النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١
الفصل التاسع والعشرون
ح / ٥٢٩ - ٥٣٠
والله ما ملكتُ ذلك، رأيتُهم يقاتِلون عند لحبَلٍ يُؤتَوْن من بين أيديهم ومن
خلفِهم، فلم أملِكْ أن قلت: يا سارِيةَ الجَبَل ليلحقوا بالجبلِ ، فلبثوا إلى
أن جاء رسولُ سارِية بكتابه: أن القومَ لحقونا يومَ الجمعة فقاتلناهم من
حين صلينا الصبح إلى حين حضَرَتِ الجمعة، ودارَ حاجبُ الشمس،
فسمعنا منادياً ينادي: يا سارِية الجبلَ مرتين، فلحقْنا بالجبل ، فلم نزلْ
قاهرينَ لعدوِّنا حتى هزمَهْم اللَّهُ وقتلهم، فقال أولئك الذين طَعنوا عليه:
دَعوا هذا الرجل فإنه مصنوع له(١).
ما ظهر على يد عثمان رضي الله عنه(٢):
البابسيري قال ثنا عبدالله بن أبي داود
٥٢٩ - حدثنا محمد بن أحمد بن موسی
ثنا هشام بن خالد ثنا الوليد قال ثنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر:
أن جَهِجَاه الغِفاري قامَ إلى عُثمان وهو على المنبر يخطُّبُ، فأخذَ
العَصا من يده وضربَ بها رُكبتَهُ، وشقَّ ركبة عثمان وانكسرت العصا، فما
« لَ الحولُ على جَهْجَاه حتى أرسل الله في يده الآكلة فمات منها.
ما ظهر على يد علي بن أبي طالب عليه السلام:
٥٣٠ - حدثنا محمد بن عمر بنٍ سلم ثنا علي بن العباس ثنا جعفر بن محمد
ابن حسين ثنا حسين العربي عن ابن سلام عن سعد بن طَريف عن أصبع بن نباتة عن
علي رضي الله عنه قال:
(ح/ ٥٢٩) قال الحافظ ابن حجر في الإصابة ٢٥٤/١: رواه البارودي من طريق الوليد بن
ابن السكن من طريق سليمان ابن بلال
مسلم عن مالك وغيره عن نافع عن ابن عمر، ورواه
وعبدالله بن إدريس عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مثله، ورواه من طريق فليج
ابن سليمان عن عمته وأبيها وعمها أنهما حضرا عثمان قال فقام إليه جهجاه بن سعيد
الغفاري ... الخ.
(ح/ ٥٣٠) قال السيوطي أخرجه أبو نعيم عن أصبغ بن نباتة - الخصائص ٤٥٢/٢ - قلت
وفيه سعد بن طريف وأصبغ بن نباتة وكلاهما متروك - ر: الميزان -.
(١) في الأصل ((مصوغ له)) فصححناه من تاريخ الخلفاء.
(٢) هذا العنوان من زياداتنا.
:
٥٨٢
الفصل التاسع والعشرون
ح / ٥٣١ - ٥٣٢
أتينا معه موضِعَ قبرِ الحسين رضي الله عنه فقال: ها هنا مَناخُ
رِكابهم، وموضعُ رحالهم، وها هنا مِهراقُ دمائِهم، فتيةٌ من آلٍ محمد ◌َّ ه
يُقْتَلون بهذه العَرْصة تبكي عليهم السماءُ والأرضُ.
٥٣١ - حدثنا أحمد بن محمد بن موسى البابسيري ثنا عبدالله بن ناجية ثنا
أحمد بن منيع ثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد (١) ثنا جعفر بن محمد عن أبيه قال:
عَرَضَ لعلِيّ رجلانٍ في حُكومة، فجلس في أصلِ جدارٍ فقال
رجلٌ: يا أمير المؤمنين الجدارُ يقع، فقال علي رضي الله عنه: امض كفى
بالله حارساً، فقضى بينهما وقام، ثم سقَطَ الجدار.
٥٣٢ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ثنا أحمد بن الحسين قال ثنا إسمعيل بن
محمد بن جبرثنا إسمعيل بن الحكم ثنا هشيم عن يسار عن عمَّار(٢) قال:
حدّث علي عليه السلام رجلاً بحديث فكذبه [رجل، فقال له عليّ :
أدعو الله عليك إن كنت كاذباً، قال: أدعو، فدعا عليه](٣)، فما قام حتى
أُعمي .
(ح/ ٥٣١) ذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء ص ١٧٨ ونسبه إلى أبي نعيم قلت وفيه
محمد بن الحسن بن أبي يزيد وهو ضعيف وقيل متروك - تقريب التهذيب وميزان الاعتدال -.
(ح/٥٣٢) قال السيوطي في تاريخ الخلفاء ص ١٧٩ أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو
نعيم في الدلائل عن زاذان أن علياً فذكره وقال الهيثمي رواه الطبراني في الأوسط عن زاذان أن
علياً فذكره ثم قال: وفيه عمار الحضرمي ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات - مجمع الزوائد
١١٦/٩ -٠
(١) في الأصل ((زيد)) فصححناه من تهذيب التهذيب وميزان الاعتدال.
(٢) هو عمار الحضرمي، ويظهر أنه قد سقط الرجل الذي روى عنه عمار وهو ((زاذان)).
(٣) ما بين الحاصرين زدناه من مجمع الزوائد والخصائص، ولا يستقيم الكلام دونه.
٥٨٣
الفصل التاسع والعشرون
ح / ٥٣٣ - ٥٣٤ _ ٥٣٥
وما ظهر على يد تميم الداري:
٥٣٣ - حدثنا عبدالله بن محمد بن جعفر قال ثنا عبدالله بن عبد الرحمن بن
واقد ثنا أبي ثنا ضمرة عن مرزوق:
أن ناراً خرجت على عهد عمر رضي الله عنه، فجعل تميم الداري
يدفعُها بردائِه حتى دخلت غاراً فقال له عمر: لمثل هذا كنا نُحِبُّك يا أبا
رُقِيَّة.
٥٣٤ - حدثنا الحسين بن علي قال ثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ثنا جعفر
الصائغ ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن الجريري عن أبي العلاء عن معاوية بن حَرْمَل
قال:
قدمتُ المدينةَ فذهبَ بي تميم الداري إلى طعامه، فأكلتُ أكلَا
شديداً، وما شبعتُ من شدةِ الجوع ، فقد كنتُ أقمتُ في المسجدِ ثلاثاً لا
أطعمُ شيئاً، فبينا نحنُ ذاتَ يومٍ إذ خرجتْ نارٌ بالحرَّةِ، فجاء عمرُ إلى
تميم فقال: قم إلى هذه النار فقال: يا أمير المؤمنين من أنا وما أنا؟ فلم
يزل به حتى قامَ معه، قال، وتبعتُهما فانطلقا إلى النارِ، قال، فجعلَ
يَحوشُها بيده هكذا حتى دخلت الشِّعْب، ودخل تميمٌ خَلْفَها، وجعل عمرُ
يقول: ليس من رَأى كمن لَمْ يَرَ.
قصة سفينة مولى رسول الله الخبر :
٥٣٥ - حدثنا إبراهيم بن عبدالله بن أبي العزائم ثنا أحمد بن أبي عرزة قال ثنا
(ح/٥٣٣) انظر الحديث الذي يليه رقم ٥٣٤.
(ح/٥٣٤) قال ابن حجر في الإصابة ٤٧٣/٣ في ترجمة معاوية بن حرمل أخرجها البغوي
من طريق الجريري عن أبي العلاء عن معاوية بن حرمل فذكرها مختصرة أ. هـ. وقال ابن كثير
في الشمائل ص ٢٩٢ رواه الحافظ والبيهقي من حديث عفان بن مسلم عن حماد بن سلمة عن
الجريري عن معاوية بن حرمل فذكره مثل حديث الباب.
(ح/ ٥٣٥) أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق ابن وهب عن أسامة بن زيد عن محمد
عبدالله بن عمرو بن عثمان عن محمد بن المنكدر أن سفينة، وقال صحيح على شرط مسلم =
٥٨٤
الفصل التاسع والعشرون
ح / ٥٣٦
عبدالله بن موسى عن أسامة بن زيد عن محمد بن المنكدر عن سفينة(١) قال:
ركبت سفينةً في البحر فانكسرت لوح(٢) منها فطرحتني في مُلْتَجة (٣)
فيها الأسد، فقلت يا أبا الحارث(٤)، أنا سفينة، مولى رسول الله حوله،
فطأطأ رأسه وجعلَ يدفعني بجنبِه أو بكتِفِه حتى وضعني على الطريق، فلما
وَضعني على الطريق هِمَهَمَ فظننتُ أنَّهُ يُوَدِّعُني .
١
قصة ربيع أخي رِبعي بن حِراش:
٥٣٦ - حدثنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم قال ثنا علي بن
العباس البُجلي ثنا جعفر بن محمد بن رباح النخعي الأشجعي قال ثنا أبي عن عبيدة عن
عبد الملك بن عمير عن رِبْعي بن حِراش قال:
كنا أربعةَ أخوة، وكان رَبيع أخونا أكثرَنا صلاةً، وأكثرَنا صياماً في
الهَواجر(٥)، وإنه توفي، فبينا نحن حوله وقد بعثْنا من يبتاع له كَفَناً، إذ
= ولم يخرجاه وأقره الذهبي - المستدرك ٦٠٦/٣ - وقال الهيثمي أخرجه الطبراني والبزار بنحوه
ورجالهما وثقوا - مجمع الزوائد ٣٦٦/٩ - وأخرجه أبو نعيم في الحلية بسند حديث الباب
٣٦٩/١ قلت: رواية الحاكم من المزيد في متصل الأسانيد، لأن أسامة بن زيد روى عن محمد
ابن المنكدر - راجع تهذيب التهذيب -. وأخرجه عبد الرزاق برقم ٢٠٥٤٤ .
(ح/٥٣٦) قال السيوطي في الخصائص ٢٣/٣ أخرجه البيهقي وصححه وأبو نعيم من
طريق ربعي بن حراش أ. هـ. قال ابن كثير في الشمائل: ص ٣٠٢ وقال هشام بن عمار في
كتاب البعث حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثنا عبد الحكم بن عمير عن ربعي بن حراش
فذكر نحوه.
(١) كنيته ((أبو عبد الرحمن)) واسمه ((مهران)) ولقب بسفينة لكثرة أسفاره.
(٢) كذا هنا وفي المستدرك ومجمع الزوائد العبارة كما يلي ((فانكسرت سفينتي التي كنت فيها
فركبت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها أسد».
(٣) كذا هنا، وفي المستدرك ومجمع الزوائد ((أجمة)) وهو الصواب لأن معناها المكان الذي فيه
شجر متجمع .
(٤) أبو الحارث: اسم من أسماء الأسد.
(٥) الهواجر: مفردها: هاجرة، وهي شدة الحر عند الظهيرة، والمراد بها هنا: الأيام الشديدة
الحرارة.
٥٨٥
الفصل التاسع والعشرون
ح / ٥٣٦
كَشَفَ عن وجهه فقال: السلامُ عليكم، فقالَ القومُ: وعليك السلامُ، یا
أخاه (١) عيشاً بعدَ الموتِ؟ ! - يعني حياة - قال: نعم، إني لقيتُ رَبّي
بعدَكُم، فلقيتُ ربّاً غيرَ غضبان، واستقبلني برَوْحٍ ورَيْحانٍ واستبْرَقٍ (٢) ألا
وإن أبا القاسِم وَله ينتظر الصلاةَ عليّ فعجِّلوا بي ولا تؤخروني، ثم كان
بمنزلة حصاة رمى بها في الطست.
فنمي الحديث إلى عائشة رضي الله عنها فقالت: أما إني سمعتُ
رسول اللّهِ وَ﴿ل يقول: يتكلمُ رجلٌ من أمتي بعدَ الموتِ.
قال: وكان محمد بن عمر بن علي الأنصاري حدثنا به عن جعفر ثم سمعناه من
جعفر. رواه(٣) شريك والمسعودي وزيد بن أبي أنّيْسة وإسمعيل بن أبي خالد وسفيان بن
عيينة عن عبد الملك. ورواه أيوب السختياني عن حميد بن هلال عن ربعي بن حِراش.
(١) في الحلية: يا أخا بني عبس.
(٢) كذا - وفي دلائل البيهقي ((وكساني ثياباً خُضراً من سندسٍ واستبرق)).
(٣) في الحلية ٣٦٨/٤: هذا حديث مشهور رواه عن عبد الملك جماعة منهم اسماعيل بن أبي خالد
وزيد بن أبي أنيسة والثوري وابن عينية وحفص بن عمر والمسعودي ولم يرفعه أحد إلا عبيدة
ابن حميد عن عبد الملك ورواه المسعودي نحوه في الرفع.
٥٨٧
الفصل الثلاثون
ما أوتي إبراهيم عليه السلام
الفَصْلِ الثّلاثونْ(١)
في ذكر موازاة الأنبياء في فضائلهم بفضائل نبينا،
ومقابلة ما أوتوا من الآيات بما أوتي عليه السلام
القول فيما أوتي إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام:
· فإن قيلَ: فإن إبراهيم خُصَّ بالخِلَّة.
قلنا: قد أَتَّخِذَ مُحمدٌ خليلاً وحبيباً، والحبيب ألطفُ من الخليل.
• فإن قيل: فإن إبراهيم حُجِبَ عن نُمْروذَ بحجب ثلاثة.
قلنا: قد كان كذلك، وحُجبَ محمدٌ وَلّ عمن أراد قتلَه بخمسةٍ
حُجُب، قال الله تعالى في أمره ﴿ وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِم سَدّاً ومِنْ خَلْفِهم
سَدَأَ فَأغْشَيْناهم فَهُمْ لا يُبْصرون﴾ - يَس ٩ - هذه ثلاثة، ثم قال تعالى
﴿وإذا قَرَأْتَ القُرآنَ جَعَلْنا بِينَك وبينَ الذّيَن لا يُؤْمِنُون بالآخِرَةِ حِجَاباً
مَسْتوراً﴾ - الإِسراء ٤٥ - ثم قال تعالى ﴿ فَهِيَ إلى الأذْقَانِ فَهُمْ
مُقْمَحونَ ﴾ - يَس ٨ - فهذه خمسة حُجُب.
· فإن قيل: إن إبراهيم قَصَم نُمروذَ ببرهانِ نُبَوَّته فَبَهَته، قال الله
تعالى ﴿ فَبُهتَ الذي كَفَر ﴾ البقرة ٢٥٨ -.
(١) هو الفصل الثالث والثلاثون بتصنيف أبي نعيم.
٥٨٨
الفصل الثلاثون
ما أوتي موسى عليه السلام
فمحمد ﴿ أتاه المُكذِّب بالبعث ((أَبِيُّ بِنُ خَلَفَ)) بعظمٍ بالٍ يفرُكه
وقال: مَنْ يُحيي العظامَ وهي رَميم، فأنزلَ الله عز وجل البرهانَ الساطع
فقال ﴿ قُلْ يُحْيِيها الذي أُنْشَأْهَا أَوَّلَ مَرَّةٌ﴾ - الآية، - يَس ٧٩ - فانصرفَ
مبهوتاً ببرهانِ نُبوته .
• فإن قيل: إن إبراهيم كسر أصنام قومه غضباً لله.
قيل: محمدٌ رَّ كَسَّر ثلثمائة وستينَ صَنماً نُصبت حول الكعبةِ
بإشارَتِه باليمين، فتساقطن، وقد تقدم ذكره(١).
القولُ فيما أوتي موسى عليه السلام من العصا الخشب
المَوات التي جعلها الله حية ثُعباناً تَتَلَقَّف ما يأُفِك
سحرة فرعون ثم تعود إلى معناها وخاصَّتها
· فإن قيل: فإن موسى عليه السلام جعل الله عصاه تُعباناً.
قلنا: فقد أوتِيَ محمدٌ رَِّ نظيرَها وأعْجَبَ منها، خُوارُ الجِذع
اليابس وحنينُه، وقد تقدم هذا الحديث بطرقُه(٢). هذا أبلغُ في الأعجوبة.
وأيضاً إجابة الأشجارِ، واجتماعهن لدعوته لما دَعاهُن، ورُجوعهن
إلى أمكنتهن بعد أن أمرهن، وهذا مما قد تقدم ذكره بطرقه(٣).
· فإن قلت: إن موسى كان في التّيه يضربُ بعصاه الحجر فينفَجِرُ
منه اثنتا عشرة عيناً.
(١) ارجع إلى الحديثين رقم ٤٤٦ و ٤٤٧.
(٢) ارجع إلى الحديث رقم ٣٠٢ وما بعده.
(٣). ارجع إلى الحديث رقم ٢٨٩ وما بعده.
٥٨٩
الفصل الثلاثون
ما أوتي موسى عليه السلام
قلنا: كان لمحمد وََّ مثلُه وأعجبُ منه، فإن نبعَ الماء من الحجرِ
معهودٌ في المعلومِ والمتعارف، وأعجبُ من ذلك نبعُ الماءِ من بينِ اللحمِ
والعظمِ والدم، وكان يفجّر من بين أصابعه في مِخْضَبٍ(١) فينبع من بين
أصابعه الماءُ فيشربون ويستَقون ماءً جارياً عذباً رَوى العددَ الكثيرَ من
الناسِ والخيلِ والإِبل ، وهذا الباب قد تقدم ذكره بطرقه، وما في معناه
من نبع الماء(٢).
· فإن قيل: إن موسى انفَلَقَ له البحرُ فجازه بأصحابه لمّا ضربَه
بعصاه .
قلنا: قد أوتي نظيرَه بعضُ أمَّتِه من بعده، لأنه لم يحوج إلى اجتياز
بحر، وهو العلاء بن الحضرمي، لما كان بالبَحْرَين واضطر إلى عُبورِ
البحر، فعبر هو وأصحابُه مشياً على الماءِ ولم يُبَلَّ لهم ثوب، وقد تقدم
ذکره(٣).
فإن قيل: إن موسى أتى قومه بالعذاب: الجَرادَ والقُمَّلَ (٤)،
والضفادِعِ والدمَ على ما أخبر الله تعالى به(٥).
قلنا: قد أرسل على قريش في عهد النبي ◌َّهِ الدُّخانُ آيَةً بينة،
ونقمة بالِغة، قال الله تعالى ﴿فَارْتَقِبْ يومَ تأتي السَّماءُ بدُخانٍ مُبِينٍ * یغْشَى
الناسَ هَذا عَذابٌ أليم ﴾ - الدخان ١٠ -١١ - ودعا على قريشٍ فابتُلوا بالسّنين
(١) المخضب: الإِناء الذي تغسل فيه الثياب.
(٢) انظر الحديث رقم ٣١١ وما بعده.
(٣) انظر الحديث رقم ٥٢١.
(٤) في الأصل ((القنفذ)) والصواب ما أثبتناه.
(٥) قال تعالى ﴿فأرسَلْنا عليهم الطّوفان والجَرَادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعِ والدَّم﴾ - الأعراف ١٣٣ -.
٥٩٠
الفصل الثلاثون
ما أوتي موسى ح / ٥٣٧
فقال عليه السلام: اللهم أشدد وطأتَك على مُضَر واجعلها عليهم سنين
کسنین یوسف، وقد تقدم ذكره(١).
فإن قيل: إن موسى نزل عليه وعلى قومه المَنُّ والسَّلْوى وظلَّل
عليهم الغمام، وإن المنَّ والسَّلوى رزقُ رزقهم الله، كُفُوا السعي فيه
والاكتساب.
قلنا: أعطِيَ محمدٌ وَّر وأمته ما هو أعظم منه مما كان محظوراً على
من تقدم من الأنبياء والأمم، فأحلّ الله عزّ وجلّ له ولأمته الغنائمَ ولا تُحَلّ
لأحدٍ قبلَه. وأعطيَ من جنسه أصحابُه حين أصابتهم المجاعة في السَّرية
التي بُعثوا فيها، فقذف لهم البحرُ عن دابةِ حُوتٍ، فأكلوا منه وائتَدَموا
شهراً (٢)، مع أنه عليه السلام كان يُشبع النَّفَر الكثيرَ من الطعامِ اليسير
واللبن القليل، حتى صَدَروا عنه شِباعاً ورواء، وقد تقدم هذا الباب
بطرقه(٣).
٥٣٧ - حدثنا محمد بن محمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا الحميدي ثنا
سفيان ثنا عمرو بن دينار قال سمعت جابراً يقول:
بعثنا رسولُ اللهِ وََّ في ثلثمائة راكبٍ، وأميرُنا يومئذٍ أبو عبيدة بن
الجَرَّاح، نرصُد عيراً لقريش، فأصابنا جوعٌ شديد حتى أكلنا الخَبَط (٤)،
فسُمَِّ ذلك الجيشُ جيش الخَبَط، قال، فألقى لنا البحرُ ونحن بالساحل
(ح/٥٣٧) أخرجه البخاري في صحيحه - فتح الباري ١٤٢/٩ - ومسلم في الصيد.
ر
(١) انظر الحديث رقم ٣٦٩.
(٢) سيأتي حديثها برقم ٥٣٧ .
(٣) انظر الحديث رقم ٣٢٢ وما بعده.
(٤) الخَبَط: ما سقط من ورق الشجر بالخَبْط والنفض.
٥٩١
الفصل الثلاثون
ما أوتي موسى ح / ٥٣٧
دابةً تسمى العَنْبَرِ (١)، وأكلنا شهراً وائتَدَمْنا به وادّهًا بودَكِه(٢) حتى ثابت
أجسامنا(٣)، قال: فأخذ أبو عبيدة ضِلعاً من أضلاعه فنصبه، فنظر أطولَ
رجُلٍ وأعظمَ جملٍ في الجيش، فأمر أن يركبَ الجملَ وأن يَمُرَّ تحتَه
ففعلَ، فمرّ تحته، فأتينا النبيَّ ◌َّر فأخبرناه فقال: هل معكم منه شيء؟
قلنا: نعم، فآتيناه منه فأكلَ.
· فإن قيل قد أعطِيَ موسى العَصا فكان ثعباناً يتلقَّف ما صنعت
السّحَرةُ، واستغاثَ فرعونُ بموسى رهبةً وفَرَقاً منها.
قلنا: قد كان لمحمدٍ نَّه﴿ل أختُ هذه الآية بعينها، وهي قصةُ أبي
جَهْل بن هشام، لما عاهدَ اللَّهَ لأجلسنَّ له بحجر قدرَ ما أطيق حمله، فإذا
سجدَ في صلاته رضَخْتُ به رأسَه، وذكره، فلما سجد رسولُ اللهِ وَه
احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه أقبلَ مَبْهوتاً منتقِعاً
لونُه مرعوباً قد يبست يداه على حَجَره، حتى قذف الحَجَر من يده، وقامت
إليه رجالاتُ قريش وقالوا: [ما لَكَ](٤) يا أبا الحكم ؟ قال: قمتُ إليه
لأفعلَ به ما قلتُ لكم البارِحة، فلما دنوتُ منه عرَض لي دونه فَحْلٌ من
الإِبل، لا والله ما رأيت مثل هامَتِه ولا قَصَرته(٥) ولا أنيابه لِفَحْلٍ قط، فهمَّ
أن يأكلني، فذُكَر لرسول الله وَلِّ، قال: ذاكَ جبرئيل عليه السلام، لَوْ دَنا
مني لأخذه، وقد تقدم نظائره(٦).
(١) العنبر: سمكة بحرية يتخذ من جلدها التروس.
(٢) الودك: الدهن والدسم.
(٣) أي عادت إلى قوتها.
(٤) ما بين الحاصرين غير موجود في الأصل فأخذناه من الحديث رقم ١٥٦ ليستقيم المعنى.
(٥) القصرة: أهل العنق.
(٦) انظر الحديث رقم ١٥٦ وما بعده.
٥٩٢
الفصل الثلاثون
ما أوتي صالح وداود ح / ٥٣٨
القول فيما أوتي صالح عليه السلام:
• فإن قيل: قد أخرجَ الله عز وجل لصالح ناقةً، جعلها له على قومه
حجة وآية، لها شِربُ يومٍ ولقومِه شِرْب يومٍ معلوم.
قلنا: قد أعطى الله عز وجل محمداً وَِّ على قومه حجةً مثلَ ذلك،
كانت ناقةُ صالح لم تتكلم، ولا ناطقته، ولم تشهد له بالنبوة، ومحمدٌ وَله
شهدَ له البعيرُ النّدُّ شاكياً إليه ما همَّ به صاحبُه من نَحْرِه، وقد تقدم هذا
الباب بطرقه(١).
القول فيما أوتي داود عليه السلام:
· فإن قيل: فسخّرَ الله عز وجل لداود الجبالَ والطيورَ يسبُحن معه،
وأَلَانَ له الحديد.
قلنا: قد أعطي محمدٌ {آل# مثله من جنسه وزيادة، فقد سبَّح الحصى
في يده، وفي يد مَنْ صدَّقه، رِفْعَةٌ لشأنِه وشأنٍ مُصدِّقيه.
٥٣٨ - حدثنا أبو عمرو بن حمدان قال ثنا الحسن بن سفيان قال ثنا الفضل بن
داود قال ثنا قريش(٢) بن أنس قال ثنا صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن سويد بن
یزید(٣) قال:
دخلتُ مسجدَ رسول الله وََّ، فإذا أبو ذَرّ جالسٌ، فاغتنمتُ خلوتَه
(ح/٥٣٨) قال السيوطي في الخصائص ٣٠٤/٢ أخرجه البزار والطبراني في الأوسط
والبيهقي أ. هـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٩٩/٨ رواه البزار بإسنادين رجال أحدهما ثقات
وقال في مكان آخر ١٧٩/٥ إسناده صحيح، ونقل الحافظ ابن كثير في كتاب الشمائل طريق
الحافظ أبي بكر البيهقي.
(١) انظر الحديث رقم ٢٨١ وما بعده.
(٢) في الأصل ((قيس)) فصححناه من الشمائل لابن كثير وميزان الاعتدال.
(٣) لم نجد فيمن روى عنهم الزهري من يسمى ((سويد بن يزيد)) ولعله ((السائب بن يزيد)) والله
أعلم.
٥٩٣
الفصل الثلاثون
ما أوتي داود ح / ٥٣٨
فجلسْت إليه، فقال أبو ذر: كنتُ مع رسولِ الله وَّهِ فِي خَلواته، فدخلتُ
ذاتَ يوم المسجدَ فإذا هو فيه، فجئتُ فجلستُ، فبينا أنا جالسٌ، إذ جاءً
أبو بكر رضي الله عنه، فقال رسولُ اللهِ وَله: ما جاءَ بك يا أبا بكر؟ قال:
إلى الله وإلى رسوله، فجلس عن يمينِ رسولِ الله ◌ِّر، ثم جاءَ عمر،
فقال: ما جاءَ بك يا عمر؟ قال: إلى الله وإلى رسوله، فجلس عن شمالِ
رسول الله وَل﴿، قال، ثم جاء عثمان، فقال: ما جاءَ بك يا عثمان ؟ فقال
إلى الله وإلى رسوله، قال، فأخذ رسول الله وَّ سبعَ حَصَياتٍ فسبَّحْنَ في
يده، حتى سمعتُ حنينهنَّ كحنينِ النَّحْلِ ، ثم وضعهن فخَرِسْن، قال ثم
أخذهن، فدفعهن في يد أبي بكر، قال، فسبحْن في يده، حتى سمعتُ
حنينهن كحنين النحل، قال، ثم وضعهنَّ فخَرِسْن، ثم أخذَهُن، فدفَعَهُن
في يدِ عمر، فسبَّحنَ في يده، حتى سمعتُ حنينهن كحنينِ النَّحْل، قال،
ثم وضعهن فخْرِسن.
ورواه شهر بن حوشب وسعيد بن المسيب عن أبي سعيد وفيه عن أبي هريرة ورواه
داود بن أبي هندٍ عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير عن
أبي ذر مثله، وزادوا:
(إنهن سبَّحن في يدِ عثمانَ رضي الله عنه) وقد تقدم ذكره(١).
• فإن قيل: سُخِّرتْ له الطیرُ.
قلنا: فقد سُخَّرَت لرسول الله وَِّ مع الطير البهائمُ العظيمة، الإِبلُ
فما دونها، وما هو أعسر وأصعب من الطيرِ: السباع العادية الضارية،
بتهيبها تنقادُ إلى طاعته، كالبعير الشارد الذي انقاد له، والذئب الذي نطق
بنبوته وبالتصديق بدعوته ورسالته، وقد تقدم ذكره(٢)، وكذلك الأسد لمّا مَرَّ
(١) انظر الحديث رقم ٣٣٨.
(٢) حديث البعير الشارد تقدم برقم ٢٨١ وحديث الذئب تقدم برقم ٢٧٠ وما بعده.
٥٩٤
الفصل الثلاثون
ما أوتي داود ح / ٥٣٩
به سَفِينَةٌ مولى رسول الله وََّ وهَمْهَمَ به ودلَّه على الطريق(١).
٥٣٩ - حدثنا عبدالله بن جعفر ثنا يونس بن حنين(٢) قال ثنا أبو داود (٣) قال ثنا
المسعودي عن الحسن بن سعد عن عبد الرحمن بن عبدالله بن مسعود عن عبدالله بن
مسعود قال :
كُنا مَع رسول اللهِ وََّ في سفر فدخل رجلُ غَيْضَة (٤) فأخرج منها
بيضَ حُمَّرة(٥)، فجاءت الحُمَّرةُ ترفّ على رسول الله وَ لِّ فقال: أَيُّكم فجعَ
هذه؟ فقال رجل من القوم: أنا أخذتَ بيضَها، فقال: رده رحمةً لها، وقد
تقدم حديثُ الطائر الذي أخذ خفّ النبي ◌َّ وألقاه فخرج منه أسود
سابغ(٦) .
فإن قيل: فقد ليَّن الله تعالى لداود الحديدَ، حتى سرَدَ منه الدروع
السوابغ .
قلنا: قد لُيِّنت لمحمدٍ نَّهِ الحجارةُ وصُمُّ الصُّخورِ فعادت له غاراً
استتر بها من المشركين، يوم أَحُدٍ مالَ بَّله برأسه إلى الجبل ليخفي شخصه
عنهم، فلَيِّنَ اللَّهُ له الجَبَل حتى أدخل فيه رأسه، وهذا أعجبُ، لأن
(ح/٥٣٩) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده رقم ٢٠٦٨ بسند حديث الباب ومتنه وقال
الدميري في حياة الحيوان ٣٣٦/١ وأخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد ولكن فيه أن المأخوذ
فرخاً وقال السيوطي في الخصائص ٢٧٢/٢ أخرجه البيهقي وأبو الشيخ في العظمة وقال الحافظ
ابن كثير في الشمائل ٢٨٩ رواه البيهقي والحاكم من طريق الأصم عن أحمد بن عبد الجبار
حدثنا أبو معاوية عن أبي إسحاق الشيباني عن عبد الرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه
فذكره .
(١) تقدمت قصة سفينة في الحديث رقم ٥٣٥.
(٢) في هامش الأصل ((حبيب)) كما في تاريخ أصبهان لأبي نعيم.
(٣) أبو داود هو الطيالسي صاحب المسند.
(٤) الغيضة: المكان الذي يكثر فيه الشجر ويلتف.
(٥) الحمرة: طائر معروف.
(٦) لم يتقدم هذا الحديث، ولعله مذكور في الأصل الموسع.
٤
٥٩٥
الفصل الثلاثون
ما أوتي سليمان ح / ٥٤٠ - ٥٤١
الحديد تلينه النارُ، ولم نرَ النارَ تُلين الحجر، وذلك بعدُ ظاهرٌ باقٍ يراه
الناس، وكذلك في بعض شِعاب مكة حجرٌ من جبل أصمّ استرْوَح في
صلاته إلیه، فلان له الحجر حتى أثَّر فيه بذراعیه وساعدیه، وذلك مشهورٌ
يقصدهُ الحجاجُ ويزورونه، وعادت الصخرةُ ببيت المقدس ليلةً أُسري به
كهيئةِ العجينِ، فربط به دابتَه الْبُرَاق، يلمسُه الناسُ إلى يومنا هذا باق(١).
القول فيما أوتي سليمان عليه السلام:
فإن قيل: فإن سليمان قد أعطيَ مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده.
قلنا: إن محمداً ﴿ أُعطي مفاتيحَ خزائنِ الأرض فأباها وردّها
اختياراً للتقلُّل، والرضا بالقوتِ، واستصغاراً لها بحذافيرها، وإيثاراً لمرتبته
ورفعته عند الله تعالی.
٥٤٠ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا يحيى بن أيوب قال ثنا سعيد بن أبي
مريم قال ثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله (٢) بن زَحْر عن علي بن يزيد عن القاسم عن
أبي أمامة قال:
قال رسولُ اللهِ وَِّ عَرَض عليّ ربي عز وجل ليجعل لي بطحاءَ مكةً
ذهباً، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبَعُ يوماً وأجوعُ ثلاثاً، وإذا جعتُ
تضرَّعتُ إليك وذكرتُك، وإذا شبعتُ حمدتُك وشكرتك.
٥٤١ - حدثنا عبدالله بن محمد بن جعفر ثنا أبو يعلى ثنا محمد بن بكار ثنا أبو
معشر عن سعيد يعني المقبري عن عائشة رضي الله عنها قالت:
قال رسول الله وَلَّه يا عائشة لو شئتُ لسارت معي جبالُ الذهب،
(ح/ ٥٤٠) أخرجه أحمد ٢٥٤/٥ والترمذي رقم ٢٣٤٨ وقال حديث حسن وابن ماجة وأبو
الشيخ في أخلاق النبي صل ص ٢٨٨ .
(ح/ ٥٤١) قال في مجمع الزوائد ١٩/٩ أخرجه أبو يعلى وإسناده حسن.
(١) نقول: إلانة الحجر الأصم والصخرة المشرفة يفتقر إلى السَّنَد الصحيح ولم يتقدم شيء من هذا.
(٢) في الأصل ((عبدالله)) والصواب ما أثبتناه كما في الترمذي والميزان وأخلاق النبي ◌َّد.
٥٩٦
الفصل الثلاثون
ما أوتي سليمان ح / ٥٤٠ - ٥٤١
جاءني مَلَك إن حُجْزَته(١) لتساوي الكعبة فقال: إن ربَّك عز وجل يقرأ
عليك السلامَ إن شئتَ عبداً نبياً، وإن شئت نبياً ملِكاً، فنظرت إلى جبرئيل
فأشار إليّ: أن ضَعْ نفسَك، فقلت: نبياً عبداً.
)فإن قيل: فإن سليمان سُخّرت له الرياح، فسارت به في بلاد الله،
وكان غُدُوُّها شهراً ورواحُها شهراً.
قلنا: أعطي محمد وَ الَّ أعظمَ وأكثر منه لأنه سار في ليلة واحدة من
مكةَ إلى بيتِ المقدس، مسيرة شهرٍ، وعُرج به إلى ملكوت السموات
مسيرة خمسين ألف سنة، في أقلّ من ثُلُث ليلة، فدخل السمواتِ سماءً
سماءً، ورأى عجائبها، ووقفَ على الجنة والنار، وعُرضت عليه أعمالُ
أمته، وصلى بالأنبياءِ وبملائكة السماءِ، وخَرَقَ الحُجُب، ودُلِّيَ له الرفرفُ
الأخضرُ فتدلى، وأوحى إليه ربُّ العالمين ما أوحى، وأعطاه خواتيم سورةٍ
البقرة من كنزٍ تحت العرش، وعهد إليه أن يُظهر دينه على الأديان كلها،
حتى لا يبقى في شرق الأرض وغربها إلا دينه، أو يؤدون إليه وإلى أهل
دينه الجزية عن صَغارٍ، وفرَض عليه الصلوات الخمس، ولقيَ موسى
وسأله عن مراجعته ربَّه في تخفيفه عن أمته؛ هذا كله في ليلة واحدة.
● فإن قيل: فإن سليمانَ كانت تأتيه الجنّ، وإنها كانت تعتاص(٢)
عليه حتى يصفّدها(٣) ويقيّدها.
قيل: فإن محمداً وَل كانت الجنُّ تأتيه راغبة إليه، طائعة له، معظمة
لشأنه، ومصدّقة له، مؤمنة به، متبعة لأمره، متضرعة له، مستمِّدين منه،
(١) الحُجزة: موضع شد الأزار من الوسط.
(٢) تشتد عليه .
(٣) يشدها ويقيدها.
٥٩٧
الفصل الثلاثون
ما أوتي سليمان ح / ٥٤٢
ومُستمنِحين له زادَهم ومأكلَهم، فجعلَ كلَّ رَوْثَة يُصيبونها تعود علفاً
لدوابهم، وكلَّ عظم يعودُ طعاماً لهم، وصُرفت لنبوته أشرافُ الجنّ
وعظماؤهم التسعة(١) الذين وصفهم الله تعالى فقال ﴿وإذْ صَرَفْنا إليْكَ نَفَراً
مِنَ الجِنّ﴾ الآية - الأحقاف ٢٩ - وقوله ﴿قُلْ أُوحِيَ إليّ أنه استَمَعَ نَفَرٌ مِنَ
الجِنّ﴾ إلى قوله ﴿لَنْ يَبْعَثِ اللَّهُ أحداً﴾ - الجنّ آية ١ وما بعدها -
وأقبلت إليه وَّ الألُوفُ منهم مُبايعين له على الصوم والصلاة والنَّصح
للمسلمين، واعتذروا بأنهم قالوا على الله شَطَطاً(٢). فسبحانَ من سخرها
النبوته وَ﴿ بعد أن كانت شِراراً تزعم أن الله ولداً، فلقد شَمَلَ مبعثُه من
الجنّ والإِنس ما لا يُحصى.
هذا أفضل مما أعطي سليمان عليه السلام، وقد تقدم ذكر هذا
وبيانه(٣).
٥٤٢ - حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا أبو بكر بن معدان ثنا إبراهيم بن سعد
الجوهري ثنا عبدالله بن كثير بن عبدالله بن حفص بن أبي كثير قال ثنا كثير بن عبد الله
عن أبيه عن جده عن بلال بن الحارث قال:
خرجنا مع رسولِ الله وَّل في بعض أسفاره، فخرجَ لحاجته، وكان
إذا خرج لحاجته أبعدَ، فأتيتُه بإداوَة (٤) من ماءٍ فانطلق، فسمعتُ عنده
(ح/٥٤٢) قال السيوطي في الخصائص وأخرجه أبو الشيخ في العظمة ١٨٦/٢ قلنا:
وأخرجه ابن ماجة ٧٢/١ مختصراً جداً ولفظه أن رسول الله وسلم كان إذا أراد الحاجة أبعد وقال
السندي في الحاشية في إسناده كثير بن عبدالله ضعيف، قال الشافعي: هو ركن من أركان
الكذب.
(١) الصواب ((السبعة)) كما مر في الحديث رقم ٢٦١ والمراد بهم جن نصيبين.
(٢) شططاً: جوراً وظلماً، وذلك عندما وصفوا الله تعالى بصفات لا تليق بجلاله.
(٣) انظر الحديث رقم ٢٥٩ وما بعده.
(٤) أداوة: إناء صغير يحمل فيه الماء.
٥٩٨
الفصل الثلاثون
ما أوتي سليمان ح / ٥٤٣
خصومةَ رجالٍ ولغطاً لم أسمع مثلَها، فجاء، فقال لي: أمعكَ ماءً؟ قلت:
نعم، قال: اصبُب، وأخذ مني فتوضأ، فقلتُ: يا رسول الله سمعتُ عندك
خصومةً رجالٍ ولغطاً ما سمعت أحدٍّ من ألسنتهم، قال: اختصم عندي
الجنّ المسلمونَ والجنّ المشركون، سألوني أن أُسْكنهم فأسكنت
المسلمين الجَلْسَ، وأسكنت المشركين الغَوْر.
قال عبدالله بن كثير، قلت لكثير: ما الجَلْسُ؟ قال: القرى والجبال،
والغور ما بين الجبالِ والبحار، قال كثير: ما رأينا أحداً أصيبَ بالجَلْس إلّ
سَلِم، ولا أصیب بالغْرِ إلا لم يسلم.
وقد تقدم ذكر الجن في قصة هامَة بن الهيم بن لاقِيس وقصة سواد
ابن قارِب ورأيه في نظائر هذا(١).
• فإن قيل: سليمان له من التمكين والتسليط على من اعتاص عليه
من الجن أن يصفّدهم ويقيدَهم، حتى كانوا له في تصرفهم له مطيعين
لشأنه متبعين .
قلنا: لقد كان لمحمدٍ وَلّ ولطائفة من أصحابه من التمكين والأسر
لهم، والقبض عليهم، مثل هذا التمكين والتنكيل.
٥٤٣ - حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال
حدثني أبي قال ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة:
عن النبي وَّ قال: إن عفريتاً من الجنّ تفلّت عليَّ البارحةَ ليقطعَ
عليّ صلاتي، فأمكنني الله تعالى منه، فأخذته فَذَعَتُّهُ(٢) وأردت أن أربطَه
(ح/٥٤٣) أخرجه البخاري في صحيحه في مواطن كثيرة (فتح الباري ١٠١/٢ و٢٦٩/٧
و١٦٧/١٠) ومسلم في المساجد باب جواز لعن الشيطان وأحمد ٢٩٨/٢.
(١) انظر الحديث رقم ٢٦٩ والحديث رقم ٦٢.
(٢) ذَعَتُّهُ: خنقته، وذعت: دفع دفعاً شديداً - كما في النهاية -.
٥٩٩
الفصل الثلاثون
ما أوتي سليمان ح / ٥٤٤ - ٥٤٥
إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا فتنظروا إليه كلّكم أجمعون،
فذكرتُ دعوةً أخي سليمان ﴿رَبِّ اغْفِرْ لي وَهَبْ لي مُلكاً لا يَنْبَغِي لِأحَد
من بعدي إنك أنتَ الوهّاب﴾ - ص ٣٥ - قال: فردَّه الله خاسِئاً.
٥٤٤ - حدثنا أبو بكر بن خلاد قال ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا الحكم بن
موسى قال ثنا الهقل(١) بن زياد عن الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير عن [ ابن ](٢)
لأبي بن کعب عن أبيه:
أنه كان له جُرْن فيه تمر، فكان أبي يتعاهده، فوجدَہ ینقُص، فحرسه
ذات ليلة، فإذا بدابَّة تشبه الغلام المحتلم، قال: فسلّمتُ فردَّ السلام،
فقلت: من أنت؟ أجنيّ أنت أم أنسي؟ قال: لا، بل جني، قال: ناولني
يدَك، قال: فناوله يدَه، فإذا يد كلب بشعر كلب، فقال له: هذا خَلْقُ
الجن، قال: علمت الجن ما فيهم أشد مني، قال: ما حملك على ما
صنعتَ؟ قال: بلغنا أنك تحبُّ الصدقة، وأحببنا أن نصيبَ من طعامك،
قال له أبي: ما الذي يجيرنا منكم؟ قال: آيةُ الكرسي، فجاءَ إلى النبي ◌َّل
فأخبره بذلك، فقال: صدقَ الخبيثُ.
٥٤٥ - حدثنا أبو بكر الطلحي قال ثنا عبيدة بن غنام قال ثنا أبو بكر بن أبي
شيبة قال ثنا محمد بن عبيد الله الأسدي ثنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن أخيه(٣) عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب الأنصاري :
(ح/٥٤٤) قال ابن حجر في الفتح ٣٩٤/٥ أخرجه النسائي أ. هـ. وقال في الخصائص
٣٦٦/٢ أخرجه أبو يعلى والحاكم وصحّحه والبيهقي عن ابن أبي بن كعب عن أبيه أ. هـ. قلت
أخرجه الحاكم في المستدرك ٥٦٢/١ وسمي فيه ابن أبي بن كعب: محمد بن عمرو بن أبي ابن
كعب وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
(ح/ ٥٤٥) أخرجه الترمذي برقم ٢٨٨٣ وقال حسن غريب والحاكم وصححه وأحمد
٤٢٣/٥ - الخصائص ٣٦٤/٢ -.
(١) في الأصل ((المقبل)) والصواب ما أثبتناه.
(٢) ما بين الحاصرين من دلائل البيهقي كما في التعليق على ط ٢ هند.
(٣) اسم أخيه ((عيسى)) كما في الترمذي.
٦٠٠
الفصل الثلاثون
ما أوتي سليمان ح / ٥٤٦ - ٥٤٧
أنه كان في سَهْوةٍ(١) له، فكانت الغولُ (٢) تجيءُ، فشكاه إلى النبي
﴿ ﴿ فقال: إذا رأيتَها فقل ((بسم الله، أجيبي رسولَ الله وَلَ)) قال فجاء فقال
لها، فَأَخَذَهَا، فقالت: إني لا أعود، فأرسلها، فجاء، فقال له النبي ◌َّ:
ما فعلَ أسيرُكَ؟ فقال: أخذتُها فقالت: لا أعود، فأرسلتُها، فقال: إنها
عائدةٌ، فَأَخَذَها مرتين أو ثلاثاً، كلُّ ذلك تقولُ: لا أعود، ويجيء إلى
النبي ◌َّهُ. فيقولُ: ما فعلَ أسيرُك؟ فيقولُ: أخذتُها، فقالت: لا أعود،
فيقولُ النبيِ وَله: إنها عائدة، فقالت في الثالثة: أرسلني أعلّمُك شيئاً تقولُه
ولا يقربك شيء، إِقرأ آية الكرسي، فأتى النبيَّ وَِّ. فقال: صدَقتْ وهيَ
کذوبٌ .
٥٤٦ - حدثنا محمد بن الحسن بن كوثر قال ثنا محمد بن غالب ثنا عثمان
ابن الهيثم ثنا عوف بن محمد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
وكلني رسولُ الله وَلِ﴿ بحفظِ زكاةٍ رمضان، فذكر نحوه.
٥٤٧ - حدثنا أبو عمرو بن حمدان قال ثنا الحسن بن سفيان ثنا أبو كريب قال
ثنا زيد بن الحباب قال ثنا عبد المؤمن بن خالد الحنفي ثنا عبدالله بن بريدة الأسلمي
عن أبي الأسود الدؤلي قال:
(ح/٥٤٦) أخرجه البخاري في صحيحه معلقاً قال: قال عثمان بن الهيثم فذكره بسند
حديث الباب، قال ابن حجر وصله النسائي والإسماعيلي وأبو نعيم من طرق إلى عثمان وذكرته
في تعليق التعلق - فتح الباري ٣٩٢/٥ - قلت وقد تقدم الحديث هنا برقم ٢٦٧.
(ح / ٥٤٧) أخرجه الحاكم في المستدرك ٥٦٣/١ من طريق علي بن الحسن بن شقيق عن
عبد المؤمن بن خالد الحنفي بسند حديث الباب ثم قال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه
وعبد المؤمن بن خالد مروزي ثقة يجمع حديثه وروى عنه زيد بن الحباب هذا الحديث بعينه.
قلت: وأقره الذهبي على تصحيحه.
وقال في الخصائص ٣٦٢/٢ أخرجه البخاري في تاريخه والطبراني والبيهقي بسند رجاله
موثقون وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٢٢/٦ رواه الطبراني عن شيخه يحيى بن عثمان بن =
(١) السهوة: السترة تكون قدام فناء الدار.
(٢) نوع من الشيطان .