النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١٠ المقدمة. الزمان نحو قوله سبحانه : ﴿الَمَ * غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غَلَيِهم سَيَغْلِون * في بضع سنين﴾ . وقوله سبحانه وتعالى : ﴿فتمنُّوا الموت﴾، ثم قوله: ﴿ولن يتمنَّوه أبداً﴾ . وقوله : ﴿قل للذين كفروا ستغلبون﴾ وغُلبوا . وقوله : ﴿التدخُلنَّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ ودخلوا. ٥ - أنه محفوظ من الاختلاف والتناقض . (( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً)) .. وقال تعالى: ﴿إنا نحن نزَّلنا الذكرَ وإِنا له لحافظون﴾ . قال ابن عقيل: حُفِظَ جميعُه . وآياتُه وسوَرُه التي لا يدخل عليها تبديل ، من حيث عجز الخلائق عن مثلها ، فكان القرآن حافظ نفسه من حيث عجز الخلائق عن مثله .. . قال أبو الوفا علي بن عقيل : ((إذا أردت أن تعلم أن القرآن ليس من قول رسول الله صل# وإِنما هو ملتقى اليه ، فانظر إلى كلامه كيف هو إلى القرآن ، وتلمَّح ما بين الكلامين والأسلوبين ، ومعلوم أن كلام الانسان يتشابه ، وما للنبي مير كلمة تشاكل نمط القرآن .. قال ابن عقيل : ومن إعجاز القرآن ، أنه لا يمكن لأحد أن يستخرج منه آية قد أخذ معناها من كلام قد سبق ، فإنه ما زال الناس يكشف بعضهم عن بعض ، فيقال: ((المتنبي أخذ من البحتري)) .. ( م ٣ - دلائل النبوة جـ ١) ٦٢ . المقدمة ويقول صاحب الوفا ، عن إعجاز القرآن : وقد استخرجت معنیین عجیبین : أحدهما : أن معجزات الأنبياء ذهبت بموتهم ، فلو قال ملحد اليوم : أي دليل على صدق محمد وموسى ؟ .. فقيل له: محمد شق له القمر ، وموسى شق له البحر .. لقال : هذا محال .. فجعل الله سبحانه هذا القرآن معجزاً لمحمد * يبقى أبداً .. ليظهر دليل صدقه بعد وفاته، وجعله دليلاً على صدق الأنبياء، إذ هو مصلّق لهم ومخبر عن حالهم . والثاني: أنه أخبر أهل الكتاب بأن صفة محمد وَلّ مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل ، وشهد لحاطب بالإيمان ، ولعائشة بالبراءة ، وهذه شهادات على غيب .. فلو لم يكن في التوراة والإنجيل صفته ، كان ذلك منفراً لهم عن الإيمان به ولو علم حاطب وعائشة من أنفسهما خلاف ما شهد لهما به ، نفراً عن الإيمان . وعن إعجاز القرآن يقول الأستاذ المهتدي ((أتيين دينيه)) الكاتب الفرنسي الذي أسلم وحجّ وكتب الكثير عن الإسلام، من كتابه محمد رسول الله وَار ، إن معجزات الأنبياء الذين سبقوا محمداً كانت في الواقع معجزات وقتية ، وبالتالي معرضة للنسيان السريع ، بينما نستطيع أن نسمي معجزة الآية القرآنية .. ((المعجزة الخالدة)) .. ذلك أن تأثيرها دائم ، ومفعولها مستمر ، ومن اليسير على المؤمن في كل زمان وفي كل مكان ، أن يرى هذه المعجزة بمجرد تلاوة كتاب الله .. وفي هذه المعجزة نجد التعليل الشافي للانتشار الذي أحرزه الإِسلام ، ذلك الانتشار الذي لا يدرك سببه الأوروبيون ، لأنهم يجهلون القرآن ، أو لأنهم لا يعرفونه إلا من خلال ترجمات لا تنبض بالحياة ، فضلاً عن أنها غير دقيقة .. إن الجاذبية الساحرة التي يمتاز بها هذا الكتاب، الفريد بين أمهات الكتب ٦٣ المقدمة العالمية ؛ لا تحتاج منا - نحن المسلمين - الى تعليل - ذلك أننا نؤمن بأنه كلام الله أنزله على رسوله، ولكننا نرى من الطريف أن نورد هنا رأيين لمستشرقيين ذاعت شهرتهما عن جدارة .. يقول ((سفري)) - وهو أول من ترجم القرآن الى الفرنسية : ((كان محمد عليماً بلغته، وهي لغة لا نجد على ظهر البسيطة ما يضارعها غنى وانسجاماً - إنها بتركيب أفعالها ، يمكنها أن تتابع الفكر في طيرانه البعيد ، وتصفه في دقة دقيقة .. وهي بما فيها من نغم موسيقي تحاكي أصوات الحيوانات المختلفة ، وخرير المياه المنسابة ، وهزيم الرعد ، وقصف الرياح . كان محمد عليماً - كما قلت - بتلك اللغة الأزلية التي تزينت بروائع كثير من الشعراء ، فاجتهد محمد أن يحلي تعاليمه بكل ما في البلاغة من جمال وسحر . . ولقد كان الشعراء في الجزيرة العربية يتمتعون من التقدير بأسمى مكانة .. ولقد علق لبيد بن ربيعة ، الشاعر المشهور ، إحدى قصائده على باب الكعبة ، وحالت شهرته وقدرته الشاعرية دون أن ينبري له المنافسون ، ولم يتقدم احد لينازعه الجائزة .. وذات يوم علق بجانب قصيدته السورة الثانية من القرآن ( وقيل السورة الخامسة والخمسين ) فأعجب بها لبيد أيما اعجاب ، رغم أنه مشرك ، واعترف بمجرد قراءة الآبات الأولى بأنه قد هزم ، ولم يلبث أن أسلم .. وفي ذات يوم سأله المعجبون به عن أشعاره ، يريدون جمعها في ديوان ، فأجاب : (( لم أعد أتذكر شيئاً من شعري ، إذ أن روعة الآيات المنزلة لم نترك لغيرها مكاناً في ذاكرتي)) . ٦٤ . المقدمة ويقول استانلي لين بول : ((إن أسلوب القرآن في كل سورة من سوره لأسلوب أبيِّ يفيض عاطفة وحياة .. ان الألفاظ ألفاظ رجل مخلص للدعوة ، وإنها لا تزال حتى الآن تحمل طابع الحماسة والقوة ، وفي ثناياها تلك الجذوة التي ألقيت بها .. دلائل النبوة في سمو حياته وَالقر وجهاده : بلغت حياة النبي # من السمو غاية ما يستطيع انسان ان يبلغ ، وكانت حياته قبل الرسالة مضرب المثل في الصدق والكرامة والأمانة ، كما كانت بعد الرسالة كلها تضحية ، وصبر، وجهاد في سبيل اللّه ، تضحية استهدفت حياته للموت مرات ، ولولا صدق محمد في تبليغ رسالة ربه ، وإيمانه بما ابتعثه اللّه به ويقينه المطلق برسالته ، لرأينا الحياة على كر الدهور تنفي مما قال شيئاً . عن ابن عباس قال: لما أنزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عشيرتك الأقربين﴾ صعّد رسول اللّهِ وَ*، على الصفا فقال: ((يا معشر قُريش)) فقالت قريش: محمد على الصَّفا يهتف، فأقبلوا واجتمعوا فقالوا: مالك يا محمد؟ قال: ((أرأيتُكم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل ، أكنتم تصدقوني))؟ قالوا: نعم . أنت عندنا غير مُتهم، وما جرّبنا عليك كذباً قط. قال : (( فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد ، يا بني عبد المطلب ، يا بني عبد مناف ، يا بني زُهرة ، حتى عدد الأفخاذ من قريش : (( إن الله أمرني أن أنذِرَ عشيرتي الأقربين . وإني لا أملك لكم من الدنيا منفعةً ، ولا من الآخرة نصيباً ، إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله)). المقدمة . ٦٥٠ عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قام رسول الله وَلقر ، حين أنزل الله عز وجل : وأنذِرْ عشيرتك الأقربين . قال : يا معشر قريش ، أو كلمة نحوها ، اشتروا أنفسكم ، لا أغني عنكم من الله شيئاً ، يا بني عبد مناف ، لا أغني عنكم من الله شيئاً ، يا عباس بن عبد المطلب ، لا أغني عنك من الله شيئاً ، ويا صفية عمة رسول الله ، لا أغني عنك من الله شيئاً . ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي ، لا أغني عنك من الله شيئاً )). تتحدث كتب السيرة عن سعي قريش إلى أبي طالب؛ لينهى محمداً اله عن الاستمرار في الدعوة . ولما التقى القرشيون به ، قالوا : يا أبا طالب ، ان ابن أخيك قد سبّ آلهتنا ، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضّل آباءنا، فإِمَّا أن تكفَّه عنا، وإما أن تخليَ بيننا وبينه - فإِنك على مثل ما نحن عليه من خلافه - فنكفيكه؟ قال لهم أبو طالب ، قولا رفيقاً ، وردهم رداً جميلاً ، فانصرفوا عنه . ومضى رسول الله وَلتر، على ما هو عليه: يظهر دين الله، ويدعو اليه . ثم شرى الأمر بينه وبينهم ، حتى تباعد الرجال ، وتضاغنوا ، وأكثرت قريش ذكر رسول الله وَّ بينها، فتذامروا فيه، وحضّ بعضهم بعضاً عليه ، ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له : يا أبا طالب ، إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا . وإِنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تَنْهَه عنا ، وإِنا والله ، لا نصبرُ على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفَّه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك ، حتى يهلك أحدُ الفريقين ، أو كما قالوا له. ثم انصرفوا عنه . فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ، ولم يطِبْ نفساً بإِسلام رسول الله ◌َ لهم ولا خذلانه . ٦٦ · المقدمة فبعث إلى رسول الله وَل﴿، فقال له : يا ابن أخي ، إن قومك قد جاءوني ، فقالوا لي كذا وكذا ، للذي كانوا قالوا له ، فأبْقٍ عليَّ، وعلى نفسك ، ولا تحمَّلني من الأمر ما لا أطيق . فظن رسول الله وَ﴿، أنه قد بدا لعمِّه فيه فُدو، وأنه خاذلهُ ومسلمه ، وأنه قد ضعُف عن نصرته والقيام معه. قال رسول الله وَ ل: ((يا عم، واللّه، لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر - حتى يظهره الله أو أهلك فيه - ما تركته)). قال: ثم استعبر رسول الله وَلير، فبكى، ثم قام. فلما ولّى، ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا ابن أخي، قال: فأقبل عليه رسول اللّه الله. فقال : اذهب يا ابن أخي ، فقُل ما أحببتَ ، فوالله، لا أسلمُك لشيء أبداً . الرسول # في الطائف : لما تُوفي أبو طالب، اجترأت قريش على رسول الله وضّله، ونالت منه. فخرج إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة ، وذلك في ليال بقية من شوال سنة عشر من حين نُبِىء رسول اللّه وََّ، فأقام بالطائف عشرة أيام لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه وكلمه . ومحمد دعاهم إلى الإِسلام أخوة ثلاثة ، وهم سادة ثقيف وأشرافهم، وهم عبد ياليل ، ومسعود وحبيب بنو عمرو بن عمير بن عوف . فجلس إليهم فدعاهم إلى الله ، وكلمهم لما جاءهم له من نصرته على الإِسلام والقيام معه على من خالفه من قومه ، فقال أحدهم : هو - يعني نفسه - بمرْطُ ثياب الكعبة ان كان الله أرسلك ؛ وقال الآخر : أما وجد الله أحداً أرسله غيرك ؟ وقال الثالث: والله ، لا أكلمك أبداً ... لئن كنت رسولاً من الله - كما تقول - لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام . ولئن كنت تكذب على الله ، ما ينبغي لي أن أكلمك . المقدمة ٦٧٠٠ . . فقام رسول الله وَّر من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف ... وأغْروا به سفهاءهم وعبيدهم : يسبونه ويصيحون به . حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه الى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه ، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه . فَعَمد الى ظل حبلة من عنب فجلس فيه ، وابنا ربيعة ينظران اليه ، ويريان ما يلقى من سفهاء أهل الطائف . فلما اطمأن قال فيما ذكر: ((اللهم إليك أشكو ضعْف قوّتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدو ملّكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي .. ولكنَّ عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلَح عليه أمر الدنيا والآخرة ، من أن تنزل بي غضبك أو يحُلَّ عليّ سخطك ، لك العُتبى حتى ترضى ، ولا حولَ ولا قوة إلا بك )). فلما رأى ابنا ربيعة عتبةُ وشيبةُ ما لقى ، دعَوْا غلاماً لهما نصرانياً يقال له : عدَّاس فقالا له : خذ قِطْفاً من هذا العنب ، فضعه في ذلك الطبق ، ثم اذهبْ به إلی ذلك الرجل ، فقل له یأکلُ منه . ففعل ، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله وَير، فلما وضع رسول الله وَّ يده، قال: بسم الله، ثم أكل. فنظر عدَّاس الى وجهه . ثم قال : والله ، ان هذا الكلام ما يقوله أهل هذا البلد . فقال له رسول اللّه وَّر: ومن أي البلاد أنت ؟ وما دينك ؟ قال: أنا نصراني ، وأنا رجل من أهل نينوى . فقال له رسول اللّه وَالر: من قرية الرجل الصالح يونس بن متَّى؟ ٦٨ المقدمة قال : ذاك أخي، كان نبياً ، وأنا نبيّ . فأكب عدَّاس على رسول الله وَ له، فقبل رأسه ويديه ورجليه. قال : يقول ابنا ربيعة : أحدهما لصاحبه : أما غلامُك ، فقد أفْسدّهُ عليك . فلما جاءهم عدَّاس قالا له : ويلك يا عدَّاس ، مالك تقبّل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض خيرٌ من هذا الرجل . لقد أخبرني بأمرٍ لا يعلمه إلا نبي . دلائل النبوة في خصائص التصور الإسلامي : لا يدرك الإنسان ضرورة الرسالة النبوية إلا عندما يستعرض أحوال العالم قبل ظهور الإِسلام، وكيف كانت البشرية تائهة في ظلمات الضلالات السائدة، والتصورات الوثنية، واللوثات القومية على السواء . ولقد جاءت رسل بني إسرائيل بالتوحيد الخالص ، ولكنهم انحرفوا على مدى الزمن وهبطوا إلى مستوى الوثنيات ، وانتكسوا ، بعد موسى وقبل موسى . وقل ذلك عن النصرانية، فقد دخلتها الوثنية والشرك بتأثير المنافقين وفي هذا يقول الكاتب الأمريكي درابر في كتابه (( الدين والعلم)): (( دخلت الوثنية والشرك في النصرانية بتأثير المنافقين ، الذين تقلدوا وظائف خطيرة ، ومناصب عالية في الدولة الرومانية ، بتظاهرهم بالنصرانية ، ولم يكونوا يحفلون بأمر الدين . ولم يخلصوا له يوماً من الأيام . وكذلك كان قسطنطين .. فقد قضى عمره في الظلم والفجور ؛ ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلاً في آخر عمره سنة ٣٣٧ ميلادية . ((إن الجماعة النصرانية، وإن كانت قد بلغت من القوة بحيث ولت ٦٩ المقدمة . قسطنطين المُلك ولكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنية ، وتقتلع جرثومتها . وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت مبادئها ، ونشأ من ذلك دين جديد ، تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء .. هنالك يختلف الإِسلام عن النصرانية ، إذ قضى على منافسه ( الوثنية ) قضاء باتاً ، ونشر عقائده خالصة بغير غش . ((وإِن هذا الامبراطور الذي كان عبداً للدنيا ، والذي لم تكن عقائده الدينية تساوي شيئاً ، رأى لمصلحته الشخصية ، ولمصلحة الحزبين المتنافسين - النصراني والوثني - أن يوحدهما ويؤلف بينهما . حتى أن النصارى الراسخين أيضاً لم ينكروا عليه هذه الخطة . ولعلهم كانوا يعتقدون ان الديانة الجديدة ستزدهر اذا طعمت ونقحت بالعقائد الوثنية القديمة؛ وسيخلص الدين النصراني عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها )). يقول الباحث الاسلامي الكبير الأستاذ سيد قطب في خصائص التصور الاسلامي : وقد وقع الانقسام في عقيدة النصارى ، فقالت فرقة : ان المسيح انسان محض ، وقالت فرقة : ان الأب والابن وروح القدس . إن هي إلا صور مختلفة أعلن الله بها نفسه للناس . فالله - بزعمهم - مركب من أقانيم ثلاثة : الأب والابن وروح القدس ( والابن هو المسيح ) فانحدر الله ، الذي هو الأب ، في صورة روح القدس وتجسد في مريم انساناً ، وولد منها في صورة يسوع. وفرقة قالت: ان الابن ليس أزلياً كالأب بل هو مخلوق من قبل العالم ، ولذلك هو دون الأب وخاضع له . وفرقة أنكرت كون روح القدس أقنوما .. وقرر مجمع نيقية سنة ٣٢٥ ميلادية ، ومجمع القسطنطينية سنة ٣٨١ ان الابن وروح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت ، وأن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب ، وأن روح القدس منبثق من الأب .. وقرر مجمع طليطلة سنة ٥٨٩ بأن روح القدس منبثق من الابن أيضاً . فاختلفت الكنيسة ٠٧٠ المقدمة الشرقية والكنيسة الغربية عند هذه النقطة وظلتا مختلفتين .. كذلك ألَّهت جماعة منهم مريم كما ألهوا المسيح عليه السلام .. ويقول الدكتور ألفرد بتلر في كتابه: ((فتح العرب لمصر . ترجمة الأستاذ محمد فريد أبو حديد )». ((إن ذينك القرنين - الخامس والسادس - كانا عهد نضال متصل بين المصريين والرومانيين . نضال يذكيه اختلاف في الجنس ، واختلاف في الدين . وكان اختلاف الدين أشد من اختلاف الجنس . اذ كانت علة العلل في ذلك الوقت تلك العداوة بين الملكانية والمنوفيسية ، وكانت الطائفة الأولى - كما يدل عليه اسمها - حزب مذهب الدولة الامبراطورية وحزب الملك والبلاد . وكانت تعتقد العقيدة السنية الموروثة - وهي ازدواج طبيعة المسيح - على حين أن الطائفة الأخرى - وهي حزب القبط المنوفيسيين - أهل مصر - كانت تستبشع تلك العقيدة وتستفظعها ، وتحاربها حرباً عنيفة . في حماسة هوجاء ، يصعب علينا أن نتصورها، أو نعرف كنهها في قوم يعقلون بل يؤمنون بالإِنجيل)) !. ويقول ((سيرت. و. أرنولد)) في كتابه: ((الدعوة إلى الإِسلام)) عن هذا الخلاف ، ومحاولة هرقل لتسويته بمذهب وسط : (( ولقد أفلح جستنيان Justinian قبل الفتح الاسلامي بمئة عام في أن يكسب الامبراطورية الرومانية مظهراً من مظاهر الوحدة . ولكنها سرعان ما تصدعت بعد موته ، وأصبحت في حاجة ماسة إلى شعور قومي مشترك ، يربط بين الولايات وحاضرة الدولة . أما هرقل فقد بذل جهوداً لم تصادف نجاحاً كاملاً في اعادة ربط الشام بالحكومة المركزية . ولكن ما اتخذه من وسائل عامة في سبيل التوفيق قد أدى لسوء الحظ الى زيادة الانقسام بدلاً من القضاء عليه. ولم يكن ثمة ما يقوم مقام الشعور بالقومية سوى العواطف الدينية . فحاول بتفسيره العقيدة تفسيراً يستعين به على تهدئة النفوس ، أن يقف كل ما يمكن أن يشجر ٧١٠" المقدمة . بعد ذلك بين الطوائف المتناحرة من خصومات، وأن يوحد بين الخارجين على الدين وبين الكنيسة الأرثوذكسية ، وبينهم وبين الحكومة المركزية . (( وكان مجمع خلقيدونة قد أعلن في سنة ٤٥١ م ((أن المسيح ينبغي أن يُعترف بأنه يتمثل في طبيعتين ، لا اختلاط بينهما ، ولا تغير ، ولا تجزؤ ، ولا انفصال . ولا يمكن أن ينتفي اختلافهما بسبب اتحادهما . بل الأحرى ان تحتفظ كل طبيعة منهما بخصائصها ، وتجتمع في أقنوم واحد ، وجسد واحد ، لا كما لو كانت متجزئة أو منفصلة في أقنومين ، بل مجتمعة في أقنوم واحد: هو ذلك الابن الواحد والله والكلمة . (( وقد رفض اليعاقبة هذا المجمع . وكانوا لا يعترفون في المسيح الا بطبيعة واحدة . وقالوا : إنه مركب الأقانيم ، له كل الصفات الإلهية والبشرية . ولكن المادة التي تحمل هذه الصفات لم تعد ثنائية ، بل أصبحت وحدة مركبة الأقانيم . (( وكان الجدل قد احتدم قرابة قرنين من الزمان بين طائفة الأرثوذكس وبين اليعاقبة الذين ازدهروا بوجه خاص في مصر والشام ، والبلاد الخارجة عن نطاق الامبراطورية البيزنطية ، في الوقت الذي سعى فيه هرقل في اصلاح ذات البين عن طريق المذهب القائل بأن للمسيح مشيئة واحدة «Monotheletism» ففي الوقت الذي نجد هذا المذهب يعترف بوجود الطبيعتين اذا به يتمسك بوحدة الأقنوم في حياة المسيح البشرية . وذلك بإنكاره وجود نوعين من الحياة في أقنوم واحد . فالمسيح الواحد الذي هو ابن الله ، يحقق الجانب الإِنساني ، والجانب الإلهي . بقوة إلهية انسانية واحدة . ومعنى ذلك انه لا يوجد سوى إرادة واحدة في الكلمة المتجسدة . (( لكن هرقل قد لقى المصير الذي انتهى اليه كثيرون جداً ، ممن كانوا يأملون أن يقيموا دعائم السلام ، ذلك أن الجدل لم يحتدم مرة أخرى كأعنف ما ٠٧٢ . المقدمة يكون الاحتدام فحس،. بل إن هرقل نفسه قد وصم بالالحاد ، وجرّ على نفسه سخط الطائفين سواء)»! وقد ورد في القرآن الكريم بعض الاشارات الى هذه الانحرافات ، ونهى لأهل الكتاب عنها ، وتصحيح حاسم لها ، وبيان لأصل العقيدة النصرانية كما جاءت من عند الله ، قبل التحريف والتأويل : ﴿لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم . وقال المسيح : يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ، ومأواه النار ، وما للظالمين من أنصار .. لقد كفر الذين قالوا .. إن الله ثالث ثلاثة . وما من إله إلا إله واحد . وإِن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم . أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ، والله غفور رحيم ؟ ما المسيح ابن مريم الا رسول قد خلت من قبله الرسل ، وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام . انظر كيف نبين لهم الآيات ، ثم انظر أنّى يؤفكون . قل : أتعبدون من دون الله مالا يملك لكم ضرا ولا نفعاً ؟ والله هو السميع العليم ، قل : يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيراً، وضلوا عن سواء السبيل﴾ ... [المائدة : ٧٢ - ٧٧ ] . ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله . وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم ، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل * قاتلهم الله أنّى يؤفكون﴾ .. [التوبة ٣٠ ] . ﴿وإذ قال الله: يا عيسى ابن مريم ، أأنت قلت للناس : اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال : سبحانك ! ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق . إن كنت قلته فقد علمتَه. تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب. ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا ربي وربكم * وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم * فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد * إن المقدمة ٠ ٧٣ تعذبهم فإنهم عبادك، وإِن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ ... [ المائدة : ١١٦ - ١١٨ ] . وهكذا نرى مدى الانحراف الذي دخل على النضرانية ، من جراء تلك الملابسات التاريخية ، حتى انتهت إلى تلك التصورات الوثنية الاسطورية ، التي دارت عليها الخلافات والمذابح عدة قرون ! أما الجزيرة العربية التي نزل فيها القرآن ، فقد كانت تعج بركام العقائد والتصورات . ومن بينها ما نقلته من الفرس وما تسرب إليها من اليهودية والمسيحية في صورتهما المنحرفة .. مضافاً إلى وثنيتها الخاصة المتخلفة من الانحرافات في ملة إبراهيم التي ورثها العرب صحيحة ثم حرفوها ذلك التحريف . والقرآن يشير إلى ذلك الركام كله بوضوح . زعموا أن الملائكة بنات الله - مع كراهيتهم هم للبنات ! - ثم عبدوا الملائكة - أو تماثيلها الأصنام - معتقدين أن لها عند الله شفاعة لا ترد ، وأنهم يتقربون بها إليه سبحانه : ﴿وجعلوا له من عباده جزءاً * إِن الإنسان لكفور مبين . أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين ؟ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم . أوَمن يُنشّأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ؟! وجعلوا الملائكة - الذين هم عباد الرحمن - إِناثاً * أشهدوا خلقهم ؟ ستكتب شهادتهم ويسألون * وقالوا : لو شاء الرحمن ما عبدناهم * ما لهم بذلك من علم ، إِن هم إلا يخرصون﴾ ... [ الزخرف: ١٥ - ٢٠ ] . ﴿ ألا لله الدين الخالص . والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إِلى الله زلفى. إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون ، إن الله لا ٧٤ . المقدمة يهدي من هو كاذب كفار * لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء * سبحانه هو الله الواحد القهار﴾ ... [الزمر: ٣، ٤ ]. ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله * قل : أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ؟ سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ ... [ يونس: ١٨ ] وزعموا أن بين الله - سبحانه - وبين الجِنة نسبا . وأن له - سبحانه - منهم صاحبة . ولدت له الملائكة ! وعبدوا الجن أيضاً .. قال الكلبي في كتاب الأصنام : ((كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن )). وجاء في القرآن الكريم عن هذه الأسطورة : ﴿ فاستفتهم : ألربك البنات ولهم البنون ؟ أم خلقنا الملائكة إِناثا وهم شاهدون ؟ ألا إنهم من إِفكهم ليقولون: ولد الله * وإنهم لكاذبون * أصطفى البنات على البنين ؟ مالكم ؟ كيف تحكمون ؟ أفلا تذكّرون ؟ أم لكم سلطان مبين ؟ فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ، وجعلوا بينه وبين الجِنّة نسباً ، ولقد علمت الجنة إِنهم لمحضرون * سبحان الله عما يصفون ﴾ ... [ الصافات : ١٤٩ - ١٥٩ ] ﴿ويوم يحشرهم جميعا، ثم يقول للملائكة: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ؟ قالوا : سبحانك! أنت ولينا من دونهم * بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ ... [ سبأ: ٤٠، ٤١ ] وشاعت بينهم عبادة الأصنام إِما بوصفها تماثيل للملائكة ، وإِما بوصفها تماثيل للأجداد ، وإما لذاتها . وكانت الكعبة ، التي بنيت لعبادة الله الواحد ، تعج بالأصنام، إذ كانت تحتوي على ثلاثمئة وستين صنماً. غير الأصنام الكبرى في جهات متفرقة . ومنها ما ذكر في القرآن بالإِسم كاللات والعزى ٧٥٠ المقدمة ومناة . ومنها هبل الذي نادى أبو سفيان باسمه يوم ((أحد )) قائلاً: اعلُ هبل ! ومما يدل على أن اللات والعزى ومناة كانت تماثيل للملائكة ما جاء في القرآن في سورة النجم : ﴿ أفرأيتم اللَّت والعُزَّى، ومَناةَ الثالثة الأخرى؟ ألكم الذكر وله الأنثى ؟ تلك إِذن قسمة ضيزى ! إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان . إِن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ، ولقد جاءهم من ربهم الهدى. أم للإِنسان ما تمنى؟ فللّه الآخرة والأولى. وكما من مَلَك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً ، إِلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى . إِن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى * وما لهم به من علم ، إِن يتبعون إلا الظن ، وإِن الظن لا يغني من الحق شيئاً﴾ ... [ النجم : ١٩ - ٢٨ ] وانحطت عبادة الأصنام فيهم حتى كانوا يعبدون جنس الحجر ! روى البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال: ((كنا نعبد الحجر. فإذا وجدنا حجراً هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر! فإذا لم نجد حجراً جمعنا حثوة من تراب ، ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ، ثم طفنا به )) . وقال الكلبي في كتاب الأصنام : كان الرجل إذا سافر فنزل منزلاً أخذ أربعة أحجار . فنظر إلى أحسنها ، فجعله ربا ، وجعل ثلاث أثافيّ لِقدْره . وإِذا ارتحل تركه)) . وعرفوا عبادة الكواكب - كما عرفها الفرس من بين عباداتهم - قال صاعد : كانت حِميرُ تعبد الشمس . وكنانةُ القمر. وتميمُ الدبران . ولخمٌ وجذامٌ المشتري . وطي ءٌ سهيلاً وقيسٌ الشعرى العبور. وأسدٌ عطارد )) ." وقد جاء عن هذا في سورة فصلت : ٧٦ . المقدمة · لا تسجدوا للشمس ولا للقمر * واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إِياه تعبدون﴾ ... [ فصلت : ٣٧ ] . وجاء في سورة النجم : ﴿ وأنه هو رب الشعرى﴾ ... [النجم: ٤٩]. وكثرت الإشارات إلى خلق النجوم والكواكب وربوبية الله سبحانه لها كبقية خلائقه . وذلك لنفي ألوهية الكواكب وعبادتها ... وعلى العموم فقد تغلغلت عقائد الشرك في حياتهم . فقامت على أساسها الشعائر الفاسدة ، التي أشار إليها القرآن الكريم في مواضع كثيرة ... ومن ذلك جعلهم بعض ثمار الزروع، وبعض نتاج الأنعام خاصاً بهذه الآلهة المدعاة ، لا نصيب فيه لله - سبحانه - وأحياناً يحرمونها على أنفسهم . أو يحرمون بعضها على إناثهم دون ذكورهم . أو يمنعون ظهور بعض الأنعام على الركوب أو الذبح . وأحيانا يقدمون أبناءهم ذبائح لهذه الآلهة في نذر . كالذي روى عن نذر عبد المطلب أن يذبح ابنه العاشر ، إِن وُهب عشرة أبناء يحمونه . فكان العاشر عبد الله .. ثم افتداه من الآلهة بمئة ناقة ! .. وكان أمر الفتوى في هذه الشعائر كلها للكواهن والكهان ! وفي هذا يقول القرآن الكريم : ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً. فقالوا : هذا له - بزعمهم - وهذا لشركائنا . فما كان لشركائهم فلا يصل إِلى الله * وما كان الله فهو يصل إِلى شركائهم * ساء ما يحكمون ! وكذلك زَيّن لكثير من المشركين قتلَ أولادهم شركاؤهُم ، ليردوهم ، وليلبسوا عليهم دينهم * ولو شاء الله ما فعلوه * فذرهم وما يفترون * وقالوا : هذه أنعام وحرث حجرٌ ، لا يطعمها إِلا من نشاء - بزعمهم - وأنعام حرمت ظهورها * وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها - المقدمة ٧٧٠ افتراء عليه - سيجزيهم بما كانوا يفترون . وقالوا : ما في بطون هذه الأنعام خالصةٌ لذكورنا ، ومحرمٌ على أزواجنا . * وإِن يكن ميتةً فهم فيه شركاء * سيجزيهم وصفهم إِنه حكيم عليم * قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ، وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله * قد ضلوا وما كانوا مهتدين ﴾ .. [ الأنعام : ١٣٦ - ١٤٠ ] وكانت فكرة التوحيد الخالص هي أشد الأفكار غرابة عندهم ، هي وفكرة البعث سواء . ذلك مع اعترافهم بوجود الله - سبحانه - وأنه الخالق للسماوات والأرض وما بينهما . ولكنهم ما كانوا يريدون أن يعترفوا بمقتضى الوحدانية هذه وهو أن يكون الحكم لله وحده في حياتهم وشؤونهم ؛ وأن يتلقوا منه وحده الحلال والحرام ، وأن يكون إليه وحده مرد أمرهم كله في الدنيا والآخرة . وأن يتحاكموا في كل شيء إلى شريعته ومنهجه وحده .. الأمر الذي لا يكون بغيره دين ولا إِيمان . يدل على ذلك ما حكاه القرآن الكريم من معارضتهم الشديدة لهاتين الحقيقتين : ﴿ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم * وقال الكافرون : هذا ساحر كذاب * أجعل الآلهة إلهاً واحدا ؟ إِن هذا لشيء عجاب * وانطلق الملأ منهم : أن امشوا واصبروا على آلهتكم إِن هذا لشيءٌ يراد * ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ، إِن هذا إلا اختلاق﴾ ... [ص : ٤ - ٧ ] . ﴿ وقال الذين كفروا: هل ندلكم على رجل ينبئكم - إِذا مزقتم كل ممزق - إنكم لفي خلق جديد؟ أفترى على الله كذباً أم به جنة ؟ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ﴾ .. [ سبأ: ٧، ٨] . ٠٧٨ ٠٠ . المقدمة هذه هي الصورة الشائعة للتصورات في الجزيرة العربية نضيفها إلى ذلك الركام من بقايا العقائد السماوية المنحرفة ، التي كانت سائدة في الشرق والغرب ، يوم جاء الإِسلام ؛ فتتجمع منها صورة مكتملة لذلك الركام الثقيل ، الذي كان يجثم على ضمير البشرية في كل مكان ؛ والذي كانت تنبثق منه أنظمتهم وأوضاعهم وآدابهم وأخلاقهم كذلك . ومن ثم كانت عناية الإِسلام الكبرى موجهة إلى تحرير أمر العقيدة، وتحديد الصورة الصحيحة التي يستقر عليها الضمير البشري في حقيقة الألوهية ، وعلاقتها بالخلق ، وعلاقة الخلق بها .. فتستقر عليها نظمهم وأوضاعهم ، وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وآدابهم وأخلاقهم كذلك . فما يمكن أن تستقر هذه الأمور كلها ، إِلا أن تستقر حقيقة الألوهية ، وتتبين خصائصها واختصاصاتها . وعنى الإِسلام عناية خاصة بإيضاح طبيعة الخصائص والصفات الإلهية المتعلقة بالخلق والإِرادة والهيمنة والتدبير .. ثم بحقيقة الصلة بين الله والإِنسان .. فلقد كان معظم الركام في ذلك التيه الذي تخبط فيه العقائد والفلسفات ، مما يتعلق بهذا الأمر الخطير الأثر في الضمير البشري وفي الحياة الإنسانية كلها . ولقد جاء الإِسلام - وهذا ما يستحق الانتباه والتأمل - بما يعد تصحيحاً لجميع أنواع البلبلة ، التي وقعت فيها الديانات المحرفة ، والفلسفات الخابطة في الظلام . وما يعد ردا على جميع الانحرافات والأخطاء التي وقعت فيها تلك الديانات والفلسفات .. سواء ما كان منها قبل الإِسلام وما جدّ بعده كذلك .. فكانت هذه الظاهرة العجيبة إحدى الدلائل على مصدر هذا الدين .. المصدر الذي يحيط بكل ما هجس في خاطر البشرية وكل ما يهجس ؛ ثم يتناوله بالتصحيح والتنقيح ! المقدمة . ٠ ٧٩ والذي يراجع ذلك الجهد المتطاول الذي بذله الإِسلام لتقرير كلمة الفصل في ذات الله - سبحانه - وفي صفاته . وفي علاقته بالخلق وعلاقة الخلق به .. ذلك الجهد الذي تمثله النصوص الكثيرة - كثرة ملحوظة - في القرآن المكي بصفة خاصة ، وفي القرآن كله على وجه العموم .. الذي يراجع ذلك الجهد المتطاول ، دون أن يراجع ذلك الركام الثقيل ، في ذلك التيه الشامل ، الذي كانت البشرية كلها تخبط فيه ؛ والذي ظلت تخبط فيه أيضاً كلما انحرفت عن منهج الله أو صدت عنه ، واتبعت السبل ، فتفرقت بها عن سبيله الواحد المستقيم .. الذي يراجع ذلك الجهد ، دون أن يراجع ذلك الركام ، قد لا يدرك مدى الحاجة إلى كل هذا البيان المؤكد المكرر في القرآن ؛ وإلى كل هذا التدقيق الذي يتبع كل مسالك الضمير وكل مسالك الحياة . ولكن مراجعة ذلك الركام تكشف عن ضرورة ذلك الجهد ، كما تكشف عن عظمة الدور الذي جاءت هذه العقيدة لتؤديه في تحرير الضمير البشري وإِعتاقه ؛ وفي تحرير الفكر البشري وإِطلاقه ؛ وفي تحرير الحياة . والحياة تقوم على أساس التصور الاعتقادي كيفما كان . عندئذ ندرك قيمة هذا التحرر في إقامة الحياة على منهج سليم قويم ، يستقيم به أمر الحياة البشرية ؛ وتنجو به من الفساد والتخبط ومن الظلم أو الاستذلال .. وندرك قيمة قول عمر - رضي الله عنه - ((ينقض الإِسلام عروة عروة من نشأ في الإِسلام ولم يعرف الجاهلية )) .. فالذي يعرف الجاهلية هو الذي يدرك قيمة الإِسلام ؛ ويعرف كيف يحرص على رحمة الله المتمثلة فيه ، ونعمة الله المتحققة به . إِن جمال هذه العقيدة وكمالها وتناسقها ، وبساطة الحقيقة الكبيرة التي تمثلها .. إِن هذا كله لا يتجلى للقلب والعقل ، كما يتجلى من مراجعة ركام ٨٠ ٠٠ . المقدمة الجاهلية - السابقة للإِسلام واللاحقة - عندئذ تبدو هذه العقيدة رحمة .. رحمة حقيقية .. رحمة للقلب والعقل . ورحمة بالحياة والأحياء . رحمة بما فيها من جمال وبساطة ، ووضوح وتناسق ، وقرب وأنس ، وتجاوب مع الفطرة مباشر عميق .. وصدق الله العظيم : ﴿أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى؟ أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم ؟﴾ * . التوحيد معجزة الإِسلام : ((الله - الرسول - القرآن - الكعبة)). إِن التصور الإسلامي هو التصور الوحيد الذي بقي قائماً على أساس التوحيد الكامل الخالص ، وإِن التوحيد خاصية من خصائص هذا التصور ، تفرده وتميزه بين سائر المعتقدات السائدة في الأرض كلها على العموم . لقد انحسرت كل التصورات والفلسفات والمذاهب التي وجدت والتي قام عليها الفكر الغربي والتي جعلت الإِنسان يتخبط في هذه الحياة بناءً على تصوراتهم الضحلة التي تميل تارةً ناحية المادة ، وتارة ناحية الروح ، وتارة ناحية القوة دون إدراك لطبيعة الإِنسان وأشواقه ويقف التصور الإسلامي راسخاً في شمولية تدرك خصائص الإنسان . وتضع له مناهج الحياة الثابتة حتى يعيش عيشة كريمة هانئة ، يبني الحياة ، ويبني الروح ، ويوائم الفطرة ، فلا يكلفها عنتاً ، ولا يفرقها مزقاً . من هنا تنادى كثير من المفكرين، ودرسوا الإِسلام، وحياة الرسول وَير ، ١ (*) لا تغني هذه المقتطفات عن مطالعة الكتاب لبيان شمولية المنهج الاسلامي .