النص المفهرس

صفحات 81-100

وفي رواية يعقوب : أضاءت منه قصور الشام . تابعه عبد الرحمن بن
مهدي ، عن معاوية بن صالح . ورواه أيضاً أَبو بكر بن أبي مريم الغَسَّاني ، عن
سعید بن سُوَید .
وقوله، ﴿: ((إِني عبد الله وخاتم النبيين، وإِن آدم لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ))
يريد به(٥٢): أنه كان كذلك في قضاء الله وتقديره ، قبل أن يكون أبو البشر ،
وأول الأنبياءِ ، صلوات الله عليهم .
وقوله: ((وسأخبركم عن ذلك: دعوة أبي إبراهيم، ( عليه السلام)) يريد
به ](٥٣): أَن إِبراهيم، عليه السلام، لمَّا أَخَذَ في بناءِ البيت ، دعا الله ، تعالى
جدُّه، أَن يجعل ذلك البلد آمناً، ويجعل أَفئدةٌ من الناس تَهْوِي إِليهم ،
ويرزقهم من الثمرات والطيبات، ثم قال: ﴿وَأَبْعَثْ فيهم رسولاً منهم يَتْلُو
عليهم آياتِكَ ويعلُّمهم الكتاب والحكمةَ ويُزَكِّيهم إِنَّكَ أَنت العزيزُ الحكيم ﴾ (٥٤)
فاستجاب الله تعالى دعاءه في نبينا، وَ، وجعَلَهُ إِلرسولَ الذي سأله إِبراهيم،
عليه السلام ، ودعاه أن يبعثه إلى أهل مكة، فكان النبي، وَّه، يقول: ((أُنا
دعوة أبي إِبراهيم ))، ومعناه : أن الله تعالى، لما قضى أن يجعل محمداً،
﴿*، خاتم النبيين، وأثبت ذلك في أم الكتاب - أَنْجَزَ هذا القضاءَ بأَن قَيِّضَ
إبراهيم ، عليه السلام ، للدعاء الذي ذكرنا ، ليكون إرساله إيّاه بدعائه كما
يكون تَقُلُُّه(٥٥) من صُلْبِهِ إِلى أَصلاب أولاده .
وأما قوله: ((وبشارة عيسى بي)) فهو أن الله تعالى، أمر عيسى ، عليه
(٥٢) سقطت من (هـ) و(ص).
(٥٣) من (ح).
(٥٤) الآية الكريمة (١٢٩) من سورة البقرة.
(٥٥) في (ح) : ((نقله)).
٨١
( م ٩ - دلائل النبوة جـ ١ )

السلام، فبشر به قومه ، فعرفه بنو إسرائيل قبل أَن يُخْلَق .
وأما قوله: (( ورؤيا أمي التي رأت )) فإِنما عنى به - والله أعلم - :
ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال : حدثنا يونس بن بكير : عن
ابن إسحاق ، قال :
فكانت(٥٦) آمنة بنت وهب أُم رسول الله، وَ﴾، تحدِّث أنها أتيت حين
حملت بمحمد، وَل#، فقيل لها : إِنك قد حملت بسيد هذه الأمة ، فإِذا وقع
إلى (٥٧) الأرض فقولي :
بالواحد من شر كل حاسد
أَعيذه
من كل برّ عاهِدْ وكل عبد رائدْ
يرود(٥٨) غیر رائد
فإنه عبد الحميد الماجد حتى أراه (٥٩) قد أتى المشاهد (٦٠)
قال : آية ذلك أن يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام ، فإِذا
وقع فسميه محمداً ، فإن اسمه في التوراة : أحمد ، يحمده أهل السماءِ وأَهل
الأرض، واسمه في الانجيل : أحمد(٦١)، يحمده أهل السماءِ وأهل الأرض ،
(٥٦) في (ح): ((وكانت)).
(٥٧) إلى : سقطت من نسخة (هـ)، ووقع في (ص) : في .
(٥٨) في ( ص) : يزود .
(٥٩) في ( ص) : حتى أراه قائد قد أتى المشاهد.
(٦٠) سنده واوٍ جداً، وقال الحافظ العراقي: ((أدرجه بعض القصاص)).
(٦١) سقطت من (هـ).
٨٢

واسمه في الفرقان : محمد . فسمَّيته(٦٢) بذلك .
* حدثنا أبو عبد الله الحافظ، إِملاء وقراءَةٌ، قال: حدثنا (٦٣) أَبو
الحسن : أحمد بن محمد بن عَبْدُوس ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد الدَّارِمي ،
قال : قلت لأبي اليمان : حدثك أَبو بكر بن أبي مريم الغَسَّاني ، عن سعيد بن
سُوَيد، عن العِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ السّلَّمِي ، قال :
سمعتُ النَّبِيَّ، وَ﴿، يقول: إِني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين ،
وإِن آدم لمنجدل في طينته ، وسأنبئكم بتأويل ذلك : دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة
عيسى قومه ، ورؤ يا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور (٦٤)
الشام .
قصّر أبو بكر بن أبي مريم بإسناده ، فلم يذكر فيه عبد الأعلى بن هلال ،
وقصّر بمتنه ، فجعل الرؤيا بخروج(٦٥) النور منها وحده ، وكذلك قال خالد بن
معدان ، عن أصحاب رسول الله ، (چ :
* حدثنا أبو عبد الله الحافظ ، إِملاء وقراءَةً ، قال : حدثنا أبو العباس :
محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن
بكير ، عن ابن إسحاق ، قال :
حدثني ثور بن يزيد ، عن خالد بن مَعْدَان ، عن أصحاب رسول الله ،
وَّ، أنهم قالوا: يا رسول اللّه، أخبرنا عن نفسك. فقال: دعوةٌ أَبي
إِبراهيم ، وبشرى عيسى ، ورأت أمي حين حملت كأنه خرج منها نور أضاءت له
-
(٦٢) في (ص): (( فسمته )).
(٦٣) في (ص): أخبرنا، والإِسناد بدون لفظ ((قال)).
(٦٤) في (ص ): ((قصور بصرى)).
(٦٥) في (ص): ((لخروج)).
٨٣

بُصرى من أرض الشام (٦٦).
وروى في ذلك عن أبي أمامة ، عن النبي ، ومطار :
* أخبرنا أبو بكر : محمد بنَ الحسن بن فَوْرك ، قال : حدثنا عبد الله بن
جعفر، قال : حدثنا يونس بن حبيب ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا
الفرج بن فضالة .
(ح) (٦٧) وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد
الصَّفَّار ، قال : حدثنا محمد بن الفضل بن جابر ، قال : حدثنا محمد بن
بَكَّار ، قال : حدثنا فرج بن فضالة ، عن لقمان بن عامر ، عن أبي أمامة ،
قال :
قيل يا رسول الله، ما كان بَدْءُ أَمرك ؟ قال : دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى
عيسى بن مريم، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام(٦٨).
وفي رواية أبي داود : (٦٩) خرج مني .
* وأخبرنا أبو الحسين بن بشران ، ببغداد ، قال : حدثنا أبو جعفر :
محمد بن عمرو الرزاز ، قال : حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح ، قال : حدثنا
محمد بن سنان العَوَقِي (٧٠)، قال: حدثنا إِبراهيم بن طهمان ، عن بُدَيْل بن
مَيْسَرَة ، عن عبد الله بن شقيق ، عن ميسرة الفَجْر ، قال :
(٦٦) سيرة ابن هشام (١: ١٧٠)، طبقات ابن سعد (١: ١٠٢)، وصححه الحاكم في ((المستدرك))
(٢: ٦٠٠)، وأقره الذهبي .
(٦٧) إشارة التحول من إسناد لإِسناد، سقطت من (هـ) و(ح)، وأثبتها من ( ص).
(٦٨) أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (٥: ٢٦٢)، والهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٨: ٢٢٢).
(٦٩) أبو داود الطيالسي .
(٧٠) في ( ص ) العوفي : تصحيف.
٨٤

قلت: يا رسول الله، متى كُتِبْتَ(٧١) نبيّاً؟ قال: وآدم بين الروح
والجسد(٧٢).
* أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال: حدثنا أبو عبد الله: محمد بن
٤
أحمد الأصبهاني (٧٣)، قال : حدثني الحسن بن الجهم التميمي ، وعبد الله بن
بُندار؛ قالا : حدثنا موسى بن المساور الضَّبِّ ، الثقة المأمون ، قال : حدثنا
عبد الله بن معاذ الصنعاني ، عن مَعْمَر بن راشد ، عن الزُّهْرِي ، قال :
أول ما ذكر من عبد المطلب جدّ رسول اللّه، وَّ، أَن قريشاً خَرَجَتْ من
الحرم فَارَّةً من أصحاب الفيل ، وأَجْلَتْ عنه قريشٌ ، وهو غلامٌ شابٌّ ، فقال :
والله لا أَخرُجُ من حرم الله أبتغي العزّ في غيره . فجلس عند البيت ، وقال :
لا هُمَّ(٧٤) إِن المرءَ يمْ منعُ رَحْله فامنَعْ حلالك
وذكر مع ذلك غيرَهُ .
قال : فلم يزل ثابتاً في الحرم حتى أُهلك الله ، تعالى ، الفيل وأصحابه ،
فرجَعَتْ قريشٌ وقد عَظُمَ فيهم ؛ لصبره(٧٥) وتعظيمُه محارِمَ اللّه تعالى. فبينا هُوَ
على ذلك وعنده أكبرُ بنيه - قد أُدرك - وهو الحارث بن عبد المطلب ، فأُتيَ عبدُ
المطلب في المنام ، فقيل له : احفر زَمزم ، خبيَّةً الشيخ الأعظم . فاستيقظ ،
فقال : اللهم بَيِّن لي . فَأُرِيّ في المنام مرّة أخرى: احفرْتَكْتَم بين الفرث
(٧١) في (ح): ((کنت )).
(٧٢) أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (٥: ٥٩)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢: ٦٠٨ - ٦٠٩)،
وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه))، وأقره الذهبي.
(٧٣) في (ح ) : الأصفهاني .
(٧٤) في (ص) : اللهم .
(٧٥) في ( ص ) : تَصَبّره .
٨٥

والدّم ، في مبحث الغُراب ، في قرية النمل(٧٦) مستقبلة الأنْصابِ الحُمْرِ. فقام
عبد المطلب يمشي حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما سُمِّ له من
الآيات ، فَنُحِرَتْ بَقْرَةٌ بالحَزْوَرَةِ (٧٧) فانفلتت من جَازِرِها بحشاشة نفسِها ، حتى
غلّبَها الموتُ في المسجد في موضع زمزم ، فَنُحرتْ تلك البقرة في مكانها حتى
احتُمل لحمُها ، فأَقبل غرابٌ يهوى حتى وقع في الفرث، فَبَحَثَ عن قرية
النمل. فقامَ عبدُ المطلب، فحفر هنالك. فجاءته (٧٨) قريشٌ، فقالت لعبد
المطلب : ما هذا الصنيع؟ إِنا لم نكن نَزُنُّك(٧٩) بالجهل ، لِمَ تِحْفِرُ في
مسجدنا ؟ فقال عبد المطلب : إِني لحافر هذه البئر ، ومُجاهد من صَدَّني عنها .
فطفق يحفر هو وابنُه الحارث ، وليس له يومئذ وَلَدٌ غيره، فَتَسَقَّه عليهما ناسٌ من
قريش ، فنازعوهما وقاتلوهما (٨٠) . وتناهى عنه أناس من قريش لما يعلمون من
عِنْقِ نسِه، وصِدقِه واجتهادِه في دينهم (٨١) يومئذ، حتى إذا أمكن الحفر ،
واشتد عليه الأذى، نَذَرَ إِن وَفَى (٨٢) له عشرة من الولد أن ينحر أحدَهُمِ . ثم
حفّر حتى أدرك سيوفاً دفنت في زمزمَ حيث(٨٣) دفنت . فلما رأت قريش أنه قد
أدركَ السيوف ، قالوا : يا عبد المطلب، أَحْذِنَا (٨٤) مما وجدت . فقال عبد
(٧٦) قرية النمل ، شبه مكة وكيف انها غير ذي زرع، ويأتيها رزقها رعداً من كل مكان ، كالنمل لا
تحرث ولا تذر ، وتحلب الحبوب إلى قريتها من كل جانب ..
(٧٧) في (ص ) . بالحزوّرة وهو تصحيف، وهي موضع في مكة ، عند باب الحناطير . النهاية في
عريب الحديث .
(٧٨) في (ح): ((فجاءت)
(٧٩) تهمك
(٨٠) في (م): ((فينازعوهما ويقاتلوهما)).
(٨١) فى (ح): ((ديه).
(٨٢) رسمت في ( ص ) : وما
(٨٣) في ( ص) . حين
(٨٤) أعطنا
٨٦٠

المطلب: إِنما هذه السيوف لبيت الله. فحفر حتى أَنْبَطَ(٨٥) الماءَ ، فخرقها في
القرار، ثم بَخَّرها حتى لا تُنزف ، ثم بنى عليها حوضاً . فطفِقَ هو وابنه
ينزعان ، فيملآن ذلك الحوض ، فيشرب منه الحاج ، فيكسره أُناسٌ حَسْدَةٌ من
قريش بالليل ، فيصلحه عبد المطلب حين يُصبح. فلما أكثروا إِفسادَهُ(٨٦) دعا
عبدُ المطلب ربَّهُ ، فأُرِيَ في المنام ، فقيل له : قل : اللهم إِني لا أحلها
المغتسِلٍ ، ولكن هي الشاربٍ حِلُّ وبَلِّ ، ثم كُفِيتهمْ ، فقام عبد المطلب حين
اختلفت قريش في المسجد ، فنادى بالذي أُرِيّ ، ثم انصرف . فلم يكن يُفسدُ
حوضَه عليه أحدٌ من قريش إِلا رُمِيَ في جسده بداءٍ ، حتى تركوا حوضه
وسقايتهُ .
ثم تَزَوَّجَ عبد المطلب النساءَ ، فولد له عشرةُ رهطٍ ، فقال: اللهم إِني
كنت نذرتُ لك نحر أحدهم ، وإِني أُقْرِعُ بينهم فأصِبْ بذلك من شئت . فأْرَعَ
بينهم ، فصارتِ القرعة على عبد الله بن عبد المطلب ، وكان أحبّ ولده إِليه ،
فقال عبد المطلب : اللهم أهو أحب إليك أم مائة من الإِبل؟ ثم أَقْرَعَ بينه وبين
المائة ، فكانت القرعة على مائة من الإِبل ، فنحرها عبد المطلب مكان عبد
الله .
وكان عبد الله أحسن من رُؤيَ في قريش قطّ (٨٧)، فخرج يوماً على نساءٍ
من قريش مجتمعات ، فقالت امرأة منهن : يا نساء قريش ، أيتكن تتزوجُ هذا
الفتى فتصطاد(٨٨) النور الذي بين عينيه؟ وإِن بين عَيْنيه نوراً. قال: فتزوجته
آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ، فجامعها ، فحملت برسول الله، دولار .
(٨٥) نبع .
(٨٦) في (هـ): ((فساده)).
(٨٧) لفظ ( قط ) سقط من ( ص).
(٨٨) في (ح): ((فيعاد)).
٨٧

ثم بعث عبدُ المطلب عبدَ الله بن عبد المطلب يَمْتَارُ له تمراً من يَثْرِب ،
فتوفي بها عبد الله بن عبد المطلب، فولدت آمنة رسول اللّه، وَ لخير، فكان(٨٩)
في حجر جدّه عبد المطلب، فاسترضعته امرأةٌ من بني سعد بن بكر ، فنزلت به
أمه التي تُرْضِعُه سوقَ عُكَاظ ، فرآه كاهن من الكهان ، فقال : يا أهل عكاظ ،
اقتلوا هذا الغلام، فإِن له مُلْكاً. فَزَاغَت(٩٠) به أُمّه التي ترضعه، فأَنجاه الله
تعالى .
ثم شبّ عندها حتى إذا سعى وأُخته من الرضاعة تحضُنُه ، جاءَت أُخته من
أمه التي ترضعه ، فقالت : أَيْ أمَّتَاه ، إني رأيت رهطاً أُخذوا أُخي القرشي آنفاً
فشقُّوا بطنه . فقامت أمه التي تُرضعه فَزِعَةً حتى تأتيه ، فإِذا هو جالسٌ مُنْتَقَعٌ لَوْنُهُ
لا ترى عنده أحداً. فارتحلت به(٩١) حتى أَقدمته(٩٢) على أُمّه ، فقالت لها:
اقبضي عني ابنك فإِني قد خشيت عليه . فقالت أمه : لا والله ، ما بابني مما
تخافين(٩٣)، لقد رأيت وهو في بطني أنه خرجَ معتمداً على يديه ، رافعاً رأسه
إِلى السماءِ .
فافْتَصَلَتْهُ أُمُّه وجدُّه عبد المطلب . ثم توفيت أمه ، فيتم في حجر عبد
المطلب، فكان وهو غلام يأتي وسادةً جده فيجلس عليها ، فيخرج جدّه ، وقد
كَبِرَ ، فتقول الجارية التي تقود جَدَّه : انزل عن وسادة جدك . فيقول عبد
المطلب : دعوا ابني ، فإِنه يُحِسُّ بخير .
(٨٩) في (ص): ((وكان )).
(٩٠) في (ص) و(ح): ((فراغت)).
(٩١) سقطت من (هـ).
(٩٢) في (هـ): ((حتى إذا أقدمته)).
(٩٣) في (هـ): ((ما تخافي)).
٨٨

قال: فتوفى جدّه ورسول الله، وَلّر، غلام، فكفله أبو طالب - وهو أَخو
عبد الله لَّبيه وأُمّه - فلما نَاهَزَ الحُلُمَ ارتحل به أبو طالب تاجراً قِبَلَ الشام ، فلما
نزل تَيْمَاءَ رآه خَبْرٌ من يَهودَ تَيْمَاءَ(٩٤) فقال لأبي طالب : ما هذا الغلامُ منك ؟
قال : هو ابن أَخي . قال: أَشَفِيقٌ أَنت عليه ؟ قال : نعم . قال : فوالله لئن
قَدِمْتَ بهِ الشام لا تَصِلُ به إِلى أَهلك أَبداً، لَتَقْتُلَنَّهُ اليهودُ ، إِنَّ هذا عدُهم.
فرجع به أبو طالب من تَّيْمَاءَ إِلى مكة .
فلما بلغ رسول الله، وَ﴿، الحُلُمَ ، أَجْمَرَت امرأةٌ من قريش الكعبةُ،
فطارت شررة من مِجْمَرَتِها(٩٥) في ثياب الكعبة ، فاحترقت ، فوهى (٩٦) البيت
للحريق الذي أصابه ، فتشاورت قريش في هدم الكعبة ، وهابوا هدمها ، فقال
لهم الوليد بن المغيرة : أَتريدون بهدمها الإصلاحَ؟ أم تريدون الإِساءةً ؟ فقالوا :
بل تُريد الإِصلاحَ . قال : فإِن الله تعالى، لا يُهْلِكُ المصلِحَ . وقالت: فمن ذا
الذي يَعلُوها فَيَهْدِمُها ؟ فقال الوليد بن المغيرة: أنا أُعلوها فأُهدِمها. فارتقى
الوليد على ظهر البيت ومعه الفأسُ، فقال: اللهم إنا لا نريد إِلَّ الإصلاحَ. ثم
هدم . فلما رأته قريش قد هدم منها ولم يأتهم ما يخافون من العذاب هدموها
معه . حتى إِذا ابتّنَوْا ، فبلغوا موضعَ الرُّكْنِ اختصمتْ قريشٌ في الرُّكْن : أَي
القبائل تلي رفعه، حتى كاد يُشْجَرُ بينهم ، فقالوا: تَعَالَوْا نُحَكِّمُ أوّل من يطلع
علينا من (٩٧) هذه السّكة. فاصطلحوا على ذلك، فطلع رسولُ اللّه، وَلجر، وهو
غلام ، عليه وشاح(١٨) نَمِرَة، فحكّمُوه، فَأَمَرَ بالركن ، فوُضِعَ في ثوبٍ ، ثم
(٩٤) في (ح): ((تيمان)).
(٩٥) من هامش (ص ) بخط مغاير: ((وهي السقاء)).
(٩٦) في (ص): رسمت: ((فوها)).
(٩٧) في (ص): ((في)).
(٩٨) في (ص): ((وشاحا)) بالتثنية .
۔۔۔
٨٩

أمر سَيِّدَ كلِّ قبيلةٍ فأعطاه ناحية الثوب، ثم ارتقى هو ، وأمرهم(٩٩) أن يرفعوه
إِليه. فرفعوا إِليه الركن ، فكان هو يَضَعهُ .
ثم طَفِقَ لا يزداد فيهم على السِّنِّ إِلَّ رضاً، حتى سمّوه الأمين ، قبل أن
يُنْزَلَ عليه الوحي .
قال : وطَفِقُوا لا ينحرون جَزُوراً للبيْعِ إِلا دَعَوْه ليدعو لهم فيها .
فلما استوى وبلغ أَشُدَّهُ ، وليس له كثيرُ مالٍ ، استأجرته خديجة بنت
خُوَيْلِد إِلى سوق حُباشة ، وهو سوق بِتِهَامَةً ، واستأجرت معه رجلًا من قريش .
فقال رسول الله، وَلجر، وهو يُحَدِّث عنها:
ما رأيت من صاحبةٍ أَجْيَدَ خَيْراً من خديجة ، ما كنا نرجع أنا وصاحبي إِلا
وجدنا عندها تُحْفَةً من طعام تَخْبؤه(١٠٠) لنا .
قال: فلما رجعنا من سوق حُبَاشَةً، قال رسول اللّه، وَّ: قلت
لصاحبي: انطلق بنا نتحدث معاً (١٠١) عند خديجة ، فجئناها . فبينما نحن
عندها إذ دخلت علينا مُنْشِيَةٌ من مولدات قريش - وفي رواية مستنشية (١٠٢) ، وهي
الكاهنة من مولدات قريش - فقالت: أمحمد هذا؟ والذي يُحْلَفُ به إِنْ جاءَ
لَخَاطِباً. قال : قلت : كلا. قال : فلما خرجتُ أنا وصاحبي ، قال لي : أمن
خطبة خديجة تستحي ؟ فوالله ما من قرشية إِلا تراك (١٠٣) لها كُفُؤاً. قال:
فرجعتُ أَنا وصاحبي مرة أخرى . قال : فدخلت علينا تلك المُنْشية ، فقالت :
(٩٩) في (هـ): ((وأمره)).
(١٠٠) في (ص): ((تخبأه)).
(١٠١) في (ص) : بدون ( معاً).
(١٠٢) في (ص) ((المنتشئة))، والمستنشئة: الكاهنة .
(١٠٣) في (ص ) : نراك .
٩٠

أمحمد هذا؟ والذي يُحْلَفُ به إِنْ جاءَ لخاطباً فقلت على حياءٍ : أُجلْ . قال :
فلم تعصني (١٠٤) خديجةً ولا أختها، فانطلقت إلى أبيها : خُوَيْلِد بن أسد وهو
ثَمِلٌ من الشراب ، فقالت له : هذا ابن أخيك محمد بن عبد الله بن عبد
المطلب يخطب خديجة ، وقد رَضِيَتْ خديجةُ . فدعاه ، فسأله عن ذلك ،
فخطب إِليه ، فأنكحه . قال: فخلَّقت(١٠٥) خديجة أَباها، وحلَّت عليه حُلّةٌ ،
فدخل عليه بها رسول الله، وَّر. فلما صحا(١٠٦) الشيخ من سُكْره، قال: ما
هذا الخُلوق وما هذه الحلة؟ قالت أُخت خديجة : هذه حُلَّ كَسَاكَهَا ابنُ أخيك
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، أَنْكَحْتَه خديجةَ، وقد بنى بها . فأُنكر
الشيخُ . ثم صار إِلى أَن سلَّم ذلك واستحيا . قال : فطفقت رُجَازٌ(١٠٧) من رجاز
قريش ، تقول :
لا تَزْهَدِي خديجُ في محمدٍ جَلْدٌ يُضيءُ كإِضَاءِ الفُرْقَدِ
فلبث رسول الله، وب#، مع خديجة حتى ولدت له بعض بناته ، وكان له
ولها : القاسم .
وقد زعم (( بعض العلماء)) أنها ولدت له غلاماً يسمى: الطَّاهر.
وقال (( بعضهم)): ما نعلمها ولدت غلاماً (١٠٨) إلا القاسم، وولدت بناته
الأربع : زينبَ ، وفاطمةً ، ورُقِيَّةً ، وأُمَّ كلثوم .
(١٠٤) في (ص ) . (( يفص)).
(١٠٥) أي ((طيبت))
(١٠٦) رسمت في (ص): ((صحى)).
(١٠٧) في (هـ ). مطفقت وطفق رجاز .. ))
(١٠٨) (علاما). ليست في (ح)
٩١

وطَفِقَ (١٠٩) رسولُ الله، وٌَّ، بعد ما ولدت بعض بناته يُحَبَّب إِليه
الخلاءُ .
قلت : هذا الحديث عن الزهري - [ رحمنا اللّه وإياه ](١١٠) - يَجْمَعُ بيان
أحوالٍ من أحوالٍ رسولِ الله، وَّ، إلا أنه على ما كان عنده من تقدّم عام
الفيل على ولادة رسول اللّه، ومسلم .
وقد روّينا عن غيره: أن ولادة النبي، وَّ، كانت عام الفيل، فسبيلُنا أَن
نبدأ في شواهد ما روينا عن الزهري بحديث زمزم :
(١٠٩) في (ص): ((فطفق)).
(١١٠) سقطت هذه العبارة بين الحاصرتين من (ح ) .
٩٢

باب
ما جاء في حفر (١١١) زمزم ، على طريق الاختصار
* أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبّار، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن.
ابن إسحاق، قال :
حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري ، عن مرثد بن عبد اللّه اليّزْنِي ، عن
عبد الله بن زُرَيْرِ الغَافِقِي ، قال : سمعت عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -
يقول وهو يحدث حديث زمزم ، قال :
بينا عبد المطلب نائمٌ في الحِجْرِ أَتِيَ ، فقيل له : احفر بَرَّةً ، فقال : وما
بَرَّة ؟ ثم ذهب عنه ، حتى إِذا كان الغد نام في مضجعه ذلك ، فأتي ، فقيل له :.
احفر المَضْنُونَة ، قال : (١١٢) وما مَضْنُونَة؟ ثم ذُهِبَ عنه ، حتى إِذا كان الغد
عاد(١١٣) فنام في مضجعه ذلك فأتي ، فقيل له : احفر طَيّةً ، فقال : وما
طَيبة (١١٤)؟ ثم ذَهَبَ عنه، فلما كان الغد عاد فنام بمضجعه ، فأتي ، فقيل
(١١١) كلمة (حضر) سقطت من (ح ).
(١١٢) في (ح): ((فقال)).
(١١٣) في (هـ): ((عاد به )).
(١١٤) في بعض الروايات: ((طبية)). سبل الهوى والرشاد (١: ٢١٧).
٩٣

له: احفر زمزم، فقال: وما زمزم؟ فقال: لا تُنْزَفُ ولا تُذَمُّ(١١٥) ثم نَعَتَ له
موضَعَها. فقام يحفر حيث نُعِتَ له ، فقالت له قريش : ما هذا يا عبد المطلب ؟
فقال : أُمِرْتُ بحفر زمزم. فلما كُشِفَ عنه وبَصُروا بالظَّنْي ، قالوا : يا عبد
المطلب ، إِن لنا حقا فيها معك، إِنها لبئرُ(١١٦) أُبينا إِسماعيل. فقال: ما هي
لكم، لقد خُصِصْتُ بها دونكم، قالوا: فَحَاكِمْنَا(١١٧)، قال(١١٨): نعم.
قالوا : بيننا وبينك كاهنة بني سعد بن هذيم - وكانت بأشراف الشام - قال :
فركب عبد المطلب في نفر من بني أبيه، وركب من كل بطن من أفْنَاءِ قريش
نفرٌ ، وكانت الأرض إِذ ذاك مَفّاوِزَ فيما بين الشام والحجاز ، حتى إِذا كانوا
بمفازة من تلك البلاد فَنِيَ ماءُ عبد المطلب وأصحابِه حتى أيقنوا بالهلكة،
فاستسقّوًا (١١٩) القوم، قالوا: ما نستطيع أن نُسْقَيكم، وإِنا لنخافُ (١٢٠) مثلَ
الذي أصابكم. فقال عبدُ المطلب لَأَصْحابه: ماذا تَرَوْن؟ قالوا: ما رَأْيُنَا إِلا تَبَعْ
لرأيك، فقال: إِني (١٢١) أَرى أن يحفر كل رجل منكم(١٢٢) حفرة(١٢٣) بما بقي
من قوّته ، فكلما مات رجل منكم دفعه أصحابه في حُفْرته حتى يكون آخِرَكم
يدفَعُه صاحبه ، فَضَيْعَةُ رجلٍ أَهونُ من ضيعة جميعكم. ففعلوا، ثم قال : والله
إِن إلقاءنا بأيدينا للموت - لا نضربَ في الأرض ونبتغي لعلَّ اللّه، عزَّ وجَلَّ، أَن
يسقينا - عَجْزٌ. فقال لأصحابه : ارتحلوا ، قال : فارتحلوا وارتحل ، فلما جلس
(١١٥) لا تذم = لا يقل ماؤها. الروض الأنف (١ : ٩٨).
(١١٦) في (ح): (( سر)).
(١١٧) في (ح): ((تحاكمنا)).
(١١٨) في (ص): ((فقال )).
(١١٩) في (ح): (( ثم استقوا)).
(١٢٠) في (ح): ((نخاف)).
(١٢١) في (ص) و(ح): ((فإني)).
(١٢٢) ليست في (هـ).
(١٢٣) في (ص) و(ح): ((حفرته)).
٩٤

على ناقته فانبعثت به انفجرت عينٌ (١٢٤) من تحت خفها بماء(١٢٥) عذب، فأَناخَ
وأناخَ أصحابه فشرِبوا وسقوا واستقوا ، ثم دعوا أصحابهم : هلموا إلى الماء فقد
سقانا الله، تعالى، فجاءوا واستَقَوْا وسَقُوا، ثم قالوا: يا عبد المطلب قد والله
قُضِيّ لك ؛ إِن الذي سقاكَ هذا(١٢٦) الماءَ بهذه الفلاة لهو الذي سقاكَ زمزم ،
انطلق فهي لك، فما نحنُ بِمُخَاصِمِيكَ .
قال ابن إسحاق: فانصرفوا ، ومضى عبد المطلب فحفر، فلما تمادى به
الحفر وجد غزالين من ذهب ، وهما الغزالان اللذان كانت جُرْهُم (١٢٧) دفنَتْ فيها
حين أُخرجت من مكة ، وهي بئر(١٢٨) إسماعيل بن إبراهيم ، عليهما السلام ،
الذي سقاه الله ، عز وجل ، حين ظَمِىء وهو صغير .
(١٢٤) في (ح) : ((عيون تحت)).
(١٢٥) في (ص): ((ماء).
(١٢٦) ((هذا)) سقطت من (ح) .
(١٢٧) لما توفي اسماعيل - عليه السلام - وليَ البيت بعده ابنه نابت بن اسماعيل ماشاء الله أن يليه ، ثم
وليّ البيت مُضاض بن عمرو الجُرْهمي ، وبنو اسماعيل، وبنو نابت مع جدهم مُضاض وأخوالهم
من جُرهم ، ثم نشر اللّه ولد اسماعيل بمكة ، وأخوالهم من جُرهم ولاة البيت والحكام بمكة لا
ينازعهم ولد اسماعيل في ذلك لخؤ ولتهم وقرابتهم، وإعظاماً للحرمة أن يكون بها بغي أو قتال .
ثم إن جُرهماً بغوا بمكة واستحلوا حلالاً من الحَرَمِ ، فظلموا من دخلها من غير أهلها ، وأكلوا
مال الكعبة الذي يهدى لها ، فرقَّ أمرُهم ، فلما رأت بنو بكر بن عبد مناة من كنانة وغُبشان من
خزاعة ذلك ، اجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة ، فآذنوهم ، أي أعلموهم بالحرب ، فاقتتلوا ،
فغلبهم بنو بكر وغُبشان فنهوهم من مكة ، وكانت مكة في الجاهلية لا تُقُّ فيها ظلماً ولا بغياً ، ولا
يبغي فيها أحد إلا أخرجَتْه ، ولا يريدها ملك يستحلُّ حُرمتها إلا أهلكتْه مكانه . فخرج عمرو بن
الحارث بن مُضاض بغزاليْ الكعبة وبحجر الركن ، فدفن الغزالين في زمزم ، وردمها ، ومرت
عليها السنون عصراً بعد عصر إلى أن صار موضعها لا يعرف حتى بوَّأها الله لعبد المطلب جد
الرسول ، وانطلق عمرو بن مُضاض ومن معه من جُرهم إلى اليمن .
(١٢٨) في (ح): ((من اسماعيل)).
٩٥

قال ابن إسحاق : ووجد عبد المطلب أسيافاً مع الغزالين (١٢٩)، فقالت
قريش : لنا معك في هذا يا عبد المطلب شِرْكُ وحَقُّ، فقال: لا، ولكن هَلْمُوا
إِلى أمر نَصَفٍ بيني وبينكم : نَضْرِبُ عليها بالقدَاح . فقالوا : فكيف نصنع ؟
قال : اجعلوا للكعبة قَدَحَيْنِ ، ولكم قدحين، ولي قدحين ، فمن خرج له شيءٌ
كان له . فقالوا له (١٣٠): قد أُنْصَفْتَ، وقد رضينا. فجعل قدحين أصَفَّرْين
للكعبة ، وقدحين أسودين لعبد المطلب(١٣١)، وقدحين أبيضين لقريش، ثم
أعطوها الذي يَضْرِبُ بالقِدَاحِ ، وقام عبد المطلب يدعو الله ، ويقول :
ربي وأنت (١٣٢) المبدىء المعيد
لاهُمَّ أَنت الملك المحمود
من عندك الطارف والتليد
وممسك الراسية الجلمود
لموضع الحلية والحديد
إن شئت ألهمت لما تريد
إني نذرت عاهد (١٣٣) العهود
فبين اليوم لما تريد
اجعله رب لي ولا (١٣٤) أعود
وضرب صاحب القِدَاح القِدَاحَ ، فخرج الأصفران على الغزالَيْن للكعبة ،
فضربهما ، عبد المطلب في باب الكعبة، فكانا أول ذَهَبٍ حُلَّيْه . وخرج
الأسودان على السيوف والأدْرَاعِ لعبد المطلب فأخذها . وكانت قريش ومن
سواهم من العرب في الجاهلية إِذا اجتهدوا في الدعاءِ سجعوا ، فألفوا الكلام ،
(١٢٩) الأسياف والغزالان، كان ساسان ملك الفرس أهداها للكعبة، وقيل سابور، وكانت الأوائل من
ملوك الفرس تحجُها إلى ساسان أو سابور)). أ. هـ الروض الأنف (١ : ٩٧).
(١٣٠) ليست في (هـ).
(١٣١) في (ح): (( له)).
(١٣٢) في (ح): ((فأنت)).
(١٣٣) في (ح): ((العاهد))، وكذا في البداية والنهاية (٢: ٢٤٦).
(١٣٤) في (ح). ((فلا)).
٩٦

وكانت فيما يزعمون قلما تُرَدُّ إِذا دعا بها داع(١٣٥).
قال ابن إسحاق :
فلما حفر عبد المطلب زمزم ، ودلَّه الله عليها، وخصّه بها، زاده الله،
تعالى ، بها شرفاً وخَطَراً في قومه ، وعُطَّلت كل سِقَايَة كانت بمكة حين ظهرت،
وأقبل الناس عليها التماس بركتها ، ومعرفة فضلها ؛ لمكانها من البيت ، وأنها
سُقْيَا اللّه، عز وجل ، لإسماعيل (١٣٦) عليه السلام.
(١٣٥) الخبر في ((البداية والنهاية)) (٢: ٢٤٦) : عن ابن إسحاق .
(١٣٦) في (ح) و(ص): ((إسماعيل)).
٩٧

باب
نذر عبد المطلب
* أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
بعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبّار ، قال : حدثنا يونس بن بكير، عن
محمد بن إسحاق بن يَسَار (١٣٧)، قال :
وكان عبد المطلب بن هاشم، فيما يذكرون (١٣٨)، قد نذر حين لقي من
قريش عند حفر زمزم ما لقي : لئن وُلد له عشرة نفرٍ ، ثم (١٣٩) بلغوا معه حتى
يمنعوه - لَيْنْحَرَنَّ أَحدَهم الله ، عز وجل ، عند الكعبة . فلما تّوَافَى بنوه عشرة :
الحارث ، والزّبير، وحَجْلٌ ، وضِرارٌ ، والمُقَوَّم ، وأبو لهب ، والعباس ،
وحمزة ، وأبو طالب ، وعبد الله؛ وعرف أنهم سيمنعونه - جمعهم ، ثم أخبرهم
بنذره الذي نذر، ودعاهم إلى الوفاءِ لله، تعالى (١٤٠)، بذلك(١٤١)، فأطاعوا
(١٣٧) الخبر في سيرة ابن هشام (١ : ١٦٤)، وراجع طبقات ابن سعد (١. ٨٨ - ٨٩)، والبداية
والنهاية (٢ : ٢٤٨).
(١٣٨) في سيرة أس هشام: ((فيما يزعمون، والله أعلم))
(١٣٩) (( ثم)) ليست في. (هـ).
(١٤٠) في (ص ): بدون ((تعالى)).
(١٤١) ليست في (هـ).
٩٨

له، وقالوا : كيف نصنع ؟ قال : يأخذ كل رجلٍ منكم قِدْحاً ، فيكتب فيه
اسمه ، ثم تأتوني. ففعلوا ثم أتوه . فذكر الحديث بطوله في دخوله على هُبَل :
٤
عظيم أصنامهم .
قال: وكان عبد الله بن عبد المطلب، أبو رسول اللّه، وَلّره، أَصْغَرَ بني
أبيه، وكان هو والزُّبير وأبو طالب لفاطمة بنتِ عَمْرو بن عائدٍ بن عبد الله بن عمر
ابن مَخزوم، وكان - فيما يزعمون - أُحبَّ ولدٍ عبد المطلب(١٤٢) إِليه . فلما أخذ
صاحب القِدَاح القِدَاحَ (١٤٣)، ليضرب بها، قام عبد المطلب عند هُبَل،
يَدْعو : أَلَا يَخْرُجَ القدحُ على عبدِ الله، فخرج القِدْحُ على عبد اللّه، فأخذ عبد
المطلب بيده وأخذ الشّفرة ، ثم أقبل به إِلى إِسَافٍ ونائِلةَ - الوثنين اللذين تُنْحُرُ
قريش عندهما ذبائحهم - ليذبحه ، فقامت إِليه قريش من أنديتها، فقالوا : ماذا
تريدُ يا عبد المطلب؟ قال : أَذْبَحَهُ .
قال ابن إسحاق : وذكروا(١٤٤) أَن العَبّاسَ بن عبد المطلب اجْتَرَّهُ من
تحتِ رِجْلِ أَبيه حتى خَدَشَ وجه عبدِ الله (١٤٥) خَذْشاً لم يزل في وجهه حتى
ماتَ . فقالتْ قريش وبنوه : والله لا تذبَحُه أبداً ونحن أحياءٌ حتى نُعِذَر فيه ،
وُلئن فعلتَ هذا لا يزال رجل منا يأتي ابنه (١٤٦) حتى يذبَحَهُ، فما بقاءُ الناس
على ذلك ؟! وقال المغيرة بنُ عبد الله بن عُمر بن مخزوم - وكان عبد الله بن عبد
المطلب ابنَ أُختِ القوم - : واللَّهِ لا تذبحُه أبداً حتى نُعِذَر فيه، فإِن كان فداءً
فَدَيْناه بأموالِنا.
(١٤٢) في (هـ): ((المطلب)).
(١٤٣) في (ص): ((القِدْح)).
(١٤٤) في (هـ): ((فذكروا)).
(١٤٥) في (هـ) ((عبد المطلب))، خطأ .
(١٤٦) في (هـ): «يأتي بابنه )).
٩٩

وذكر أشعارهم في ذلك ؛ إِلى أن قال :
فقالت له قريش وبنوه : لا تفعّل، وانطلق إلى الحجاز، فإِنَّ به عَرَّافةً يقال
لها : سَجَاح، لها تابعٌ ، فسلْها، ثم أَنت على رَأْسِ أَمْرِكَ . فقال: نعم.
فانطلقوا حتى جاءُّوها، وهي ، فيما يزعمون ، بخَيْبَرَ ، فسألُوها ، فقالت :
ارجعوا عني اليوم حتى يأتيني تابعي ، فأسأله . فخرج عبد المطلب يدعو الله .
قال(١٤٧): ثم غَدَوْا إِليها ، فقالت : نعم قد جاءني تابعي بالخبر، فكم
الديةُ فيكم ؟ فقالوا : عَشْر (١٤٨) من الإِبل - وكانت كذلك - قالت: فارجِعُوا إِلى
بلادكم ، فقدِّموا صاحبكم ، وقدِّموا عشراً من الإِبل ، ثم اضربوا عليها
بالقداح ، فإِن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا من الإِبل حتى يرضى
ربّكم ، فإِذا خرجت القداح على الإِبل فقد رضي ربكم ، فانْحَروها ، ونجا
صاحبكم. فخرجوا حتى قدموا مكة وفعلوا .
وذكر(١٤٩) الحديث بطوله في سجع عبد المطلب ودعواتِه ، وخروج السهم
على عبدِ الله ، وزيادةٍ عشرٍ عشرٍ، من الإِبل كلما خرجَ السهم عليه ، حتى
بلغت الإِبلُ مائةً .
وقامَ عبد المطلب يدعو الله تعالى (١٥٠)، ثم ضربوا، فَخَرَجَ السهم على
الإِبل ، فقالت قريش ومن حَضَره : قد انتهى رِضا(١٥١) ربُّك، وخلَص لك
(١٤٧) ليست في (ح).
(١٤٨) في (هـ): ((عشرة)).
(١٤٩) في (هـ): ((وذكروا)).
(١٥٠) (( تعالى)): ليست في (ص).
(١٥١) في (ص): رسمت ((رضى)).
١٠٠