النص المفهرس
صفحات 101-120
ذِكْر حدیث قس بن ساعدة الإِيادي(١) أخبرنا أبو سعد: سعيد بنُ محمد بن أحمد الشَّعيثي ، رحمه اللّه قال : حدثنا أبو عمرو بن أبي طاهر المُحَمَّد أباذِي ، لفظاً ، قال حدثنا أبو لُبَابة : محمد بن المهدي الأبِيوَرْدِي ، قال : حدثنا أبي : قال : حدثنا سعيد بن هُبَيْرة ، قال : حدثنا مُعْتَمِر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أنس بن مالك ، قال : قدم وفد إِياد على النبي، ثم8َّ، فقال النبي، وَّ: (( ما فعل قس بن سَاعِدَة الإِيادي ))؟ قالوا: هلك. قال: (( أما إِنّي سمعت منه كلاماً ما أَرى أَنّي ( أحفظه)). فقال بعض القوم : نحن نحفظه يا رسول الله، فقال: هاتوا. قال : فقال قائلهم : إِنه وقف بسوق عكاظ ، فقال : يا أيها الناس ، استمعوا واسمعوا وعوا : كل من عاش مات ، وكلُّ من ١٠) هو قس بن ساعدة بن عمرو بن عدي بن مالك، من بني إياد ، أحد حكماء العرب ، ومن كبار خطبائهم في الجاهلية، ويقال : إنه اول عربي خطب متوكئاً على سيف ، او عصا ، واول من قال في كلامه : أما بعد ، وكان يفد على قيصر الروم ، زائراً، فيعظمه ، ويكرمه، وهو معدود في المعمرين ، طالت حياته ، وأدركه النبي وَّ قبل النبوة، ورآه في عكاظ، وسئل عنه بعد ذلك، فقال: يُحشر أمة وحده. خطب الناس بعكاظ، وبشرهم بمبعث النبي ##، وحثهم على اتباعه ، وذلك قبل البعثة . الأغاني (١٤ : ٤٠)، وله ترجمة في البيان والتبيين وخزانة الأدب ، وغيرها . ١٠١ مات فات ، وكل ما هو آت آت . ليل داج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تَزْهَر ، وبحار تَزْخِر ، وجبال مُرْسَاة، وأَنهارٌ مُجْرَاة . إِنّ في السماءِ لخَبَرا ، وإِن في الأَرض لَعِبَراً. أَرى الناس يمرُّون(٢) ولا يرجعون، أَرَضُوا بالإِقامة فأقاموا ؟ أم تركوا فناموا؟ ثم أنشأً يقول ، يقسم قُسُّ قسماً بالله لا إِثم فيه : إِن الله تعالى(٣) ديناً هو أَرْضَى مما أَنتم عليه ، ثم أنشأ يقول : في الذَّاهِبينَ الأَوَّلين من القرُون لنا بصائر لما رأيتُ مَوَارِداً للموت ليس لها مَصَادِرْ ورأيت قومي نحوها يمضي الأكابر والأصاغر أيقنت أنّي لا محالة حيث صار القوم صائر * [ وحدَّثنا ](٤) أبو محمد : عبد الله بن يوسف بن أحمد الأصبهاني، إملاءً، قال : أخبرنا أبو بكر : أحمد بن سعيد بن فَرْضَخِ الإِخْمِيمي ، بمكّة ، قال : حدَّثنا القاسم بن عبد الله بن مهدي ، قال : حدثنا أبو عبيد الله : سعيد ابن عبد الرحمن المخزومي ، قال : حدثنا سفيان بن عُيَيْنَةً ، عن أبي حمزة الثُّمالي، عن سعيد بن جُبير ، عن عبد اللّه بن عبَّاس، قال: قدم وفد إياد على رسول الله، والقر، فسألهم عن قس بن ساعدة الإِيادي، فقالوا: هلك يا رسول الله. فقال رسول الله، ص18: ((لقد شهدته في الموسم بعكاظ وهو على جمل له أحمر - أو على ناقة حمراء - وهو ينادي في النَّاس » : أيها الناس ، اجتمعوا واستمعوا وعوا ، واتعظوا تَنْتَفِعُوا : من عاش مات ، (٢) في (هـ): ((يموتون))، وفي رواية أخرى: ((مالي ارى الناس يذهبون فلا يرجعون .. )). (٣) ليست في (م) ولا في ( ص). (٤) في (ص): ((حدثنا)). ١٠٢ ومن مات فات ، وكلُّ ما هو آت آتْ . أما بعد ، فإِنَّ في السماءِ لخبراً، وإِنَّ في الأرض لعبراً: نجوم تغُور ، ولا تَغُور(٥) ، وبحارٌ تَفُور، ولا تَفُورُ(٦) ، وسقف مرفوع، ومِهَادٌ موضوع، وأنهار مَنْبُوع. أَقُسَم قسُّ قسماً بالله لا كَذِباً ولا إِثْماً: ليتبعن الأمر سخطاً ، ولئن كان [ في ](٧) بعضه رِضّاً، إِنَّ في بعضه لسخطاً(٨). وما هذا باللعب، وإِنَّ مِنْ وراءٍ هذا لَلْعَجَبْ. أَقسم قسِّ قسماً بالله لا كذباً ولا آثماً : إِنَّ الله ديناً هو أَرْضَى له من دين نحن عليه . ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أُرَضُوا فأقاموا ؟ أَمْ تُرِكُوا فناموا ؟ قال رسول الله، وَلـ: (( ثم أنشد قس بن ساعدة أبياتاً من الشعر لم أحفظها عنه)). فقام أبو بكر الصدِّيق [ رضي الله عنه ](٩)، فقال: أنا حضرت ذلك المقام، وحفظت تلك المقالة. فقال له رسول اللّه، وص19: ((ما هي؟)) فقال [ له ](١٠) أبو بكر : قال قس بن ساعدة في آخر كلامه : من القرون لنا بصائر في الذَّاهبين الأوَّلين ت ليس لها مصادر لما رأيت موارداً للمو يمضي الأكابر والأصاغرْ ورأيت قومي نحوها ولا من الباقينَ غَابِرْ لا يرجع الماضي إِليَّ لَةٌ حَيْثُ صَار القوم صائِرْ أيقنتُ أَنِّي لامحَا (٥) في (م) و(ص) ((ولا تفور)). (٦) في (ص) و( م) الاولا تغور)). (٧) الزيادة من (هـ). (٨) في (ص) و(م) و(ح): ((سخطاً)). (٩) الزيادة من ( ص ) و( م). (١٠) ليست في (م) ولا في (ص). ١٠٣ ثم أَقبل رسول الله، وَ﴿، على وفد إِياد، فقال: هل وُجِدَ لقسِ بن ساعدة وصيةٌ ؟ فقالوا : نعم ، وجدنا (١١) له صحيفة تحت رأسه مكتوبٌ فيها: عليهم من بقايا ثوبهم خِرَقُ يا ناعي الموت والأموات في جَدَثٍ . كما يُنَبَّهُ مِن نَوْمَاتِهِ الصَّعِقُ دعهمْ فإِنّ لهم يوماً يصاح بِهِمْ منها الجديدُ ومنها الأَوْرِقُ الخَلَقُّ منهم عُراةٌ ومَوْتى في ثيابهم فقال رسول الله، وَ ل18: ((والذي بعثني بالحق لقد آمن (١٢) قس بالبعث. * وأخبرنا أبو سعد : أَحمد بن محمد المالينيُّ، قال: أخبرنا أبو أحمد ابن عدي الحافظ ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن منصور الحاسب ، قال : حدثنا محمد بن حسان ، السَّمْتِي (١٣)، قال: حدثنا محمد بن الحجّاج اللُّخْمِي، عن مُجَالد، عن الشَّعبي ، عن ابن عباسٍ ، قال : قدم وفد عبد القيس على رسول الله، 188 . فذكر الحديث بنحو من معناه ، إِلاَّ أَنه قال في الحديث : ثم قال: أيكم يروي شعره ؟ فأنشدوه . لم يذكر أبا بكر الصديق [ رضي الله عنه ](١٤) ولم يذكر الوصية . وهذا يتفرد به محمد بن الحجاج اللَّخْمِي ، عن مُجَالد . ومحمد بن الحجاج متروك (١٥). (١١) في (هـ) و(ص) و(م): ((وجدوا)). (١٢) في (هـ): ((لقد أقر)). (١٣) في (): ((السهمي))، وهو تصحيف، واسمه: ابو جعفر، محمد بن حسان بن خالد الضبي السمتي البغدادي ترجمته في ميزان الاعتدال (٢ : ٥١٣). (١٤) الزيادة من (م) و(ص). (١٥) محمد بن الحجاج اللخمي الواسطي، أبو إبراهيم نزيل بغداد: قال البخاري: ((منكر الحديث )) وقال ابن معين: ((كذاب خبيث))، وقال الدارقطني: ((كذاب)) وجرحه ابن حبان، الميزان (٣ : ٥٠٩)، اما مجالد بن سعيد الهمداني فهو شيعي كذاب . الميزان (٣: ٤٣٨). ١٠٤ ورُوِيّ من وجه آخر عن ابن عباس بزيادات كثيرة . حدثنا أبو عبد الرحمن : محمد بن الحسين بن محمد بن موسى السلمي ، رحمه الله ، قال : حدثنا أبو العباس: الوليد بن سعيد بن حاتم بن عيسى الفُسْطَاطِي ، بمكة، من حفظه - وزعم أن له خمساً وتسعين سنة في ذي الحجة سنة ست وستين وثلاثمائة - على باب إبراهيم عليه السلام ، قال : أخبرنا محمد ابن عيسى بن محمد الأخباري ، قال : أخبرنا أبي : عيسى بن محمد بن سعيد القرشي، قال : حدثنا علي بن سليمان، عن سليمان بن علي ، عن علي بن عبد الله بن عباس ، عن عبد الله بن عباس ، قال : قدم الجَارُودُ بن عبد الله - وكان سيّداً في قومه ، مُطاعاً عظيماً في عشيرته : مطاع الأمر(١٦) رفيع القدر، عظيم الخطر ، ظاهر الأدب ، شامخ الحسب، بديع الجمال، حسن الفعال، ذا مَنْعَةٍ ومال - في وفد عبد القيس من ذوي الأَخْطَار والأقدار، والفضل والإِحسان، والفصاحة والبرهان، كلُّ رجل منهم كالنخلة السَّحُوق ، على ناقة كالفحل الفَنِيق قد جَنّبُوا الجيّادَ، وأَعدُّوا لِلْجَلاد ، مُجِدِّين في سيرهم ، حازمين في أمرهم، يسيرون ذَمِيلاً ، ويقطعون مِيلًا فميلاً، حتى أناخوا عند مسجد النبي، #1. فأقبل الجارود على قومه والمشائخ من بني عمّه ، فقال: يا قوم، هذا محمد الأغْرّ ، سيد العرب، وخير ولد عبد المطلب ، فإذا دخلتم عليه ، ووقفتم بين يديه ، فأحسنوا عليه السّلام وأقلوا عنده الكلام . فقالوا بأجمعهم: أيها الملك الهُمَام والأسد الضَّرْغَام ، لن نتكلم إذا حضرت ولن (١٧) نجاوز إذا أمرت ، فقل ما شئت، فإِنا سامعون ، واعمل ما شئت، فإِنا تابعون . فنهض الجارود في كلّ كُمِيِّ صِنْدِيدٍ، قد دَوَّمُوا (١٦) ليست في (هـ). (١٧) في (م) و(ح): ((ولم)). ١٠٥ العَمائم، وتردوا بالصَّمّائم (١٨)، يجرُّون أَسيافهم ويَسْحَبُون أَذْيَالّهم، يتناشدون الأشعار ، ويَتَذاكرُون مناقب الأخيار، لا يتكلمون طويلاً، ولا يسكتون عيًّا: إِنْ أمرهم ائتمروا ، وإِن زجرهم ازدجروا ، كأنهم أُسْد غِيل يقدمها ذو لبؤة مُّهول(١٩)، حتى مثلُوا بين يدي النبي، ﴿ .. فلما دخل القوم المسجد ، وأبصرهم أهل المشهد، دَلّفَ الجارُودُ أمام النبي، ◌ِّر، وحسر لثامه وأحسن سلامه ، ثم أنشأ يقول : قطعتْ فَدْفَداً وآلاً فآلاً يا نبي الهدى أتتك رجالٌ لا تخال الكَلَالَ فيك كَلَالا وطوت نحوك الصَّحَاصِحَ طُراً أَرْقَلَتْهَا قِلَصُنَا إِرْقَالا كلّ دَهْمَاءَ يَقْصُرِ الطَّرْفُ عنها بِكُمَاةٍ كأَنْجُمِ تَتَلالا وطوتها الجيادُ تَجْمَحُ فيها أَوْجَلّ القلب ذِكرُهُ ثم هَالاً تبتغي دفع بأس يومٍ عَبُوسٍ فلما سمع رسول اللّه، وَ#، ذلك فرح فرحاً شديداً، وقرّبه وأَدناه، ورفع مجلسه وحباه، وأكرمه ، وقال : يا جارود ، لقد تأخر بك وبقومك الموعد ، وطال بكم الأمد(٢٠). قال: والله يا رسول الله، لقد أَخطأً من أخطأُك قَصْدَه، وعدم رشده، وتلك وأَيْمُ الله أكبر خيبةٍ ، وأَعظم حَوْبَةٍ ، والرائدُ لا يكذب أُهَلَهُ، ولا يغشّ نفسه . لقد جئت بالحق، ونطقت بالصدق، والذي بعثك بالحق نبياً واختارك للمؤمنين وليّاً، لقد وجدت وصفَك في الإِنجيل ، ولقد بشّر بك [ ابن ](٢١) البُتُول، وطول التحية لك والشكْر لمن أكرمك وأُرسلك، لا أَثْرَ بعد (١٨) في (هـ): ((بالصوارم)). (١٩) في (ح): ((فهول)). (٢٠) في (هـ): ((الأمل)). (٢١) الزيادة من ( هـ). ١٠٦ عَيْن ، ولا شك بعد يقين. مُدَّ يدك ، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك محمد رسول الله . قال: فآمن الجارود، وآمن من قومه كلّ سيد، وسرّ النبي، وَّ ، بهم سروراً ، وابتهج حُبُوراً ، وقال : يا جارود ، هل في جماعة وفد عبد القيس من يعرف لنا قُسّاً ،؟ قال : كلُّنا نعرفه يا رسول الله ، وأَنا من بين قومي كنت أَقْفُو أَثْرَه وأطلب خبره : كان قس سِبْطاً من أسباط العرب ، صحيح النسب ، فصيحاً إِذا خطب ، ذا شَيْئَةٍ حسنةٍ . عمّر سبعمائة سنة ، يَتَقَفَّرُ القِفَارَ، لا تكنُّه دار ، ولا يقرّه قرار، يَتَحَسَّى في تَقَفُّرُهُ بَيْضَ النّعام، ويأْنس بالوحش والهَوَامٌ، يلبس المُسُوحَ ويتبع السُّيَّاحِ على منهاج المسيح ، لا يفتر من الرّهبانية، مقرّ اللّه بالوحدانية ، تُضْرَبُ بحكمته الأمثال، وتُكشف به الأهوال، وتتبعه الأَبْدَالُ. أُدرك رأس الحَوَارِيِّين سَمْعَان! فهو أول من تَأَلَّهَ من العرب وأَعْبَدُ من تَعَبَّدَ في الحُقُب، وأَيْقَنَ بالبعث والحساب وحذر سوءَ المُنْقَلَب والمآب، ووعظ بذكر الموت ، وأمر بالعمل قبل الفوت . الحَسَنُ الألفاظ، الخاطب بسوق عكاظ، العالم بشرق وغربٍ ، ويابسٍ ورَطْبٍ ، وأُجَاج وعَذْب . كأني أنظر إليه ، والعرب بين يديه ، يقسم بالرّب الذي هو له لَيَبْلُغَنَّ الكتاب أُجْلِه، وَيُوَفَّيَنَّ كلُّ عاملٍ عمّله. ثم أنشأ يقول : وليالٍ خِلَالَهُنَّ نهارُ هاج للقلب(٢٢) من جَوَاهُ آدِّكارُ وشمسٌ في كلّ يومٍ تُدَارُ ونجوم يَحُثُّها قمر الليل شديدٌ في الخافقين مُطَارُ ضوؤها يطمسُ العيون ورِعَادٌ (٢٣) كلُّهم في التراب يوماً يزَارُ وغلامٌ وَأَشْمَطٌ ورضيعٌ (٢٢) في (م): ((بالقلب)). (٢٣) في (م): ((وإرعادٌ)). ١٠٧ وأُخرى خَلَتْ فَهُنَّ قِفَارُ وقصور مُشَيَّدَةٌ حوت الخير جَوْسَةُ النَّاظِرِ الذي لا يحَارُ وكثيرٌ مما يقصّر عنه اللّه نفوساً لها مُدَّى واعتبارُ والذي قد ذكرت دلَّ على فقال النبي ، ◌َّر،: على رسلك يا جارود، فلست أنساه بسوق عكاظ على جمل له أُوْرَقٍ ، وهو يتكلم بكلام مُوْنق ، ما أظن أني أحفظه، فهل منكم يا معشر المهاجرين والأنصار من يحفظ لنا منه شيئاً؟ فوثب أبو بكر قائماً، وقال : يا رسول الله ، إِني أَحفظه ، وكنت حاضراً ذلك اليوم بسوق عكاظ حين خطب فَأَطْنَبَ، ورغَّب ورهَب، وحذّر وأنذر ، فقال(٢٤) في خطبته : أيها الناس ، اسمعوا وُوا ، فإِذا (٢٥) وعيتم فانتفعوا : إنه من عاش مات ، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت ، مُطَرٌ ونبات، وأَرزاق وأَقوات، وآباءٌ وأمهات، وأَحياءٌ وأَموات، جميعٌ وَأَشْتّات، وآيات بعد آياتِ. إن في السماءِ لَخَبْراً، وإِنَّ في الأرضِ لَعِبَراً، ليلِ دَاجٍ، وسماء ذات أبراج. [ وأرض ذات رتاج ](٢٦) وبحار ذات أمواج . مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون ؟ أَرَضُوا بالمقام فأقاموا ؟ أم تركوا هناك فناموا ؟ أَقسم قس قسماً [ حقاً ](٢٧) لا حَانِثً فيه ولا آئِماً : إِن اللّه تعالى(٢٨) ديناً هو أَحبُّ إِليه من دينكم الذي أنتم عليه ، ونبّاً قد حان حينه ، وأَظلكم أَوَانُه، وأدرككم إِيَّانُه، فَطُوبَى لمن آمن به فهداه ، وويل لمن خالفه وعصاه. ثم قال : تَبّاً لأرباب الغَفْلَةِ من الأمم الخالية ، والقرون الماضية . يا (٢٤) في (م): ((وقال)). (٢٥) في (م): ((وإذا)). (٢٦) ما بين الحاصرتين ساقط من (هـ ). (٢٧) الزيادة من (هـ). (٢٨) ليست في ( م) . ١٠٨ معشر إِياد ، أَين الآباء والأجدادُ ؟ وأين المريض والعُوَّاد ؟ وأين الفَرَاعِنَةُ الشِّداد ؟ أين من بنى وشَيَّدَ ؟! وزخرف ونَجَّد؟! وغرَّه المال والولد ؟ ! أين من بَغَى وطَغَى، وجمع فَأَوْعَى، وقال: أنا ربكم الأَعْلَى؟! ألم يكونوا أكثر مِنكم أموالً، وأَبعد منكم آمالاً، وأطول منكم آجالاً؟! طَحْنَهُمْ الثّرِى بِكَلْكُلِهِ ، ومزّقهم بتطاوله ، فتلك عِظامُهم بالية ، وبيوتهم خالية، عَمَرَتْها الذئاب العاوية(٢٩)، كلّا ، بل هو الله الواحد المعبود ، ليس بوالد ولا مولود !! ثم أنشأ يقول: من القرون لنا بصائرْ في الذاهبين الأولين تِ ليس لها مُصَادِرْ لما رأيت مَوَارِداً للمو يمضي الأصاغر والأكابر ورأيت قومي نحوها ولا من الباقين غابرْ لا يرجع الماضي إليّ لة حيث صار القوم صائر أيقنت أني لا محا قال: ثم جلس . فقام(٣٠) رجل من الأنصار بعده كأنه قطعة جبل، ذُو هامةٍ عظيمة ، وقامة جسيمة ، قد دَوَّمَ عمامته ، وأَرخى نُؤابته ، منيف أُنسوف أُحدق (٣١) أَجَشُ الصَّوت ، فقال : يا سيد المرسلين، وصفوة رب العالمين، لقد رأيت من قس عجباً ، وشهدت منه مَرْغَباً. فقال : وما الذي رأيته منه وحفظته عنه ؟ فقال : خرجت في الجاهلية أَطلب بعيراً لي شَرَد مني كنت أَقْفُو أَثّرَه(٣٢) وأطلب خبره، في نْتَائِفَ حقائف(٣٣)، ذات دَعَادِع وَزَعَازِع، ليس بها للركب مَقِيل، ولا لغير الجن (٣٤) (٢٩) في (م): ((العادية)). (٣٢) ليست في (م). (٣٣) في (م): (( تنايف حقايف)). (٣٠) في (م): ((وقام)). (٣١) في (م) و(هـ): ((أشدق)). (٣٤) في (ح) و(م): ((الحق)). ١٠٩ سبيل، وإِذا أَنا بِمَوْئِل مَهُول في طَوْدٍ عظيم ليس به إِلا البُومُ. وأدركني الليل فَوَلِجْتُه مذعوراً لا آمن فيه خَتْفِي، ولا أركن إِلى غير سيفي. فبت بليلٍ طويل، كأنه بِلَيْلِ مَوْصُولٌ، أَرقب الكوكب، وأَرْمُقُ الغَيْهَبَ، حتى إِذا الليل عَسْعَسَ (٣٥)، وكاد الصُّبْحُ أَن يَتْنَفِّسْ، هتف بي هاتف يقول : قد بعث الله نبياً في الحرمْ يأيها الرّاقد في الليل الأَحَمْ يَجْلُو دُجُنَّاتِ الدَّياجي والبُهَمْ (٣٦) من هاشم أهل الوفاءِ والكرم قال : فأُدرت طرفي فما رأيت له شخصاً ولا سمعت له فَحْصاً، فأَنشأت أقول : يأيها الهاتف في داجى الظلم أهلًا وسهلا بك من طيف ألم ماذا الذي تدعو اليه يُغْتَنَمْ (٣٧)؟ بَيَّنْ هداك الله في لحن الكَلِمْ قال : فإِذا أَنا بِنَحْنَحَةٍ، وقائل يقول : ظهر النور، وبطل الزور [ و] بعث الله محمداً، وَ بالحُبُورِ، صاحب النَّجيب الأحْمَر، والتّاجِ والمَغْفَر، ذو الوجه(٣٨) الأزْهر، والحاجب الأقْمَرِ، والطرّف الأَحْوَر، صاحب قول شهادة : أن لا إله إلا الله، فذلك(٣٩) محمد المبعوث إِلى الأسود والأبيض، أهل المدّر والوَبَر. ثم أنشأ يقول : الحمد لله الذي لم يخلق الخلق عَبَتْ لم يُخْلِنَا [ حيناً ](٤٠) سُدى من بعد عيسى واكترثْ (٣٥) في (م): ((عسس الليل)). (٣٦) في (هـ): الليالي واليهم)). (٣٧) في (هـ) و(م): ((في اللحن ... تغتنم)). (٣٨) في (م) و(هـ): ((والوجه )). (٣٩) في (م): ((فذاك)). (٤٠) الزيادة من (م). ١١٠ أُرسل فينا أَحمداً خير نبي قد بُعِثْ صلَّى عليه الله ما حج(٤١) له ركب وحثّ قال : فذهلت عن البعير واكتنفني السرور ، ولاح الصباح ، واتسع الإِيضاح (٤٢)، فتركت المَوْرَاءَ(٤٣)، وأخذت الجبل، فإِذا أَنا بالفّنيقِ يَسْتَنْشِقُ (٤٤) النّوقَ ، فملكت خِطَامَه، وعلوت سنامه ، فمرج(٤٥) طاعة وهَزّزْتُه ساعة ، حتى إِذا لغب وذَلَّ منه مَا صَعُبَ، وحَمِيت الوِسَادة، وبَرَدَت المَزادة ، فإِذا الزّاد قد هَشَّ له الفؤاد ! تركته فترك، وأَذنت له فبرك، في روضة خُضِرَةٍ نَضِرَةٍ عَطِرَةٍ ، ذات حَوذَان وَقُرْبَانٍ وعُنْقُرَان (٤٦) وعَبَيْثُرَان وجُلَّى وَأَقَاحِ وجَتْجَاتٍ وبَرَارٍ ، وشقائق ونهار(٤٧) كأنما قد بات الجوّ بها مَطِيراً، وباكرها المُزْنِ بُكوراً ، فَخِلَالُهَا شجر ، وقَرَارُها نَهَرٌ ، فجعل يرتع أَباً ، وأَصِيدُ ضباً، حتى إذا أكلت وأكل ! ونَهَلْت ونَهَلَ ، وعللتُ وعَلّ - حَلَلْتُ عِقَالَهُ، وعلوت جُلَاله، وأوسعت مَجَاله، فاغتنم الحملة ومر كالنّلة ، يسبق الريح ، ويقطع عرض الفسيح ، حتى أشرف بي على وادٍ وشجر، من شجر عَادٍ مُؤْرِقَةٍ مُوْنِقَةً، قد تهدَّل أَغصانُها كأَنما بِرَيرُهَا حبّ فُلْفُل ، فدنوت فإذا أنا بقس بن ساعدة في ظل شجرةٍ بيده قضيب من أُراكٍ يَنْكُتُ به الأرض وهو يترنّم بشعر، وهو : عليهمُ من بقايابزّهم خِرَقُ یاناعي الموت والملحود(٤٨) في جَدَثٍ (٤١) في (هـ): (( ما حنٍّ)). (٤٢) في (هـ): ((الأوضاع)). (٤٣) في (م): ((المَوْرَ)). (٤٤) في (هـ) و (م): (( يُشْقْشِقُ)). (٤٥) في (م): ((فَمرحْ))، وفي (هـ): ((فخرج)). (٤٦) في (هـ): ((وغربان)). (٤٧) في (ح) و(م): ((وأنهار)). (٤٨) في (هـ): ((الأموات في جدث)). ١١١ فهم إِذا أُنْبِهُوا من نومهم فرِقُوا دعهم فإن لهم يوماً يُصاح بهم خَلْقاً جديداً كما من قبله خُلِقوا حتى يعودوا لحالٍ(٤٩) غير حالهم منها الجديدُ ومنها المِنْهَجُ الخَلْقِ منهم عراةٌ ومنهم في ثيابهم ٠ قال : فدنوت منه فسلمت عليه فردّ السلام ، وإذا بعين خَرَّارَة ، في أُرض خَوَّارَة ، ومسجد بين قبرين ، وأَسدين عظيمين يَلُوذَان به ، ويتمسحان بأثوابه، وإذا أحدهما يسبق صاحبه إلى الماءِ فتبعه الآخر وطلب الماء ، فضربه بالقضيب الذي في يده ، وقال : ارجع، ثَكِلتْك أمك، حتى يشرب الذي وَرَدّ قبلك. فرجع ثم ورد بعده . فقلت له : ما هذا القبران ؟ فقال : هذان قبرا أخوين لي كانا يعبدان الله تعالى(٥٠)، معي في هذا المكان ، لا يشركان بالله شيئاً، فأدركهما الموت فقبرتهما، وهأنا بين قبريهما، حتى ألحق بهما، ثم نظر إليهما، فَتَغَرْغَرَتَ عيناه بالدّموع ، فانكب عليهما وجعل يقول : أَجدّكُما لا تَقْضِيَان كَرَاكُما خليليّ هُبّا طالما قد رقدتما ومالي فيها من خليل سواكما ألم تريا أَنِّي بسمعان مُفردٌ طِوَال الليالي أَوْ يجيب صَدَاكُمًا مقيم على قبريكما لست بارحاً یردُّ على ذي عولة(٥١) إِنْ بکاكما أبكيكما طول الحياة وما الذي كأَن الذي يَسْقِي العُقَارِ سَقّاكُمَا أَمن طول نوم لا تجيبان داعياً بروحي في قبريكما قد أَتاكما لَجُدْتُ بنفسي أَن تكون فِدّاكُمَا كأنكما والموتُ أَقربُ غايةٍ فلو جُعلَتِ نَفْسٌ لنفسٍ وقايةٌ (٤٩) في (هـ): ((بجال )). (٥٠) ليست في (ص) ولا في ( م). (٥١) في (هـ): ((ذي لوعة )). ١١٢ فقال رسول الله، وَله: رحم الله قساً، إني لأرجو أن يبعثه الله أمة وحده(٥٢) . [ وقدروى من وجه آخر ، عن الحسن البصري، منقطعاً، وروى مختصراً من حديث سعد بن أبي وقاص ، وأبي هريرة وإِذا روى حديث من أوجه وإن كان بعضها ضعيفاً دل على أن للحديث أصلاً والله أعلم] (٥٣). (٥٢) يبعث امة وحده : الأمة : الشخص المنفرد بدين ، اي يقوم مقام جماعة. (٥٣) الفقرة الأخيرة من الحاصرتين سقطت من (هـ). قال الحافظ عماد الدين بن كثير: هذه الطرق على ضعفها كالمتعاضدة على إثبات اصل القصة. وقال الحافظ في الإصابة طرقه كلها ضعيفة . وقال الشيخ رحمه الله تعالى في تهذيب موضوعات ابن الجوزي ، أَمْثّل طرقه الأول، فإن ابن أخي الزهري ومن فوقه من رجال البخاري ومسلم ، وعلي بن محمد المدائني ثقة. وأحمد بن عبيد قال ابن عَدِيّ : صَدُوق له مناكير . قلت : وقال الذهبي: صُوَيْلح. قال الحافظ: لَيِّن الحديث . انتهى . قال الشيخ رحمه الله تعالى: فإذا ضُمِّ طريق خلف بن أعين إليه حُكم بحسنه بلا توقف . انتهى. إذا علمت ذلك فالحديث ضعيف لا موضوع ، خلافاً لابن الجوزي ومن تبعه . وقد رواه البيهقي من وجه آخر عن ابن عباس . فذكر حديثاً طويلاً مُسْجِّعاً فيه أَشعار كثيرة. ١١٣ حديث الديراني الذي أُخبر من نزل بقربه من العرب - ببعثة النبي ، مَله ، واسمِه، وحضَّ على متابعته أنبأني شيخنا أبو عبد الله الحافظ: أَن أَبا أحمد: الحسين بن علي بن محمد بن يحيى ، أخبره [ قال ](١)، حدثنا أبو بكر: محمد بن إسحاق ، قال : حدثنا صالح بن مِسْمَارٍ ، أبو الفضل ، قال : حدثنا العلاء بن الفضل - وقال غيره : ابن عبد الملك بن أبي سوية - عن أبيه عن جدّه. ولم يقم شيخنا إِسناده عن خليفة بن عبدة قال : سألت محمد بن عدي بن ربيعة بن [سواءة ](٢) بن جشم بن سعد : كيف سَمَّاك أبوك في الجاهلية محمداً؟ قال : أما إني قد (٣) سألت أبي عما سألتني عنه ، فقال : خرجت رابع أربعة من بني تميم أنا أحدثهم(٤) وسفيان بن مُجَاشع بن دَارٍم، ويزيد بن عمرو بن ربيعة، وأسامة بن مالك بن خِنْدَف، نريد ابن جَفْنَةً الغسَّاني بالشام، فلما وردنا الشام نزلنا على غدير عليه شجرات وقربه قائم لديّرانيٌّ. فقلنا: لو اغتسلنا من هذا الماء وادَّهنًّا، ولبسنا ثيابنا، ثم أتينا (١) الزيادة من (م) و(ص). (٢) رسمت في (هـ): ((سوأة)). (٣) ليست في ( هـ). (٤) في (ح) و (م): ((أحدهم)). ١١٤ صاحبنا ؟ فأشرف علينا الدّيراني فقال : إِن هذه للغة قوم ما هي بلغة أهل هذا البلد، فقلنا : نعم ، نحن قوم من مضر. فقال: من أي المضَائر؟ فقلنا : من خِنْدَف . فقال : أما إِنه سوف يُبعث منكم وشيكاً نبي(٥) فتسارعوا إِليه، وخذوا بحظكم منه ترشدوا؛ فإِنه خاتم النبيين . فقلنا : ما اسمه ؟ قال : محمد . فلما انصرفنا من عند ابن جَفْعَةً وصرنا إِلى أَهلنا ولد لكل [واحدٍ ](٦) منا غلام فسمّاه محمداً (٧) . قلت : سقط من كتاب شيخناً من إِسناده شيء ، والصواب ما قال فيه غيره . (٥) في (ح) و(م): ((نبياً)). (٦) الزيادة من ( م). (٧) رواه الطبراني، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٥٥)، وهو في كتاب الوفا (١: ٤٦)، وسبل الهدى (١: ١٣٥). ١١٥ ذكر حديث النَّصرانيّ الذي أَخبر أُميَّة بن أبي الصلت ببعثة النبي * أَخبرنا القاضي أبو بكر : أحمد بن الحسن الجِمْيَرِي، رحمه الله ، قال : حدثنا (١) أبو بكر : محمد بن عبد الله الشافعي ، قال : أخبرنا(٢) محمد بن أحمد بن أبي العَوَّامِ الرِّياحي ، قال: حدثنا أبي ، قال : حدثنا سليمان بن الحكم بن عوانة ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا إسماعيل بن الطريح بن إسماعيل الثقفي ، عن أبيه ، عن جده ، عن مروان بن الحكم ، عن معاوية بن ٤ ابي سفيان ، قال : حدثني أبو سفيان بن حرب، قال : خرجت أنا وأمية بن أبي الصّلتِ الثّقَفي إلى الشام ، فمررنا بقرية من قرى الشام فيها نصارى . فلما رأوا أمية أَعْظَمُوه وأكرموه، وأرادوه على أن ينطلق معهم ، فقال لي أُمية: يا أبا سفيان انطلقْ معي فإنك تمضي إِلى رجل قد انتهى إِليه علم النصرانية . فقلت: لست أنطلق معك . قال : ولم ؟ قلت : إِني أخاف أن يحدثني بشيءٍ فيفسد عليَّ قلبي. فذهب معهم ، ثم عاد فرمى بثوبه ولبس ثوبين أسودين وانطلق، فوالله ما جاءَني حتى ذهب هَدْأَةٌ من الليل، فجاءً فانْجَدَل على فراشه ، فما نام حتى أصبح ، فقال : ألا ترحل بنا ؟ فقيل : وهل فيك من (١) في (م): ((أخبرنا)). (٢) في (م): ((حدثنا)). ١١٦ رحيل ؟ قال : نعم. قال : فارتحلنا . قال : ألا تجاوز بنا الركاب ؟ قلت : بلى ، فجاوزنا(٣) الركاب، فقال لي: يا صخر. قلت : قل يا أَبا عثمان. قال: أي أهل مكة أَشرف؟ قلت : عُتْبَةُ بن ربيعة . قال : أَّ أَهل مكة أكثر مالاً وأكبرهم سناً ؟ قلت : عتبة بن ربيعة . قال: إِنَّ الشرف والمال أَزْرَيْن به. قلت : لا، واللّه، ولكن زاده شرفاً. قال : تكتم عليّ ما أحدثك به ؟ قلت : نعم. قال : حدثني هذا الرجل الذي انتهى إليه علم الكتاب أن نبياً مبعوث . فظننتُ أني أَنا هو ، فقال: ليس منكم هو. هو من أهل مكة. قلت : فانسبه(٤) قال : هو وسط من قومه . فالذي رأيت من الهم ما صرف عني . قال : وقال لي : آية ذلك : أن الشام قد رجف(٥) بعد عيسى بن مريم، عليه السلام، ثمانين رجفة، وبقيت رجفة ، يدخل على الشام منها شر ومصيبة . فلما صرنا قريباً من ثنيّة إِذا راكب(٦) قلنا: من أين ؟ قال : من الشام . قال : هل كان من حَدَثٍ (٧)؟ قال : نعم ، رجفت الشام رجفة ، دخل على أهل الشام شرّ ومصيبة(٨) . (٣) في (ح) و(م): ((فجاوز بنا)). (٤) في (هـ): ((ما نسبه)). (٥) في (هـ) و(م): ((رَجَفَتْ)). (٦) في (هـ): (( ركب)). (٧) في (ح): (( من حديث)). (٨) الخبر في الاكتفاء (١: ٢٤٤)، والوفا (١: ٥١)، وسبل الهدى والرشاد (١: ١٣٥ - ١٣٦)، عن الطبراني والبيهقي . ١ ١١٧ ذکر حديث الجهنيّ الذي أتى في إِغمائه وأخبر بالاطلاق إِن شكر لربِّه فآمن بالنبيّ المرسل وترك سبيل من أشرك فأضلَّ * أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ، ببغداد ، قال : حدّثنا أبو عليّ: الحسين بن صفوان ، قال : حدّثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ، قال : حدّثنا إبراهيم بن عبد الله الهَرَوِيّ ، قال : أخبرنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، قال : حدّثنا مُجَالِد ، عن عامر ، قال : انتهينا إِلى أَفنية جُهَيْنَةَ، فإِذا شيخ جالس في بعض أَفْنِيَتِهِمْ ، فجلست إليه ، فحدثني ، قال : إِنَّ رجلًا منّا في الجاهلية اشتكى ، فأغمي عليه ، فسجَّيناه وظننا أنه قد مات ، وأمرنا بحفرته أَن تُحفّر ، فبينا نحن عنده إِذ جلس فقال : إِني أُتيتُ حيث رأيتموني ، أُغمي عليَّ ، فقيل لي: أُمُّكَ هَبَلْ. ألا ترى حفرتك تُنْثَلُ وقد كادت أُمُّك تُنْكَل . أُرأیت إِن حولناها عنك بمحوِّل، وقذفنا فيها القُصَلَ، الذي مشى وأَجْزَل . أتشكرُ لربك وتصلِّي وتدع سبيل من أَشرك فأَضلِّ ؟ فقلت : نعم ، فأطلقت ، فانظروا ما فعل القُصّل . ١١٨ مر آنفاً . فذهبوا ينظرون فوجدوه قد مات فدفن في الحفرة ، وعاش الرجل " حتى أدرك الإِسلام. * وأخبرنا أبو الحسين، قال: أَخبرنا الحسين بن صَفْوَان ، قال: حدّثنا ابن أبي الدنيا . قال : حدّثنا سعيد بن يحيى القرشي ، قال : حدّثني عمي عبد اللّه بن سعيد، قال: حدثنا زياد بن عبد الله، قال: حدّثنا مُجَالِد، عن الشّعبي ، قال : حدّثني شيخ من جُهَيْنة ، فذكر القصة ، قال : فرأيتُ الجُهَنيّ بعد ذلك يصليِّ ويسبُّ الأوثان ويقع فيها . قال : وحدّثنا ابن أبي الدّنيا، قال : حدّثنا محمد بن الحسين . عن عبيد الله بن عمرو الرُّقّي عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، قال : مرض رجل من جُهَيْنَةَ في بدء الإِسلام حتى ظن أهله أنّه قد مات ، وحفرت حفرته . فذكر القصة وزاد في الشعر : ثم قذفنا فيها القُصَلَ ثم ملأنا عليه بالجندل إنه ظن أن لن نفعل ؟ قال : وزادني الحسن بن عبد العزيز في هذا الشعر شيئاً آخر : أَتُومِنُ بالنبيّ المرسل ؟ ١١٩ ذكر حديث زيد بن عمرو بن نُفيل(١) وورقة بن نوفل(٢) وما في(٣) حديثهما من آثار رسول الله ، (* أخبرنا أبو الحسن ، علي بن أحمد بن عبدان [ قال ](٤)، أخبرنا أحمد بن (١) زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي ، أحد الحكماء ، وهو ابن عم عمر بن الخطاب . لم يدرك الإِسلام ، وكان يكره عبادة الأوثان ، ولا يأكل مما ذبح. عليها ، ورحل إلى الشام باحثاً عن عبادات أهلها فلم تستمله اليهودية ولا النصرانية ، فعاد إلى مكة يعبد الله على دين إبراهيم ، وجاهر بعداء الأوثان، فتألب عليه جمع من قريش، فأخرجوه من مكة، فانصرف إلى ((حراء)) فسلّط عليه عمه : الخطاب شباناً لا يدعونه يدخل مكة ، فكان لا يدخلها إلا سراً ، وكان عدواً لوأد البنات ، لا يعلم ببنت يراد وأدها إلا قصد أباها وكفاه مؤنتها ، فيربيها حتى إذا ترعرعت عرضها على أبيها فإن لم يأخذها بحث لها عن كفؤ فزوجها به . رآه النبي # قبل النبوة، وسئل عنه بعدها، فقال: ((يبعث يوم القيامة أمة وحده)). توفي قبل مبعث النبي # بخمس سنين ، وله شعر قليل منه البيت المشهور : ألف أم واجداً رب أربا الأمور أدينُ إذا تقسمت (٢) ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزِّى: حكيم جاهلي من قريش ، اعتزل الأوثان قبل الإِسلام ، وامتنع عن أكل ذبائحها ، وتنصَّرَ ، وقرأ كتب الأديان ، وأدرك أوائل عصر النبوة ، ولم يدرك الدعوة ، وهو ابن عم خديجة بنت خويلد ، أم المؤمنين ، وكان يكتب اللغة العربية بالحرف العبراني . وفي حديث ابتداء الوحي، بغار حراء، أن النبي ◌َ# رجع إلى خديجة، وفؤاده يرتجف ، فأخبرها ، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل ((وكان شيخاً كبيراً قد عمي)) فقالت له خديجة : يا ابن عمّ= ١٢٠