النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ دلائل النبوة وفى الحقيقة إنَّ هذه النسخة ليست النسخة الكاملة لدلائل النبوة لأبي نعيم، وإنّما هي منتخب من هذا الكتاب لا يعادِلُ في الحجم إلَّ ثلث الكتاب الذي وضعه أبو نعيم. والثانية: هي نسخة ألمانيا الموجودة في برلين برقم ((٥١٠)) ونحن لم نر هذه النسخة، ولا نعرف عنها شيئاً، وأكبر الظن أنَّها مماثلة لنسخة الهند أي هي ((منتخب من دلائل النبوة)) لأنَّ الذين طبعوا دلائل النبوة للمرة الثانية - وهو في الحقيقة منتخب دلائل النبوة - قد استفادوا من هذه النسخة في ملء بعض البياضات وإكمال بعض النقص الموجود في نسخة ((باتنه)). الثالثة: نسخة القاهرة وهي موجودة في دار الكتب المصرية في القاهرة برقم ((٦١٣)) حديث، وهذه النسخة بحالة جيدة، ومكتوبة بخط جيد سنة / ٧٣١ هـ. وإنَّ من الأهمية بمكان أن ننبه إلى أنَّ هذه النسخة، هي النسخة الكاملة لدلائل النبوة لأبي نعيم، وليست منتخباً من دلائل النبوة، ولكن مع الأسف الشديد لا يوجد منها إلّ الجزء الأول الذي يحوي ((٢٠٣)) ورقات والذي ينتهي بانتهاء الفصل الثالث عشر، ليبدأ الجزء الثاني - وهو غير موجود - بالفصل الرابع عشر الذي يتحدَّث عن نشأته وَ لَه وتصرف الأحوال به إلى أن أكرمه الله بالوحي، وقد أشارت فهارس دار الكتب المصرية إلى وجود نسختين غير التي رأيناها الأولى برقم ((١٠٢)) حديث، والثانية برقم ((٧٠٣)) حديث، ولكنا لم نتمكن من مشاهدتهما لعدم العثور عليهما في أماكنهما آنذاك، وعلى كل حال فإنّ هاتين النسختين لا يوجد منهما إلّ الجزء الأول فقط. طبعات دلائل النبوة: طبع منتخب دلائل النبوة مرتين، والطبعتان صدرتا عن دائرة المعارف في حيدر آباد الدكن في الهند. أمَّا الطبعة الأولى فقد أصدرت سنة ((١٣٢٠)) هـ وأخذت عن نسخة ((باتنه)) التي تحدثنا عنها سابقاً. ٢٢ دلائل النبوة أمَّا الطبعة الثانية فقد أصدرت سنة ((١٣٦٩)) هـ وقد استفاد مصدروها من نسخة ((برلين)) كما يظهر من بعض الهوامش، كما أنَّها حملت بعض التحقيقات والتعليقات القيمة، التي زادت من القيمة العلمية للطبعة. والأمر الذي نستغربه هو أنَّ الكتاب في كلا الطبعتين حمل اسم ((دلائل النبوة)) وكان من المفروض أن يحمل اسم ((المنتخب من دلائل النبوة)). ولا نقبل القول أنَّ الذين نشروا الكتاب وأشرِفوا على إخراجه ظنوا أنَّ هذا المنتخب هو نفسه (دلائل النبوة) الأصلي، لأنّ هذه غلطة لا تصدر عن عالم، والذين أخرجوا المطبعة الثانية جماعة من العلماء كما يظهر من تعليقاتهم عليها، ولأنّ كتاب الخصائص الكبرى للسيوطي وفتح الباريٍ وغيرهما من كتب الحديث مليئة بالنقول عن دلائل النبوة لأبي نعيم مع أنّ كثيراً من هذه النقول غير موجودة في المنتخب القيمة العلمية لمنتخب دلائل النبوة : طالما أنَّ الذي طبع وظهر للناس ما هو إلاّ منتخب من دلائل النبوة، وأن الأصل - أعني دلائل النبوة الأصلي المطول - مفقود، ولا يوجد إلَّ الجزء الأول منه، فإنَّ السؤال الطبيعي الذي يجب أن يُسأل هو: ما هي القيمة العلمية لهذا المنتخب؟. وللجواب على هذا السؤال لا بدَّ لنا من أن نقارن بين ما وصَلَنا من الأصل المطوّل وما يقابلُه من المنتخب لنستخلص الخطة التي كان يسير عليها من صنع هذا المنتخب. وقد أجرينا هذه المقارنة فعلاً بين الجزء الأول من الأصل المطول المحفوظ في دار الكتب المصرية وما يقابله من المنتخب فتبين لنا أنَّ المنتخب كان يمشي حسب الخطة التالية: ١ - حذف الروايات المتعددة والاكتفاء بذكر رواية واحدة، وتكون الرواية المذكورة أشمل هذه الروايات وأوضحها في الغالب. ٢٣ دلائل النبوة ٢ - حذف الطرق المتعددة للحديث والاكتفاء بذكر طريق واحد منها، وقل أن یذکر أکثر من طريق واحد. مثلاً: ذكر أبو نعيم في الأصل المطول في فضل ((تقدم نبوته وَل قبل تمام خلق آدم عليه السلام)) الطرق التالية لرواية واحدة للحديث التالى : حدَّثنا سليمان بن أحمد ثنا بن عمر بن الصباح الرقي وأحمد بن داود المكي قالا حدَّثنا محمد بن اسنان العوفي ثنا إبراهيم بن طهمان عن بريد بن ميسرة عن عبدالله بن شقيق عن ميسرة الفجر قال: قلت: يا رسول الله متى كُتبتَ نبياً قال: وآدمُ بين الروح والجسد. ثنا محمد بن القاسم بن محمد العسال ثنا عبيد بن الحسن الغزال ثنا عمروبن علي الفلاس ثنا معاذ يعني ابن هاني ثنا إبراهيم بن طهمان مثله . ثنا أبو بكر بن خلاد ثنا أبو بكر إسماعيل بن إسحق القاضي ثنا علي بن عبدالله المديني ثنا أبو بكربن مالك ثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي. وحدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن معين. وحدثنا أبو بكر الآجري ثنا جعفر الفريابي ثنا يعقوب بن إبراهيم وحدثنا أحمد بن إسحق ثنا محمد بن أحمد بن سليمان ثنا محمد بن بشار بندار، قالوا: حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا منصور بن سعد عن بليك بن ميسرة عن عبدالله ابن شقيق عن ميسرة الفجر قال: قلت: يا رسول الله متى كُتبتَ نبياً قال: وآدمُ بين الروح والجسد. ثنا أحمد بن يعقوب بن المهرجان ثنا جعفر بن محمد الفريابي ثنا قتيبة بن سعيد ثنا حماد بن زيد عن يزيد بن ميسرة عن عبدالله بن شقيق قال: قيل للنبي وَلِّ متى كُتبتَ نبياً قال: ((وآدمُ بين الروح والجسد)) كذا رواه ولم يذكر میسرة. ٢٤ دلائل النبوة حدثنا أبو بكربن خلاد ثنا إسماعيل بن إسحق القاضي ثنا حجاج بن منهال ثنا حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن عبدالله بن شقيق عن رجل أنَّه سأل النبي: متى كُتبت نبياً قال: ((وآدمُ بين الروح والجسد)). كذا رواه حماد بن سلمة وقال عن رجل ولم يسم ميسرة، وتابعه علیه عن خالد بن وهيب بن خالد. حدَّثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا أبي وعمي أبو بكر قالا ثنا عفان ثنا وهيب ثنا خالد الحذاء عن عبدالله بن شقيق أنَّ رجلاً سأل النبي _ * فذكر مثله. حدثنا محمد بن عمر بن سالم ثنا محمد بن بكربن عمرو الباهلي ثنا شيبان ثنا الحسن بن زياد عن بريد بن ميسرة عن عبدالله بن شقيق عن ميسرة الفجر قلت يا رسول الله متى كتبتَ نبياً قال: ((كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد). حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن العباس البجلي، ثنا محمد بن عمارة بن صبح ثنا نصربن مزاحم ثنا قيس بن الربيع عن جابر عن الشعبي عن ابن عباس قال: قيل يا رسول الله متى كتبتَ نبياً قال: ((وآدم بين الروح والجسد)» تفرد به نصر بن مزاحم. هكذا ذكر هذا الحديث أبو نعيم، وذكر له روايات أخرى؛ فأتى صاحب المنتخب واكتفى برواية أخرى غير ما ذكرناه لك، ذكرها أبو نعيم، بل وبطريق واحد من تلك الرواية الأخرى وهو: حدَّثنا أحمد بن يعقوب المهرجان قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي ثنا عمر بن حفص الثقفي الدمشقي قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال ثنا الأوزاعي ثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله وَّ متى وجبت لك النبوة قال: ((بین خلق آدم ونفخ الروح فيه». ولا شك بأنَّ هذه الرواية أكثر وضوحاً من الرواية التي تركها صاحب المنتخب والتي سقناها لك على كثرة طرقها. ٣ - وكثيراً ما يحذف صاحب المنتخب بعض الآثار لشدَّة نكارتها كما فعل ٢٥ دلائل النبوة في أثر عمروبن قتيبة، وأثر العباس اللذين ذكرهما السيوطي في الخصائص ٤٧/١ وعقب عليهما بقوله: ((قلت هذا الأثر والأثر الذي قبله فيهما نكارة شديدة ولم أورد في كتابي هذا أشد نكارة منهما، ولم تكن نفسي تطيب بإيرادهما لكني تبعت الحافظ أبا نعيم في ذلك)) أهـ. كل هذا جيد، ولكن الشيء الذي ننكره من فعل صاحب المنتخب هو دمجه بعض الفصول مع فصول أخرى، وحذفه بعض الفصول، كما سنشير إلى ذلك في هامش الكتاب. مما تقدم يتبين لنا أنَّ هذا المنتخب له قيمة علمية كبرى، نعم إنَّه أفقدنا تعدد طرق الحديث ورواياته، ولكن ذلك لا يهم إلّ المحققين من علماء الحديث، بل إنَّ كثرة الطرق والروايات تصرف الرجل العادي بل المثقف غير المختص بالحديث عن قراءة الكتاب والاستفادة مما فیه . من هو صانع هذا المنتخب: السؤال الذي ما نزال نسائل أنفسنا عنه هو: من هو صانع هذا المنتخب؟ هل هو أبو نعيم نفسه، وبهذا يكون قد جرى في ذلك على سنن كثير من العلماء الذين يصنفون كتاباً مطولاً ثمَّ يختصرونه تسهيلاً على المبتدئين، فقد فعل ذلك ابن حزم في كتابه الكبير ((الإِيصال)) حيث اختصره فسمى ذلك المختصر ((المحلى)) وكما فعل ابن حجر في كتابه الكبير ((تهذيب التهذيب)) حيث اختصره فسمى ذلك المختصر ((تقريب التهذيب)) وهكذا فعل كثير من العلماء، ونرجح أن يكون أبو نعيم قد فعل ذلك، لأنَّ سند النسخة - التي بين أيدينا - وهي هذا المنتخب يشعر بسماعها من أبي نعيم بالذات. أم أنَّ الذي صنع هذا المنتخب عالم آخر، أتى بعد أبي نعيم فأعجب بهذا الكتاب ((دلائل النبوة)) وأحب أن يكون في متناول كل طالب علم ٢٦ دلائل النبوة فاختصره تسهيلاً على المبتدئين، قد يكون ذلك قد حدث، ولكن من هو ذلك العالم؟ ذلك ما لا نعلمه، وسند سماع هذا المنتخب لا يساعد على تبني هذا الظن، ولذلك رجَّحنا الظن الأول ووضعنا عنده عصا التسيار. أبو المنتصر محمد رواس قلعه جي ٢٧ دلائل النبوة عَمَلنا في هذا الكِتَابٌ نظراً لما يتمتع به هذا الكتاب من قيمة علمية فقد بذلنا وسعنا لإخراجه بشكل مقبول علمياً وفنياً، فحققنا وضبطنا نصوصه عن طريق المقابلة بالأصول، وبما أنَّه ليس لدينا أصل مخطوط أو مطبوع خال من الأخطاء نرجع إليه فقد اعتمدنا في المقابلة على كتب الحديث التي ذُكِرَ فيها الحديث مشيرين دائماً إلى المصدر الذي اعتمدناه. ولكي نغني القارىء عن مشقة الكشف عن الكلمات الغريبة فقد قمنا بشرح هذه الكلمات معتمدين في ذلك على أمهات كتب اللغة وشروح الأحادیث. ولما كان صانع هذا المختصر قد دمج بعض الفصول مع بعض، وأسقط بعض الفصول، فقد رأينا أن نعطي أرقاماً جديدة متسلسلة للفصول ونشير في الهامش إلى الرقم الذي يحمله كل فصل في الأصل. وكان لا بدَّ لنا من تخريج الأحاديث التي وردت في هذا الكتاب لمعرفة صحتها أو ضعفها، ولمعرفة الذين شاركوا أبا نعيم في تخريجها، وقد حاولنا في كل ذلك نقل كلام العلماء، وأن لا نحكم على حديث بالصحة أو الضعف من عندنا إلاّ إذا انفرد أبو نعيم بإخراجه ولم نجد لأحد من العلماء المعتمدين كلاماً فيه، وحينئذٍ ننقل كلام علماء الجرح والتعديل في جرح من جُرِح من رجال سنده. ولتسهيل العزو إلى هذه الأحاديث والرجوع إليها فقد أعطيناها أرقاماً متسلسلة . ٢٨ دلائل النبوة وتسهيلاً على الباحث وتوخياً لحسن الاستفادة من هذا الكتاب على الوجه الأكمل فقد وضعنا له عدَّة فهارس هي : فهرس للموضوعات. فهرس لأوائل الأحاديث. فهرس لأسماء الرجال الذين وردت لهم قصة في هذا الكتاب. فهرس لأسماء الصحابة الذين روي لهم في هذا الكتاب. فهرس لأسماء الأماكن. نرجو أن نكون قد قمنا بما نؤدي به بعض ما يجب علينا تجاه رسول الله اَلّ ومن الله السداد وهو ولي التوفيق. وبعد : هذا هو ((المنتخب من دلائل النبوة)) الذي نقدمه اليوم إلى القراء بعد أن حققنا نصوصه وخرَّجنا أحاديثه، وضبطنا ألفاظه، وشرحنا غريبه، ووضعنا فهارسه، راجين من السادة العلماء أن ينبهونا على كل خطأ يعثرون عليه في عملنا مع بيان المرجع الذي اعتمدوه، سائلين المولى تعالى الثواب، وهو ولي التوفيق. المحققان ٢٩ دلائل النبوة بسْمِ اللهِالرّمِنْ الرَّحِيمِ الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى أخبرنا الشيخ الإِمام الثقة الحافظ سعد الخيربن محمد بن سهل الأنصاري رحمه الله تعالى، قراءةً عليه ونحن نسمع، وذلك في سنة تسع(١) وثلاثين وخمسمائة، في منزله بدار الخلافة عمَّرها الله قال: أنا (٢) الشيخ الفقيه أبو سعد محمد بن محمد المطرز رحمه الله تعالى قراءةً عليه في داره بأصبهان(٣) وأنا أسمع، قال: أنا الإِمام أبو نعيم أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسحاق قراءة عليه قال: (١) ولعلَّه ((سبع)) فإن تحديثه بالجزء الثاني، في سنة ثمان. (٢) أنا: اختصار لقولهم (أخبرنا) وهو اصطلاح عند المحدثين. كما رمزوا لـ (حدثنا) بـ (ثنا). (٣) أصبهان: مدينة في وسط إيران، وتلفظ بفتح الألف وكسرها، وبإبدال الباء فاء (أصفهان). ٣١ مقدمة دلائل النبوة مقَدّمة الحمدُ لله المُولي النعمِ الجسام، ومُسدي الآلاءِ العظام ، الذي ترادفتْ أياديه السابغة، وثبتت حُجَجُه البالغة بالدَّلالات الواضحة، والعلامات اللائحة، مخترع الملكوت من الأرضين والسموات، ومبدع الصنائعِ المتقنة، الواقعة لخلقه بالحركات منهم والسكنات، والمنشىءٍ لبريته (١) قوامَهم وأقواتَهم من أنواع النبات وألوان الثمرات، الظاهرِ آياتِه للمؤيَّدين بالعقلِ الرصين، والمُمَدِّين بالنظر المكين، الموفَّقين للتفكر فيما أشهدَهم من لطائف التركيب وأعانَهم بالنظر في توالي الترتيب، وتحويل الأعيانِ المنتقلة من طبقة إلى طبقة، وصنعة إلى صنعة، الدال كله على تدبير العالِم الحكيم والقادرِ الرحيم، القامع لسلطان المبطلين بالآيات الباهرة، القاطع لطغيانِ المنكرين بالأدلة الزاهرة، الذي أزاحَ علل المكلفين بالرسل، المؤيدين بالآياتِ بما أعطوا من المعجزات والبينات، فقال تعالى ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسلَنا بالبِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا معَهُم الكِتابَ والميزانَ لِيَقومَ الناسُ بالقِسْطِ﴾ وقال ﴿ رُسُلَّا مُبَشِّرين ومُنذِرِينَ لئلا يَكونَ للنَّاسِ على الله حُجَّةٌ بعدَ الرُّسُلِ﴾ فألزم الخليقةَ بهم الحُجَّةَ، وأَوضَحَ لهم بما بلغوا عنه المَحَجَّة(٢)؛ فَحَيَّ(٣) من حَيَّ بما بعثهم عن بينة، وهلَكَ بمفارقتِهِم عن بَيِّنَة، وصلَّى الله على (١) بريته: خلقه. (٢) المحجة: الطريق المستقيم. (٣) حيَّ القوم: حسنت حالتهم. ٣٢ مقدمة دلائل النبوة خير مبعوثٍ خَتّمَ به الرسالة، وغنم بالتصديق به النبالة والجلالة، وقرن اسمه باسمه، ورفع فكرَه لذكره، محمد سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين، ما عبَدَ عابدٌ وسجدَ ساجدٌ. أما بعد: فقد سألتم - عمر الله بالبصائر طوِيَّاتكم، ونَوَّر في المسير إلى وِفاقِه أوعيتكم ونياتكم - جَمْعَ المنتشر من الروايات في النبوة، والدلائل والمعجزات، والحقائق، وخصائص المبعوث محمد له بالسناء الساطع، والشفاءِ النافع، الذي استضَاءَ به السُّعداء، واشتفى به الشُّهداء، واستَوْصَل دونه البُعَداء، فاستَعنتُ بالله واستوَفقتُه(١)، وبه الحول والقوّة وهو القوي العزيز. (٢) [ واعلموا - وفقكم الله - أنَّ الخالق الحكيم أنشأَ الخلْقَ مُختَلِفِي الصور والجواهر، متفاوتي الأمزجة والبصائر، أجزاؤهم في الطبيعة والقوّة متفاضلة، وأخلاقُهم في النظر والاعتبار متفاوتة، فمِنْ معتدِل في امتزاجه، مستغن بصحته عن الأطباء والعقاقير، ومتوسطٍ في الاعتدال يُطيِّبُه القليل من الأباريز، وساقطٍ رذيل لا يقيمُه العزيزُ من العناصر، كذلك الأرواح: منهم صاف ذكي، بالحكمةِ مشغوف، وإلى التعرفِ والتبصُّر ملهوف، حريص على ما استبق إليه السعداء. ومنها: روح أكدَر بطيء، عن المعارف والبصائر معصوف، وعن الآيات والعِبَر مصروف، خميص إلى(٣) ما استلده الْبُعداء. ومنها: روح متوسط، حطّ به عن كمال الصَّفاء والذكاء، ونحّى به من تلال الكدر والعمى . فلتفاوت الأشباح والأرواح اختلفت الأقوال والأحوال، فالمحنوِّ بصافي (١) استوفقته: طلبت منه التوفيق. (٢) الكلام الطويل المحصور بين هذين الحاصرين ليس موجوداً في مخطوطة ((باتنه)) وقد أخذناه من مخطوطة القاهرة، حرصاً منا على إيراد المقدمة التي وضعها أبو نعيم كاملة. (٣) آخذ بما. ٣٣ مقدمة دلائل النبوة الأرواح يحنُّ جوهرُه دائماً إلى صفوةِ الروحانية الذين هم سكان العُلى في السموات، والمحنوّ بكدَر الأرواح يميل جوهرُه دائماً إلى مماثلة المسخّرة من البهائم والأنعام، المركبة من الكَدَر والظُّلُمات، فإذا اختلفت الأبنية والأمزجة فالمخلوقُ(١) على أعدلِ الترتيب وأصفى التركيب من لُباب البَشَر وصباب النَّشْر من ارتاح للتألُّه والصَّلاح واهتنَّ للتشمير، والصلاحُ مخصوصٌ بالبشارةِ والنذارَةِ، مقصودٌ بالنّفْثِ والإِيماء من الكِرامِ البَرَرَة، مُمَّد بالموهبة اللاهية الأثرة العلوية، ويسعد بالقبول منه المتوسط من المقبلين، ويحجب بالنفور عنه والتكبر عنه العُماة من المُدْبِرين، فأولئك المقصودون هم الدعاة من الأولياء والسادة من الرسل والأنبياء. فالنبوةُ: سفارةُ العبد بين الله تعالى وبين الألباب من خليقته، ولهذا توصف أبداً بالرسالة والبعثة. وقيل: إنَّ النبوة إزاحةُ عِلَل ذوي الألباب فيما تقصر عقولهم عنه من مصالح الدارين، ولهذا يوصف دائماً بالحُجَّة والهداية ليزيحَ بها عللهم على سبيل الهداية والتثقيف. ومعنى النبي: هو ذو النبأ والخبر، أي يكون مخبراً عن الله عزَّ وجل بما خصَّه به من الوحي. وقيل: إنَّها مشتقّة من ((النَّبْوَة)) التي هي المكان المرتفع عن الأرض، وهو أن يخصّ بضربٍ من الرفعة، فجعل سفيراً بين الله وبين خلقه، يعني بذلك وصفه بالشرف والرفعة. ومَنْ جَعَلَ النبوةَ من الإِنباء التي هي الإِخبار لم يفرِّق بين النبوة والرسالة. ومعنى الرسول: فهو المُرْسَل، فعول على لفظ مُفْعَل، وإرساله: أمرُه إياه بإبلاغ الرسالة والوحي . (١) في الأصل ((فالمخبول)) والصواب ما ذكرنا. ٣٤ مقدمة دلائل النبوة ومعنى الوحي: من الوحا وهو العَجَلة، فلما كان الرسول متعجلاً لما يفهم، قيل لذلك التفهم ((وحي))، وله مراتب ووجوه في القرآن. وحي إلى الرسول: وهو أن يُخاطبه الملكُ شِفاهاً، أو يلقي في روعه، وذلك قوله عزَّ وجل ﴿وما كانَ لِبَشَرِ أن يُكَلِّمَه الله إلَّ وَحْياً أو مِنْ وراءِ حِجاب أو يُرسِلَ رسولاً فيوحي بإذنِهِ ما يَشاء﴾(١) يريد بذلك خطاباً يلقي فهمّه في قلبه حتى يعيّه ويحفظّه وما عداه من غير خطاب، إنَّما هو ابتداء إعلامٍ وإلهام وتوقيف من غير كلام ولا خطاب كقوله تعالى ﴿وأوْحَى ربُّك إلى النَّحْلِ﴾(٢) ﴿وأوْحَيْنَا إلى أُمَّ موسى﴾(٣) وما في معناهما. ثُمَّ إنَّ هذه النبوة التي هي السفارة لا تتم إلاّ بخصائص أربعة يهبها الله عزَّ وجل لهم، كما أنَّ إزالة علل العقول لا تتم إلاّ بالسلامة من آفات أربعة يعصم منها، فالسفيرُ السعيد بالمواهب الأربعة سليمٌ عن الآفات الأربعة، والعاقلُ السليم من الآفات الأربعة ليس بسعيدٍ بالمواهب الأربعة. فالمواهب الأربعة: أوَّلها: الفضيلة النوعية. وثانيها: الفضيلة الإكرامية. وثالثها: الإِمداد بالهداية. ورابعها: التثقيف عند الزلة. والآفات الأربَعَةُ التي يُعصَم منها السَّليمُ من الأولياء. أولها: الكفر بالله عزَّ وجل، وثانيها: التقوُّلُ على الله، وثالثها: الفسق في أوامر الله، ورابعها: الجهل بأحكام الله. فمعنى الفضيلة النوعية: أنَّ الأحسنَ فِي سِيَرِ الملوك والأحمدَ في حكمهم أنَّهم لا يُرسِلون مبلِّغاً عنهم إلاّ الأفضلُ، المَستَقِلُّ بأثقالِ الرسالة، قد ثقفته خدمتُه، وخرجته أيامُهُ، والعقولُ تشهدُ أنَّ مثلَه مقيضاً مرتاداً عند المرسِل لمثله في الإِبلاغ والتأدية عنه، فالله الحكيم القدير لا يختار للرسالة (١) الشورى ٥١. (٢) النحل ٦٨ . (٣) القصص ٧. ٣٥ مقدمة دلائل النبوة إلَّ المتقدمُ على المبعوثِ إليهم، المزيِّنُ بكلِّ المناقب، ولهذا لم يوجد نبيُّ قط به عاهَةٌ في بدنه أو اختلاطٌ في عقله، أو دناءَة في نَسَبِهِ، أو رداءة في خُلُقه، وإليه رجع قوله عزَّ وجل ﴿اللَّهُ أعلمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهِ﴾(١). ومعنى الفضيلة الإكرامية: أنَّ المُلوك متى أرسلُوا رسولاً اختاروه للوفادة، أيَّدوه في حال الإِرسال بلطائِفَ وكراماتٍ وزوائدَ ومعاونات ييسر الخطب عليه فوق ما كان مكّنه منه، وخوَّله في ماضي خدمته، فالله الرؤوف الرحيم إذا أمره للإِبلاغ عنه أمدّه بزوائد تُقَوِّي قلبه، وتشحذُ قريحته، وتمكّنه من الأخلاق الحميدة والعزائمِ القوية، والحكمِ المديد، كما أيَّد موسى عليه السلام بحل العُقْدَة من لسانه، وإشراكه هارون إياه في الإِرسال، وهو قوله عزَّ وجل ﴿فأرسِلْه معي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾ (٢) فإليه يرجع قوله عزَّ وجل ﴿قد أوتيتَ سُوْلَكَ يا موسى﴾(٣). ومعنى الإِمداد بالهداية: فإنَّ الملوك إذا اختاروا للإبلاغ عنهم من عَلِموا منه الكفاءة والاستغلال بما وَلُّوه فلا يُخْلونه من كتب منهم إليه تتضمن الرشد والهداية، علماً منهم بأنَّه مجبول على صنيعة الآدميين. فالله العلي العظيم متى قلَّد عبداً قلائِدَ الرسالة فحكمته تقضي أن لا يُخْلِيهِ من مواد الإِرشاد، لعلمه أنَّ العلوم المكتسبة لا تُنالُ إلَّ تعريفاً، ولا تُصابُ المصالحُ الكلية إلاّ توفيقاً، وإليه يرجع قوله عزَّ وجل ﴿كذلك لِنُثَبِّتَ به فؤادَكَ﴾(٤) ﴿ولولا أن ثبّتْناك لقد كِدْتَ﴾(٥). ومعنى التثقيف عند الزلة: فما بَعَثَ مَلِكٌ واحداً يحبِّبُ به الرعيةَ إلى طاعةٍ فيرى طبعَه مائلاً في حالِ الإِبلاغ إلَّ زَجَره عند أدنى هفوة بأبلغِ (١) الأنعام ١٢٤ . (٢) القصص ٣٤. (٣) طه ٣٦. (٤) الفرقان ٣٢. (٥) الإسراء ٧٤. وتمام الآية: ﴿تَرْكَنُ إليهم شَيْئاً قَليلاً﴾. ٣٦ مقدمة دلائل النبوة مزجرة، يثقِّفُه بها صيانة لمَحَلِّه وحفظاً لحراستِه واستقامته، علماً منه بأنَّ من ينته عن فلَتاته أوْشَكَ أن يألفَه ويعتادَه، فاللَّهُ لطيف بعباده، الوافي لأوليائه بالنصرِ والتأييد، لا يعدم وافدُه وصفيُّه المرشّحُ لحمل أثقال النبوة التنبيه والتثقيف، وإليه يرجع قوله تعالى لنوح عليه السلام ﴿فلا تَسْألنِ ما لَيْس لَكَ به عِلمٌ، إني أعظُكَ أن تكونَ مِنَ الجاهلين﴾(١) وقوله عزَّ وجل لداود عليه السلام ﴿فاحْكُمْ بيننا بالحقِّ ولا تُشْطِطْ﴾(٢) وقوله عزَّ وجلّ لسليمان عليه السلام ﴿وألقَيْنَا على كُرسِيِّه جَسَداً ثم أَنَابِ﴾(٣) وقوله عزَّ وجل لمحمد ◌ِل ﴿فَاسْتَقِم كما أُمِرت﴾(٤) ﴿لولا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾(٥) وقوله تعالى ﴿وإن كان كَبُرَ عليكَ إِعْراضُهم﴾(٦). فهذه الخصائص الأربعة لا تُنال بالاكتساب والاجتهاد، لأنَّها موهِبَة إِلَهية، وأَثّرةٌ علوية، حِكَمُها معلّقة بتدبير من له الخلق والأمر، ولا يُظهرها إلَّ في أخص الأزمنة، وأحق الأمكنة، عند إحساس الحاجة الكلية، وإطباق الدهماء على الضلال من البرية، وكلها أعلى من أن تفوزَ به العقول الجزئية، أو تحصلها المساعي المكتسبة، وإليه يرجع قوله عز وجل ﴿وما كان الله ليُطلِعَكُمْ على الغَيْب ولكنَّ الله يَجْتَبِي من رُسُلِهِ مَنْ يَشاء﴾(٧) وقوله ﴿إِنْ نحن إلَّ بَشَرٌ مثلُكم ولكنَّ الله يَمُنُّ على من يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ (٨) وقوله ﴿فلا يُظهِرُ على غَيْبِهِ أحداً * إلَّ مَنْ ارْتَضَى من رَسُول﴾(٩). (١) هود ٤٦. (٢) ص ٢٢ . (٣) ص ٣٤. (٤) هود ١١٢ . (٥) الأنفال ٦٨ وتمامها ﴿لمسَّكم فيمَا أَخْذتُم عَذابٌ عظيم﴾. (٦) الأنعام ٣٥ وتمامها ﴿فإن استَطَعْت أن تَبْتَغِي نَفَقاً في الأرضِ أو سلَّماً في السَّمَاءِ فتأتيَهم بآيةٍ﴾. (٧) آل عمران ١٧٩ . (٨) إبراهيم ١١. (٩) الجن ٢٦ - ٢٧ . ٣٧ مقدمة دلائل النبوة واعلموا أنَّ معجزات المصطفى وَل ◌َ أكثر من أن يحصرها عدد، وأشهر من أن ينصرها سَنَد، فأعظم معجزاتِه القرآنُ الذي هو أمّ المعجزات الذي لا يدفعه الإِنكارُ ولا الجُحْد، وقد حرَّرَ الكلام فيه وفي مسائله وإبطال طعْن الملاحدةِ والفلاسفة وأصحاب الطبائع المتقدمون من علمائنا وأبنائنا، [فبيَّنوا](١) فساد مقالاتهم، وبطلانَ معارضاتهم بما يعارِض به أمثالُهم من الجائرين عن منهج النبوة ومنارٍ الشريعة، وكذلك الكلام في الاستدلال على صحةِ النبوة والرسالة وأنَّ بعثةَ المرسلين مما لا يستحيل، وأنَّه من باب الممكن والمقدور، وأنَّ إرسال الرسل ليس بواجبٍ على الله عزَّ وجل، بل هو من الجائزِ الذي لله تعالى فعلُه وتركُه، وأنَّ المعجزات أقسام، منها ما يجوزُ دخول نوع منها تحت مقدورِنا على وجهٍ، ومنها ما لا يدخل. وذكرَ الكلام في الفصل بين المعجزة والكرامة، وانَّهما متفقتان في حالةٍ، ومفترقتان في حالةٍ أخرى، وذكرَ أنواع ما يقعُ به التحدي، فسمي معجزاً. وذكرَ الردِّ على منكري النبوات من برهمي وفلسفي وطبائعي وغيرهم، سكتنا عن ذلك، إذ الكلام في ذلك والانفصال عن معارضتهم · سلَّم إلى أربابه من المتكلمين والنَّظَّار، وقصدنا جمع ما نحن بسبيله ونجبيته من جميع المنتَشِر من الآبار، والصحيح والمشهور من مروي الأخبار، ورتبناه ترتيب من تقدَّمَنا من رواة الآثار والعلماء والفقهاء]. وجعلنا ذلك فصولاً، ذكرناها لتسهل على المتحفِّظ أنواعُه وأقسامه فيكون أجمعَ لفهمه، وأقربَ من ذهنه، وأبعدَ من تحمُّل الكلفة في طلبه، وبه الحول والقوة في ذلك وفي كل ما نريده ونقصده(٢). (١) ما بين الحاصرين زدناه من عندنا ليستقيم الكلام. (٢) ثمَّ ذكر أبو نعيم أسماء الفصول التي أوردها في أصل كتابه هذا، وهي لا تتفق مع الفصول المذكورة في هذا المنتخب، لأنَّ صانعه قد قدم بعض الفصول وأخر بعضها، وزاد ونقص، وأدرج بعضها في بعض، ولذلك حذفنا ما ذكره أبو نعيم من أسماء الفصول في هذا الفهرس الذي ذكره، وسوف نضع أرقاماً جديدة متسلسلة لفصول هذا المختصر، كما أننا سنشير في الهامش إلى الرقم الذي ذكره أبو نعيم رحمه الله. ح/ ١ - ٢ الفصل الأول ٣٩ الفَصْلِ الأوّل في ذكر ما أنزل الله تعالى في كتابه من فضله إنَّ الله تعالى جعل بعثته للعالمين رحمة فقال ﴿ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً للعالَمين﴾ - الأنبياء ١٠٧ - فأمَّنَ أعداءَه من العذاب مدَّةً حياته عليه السلام، وذلك قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ ليُعَذِّبَهُم وأنتَ فيهم﴾ - الأنفال ٣٣ - فلم يعذُّبهم مع استعجالهم إياه تحقيقاً لما نَعَتَه به، فلما ذهب عنهم إلى ربه تعالى، أنزل الله بهم ما عذَّبهم به، من قتلٍ وأسْرٍ وذلك قوله تعالى ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمون﴾ - الزخرف ٤١ - ١ - حدَّثنا إبراهيم بن عبدالله ثنا محمد بن إسحق ثنا قُتيبةُ ثنا الفَرَج بن فَضالة عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة رضي الله عنه. عن النبي ◌َ ◌ّ: قال (إنَّ الله تعالىَ بعثني رحمةً للعالمين وهُدىًّ للمتقين) . ٢ - حدَّثنا عبدالله بن جَعْفَر قال ثنا إسماعيل بن عبدالله قال ثنا علي بن عبدالله (ح/١) قال يحيى بن معين: أحاديث علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة ضعاف كلها - تهذيب التهذيب ــ ولم ينسب السيوطي في الخصائص تخريجه لغير أبي نعيم. (ح/٢) لم أجده بهذا اللفظ، لكن ذكره السيوطي في الجامع الصغير بلفظ ((إنّما بعثت رحمة ولم أبعث عذاباً) ونسب تخريجه إلى البخاري في التاريخ وأشار إلى حسنه. وأخرج مسلم في صحيحه كتاب البر والصلة والنهي عن لعن الدواب ونحوها ٢٤/٨ حديث أبي هريرة من طريق مروان الفزاري عن يزيد وهو ابن كيسان عن أبي حازم عنه بلفظ: قيل يا رسول الله أدع على المشركين قال: ((إني لم أبعث لعاناً وإنَّما بعثت رحمة)) وكذا أخرجه البخاري في الأدب المفرد بسنده ومتنه رقم ٣٢١. ٤٠ الفصل الأول ح / ٢ قال ثنا مروان عن يزيد بن كَيْسان عن أبي حازم(١) عن أبي هريرة قال قيل يا رسول الله ألا تدعو على المشركين؟ قال (إنما بُعِثتُ نعمةً ولم أَبْعَثْ عذاباً). ومن فضائله: إخبار الله عزَّ وجل عن إجلالِ قدرٍ نبيه وَّهَ، وتبجيله، وتعظيمه، وذلك أنَّه ما خاطبه في كتابه، ولا أخبر عنه إلّ بالكناية التي هي النبوة والرسالة التي لا أجَلَّ منها فخراً، ولا أعظمَ خطراً، وخاطب غيره من الأنبياء وقومِهم وأخبر عنهم بأسمائهم، ولم يذكرهم بالكناية التي هي غاية المرتبة، إلاّ أن يكون الرسول و له في جملتهم بمشاركته معهم في الخطاب والخبر، فأمَّا في حال الانفراد فما ذكرهم إلاّ بأسمائهم، والكناية عن الإِسم غايةُ التعظيم للمخاطب المُجَلَّل والمدعُوِّ العظيم، لأنَّ من بُلِغَ به غاية التعظيم كُنِّي عن اسمه، إن كان ملِكاً قيل له يا أيها الملك، وإن كان أميراً قيل له: يا أيها الأمير، وإن كان خليفةً قيل: يا أيها الخليفة، وإن كان ديًّانا(٢) قيل: يا أيها الحَبْر (٣) أيها القِسُّ، أيها العالم، أيها الفقيه، ففضَّل الله عز وجل نبيه وَل ◌َ، وبلغَ به غاية الرتبة وأعاليَ الرفعة فقال لنبيه: ويا أيها النبيُّ إِنَّا أرسَلْنَاكَ شَاهِدَاً ومُبَشِّراً ونذيراً﴾ - الأحزاب ٤٥ - ﴿يا أيها النبيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ - الأنفال ٦٤ - ﴿يا أيها الرَّسولُ لا يَحْزُنْكَ الذينَ يُسَارِعونَ في الكُفْرِ﴾ - المائدة ٤١ - ﴿يا أيها الرَّسولُ بلِّغْ ما أُنْزِلَ إليكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ - المائدة ٦٧ - في آيات كثيرة. (١) في الأصل ((جابر)) فصححناه من رواية مسلم والبخاري في الأدب، إذ ليس في الرواة من اسمه ((أبو جابر)) روى عن أبي هريرة أو روى عنه يزيد بن كيسان اهـ. (٢) دياناً: عالماً من علماء الدين. (٣) الخَبر: بفتح الحاء وكسرها، المراد به هنا رئيس الكهنة عند اليهود وتجمع على أحبار وحبور.