النص المفهرس

صفحات 281-300

الجَوْن، ويقال له : عبد العُزَّى .
* وحدثنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو سعيد: أحمد بن محمد
ابن عمرو الأحْمَسِيّ ، قال : حدثنا الحسين بن حميد بن الربيع الخَزّاز ، قال:
حدثنا سليمان بن الحكم بن أيوب بن سليمان بن ثابت بن يسار الخُزَاعي ،
قال : حدثنا أخي أيوب بن الحكم ، وسالم بن محمد الخزاعي ، جميعاً عن
حِزَام بن هشام . فذكره بإسناده نحوه بنقصان بيتين من شعر حسان في آخره،
وقد ذكرهما في موضع آخر .
ورواه يعقوب بن سفيان الفسوي ، عن مكرم بن محرز ، دون الأشعار .
* أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر بن
درستويه ، قال : حدثنا يعقوب بن سفيان ، قال : حدثنا أبو القاسم : مكرم بن
محرز بن المهدي بن عبد الرحمن بن عمرو الخُزَاعِي، قال : حدثني أبي :
محرز بن المهدي . فذكره .
* وحدثنا أبو عبد الله الحافظ ، إِملاء ، قال : حدثنا أبو زكريا : يحيى بن
محمد العَنْبَرِي ، قال : حدثنا الحسين بن محمد بن زياد ، وجعفر بن محمد بن
سوار (ح) قال: وأخبرني عبد الله بن محمد الدَّوْرَقِي، في آخرين ، قالوا :
حدثنا محمد بن إسحاق بن خُزَيْمَةَ الإِمام ، (ح ) ، قال : وأخبرني مخلد بن
٤
جعفر ، قال : حدثنا محمد بن جرير ؛ قالوا حدثنا مکرم بن محرز .
قال أبو عبد الله الحافظ : ثم سمعت الشيخ الصالح : أبا بكر : أَحمد بن
جعفر القَطِيعي ، يقول : حدثنا مكرم بن محرز، عن آبائه . فذكر الحديث
بطوله . فقلت لشيخنا أبي بكر : سمعه الشيخ من مكرم ؟ فقال : إِي واللّه ،
حَجْ بي أَبي وأنا ابن سبع سنين . فأدخلني على مكرم بن محرز .
وبلغني من «أبي محمد القُتَيْبي)) - رحمه الله - أنه قال في تفسير ما عسى
٢٨١

يشكل من ألفاظ هذا الحديث :
قوله: ((بَرْزَة)) يريد أنها خَلَا لها سِنٌّ (١٥) فهي تَبْرُزُ ، ليست بمنزلة
الصغيرة المَحْجُوبة(١٦).
وقوله: ((مُرْمِلِين)) يريد قد نَفِد زادهم(١٧) .
وقوله: ((مُشْتين)) يريد داخلين في الشتاءَ. ويروى: ((مُسْنتين)) أي
داخلين في السنة ، وهي : الجدب والمجاعة .
وقوله : (( كسر الخيمة)) يريد جانباً منها .
وقوله: ((فَتَفَاجَّتْ)) يريد فتحت ما بين رجليها للحلب . .
وقوله : ((دعا بإِناء يُرْبِضُ الرَّهْط)) أي يرويهم حتى يثقلوا فيربضوا.
والرهط : ما بين الثلاثة إلى العشرة .
وقوله : ((ثَجًّا )) يريد سَيْلا .
وقوله: ((حتى علاه البهاء)) يريد علا الإِناءِ بهاء اللبن ، وهو وَبِيصُ رِغْوَتِهِ .
يريد أنه مَلَّها .
قوله : ((فشربوا حتى أراضُوا )) يريد شربوا حتى رَوَوْا فَنَقِعُوا بالريِّ.
وقوله ((تَشَارَكْنَ هُزْلا ))(١٨) أَي عَمَّهُنَّ الهزال ، فليس فيهن مُنْقِيّة ولا ذات
طِرْقٍ ، وهو من الاشتراك .
(١٥) في (ص): ((شن)).
(١٦) امرأة ((بُرُزة)): إذا كانت كهلة لا تحجب احتجاب الشواب، وهي مع ذلك عفيفة عاقلة تجلس
للناس وتحدثهم ، من البروز ، وهو الظهور .
(١٧) وأصله من الرُّمْل كأنهم لصقوا بالرُّمْل، كما قيل للفقير ((التَّرب)).
(١٨) وفي المتر الذي مضى: ((تساوكن هزلاً))، وراجع التعليق رقم (٦) من هذا الباب .
٢٨٢

وقوله : ((والشّاءُ عَازِبٌ)) أَي بعيد في المرعى .
وقولها : ((ظاهر الوضاءة)) :
قال غير القُتَِّي : تريد ظاهر الجمال .
قال «القُتِّي: وقولها: ((أَبْلَجُ الوجه)) تريد مشرق الوجه مُضِيئُه .
وقولها: ((لم تعبه نُحَلة )) فالنُّحل: الدقّة والضمر .
وقولها: ((ولم تُزْرِيه صُقْلة )). فالصقل: منقطع الأضلاع. والصُّقْلَةُ:
الخاصرة . تريد أنه ضرب ليس بمنتفخ ولا ناحل. ويروى « لم تعبه ثُجْلَة ولم
تزريه صُعْلَة )) .
والُّجْلَة : عظم البطن واسترخاء أسفله .
والصُّعْلَةُ : صغر الرأس(١٩). والوسِيمُ: الحسن الوَضِيء وكذلك
القسيم . والدَّعَجُ : السواد في العين وغيره .
وقولها: ((في أَشفاره عَطَفٌ )) قال القُتَيْبِي : سألت عنه الرياشي فقال: لا
أَعرف العَطَف . وأُحْسِبُهُ غَطَفٌ - بالغين معجمةً - وهو أن تطول الأشفار ثم
تنعطف . والعطف أيضاً - إِن كان هو المحفوظ - شبيه بذلك ، وهو انعطاف
الأشفار. وروى: ((وفي أشفاره وَطَفٌ)) وهو الطول.
وقولها : ((في صوته صَهَلٌ)) ويروى ((صَحَلٌ)) أي كالبُحَّة، وهو أن لا
يكون حاداً .
وقولها : ((في عنقه سَطَعٌ)) أي طول. ((إِن تكلم سما)). تريد علا برأسه
أو يده .
(١٩) وهي أيضاً: الدقة والنحول في البدن، وفي رواية: ((لم تُزْرِ به صُقْلة بالقاف أي : دقة ونحول،
وقيل : أرادت أنه لم يكن منتفخَ الخاصرة جداً ، ولا ناحلاً جداً، ويروى بالسين على الإِبدال من
الصاد، قال أبو ذر الخشني: ((الصُّقلة: جلد الخاصرة)) تريد: أنه ناعم الجسم ، ضامر
الخاصرة ، وهو من الأوصاف الحسنة .
٢٨٣

وقولها في وصف منطقه: ((فصل لا نزر ولا هَذْر)) تريد أنه وسط ليس
بقليل ولا كثير .
وقولها: ((لا يأس من طول)) يحتمل أن يكون معناه : إنه ليس بالطويل
الذي يؤيسُ مُبَارِيه عن مطاولته، ويحتمل أن يكون تصحيفاً، وأحسبه: ((لا
بائن من طول » .
وقولها : ((لا تَقْتَحِمُهُ عين من قِصَر)) لا تحتقره ولا تزْدَرِیه .
مَحْفُودٌ : أي مَخْدُومٌ ، محْشُودٌ : هو من قولك حشدتُ لفلان في كذا :
إذا أردت أَنك أعددت له وجمعت .
وقال غيره: المحشُودُ : المحفوف . وحَشده أصحابُهُ : أطافوا به .
وقولها: ((لا عابس)) تريد لا عابس الوجه ولا مُعْتّدٍ من العَدّاء وهو:
الظلم .
وقول الهاتف: ((فتحلَبَّت له بصريح)) والصَّريح: الخالص . والضرَّة:
لحم الضَّرع. فغادرها رَهْناً لديها لحالب)) يريد أنه خلَّف الشاة عندها مُرْتَهنةً بأن
تَدِرَّ .
٢٨٤

حديث هند بن إبي هالة(١)
في صفة رسول الله ﴿الخير
* أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، لفظاً وقراءَة [عليه، وقال](٢): حدثنا أبو
محمد : الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن
الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، العقيقي(٣) - صاحب
(١) هند بن أبي هالة التميمي ربيب النبي #، أمه خديجة زوج النبي مصر، روى عن النبي صل®، روى
عنه الحسن بن علي صفة النبي 9 ، أخرجه الترمذي ، والبغوي ، والطبراني من طرق عن الحسن
ابن علي .
قال البغوي: اسم أبي هالة زوج خديجة قبل النبي #1: ((النباش بن زرارة)) وابنه: ((هند بن
النباش بن زرارة .
قتل هند مع علي يوم الجمل ، وكان فصيحاً بليغاً، وصف النبي وم له، فأحسن وأتقن . الإصابة
(٣ : ٦١١ - ٦١٢).
(٢) ليست في (ص) .
(٣) هو الحسن العلوي ( ... - ٣٥٨ هـ) ابن محمد بن يحيى بن جعفر الحسيني ، العلوي ،
البغدادي ، الشيعي المعروف : بابن أخي أبي طاهر، نسابة ، من آثاره : المثالب ، وكتاب في
النسب .
قال الذهبي : مات العلوي سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ، ولولا أنه متهم لازدحم عليه المحدثون .
ترجمته في الميزان (١ : ٥٢١)، تاريخ بغداد ( ٧: ٤٢١)، إيضاح المكنون (٢ : ٢٣١٧)،
تنقيح المقال (١: ٣٠٩)، أعيان الشيعة (٢٣ : ٢٥٧).
٢٨٥

ء
( كتاب النسب)) ببغداد - قال: حدثنا إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر
ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أبو محمد ، بالمدينة ،
سنة ثلاث وستين ومائتين ، قال : حدثني علي بن جعفر بن محمد ، [ عن أخيه
موسى بن جعفر، عن جعفر بن محمد ](٤)، عن أبيه محمد بن علي ، عن
علي بن الحسين ، قال : قال الحسن بن علي : سألتُ خالي هند بن أبي حَالة :
عن حِلْيَة رسول الله، ﴿، وكان وصّافا [وأنا ] أرجو أن يصف لي شَيْئاً أَتعلق
به .
(ح) وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، ببغداد ، [ قال :
حدثنا ](٥) عبد الله بن جعفر بن دَرَسْتَويْه النحوي ، قال : حدثنا يعقوب بن
سفيان الفَسَوِيّ ، قال : حدثنا سعيد بن حمّاد، الأنصاري، المصري ، وأبو
غسّان: مالك بن إسماعيل النَّهْدِي ، قالا: حدثنا جُمّيْع بن عمر بن عبد
الرحمن العِجْلي ، قال : حدثني رجل بمكة ، عن ابنٍ لأبي هالة التميمي ، عن
الحسن بن علي ، قال : .
سألت خالي : هند بن أبي هالة التميمي، وكان وصافاً، عن حلية النبي،
*، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئاً أَتعلُّق به ، فقال :
كان رسول الله، وَ﴿َ، فَخْماً مُفَخَّماً، يتلَّلّ وجهه تَلْأَلُؤُ القمر ليلةُ البَدْرِ،
أَطولَ من المَرْبُوعِ، وأَقْصرَ من المُشَذِّب ، عظيمَ الهامة ، رَجِلَ الشعر ، إِن
انفرقَتْ عَقِيقَتُهُ(٦) فَرَق - وفي رواية العلوي: إِن انفرقت عقيصته فَرَق - وإلا فلا
يُجَاوِز شعرهُ شَحْمَة أذنه إذا هو وفَّره، أَزْهَر اللون، واسعَ الجبين ، أُزَجّ
(٤) ما بين الحاصرتين ساقطة من (ح) .
(٥) ما بين الحاصرتين ليست في (ص) .
(٦) في (هـ): ((عنفقته))، وفي الشمائل لابن كثير ((إذا تفرقت عَقِيصَته فَرْق))، وسيأتي شرح ذلك.
٢٨٦

الحواجبٍ ، سَوَابِغ في غيرِ قَرَنٍ بينهما عِرْق يُدِرَهُ الغضبُ، أَقْنَى العِرْنِين، له
نورٌ يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أَشمَّ. كَثَّ اللحية ، سهلَ الخدّين ، وفي رواية
العلوي : المَسْرُبَة . كأنَّ عنقَه ◌ِيدُ دُمْية، في صفاءِ الفضَّةِ، معتدل الخَلْقِ ،
بَادِنّ متماسك، سوِيَّ البطن والصدر ، عريضَ الصدر - وفي رواية العلوي :
فسيحَ الصدر - بعيدَ ما بين المنكبّيْن، ضَخْمَ الكَرَادِيس، أَنور المُتَجَرِّدِ، مَوْصُولَ ما
بين اللُبَُّ والسّرة بشعر يجري كالخطِّ . عاريّ الثَّديين والبطن، مِمَّا سِوَى ذلك .
أَشْعَرِ الذِّرَاعين والمنكبين وأَعالي الصدر ، طويلَ الزَّندين ، رَحْبَ الراحة -
وفي رواية العلوي : [ رحب الجبهة، سَبْطَ القصب ، شئن الكفين والقدمين .
- لم يذكر العلوي ](٧) القدمين - سائل(٨) الأطراف ، خَمْصَان
الأخمَصَيْنِ ، مَسِيحَ القدمين يُنْبُو عنهما الماءُ ، إِذا زال زال قلعاً ، يخطو تَكَفِّياً
ويمشي هَوْناً ، ذَرِيعَ المِشية إذا مشى كأَنما يَنْحَطُ مِنْ صَبَبٍ، وإذا التفتّ التفت
جمعاً - وفي رواية العلوي: جميعاً - خافِضَ الطَّرْفِ، نظرهُ إِلى الأَرض أَطْولُ
من نظرة إلى السماءِ . جُلُّ نظره الملاحظة [ يسوقُ أَصحابه ](٩) . يَبْدُر - وفي
رواية العلوي : يبدأ - من لقي بالسلام .
قلت : صف لي مَنْطِقْهُ .
قال: كان رسولُ اللّه، وَّهِ، متواصلَ الأحزان، دائمَ الفِكْرَةِ - وفي رواية
العلوي : الفكر - ليست له راحة ، لا يتكلم في غير حاجة ، طويلَ السكتة - وفي
رواية العلوي : السكوت - يفتتح الكلام(١٠) ويختمه بأشداقه ، ويتكلم بجوامع
الكلم - وفي رواية العلوي : الكلام - فَصْلٌ : لا فضولَ ولا تقصير. دَمِثٌ :
(٧) ما بين الحاصرتين ، ليست في (هـ) .
(٨) في (ص): ((سائر الأطراف)) وهو تصحيف .
(٩) ليست في (هـ) .
(١٠) في (ص) ((الكلم)) وكذا في ((شمائل الرسول)) لابن كثير .
٢٨٧

ليس بالجافي ولا المَهِين . يعظّم النعمة وإِن ذَقَّت ، لا يُذُّ منها شيئاً . لا يذمُ
ذواقاً ولا يمدَحُهُ - وفي رواية العلوي: لم يكن ذَوَّاقاً ولا مُدَحة - لا يقوم لغضبه
إذا تُعُرِّضَ الحق شيءٌ حتى ينتصر له - وفي الرواية الأخرى(١): لا تُغْضِبُهُ الدّنْيا
وما كان لها ، فإِذا تُعُوطِيَ الحقُّ لم يَعْرِفْهُ أَحِدٌ ، ولم يقم لغضبه شيءً حتى
ينتصر له - لا يغضب لنفسه ولا ينتصرلها. إذا أشار أشاربكفه كلِّها، وإِذا تعجّب
قلبَها ، وإِذا تحدّث اتصل بها ، يضرب براحته اليُمنى بطن(١٢) إبهامه اليسرى -.
وفي رواية العلوي ((فيضرب))(١٣) بإِبهامه اليمنى باطنَ راحته اليسرى - وإِذا
غَضِبَ أَعرض وأَشاحَ، وإِذا فرح غَضَّ طرفه ، جُلُّ ضحكه التبسم، ويَفْتَّرَ عن مثل
حبّ الغمام .
قال : (١٤) فكتمتُها (( الحسين بن علي)) زماناً، ثم حدثته فوجدته قد
سبقني إليه. فسأله عما سألته عنه. ووجدته قد سأل ((أباه)) عن مدخله ،
ومجلسه، ومخرجه ، وشكله ، فلم يَدَْْ منه شيئاً .
قال ((الحسين)): سألت ((أبي)) عن دخول رسول اللّه، وَله ، فقال:
كان دخوله لنفسه مأذونٌ له في ذلك ، فكان إِذا أَوى إلى منزله جَزَّاً دخولَه
ثلاثة أجزاء: جزءًا لله تعالى، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه . ثم جَزَّأ جزأه بينه
وبين الناس ، فيردّ ذلك على العامة والخاصّة ولا يذخره(١٥) - فقال أبو غسان.
أو يذخر عنهم شيئاً . وفي رواية العلوي : ولا يدخر عنهم شيئاً .
(١١) في (هـ) (( وفي رواية العلوي)).
(١٢) في (ص): ((باطن)). وكذا في ((شمائل الرسول)) لابن كثير .
(١٣) في (هـ): ((يضرب))، وكذا في ((شمائل الرسول)) ص (٥٢).
(١٤) في الشمائل: ((قال الحسن)).
(١٥) في (ص) : يدّخره .
٢٨٨

وكان من سيرته في جزءٍ الأمّة: إِيثارُ أَهل الفضل بإِذنه، وقسمه(١٦) على
قدر فضلهم في الدين : ( فمنهم ) ذو الحاجة ، (ومنهم ) ذو الحاجتين ،
( ومنهم ) ذو الحوائج ؛ فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته
عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم . ويقول: لِيُبلِّغ الشاهدُ منكم الغائبَ(١٧)،
وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إِبلاغي حاجته ، فإِنه من أَبْلَغَ سلطاناً حاجةً من لا
يستطيع إِبلاغها إِيّه - ثبّت الله قدميه يوم القيامة . لا يذكر عنده إلا ذلك ، ولا
يقبل من أحد غيره . يدخلون عليه رُوَّاداً . ولا يفترقون إِلا عن ذَوَاق - وفي رواية
العلوي : ولا يتفرقون إِلا عن ذَوْق - ويخرجون أُدلة - زاد العلوي : يعني فقهاء .
قال : فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه ؟ - وفي رواية العلوي :
قلت : فأخبرني عن مخرجه کیف کان یصنع فیه ؟
فقال: كان رسول الله، وَّر، يَخْزُن لسانَه إِلا مما يَعْنيهم ويؤْلِّفهم ولا
يُنفِّرهم - قال أَبُو غسّان: أو يفرقهم . وفي رواية العلوي: ولا يفرّقهم - ويُكْرِمُ
كِرِيمَ كلّ قوم ويُولِّيه عليهم ، ويَحْذَر النَّاسَ ويحترس منهم من غير أن يَطْوِيّ عن
أَحدٍ بِشْرَه ولا خُلُقَهُ. يتفقَّدُ أصحابَه ، ويسأل الناسَ عما في الناس، ويُحَسِّنُ
الحَسَنَ وَيُقَوِّيه، ويقبّح القبيحَ ويُوهِيه (١٨). معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل
مخافةَ أَن يغفلوا أَو يملّوا . لكل حالٍ عنده عَتّادٌ ، لا يقصّر عن الحق ولا
(١٦) في ( ص) و(ح ) : قسمته .
(١٧) جزء من حديث أخرجه البخاري في: ٣ - كتاب العلم، (٩) باب قول النبي #: «رُبِّ مبلّغ
أوعى من سامع)) فتح الباري (١ : ١٥٧)، وأخرجه مسلم في كتاب الحج ، حديث رقم
(٤٤٦) .
(١٨) في (ص): ((ويوهنه)).
٢٨٩

يَحُوزُه. الذين يلونه من الناس خيارُهم. أفضلهم عنده أُعمّهم نصيحةً ،
وأعظَمهم عنده منزلة أَحسنُهم مُواساةً ومُؤازَرَةٍ .
قال : فسألته عن مجلسه ــ زاد العلوي : كيف كان يصنع فيه ؟
فقال: كان رسول الله، *، لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يُوطن
الأماكنَ ، وينهي عن إِبْطَانِها . وإِذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به
المجلسُ ، ويأمر بذلك. يعطي كلَّ جلسائه نصيبه، لا يحسِبُ جليسَهُ، أَن
أحداً أكرمُ عليه [ منه](١٩) . من جالسه أَو قَاوَمَه في حاجة صابرُه حتى يكون هو
المُنْصَرِفُ . ومن سأَله حاجةٌ لم يردّه إِلا بها، أو بميسور من القول . قد وَسِعَ
الناس منه بسطه وخلقه، فصار لهم أباً ، وصاروا عنده في الحق سواء . مجلسه
مجلس حلم (٢٠) وحياء وصبر وأمانة، لا تُرْفَعُ فيه الأصوات، ولا تُؤْبَهُ(٢١) فيه
الحُرَمُ ، ولا تُنْثَى فَلَتَّاتُه، مُتَعَادِلين يتفاضَلُون فيه بالتقوى - وفي رواية العلوي :
وصاروا عنده في الحق متقاربين يتفاضلون بالتقوى . سقط منها ما بينهما . ثم
اتفقت الروايتان : متواضعين يوقّرون فيه الكبير ، ويرحمون فيه الصغير ،
ويُؤثِرُون ذا الحاجة .
ويحفظون - قال أبو غسان : أو يحيطون - الغريبَ. وفي رواية العلوي :
ويرحمون الغريبَ .
قال : قلت : كيف كان سيرته في جلسائه ؟ - وفي رواية العلوي: فسألته
عن سيرته في جلسائه ؟
(١٩) ( منه) : سقطت من (ص) .
(٢٠) في (ص) : ((حكم)).
(٢١) في (ص): ((تؤبن)).
٢٩٠

فقال: كان رسول الله، وََّ، دائمَ البشر، سَهْلَ الخُلُقِ، لَيْن الجانب،
ليس بفظُّ ولا غليظ، ولا سَخّاب ، ولا فَخَّاش ولا عَيّاب ، ولا مَزَّاح. يتغافل
عما لا يشتهي ، ولا يويس منه ، ولا يحبب فيه . قد ترك نفسه من ثلاث : :
المراءُ ، والإِكْثَارُ، وما لا يعنيه . وترك الناس من ثلاث : كان لا يذم أحداً ولا
يعيره ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا فيما رجى ثوابه . إذا تكلم أطرق
جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلموا ، ولا يتنازعون عنده -
زاد العلوي : الحديث .
من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ . حديثُهم عنده حديث ألويتهم - وفي رواية
العلوي : أولهم - يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه ،
ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته ، حتى إذا كان أصحابه
ليستجلبونهم - وفي رواية العلوي : في المنطق ، ويقول : إذا رأيتم طالب
الحاجة يطلبها فَأَرْفِدُوهُ ، ولا يقبِل(٢٢) الثناء إِلا من مُكَافٍ، ولا يقطع على أحدٍ
حديثَه حتى يجوز فيقطّعَهُ بنهيٍ أو قيام - وفي رواية العلوي : بانتهاءٍ(٢٣) أو قيام.
قال : فسألته كيف كان سكوته ؟
قال: كان سكوت رسول اللّه، 18، على أربع: الحلم ، والحذر،
والتقدير ، والتفكر - وفي رواية العلوي : والتفكير (٢٤) -
فَأَمَا تقديرُه ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس .
وأَما تذكره - أَو قال: تفكره - قال سعيد: تفكره، ولم يشك . وفي رواية
العلوي تفكيره - ففيما يبقى ويفنى .
(٢٢) في (هـ): ((ولا يطلب)).
(٢٣) في (ص): (( بانتهاء كان أو قيام)).
(٢٤) سقطت من (هـ) .
٢٩١

وُجُمع له، *: الحلم، والصبر، فكان لا يغضبه شيء ولا يُسْتَفِزُّه .
وجمع له الحذر في أربع : أخذه بالحسنى - قال سعيد والعلوي : بالحسن -
لُيُقْتَدى به ، وتركه القبيح لينتهي عنه - وفي رواية العلوي ليتناهى عنه - واجتهاد
الرأي فيما أصلح أمته ، والقيام فيما جمع لهم الدنيا والآخرة - وفي رواية
العلوي: والقيام لهم فيما جمع لهم أمر الدنيا والآخرة - زيتية (٢٥).
وقال أبو عبد الله الحافظ ، قال : أبو محمد : الحسن بن محمد ، قال :
أخبرنا إسماعيل بن محمد ، حين فَرَغْنا من سماع هذا الحديث منه : حدثناه
علي بن جعفر بن محمد ، سنة تسع ومائتين . قيل له : من حفظه ؟ قال :
نعم . قيل له : متى مات علي بن جعفر ؟ قال : سنة عشر ومائتين بعدما حدثناه
بسنة .
قلت: وبلغني عن ((القُتَيْبي)) وغيره ، في تفسير ما عسى يشكل من ألفاظ
هذا الحديث :
قوله : ((كان فَخْماً مُفَخَّماً)) أي عظيماً مُعَظَّماً.
وقوله : ((أَقصر من المُشَذَّب)) المُشَذّب : الطويل البائن.
٤
وقوله : ((إِن انفرقت عَقِيقَتُه فَرَق)). أَصل العَقِيقَة : شعر الصبي قبل أن
يخلق ، فإذا حُلق ونبت ثانية فقد زال عنه اسم العقيقة . وربما سمّى الشعر:
(٢٥) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) (١: ٤٢٢)، والترمذي في الشمائل (١: ٢٦)، دلائل النبوة
لأبي نعيم (ص: ٥٥١)، مختصر تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر (١ : ٣٢٩)، تاريخ
الإِسلام الكبير للذهبي (٢ : ٣١١)، البداية والنهاية لابن كثير ( ٦ : ٣١)، شمائل الرسول
لابن كثير، ( ص: ٥٠)، الخصائص الكبرى للسيوطي (١: ٧٦)، مجمع الزوائد (٨ :
٢٧٣)، عيون الأثر (٢ : ٤٠٥).
٢٩٢

عَقِيقَةً بعد الحلق على الاستعارة، وبذلك جاءً هذا الحديث . يريد : أَنه كان لا
يفرق شعره إلا أن يَفْتَرِق هو، وكان هذا في صدر الإِسلام ، ثم فَرَقَ.
قلت: وقال غير القُتَّبِي، في رواية من روى ((عَقِيصَتّه)) قال :
العَقِيصَةُ : الشعر [ المَعْقُوص] . وهو (٢٦) نحو من المَضْفُور.
قال ((القُتِّي)): وقوله: ((أَزْهَرِ اللون)) يريد أبيض اللون مُشْرِقَهُ ، ومنه
سميت الزهرة لشدة ضوئها. فأما الأبيض غير المشرق فهو الأَمْهَقُ.
وقوله : ((أَزَجُ الحواجب)) الزَّجُجُ: طول الحاجبين ودقتهما وسبوغهما إِلى
مؤخر العينين .
ثم وصف الحواجب، فقال : ((سَوَابغ في غير قَرَن)). والقُرّنُ: أَن يطول
الحاجبان حتى يلتقي طرفاهما .
وهذا خلاف ما وصفته به أم معبد؛ لأنها قالت في وصفه: ((أُزج أقرن ))
ولا أَراه إلا كما ذكر ابن أبي هالة . وقال الأصمعي : كانت العرب تكره القُرَن ،
وتستحب البَّجَ .
والبَلَجُ : أَن يَنقطع الحاجبان فيكون ما بينهما نَقِيّاً .
وقوله : ((أَقْنَى العِرْنِين)) والعِرْنِينُ: المعْطَس وهو المرسن . والقَنَى فيه :
طُولُه ودقّة أَرْنَبَتِه وحَدَبٌ في وسطه .
وقوله : ((يحسبه من لم يتأمله أَشّمَ )) فالشَّمَمُ : ارتفاع القصبة وحسنها ،
واستواء أعلاها، وإِشرافُ الأرنبة قليلاً. يقول: هو لحسن قْنَاءِ أَنْفِه واعتدال
ذلك يُحْسَبُ قبل التأمل أَشَمّ.
(٢٦) الزيادة من (هـ ) .
٢٩٣

وقوله: ((ضَلِيعُ الفم)) أي عظيمه . وكانت العرب تحمد ذلك وتذم صغير
الفم . وقال بعضهم : الضَّلِيعُ : المهزول الذَّابل. وهو في صفة فم النبي ،
وَالر ، ذبول شفتيه ورقتهما وحسنهما.
وقوله: في وصف منطقه: ((إنه كان يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه ))
وذلك لرحب شدقيه . وعن الأصمعي ، قلت لأعرابي : ما الجمال ؟ فقال :
غُثُورُ العينين ، وإِشْرَافُ الحاجبين، ورُحْبُ الشدقين. فأما ما جاءً عنه، عليه
السلام، في المُتَشَادِقِين ، فإنه أَراد به الذين يَتْشَادَقُون إِذا تكلموا فيميلون
بأشداقهم يميناً وشمالاً ويَتْنَطَّعُون في القول.
وقوله: ((أَشْنَبُ)) من الشِّئَب في الأسنان ، وهو : تَحَدُّدُ أَطرافها .
وقوله : ((دقيق المَسْرُبَة)) فالمَسْرُبةُ: الشعر المسْتدق ما بين اللُّبَّة إِلى
السّرّة .
وقوله: ((كأَن عنقه جِيدُ دُمْيَة في صفاءِ الفضة)). الجيد : العنق.
والدمية : الصورة شبهها في بياضها بالفضة .
وقوله : ((بَادِنٌ متماسك)). البَادِنُ: الضخم. يريد أنه مع بدانته متماسك
اللحم .
وقوله : (( سَوَاءُ البطن والصدر)) يريد أَن بطنه غير مُسْتَفِيض، فهو مُساوٍ
لصدره ، وصدره عريض فهو مساو لبطنه. ضَخْمُ الكَرّادِيس: يريد الأَعضاءِ.
وقوله: (( أَنور المُتَجَرَّدُ )) والمُتَجَرَّدُ: ما جُرِّدَ عنه الثوب من بدنه ، وهو
المُجَرَّد أيضاً. وأنور من النور : يريد شدة بياضه .
وقوله: ((طويل الزّندين)) الزّند من الذراع: ما انحسر عنه اللحم وللزند
رأسان: الكُوع، والكُرْسوع. فالكرسوع: رأس الزند الذي يلي الخنصرْ،
٢٩٤

والكُوعُ : رأس الزند الذي يلي الإِبهام .
وقوله: ((رَحْبُ الرّاحة)) يريد واسع الراحة. وكانت العرب تحمد ذلك
وتمدح به .
وقوله: ((شَتْن الكفَّين والقدمين)) يريد أنها إِلى الغلظ . والقصر .
وقوله : (( سائل الأطراف)) يريد الأصابع أنها طوال ليست بِمُنْعَقِدَةٍ ولا
مُتَغَضِّنٍ .
وقوله: ((خُمْصَان الأخمصين)). الإِخمص في القدم من تحتها وهو ما
ارتفع عن الأرض في وسطها. أراد أن ذلك منه مرتفع، وأنه ليس بأَزَّجٌ، وهو
الذي يستوى باطن قدمه حتى يمس جميعه الأرض .
قلت : وهذا بخلاف ما روينا عن أبي هريرة في وصف النبي ، ومَؤر : انه
كان يطأُ بقدميه جميعاً ليس له أخمص .
وقوله: ((مسيح القدمين)): [يعني](٢٧) أنه ممسوح ظاهر القدمين ،
فالماءُ إِذا صُبّ عليها مر عليها مرّاً سريعاً ، لاستوائهما وانملاسهما .
وقوله : ((يخطو تَكَفِّياً ويمشي هُوْناً)) يريد أنه يَمِيدُ إِذا خَطا ، ويمشي في
رفق غير مختال .
وقوله : ((ذَرِيعُ المِشْيَةِ)) يريد أنه مع هذا الرفق سريع المشية .
وقوله : ((إِذا مشى كأَنما يَنْحَطُّ من صَبَبٍ)). الصَّبَبُ : الانحدار .
وقوله: ((يسوق أصحابه)) يريد أنه إذا مشى مع أصحابه قدّمهم بين يديه
ومشى وراءهم .
(٢٧) الزيادة من ( هـ ) .
٢٩٥

وقوله : ((دَمِثاً)) يعني سهلاً ليّناً .
وقوله : ((ليس بالجافي ولا المُهِين)) يريد أنه لا يجفو الناس ولا يهينهم .
ويروى: ((ولا المَهين)»، فإن كانت الرواية كذلك فإنه أراد ليس بالفظُّ الغليظ
الجَافِي ، ولا الحقير الضعيف .
وقوله : ((ويعظِّم النعمة وإِن ذَقَّت)) يقول: لا يستصغر شيئاً أَوْتِيَه، وإِن
كان صغيراً ولا يَسْتَحْقِره .
وقوله: (( لا يذم ذَوَاقاً ولا يمدحه )) يريد أنه كان لا يصف الطعام بطيب ولا
بفساد وإن كان فيه .
وقوله: ((أَعرض وأَشّاح)) يقال: أَشاح: إِذا جد ، ويقال: أَشاح إِذا
عَذَلَ بوجهه . وهذا معنى الحرف في هذا الموضع .
وقوله : (( يفتر)) أي يتبسم. وحب الغمام : البَرَدُ . شبه ثغره به .
وقوله: ((فيردّ ذلك على العامة بالخاصة)) يريد أن العامة كانت لا تصل
إليه في منزله ذلك الوقت ، ولكنه كان يُوَصِّل إليها حظّها من ذلك الجزءِ بالخاصّة
التي تصل إليه ، فيوصلها إِلى العامة .
وقوله : ((يدخلون رُوَّاداً)) يريد طالبين ما عنده من النفع في دينهم
ودنياهم .
وقوله: ((ولا يتفرقون إلا عن ذواق)) الذواق: أصله : الطعم ههنا،
ولكنه ضربه مثلاً لما ينالون عنده من الخير .
وقوله: (( يخرجون من عنده أَدِلَّة)) يريد بما قد علموه فَيَدُّون الناس
عليه .
وقوله : ((لا تُؤْبَنُ فيه الحُرَمُ )) أي لا تقترف فيه .
٢٩٦

وقوله: ((لا تُنْثَى فَلَتَّاتُه)) أي لا يتحدث بهفوة أَو زلَّةَ إِن كانت في مجلسه
من بعض القوم . يقال : نَثَوْتُ الحديثَ فأَنا أَنْتُوه : إِذا أَذعته . والفَلْتَاتُ : جمع
فَلْتَة ، وهو ههنا : الزلَّة والسقطة .
وقوله: ((إِذا تكلّم أَطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير)) يريد أنهم
يسكنون ولا يتحركون ويَغُضُّون أبصارهم. والطير لا تسقط إلَّ على ساكن .
قوله: ((لا يَقبل الثَّنَاء إِلا من مُكَافٍ)) يريد أنه كان إذا ابتدى بمدح كره
ذلك ، وكان إذا اصطنع معروفاً فَأَثْنَى به عليه مُثْن وشَكره قَبِلَ ثناؤه .
وقال أبو بكر بن الأَنْبَاري : هذا غلط ، لأنه لا ينفك أَحد من إِنعام رسول
الله، ﴿، وبسط الكلام فيه. وإنما المعنى أنه لا يَقْبَلُ الثناءَ عليه إِلّ مِنْ رجل
يعرف حقيقةً إِسْلامه فيكون مُكَافِئاً بثنائه عليه ما سَلَفَ من نعمة النبي، ◌َّ عنده
وإحسانه إليه .
وقال الأزهريُّ : معناه .: إِلا من مُقَارِبٍ في مدحه غير مجاوز به حدّ مثله
ولا مقصر به عما رفعه الله إليه. ألا تراه يقول: ((لا تُظْرُونِي كما أَطْرَت
النصارى عيسى بن مريم ، ولكن قولوا عبد الله ورسوله))(٢٨). فإِذا قيل: نبي
الله ورسوله فقد وصف بما لا يجوز أن يوصف به أحد من أمته ، فهو مدح
مکافیء له .
. (٢٨) الحديث أخرجه البخاري في: ٦٠ - كتاب الأنبياء (٤٨) باب قول الله تعالى: ((واذكر في الكتاب
مريم إذ انتبذت من أهلها)) ١٦ - مريم ، فتح الباري (٦ : ٤٧٨)، كما أخرجه الدارمي في
الرقاق، والإمام أحمد في ((مسنده)) (١: ٢٣، ٢٤، ٤٧، ٥٥).
٢٩٧

قلت : وقد يَخْرُجُ قولُ القُتَنْيِيّ صحيحاً، فإنَّه كان يأتيه المسلم والكافر،
ويُثْني عليه البُّ والفاجِرُ، فكان لا يَقْبِلُه إِلّ ممن كان قد اصطنع إليه معروفاً على
الخصوص . والله أعلم .
قلت : وقد روى صَبِيحُ بن عبد الله الفَرْغَاني - وليس بالمعروف(٢٩) حديثاً
آخر في صفة النبي ◌ََّ، وأَدْرَجَ فيه تفسير بعض ألفاظه ، ولم يبين قائل تفسيره
فيما سمعنا ، إِلا أَنّهُ يُوافِقُ جملة ما روينا في الأحاديث الصحيحة ،
والمشهورة ، فرويناه ، والاعتماد على ما مضى :
أخبرناه أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرناه أبو عبد الله: محمد بن
يوسف المؤذن ، قال(٣٠): حدثنا محمد بن عمران النَّسَوِي، قال حدثنا أحمد
ابن زهير ، قال : حدثنا صَبِيحُ بن عبد الله الفرغاني ، قال : حدثنا عبد العزيز بن
عبد الصمد ، قال حدثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه ، وهشام بن عروة، عن
أبيه ، عن عائشة : أنها قالت :
كان من صفة رسول الله، و195 ، في قامته : أنه لم يكن بالطويل البائن ،
ولا المُشَذَّب الذاهب ، والمُشَذِّب : الطول نفسه إلا أنه المخفف . ولم يكن
85* بالقصير المتردد . وكان ينسب إلى الربعة. إذا مشى وحده ولم يكن على
حال يماشيه أحد من الناس ينسب إلى الطول إلا طَالَهُ رسولُ اللهِ، وَ*،
وربما(٣١) اكْتَنَفَهُ الرجلان الطويلان فَيَطُولُهما ، فإِذا فارقاه نسب رسول الله ،
وَّة ، إلى الربعة، ويقول : نُسِبَ الخير كله إلى الربعة (٣٢).
(٢٩) وفي الميزان (٢: ٣٠٧): ((له مناكير ».
(٣٠) لفظ القول ليس في ( ص ) .
(٣١) في (ص): ((ولرب ما)).
(٣٢) أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه ، وابن عساكر، تهذيب تاريخ دمشق الكبير (١: ٣٣٣)، الوفا
لابن الجوزي ص (٤٠٣)، ونقله السيوطي في الخصائص الكبرى (١ : ٦٨).
٢٩٨

وكان لونه ليس بالأبيض الأَمْهَق .: الشديد البياض(٣٣) الذي تضرب
بياضه الشهْبة .
ولم يكن بالآدم . وكان أَزْهَر اللون . والأزهر : الأبيض الناصع البياض ،
الذي لا تشوبه حمرة ولا صفرة ولا شيء من الألوان . وكان ابن عمر كثيراً ما (٣٤)
ينشد في مسجد رسول الله، وَلّ، نعت عمِّه أبي طالب إِيّاه في لونه حيث
يقول :
وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الغمامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ (٣٥) اليتامى عِصْمَةٌ لِلْأَرامِلِ
ويقول كل من سمعه: هكذا كان وتل﴾ .
وقد نَعَتَهُ بَعْضُ من نَعَتَهُ بأنه كان مُشْرَبَ حُمْرَةٍ . وقد صدق من نَعَتَهُ
بذلك . ولكن إِنما كان المُشْرَبُ منه حُمْرَةٌ ما ضَحَا(٣٦) للشمسِ والرِّياحِ . فقد
"كان بياضه من ذلك قد أُشرب حمرةً ، وما تحت الثياب فهو الأبيض الأزْهَر لا
يشك فيه أحد ممن وصفه بأنه أبيض أُزهر ، فعنى ما تحت الثياب فقد أَصاب .
ومن نعت ما ضّحًا للشمس والرياح بأنه أَزهر مُشْرَبٌ حُمْرَةً فقد أَصاب .
ولونُه الذي لا يُشَكُّ فيه : الأَبيض الأزهر، وإنما الحمرةُ من قِبَل الشمس
والرياح .
وكان عَرَقُّه في وجهه مثل اللؤلؤِ ، أَطيب من المسك الأذْفَرِ. وكان رَجِلـ
(٣٣) أثبتنا عبارة ( ص ) .
(٣٤) في (هـ): ((مما)).
(٣٥) (ثِمَالُ الْيَتَامَى ): الملجَأُ، والغِيَاتُ، والمُطْعِمُ في الشدة ، والبيت قاله أبو طالب يمدح سيدنا
رسول الله#. لسان العرب صفحة (٥٠٧) طبعة دار المعارف بمصر .
(٣٦) في (ص) رسمت: ((ما ضحى)).
٢٩٩

الشعر حَسَناً ليس بالسّبِط ولا الجعد القَطِطِ ، كان إذا مَشَطَهُ بالمشط كأنه حُبُك
الرَّمل، أَو كأنه المتُون (٣٧) التي تكون في الغُدُر إِذا سَفَتْهَا الرياح، فإِذا
مكث(٣٨) لم يُرَجَّل أَخذ بعضه بعضاً وتَحَلَّق حتى يكون مُتْحَلِّقاً كالخواتم . ثم
كان أول مرة قد سَدّلّ ناصيته بين عينيه ، كما تسدل نواصي الخيل ، ثم جاءه
جبريل ، عليه السلام بالفّرْق فَفَرَق .
كان شعره فوق حاجبيه ، ومنهم من قال : كان يضرب شعره مَنْكِبَيْه ،
وأكثر ذلك إِذا كان إلى شَحْمَة أُذنيه .
وكان، ﴿، ربما جعله غَدَائِر أربعاً، يُخْرِجُ الأذن اليمنى (٣٩) من بين
غديرتين يَكْتَنِفانِها، ويُخرِجُ الأذن اليسرى من بين غديرتين يَكْتَنِفانِها، وتخرج
الأذنان ببياضهما من بين تلك الغدائرٌ كأَّنها توقُّد الكواكب الدُّرِّية من سواد
شعره . وكان أكثر شيبه في الرأس في فوديْ رأسه .
والفَوْدَانِ : حرفا الفَرْق . وكان أكثر شيبه في لحيته فوق الذَّقّن . وكان
شيبه كأنه خيوط الفضة يَتلألأ بين ظهري سواد الشعر الذي معه . وإِذا مَسَّ ذلك
الشيبَ الصّفْرةُ - وكان كثيراً ما يفعل - صار كأنه خيوط الذهب يتلألأ بين ظهري
سواد الشعر الذي معه .
وكان أَحسنَ الناس وجهاً . وأَنوَرَهم لوناً. لم يَصِفَهُ واصف قطّ بَلَغْنَا
صِفَتُه . إلا شبّه وجهه بالقمر ليلة البدر . ولقد كان يقول من كان يقول منهم :
لربما نظرنا إلى القمر ليلة البدر فنقول : هو أحسن في أعيننا من القمر. أَزْهر
اللون : نير الوجه . يتلألأ تلالؤ القمر .
(٣٧) في (ص): ((المنثور)). وفي (ح): ((المبثون)).
(٣٨) في (ص): ((فإذا مكث بالمرحل)) وفي (هـ): ((فإذا نكتة في المرجل )).
(٣٩) (( اليُمنى)) ليست في (ص) .
٣٠٠