر المقرئ ابن الحمامي ببغداد ،
قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو الوليد محمد بن
أحمد بن برد الأنطاكي، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني ، قال : ذكره
أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده قال: (( قال لنا عمر بن الخطاب
رضي الله عنه أتحبون أن أعلمكم كيف كان إسلامي ؟ قال : قلنا ، نعم . قال :
كنت من أشد الناس على رسول الله صل18، فبينا أنا في يوم حارٍ شديد الحر
بالهاجرة في بعض طريق مكة إذ لقيني رجل من قريش ، فقال : أين تريد يا ابن
الخطاب ؟ فقلت : أريد التي والتي والتي !(٦) قال : عجباً لك يا ابن الخطاب ،
عمنت تزعم أنك كذلك ، وقد دخل عليك الأمر في بيتك .
قال : قلت وما ذاك ؟ قال أختك قد أسلمت، قال : فرجعت مغضباً حتى
قرعت الباب ، وقد كان رسول الله وَ﴿ إذا أسلم الرجل والرجلان ممن لا شيء له
ضمَّهما [ رسول الله وَ لا#](٧) إِلى الرجل الذي في يده السعة فينالاه من فضل(٨)
طعامه وقد كان ضم إلى زوج أختي رجلين فلما قرعت الباب قيل : من هذا ؟
(٤) الزيادة من (ص) و(م) .
(٥) أخرجه الترمذي في: ٥٠ - كتاب المناقب ( باب ) في مناقب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ح
(٣٦٨١)، ص (٥ : ٦١٧)، وابن سعد في الطبقات .
(٦) في (ص): ((التي والتي)).
(٧) الزيادة من (ح) .
(٨) في (ح): ((فضلة)).
٢١٦

قلت عمر بن الخطاب فتبادروا فاختفوا مني ، وقد كانوا يقرأون صحيفة بين
أيديهم تركوها أو نسوها . فقامت أختي تفتح الباب ، فقلت : يا عدوة نفسها
أصبوتٍ ؟ وضربتها بشيء في يدي على رأسها ، فسال الدم، فلما رأت الدم
بكت ، فقالت : يا ابن الخطاب ! ما كنت فاعلاً فافعل، فقد صبوتُ.
قال : ودخلت حتى جلست على السرير فنظرت إلى الصحيفة وسط
البيت، فقلت ما هذا؟ ناولنيها، فقالت: لست من أهلها أنت لا تطهر من الجنابة
وهذا كتاب لا يمسه إلا المطهّرون . فما زلت بها حتى ناولتنيها، ففتحتها فإِذا
فيها : بسم الله الرحمن الرحيم ، فلما مررت باسم من أسماء الله - عز وجل -
ذعرت منه ، فألقيت الصحيفة، ثم رجعت إلى نفسي فتناولتها ، فإِذا فيها ﴿ سَبِّحَ
لِلهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ والأرضِ ﴾(٩)، فلما مررت باسم من أسماء الله ذعرت، ثم
رجعت إلى نفسي، فقرأتها حتى بلغت: ﴿ آمنوا بالله ورسوله﴾ (١٠) إِلى آخر
الآية ، فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ،
فخرجوا إِليّ متبادرين وكبروا وقالوا: أبشر يا ابن الخطاب فإِن رسول الله وَ# دعا
يوم الاثنين، فقال : اللهم أعز دينك بأحب الرجلين إِليك : إِما أبو جهل بن
هشام، وإِما عمر بن الخطاب وأنا نرجو أن تكون دعوة رسول الله وَيٍ لك فأبشر.
قال : قلت، فأخبروني أين رسول اللّه صَلّر؟ فلما عرفوا الصدق مني قالوا
: في بيت بأسفل الصفا ، فخرجت ، حتى قرعت الباب عليهم ، فقالوا : من
هذا؟ قلت: ابن الخطاب، قال: وقد علموا من شدتي على رسول الله وَلآت،
وما يعلمون بإسلامي، فما اجترأ أحد بفتح الباب(١١) حتى قال: افتحوا له إن يرد
الله به خيراً يهده ، ففتحوا لي الباب فأخذ رجلان بعضديَّ ، حتى أتيا بي النبي
(٩) أول سورة الحديد .
(١٠) الآية الكريمة (٧) من سورة الحديد .
(١١) في (هـ): ((يفتح)).
٢١٧

الكلية فقال خلوا عنه، ثم أخذ بمجامع قميصي ، ثم جذبني إليه ، ثم قال: أسلم
يا ابن الخطاب ، اللهم اهده ، فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً
عبده ورسوله .
فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بفجاج مكة ، وكانوا مستخفين فلم أشأ أن
أرى رجلاً يضرب فيضرب إِلا رأيته ولا يصيبني(١٢) من ذلك شيءٌ.
فخرجت ، حتى جئت خالي وكان شريفاً فقرعت عليه الباب(١٣)، فقال:
من هذا؟ فقلت : ابن الخطاب ، قال : فخرج إليّ فقلت: علمت إِني قد
صبوت قال أَوَ فعلت؟ قلت نعم قال لا تفعل ، فقلت : قد فعلت ، فدخل
وأجاف الباب دوني ، فقلت : ما هذا شيء ، فذهبت إلى رجل من عظماء
قريش فناديته ، فخرج إِلَيّ فقلت مثل مقالتي لخالي ، وقال مثل ما قال ، ودخل
وأجاف الباب دوني .
فقلت في نفسي : ما هذا شيء إن المسلمين يضربون وأنا لا أَضرب. فقال
لي رجل أَتحب أن يُعْلَمْ بإِسلامك؟ فقلت : نعم ، قال : فإِذا جلس الناس في
الحجر فَأَت فلاناً - لرجل لم يكن يكتم السر- فقل له فيما بينك وبينه: إِني قد
صبوت فإِنه قلَّ ما يكتم السرَّ .
قال : فجئت وقد اجتمع الناس في الحجر فقلت فيما بيني وبينه إني قد
صبوت . قال : أَو فعلت ؟ قلت نعم قال فنادى بأعلى صوته إِن ابن الخطاب قد
صباً فبادر إليّ أولئك الناس فما زلت أَضربهم ويضربونني فاجتمع عليَّ الناس.
فقال خالي : ما هذه الجماعة قيل عمر قد صباً، فقام على الحجر فأشار
بكمة هكذا ألا إِني قد أجرت ابن أخي ، فتكشفوا عني ، فكنت لا أَشاءُ أن أَرى
(١٢) في (ص): ((يصبني)).
(١٣) في (ص) ((فقرعت الباب)).
٢١٨

رجلاً من المسلمين يضرب ويضرب إِلا رأيته فقلت : ما هذا بشيء حتى يصيبني
فأتيت خالي فقلت جوارك عليك رد فقل (١٤) ما شئت فما زلت أضرب وأضرب
حتى أعز الله الإِسلام)) (١٥).
وأخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ببغداد، قال:
ء
اخبرنا ابو جعفر محمد بن عمرو الرزاز ، قال : حدثنا محمد بن عبيد الله هو ابن
يزيد المنادي ، قال : حدثنا إسحاق بن يوسف يعني الأزرق ؛ قال : حدثنا
القاسم بن عثمان البصري ، عن أنس بن مالك قال :
((خرج عمر متقلد السيف ، فلقيه رجل من بني زهرة ، فقال له : أين تعمد
يا عمر؟ فقال أُريد أن أقتل محمداً! قال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة
وقد قتلت محمداً ؟ قال : فقال له عمر: ما أراك إلا قد صبوت وتركت دينك
الذي أنت عليه ، قال : أَفلا أَدلك على العجب إِن ختنك وأختك قد صَبَوَا وتركا
دينك الذي أنت عليه ، قال : فمشى عمر ذامراً حتى أتاهما، وعندهما رجل من
المهاجرين يقال له خباب ، قال : فلما سمع خباب بحس عمر توارى في البيت
فدخل عليهما ، فقال : ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم ؟ قال وكانوا
يقرأون : طَهَ فقالا: ما عدا حديثاً تحدثناه بيننا. قال: فلعلكما قد صبوتما، فقال
له ختنه : يا عمر إِن كان الحق في غير دينك ؟ قال : فوثب عمر على ختنه ،
فوطئه وطاً شديداً . قال : فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها ، فنفحها نفحةٌ بيده
فدمَّى وجهها فقالت وهي غضبى : وإِن كان الحق في غير دينك ، إِني أَشهد أَن
لا إله إلا الله، واشهد أن محمداً رسول الله .
فقال عمر أعطوني الكتاب الذي هو عندكم فأقرأه (١٦) - قال: وكان عمر
(١٤) في (هـ): ((عَلَيْكَ ردِّ))، وفي (ح): ((جوارك رد عليك)).
(١٥) أخرجه البزار ، والطبراني ، عن أسلم مولى عمر .
(١٦) في (ص) رسمت هكذا ((فأقرؤه)).
٢١٩

يقرأ الكتب(١٧) - فقالت أخته إِنك رجس، وإنه لا يمسه إلا المطهرون ، فقم
فاغتسل أو توضأ. قال : فقام عمر فتوضأ ، ثم أخذ الكتاب فقرأ : ﴿طه - حتى
انتهى إِلى - إنني أنا الله: لا إله إلا أنا فاعبدني، وأقم الصلاة لذكري﴾ (١٨).
قال فقال عمر : دلوني على محمد، فلما سمع خباب قُول عمر ،
خرج من البيت فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله وسلّ
ليلة الخميس : اللهم أعز الإِسلام بعمر بن الخطاب ، أو بعمرو بن هشام .
وكان رسول اللّه و ◌َالر، في الدار التي في أصل الصفا. قال: فانطلق
عمر ، حتى أتى الدار وعلى باب الدار : حمزة وطلحة، وناس من أصحاب
رسول اللّهالله، فلما رأى حمزة وَجَلَ القوم من عمر فقال حمزة هذا عمر إِن يرد
الله بعمر خيراً يسلم فيتبع النبي ◌َّ ، وإِن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هيناً.
قال: والنبي ◌َّه داخل يوحى إليه، قال: فخرج رسول الله وَّر، حتى
أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف ، فقال : ما أنت بمنتهٍ يا عمر
حتى ينزل الله عز وجل بك من الخزي والنكال ما أُنزل بالوليد بن المغيرة - فهذا
عمر بن الخطاب : اللهم أعز الإسلام أو الدين بعمر بن الخطاب - فقال عمر:
أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله وأسلم وقال: أخرج يارسول الله (١٩).
وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار(٢٠) في المغازي ، وقال في الحديث
(( وكان عمر يقرأ الكتب فقرأ ﴿طه - حتى إذا بلغ - إِن الساعة آتية أكاد أُخْفِيهَا
(١٧) هكذا في (ح)، وفي بقية النسخ ((الكتاب)).
(١٨) الآيات الكريمة (١ - ١٤) من سورة طه.
(١٩) روى قصة إسلام عمر بن الخطاب عن أنس : ابن اسحق ، وابن سعد ، وأبو يعلى ، والحاكم .
(٢٠) سيرة ابن هشام (١ : ٣٦٦).
٢٢٠