النص المفهرس

صفحات 1-20

دَلَاثِلُ النُّوَّةُ
للحَافِظُ الكَبِيرْ
أنيْ نَعِيمِ الأَصَبَهَانِى
المتوفى ٤٣٠ هـ
حَقَفَه
عَبْدُ البَرَّعَبَاشِ
الدكتورُ مَّدَ رَوَاسْ قَلْعَيرجى
١-٢
دار النفائس
إِ نَّيِمِ الْصَبَهَانِى
دَاثَاةُ الدُجَوَةُ
3٠٠
3
١-٢

دَائِلُ التّوَّة
للحَكَافِظ الكبير
إِّي نعيم الأصبهاني
المتوفى ٤٣٠ هـ
حَقّقَه
عَبَشَارُالْبَرَّ عِبَاشِ
الدكتور محمّدَ رَوَاسْ قَلِغَيّ
الجزء الأول
دار النفائس

جَمِيع الحُقوق محفوظة
الطبْعَة الثَّانِيَّة
طبعَة مُصَخَحَة وَمُنْفَحَة وَمَزِيدَة
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦م
٥ دار النفائس
بَيْروت - صَرب: ١١/٦٣٤٧ - هاتف: ٨١٠١٩٤ - برقيًّا: دَانفايسكو

دَلَاشْكُ النُّوَّةُ

ترجمة المؤلف
تَرَجَمَة المؤلّف
هذا الكتاب الذي نقدمه اليوم إلى القراء الكرام ((دلائل النبوة)) قد
صنَّفه رجل ملأ الدنيا، وشغل الناس، وسنّه لمّا تتجاوز الثامنة، فهو رجل
ولكنه لا كالرجال، رجل كان له من حدَّة الذكاء، وقوَّة الحافظة، وتوقد
الذهن، والصبر على العلم، ما يرفعه إلى الجوزاء. إنَّه ... (أبو نُعَيْم الأصبهاني).
نسبه :
أبو نعيم الأصبهاني هو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحق بن موسى
ابر مهران المهراني الأصبهاني(١).
وينقل ابن خلكان في وفيات الأعيان عن أبي نُعيم نفسه أنَّه قد ذكر
أنَّ جده ((مهران)) قد أسلم، وكأنَّه يشير بذلك إلى أنَّه أوَّل من أسلم من
أجداده .
وقد كان ((مهران)) هذا مولى لعبدالله بن جعفر.
هذا هو نسبه من جهة أبيه، أمَّا نسبه من جهة أمه فقد ذكر في تذكرة
الحفاظ أنَّ ((أبا نعيم)) هو سبط(٢) محمد بن يوسف البناء، ومحمد بن يوسف
البناء هذا كان عابداً زاهداً له شهرته في تلك البلاد، وله ذِكر في غيرها من
(١) نسبة لبلدة أصبهان في وسط إيران، وتقرأ بفتح الهمزة وكسرها، وبإبدال الباء فاءاً
(أصفهان).
(٢) السبط: ولد الولد، ويغلب إطلاقه على ابن البنت، كما يغلب إطلاق الحفيد على ابن
الابن.
i

٦
دلائل النبوة
بلاد الإِسلام والمسلمين، تخرَّج علي يديه جماعة من العباد الزهاد، قال
عنه (أبو نعيم) في مقدمته لحلية الأولياء.
((فقد كان جدي محمد بن يوسف البناء رحمه الله أحد من نشر الله عز
وجلَّ به ذكرَ بعض المنقطعين إليه، وعمر به أحوال كثير من المقبلين
علیه)).
ترجم له ابن الجوزي في كتابه ((صفة الصفوة)) وعدَّه من المصطفين
من أهل أصبهان.
مولده :
في يوم مشرق من أيام رجب عام ست وثلاثين وثلاثمائة، كانت
الولادة السعيدة لأبي نعيم، ولد ولادة عادية، دون أن يدري أحد من
مستقبل هذا الطفل شيئاً، وما أن فتح عينيه إلى النور حتى رأى الناسُ
جميعاً وميضَ الذكاء فيهما، فتنبأوا له بمستقبل زاهر، إن تمَّ له ما يتطلبه
هذا الذكاء الفَذُّ من رعاية وتوجيه.
نبوغه المبكر :
بدت معالم الذكاء على أبي نعيم منذ نعومة أظفاره، ولذلك وجَّهه
والدُّه الوجهة العلمية، لأنَّ ذلك أحسن ميدان للذكاء، تتفتّح فيه العبقريَّة،
ويعظم الأثر.
وفعلاً فقد بدأ الغلام بمجالسة العلماء، والسماع منهم في سن مبكرة
جداً، ولم تمض سنوات حتى ذاع صيته بين العلماء، وامتدت شهرته في
الآفاق، وأجاز له مشايخ الدنيا سنة نيف(١) وأربعين وثلاثمائة، وقد كان له
من العمر ست سنين - كما يذكر الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ -.
فأجاز له من واسط المعمّر عبدالله بن عمر بن شوذب، ومن نيسابور
شيخها أبو العباس الأصم، ومن الشام شيخها خَيْئمة بن سليمان
(١) نيف: زيادة.

٧
ترجمة المؤلف
الأطرابلسي، ومن بغداد جعفر الخلدي، وأبو سهل بن زياد، وغيرهم خلق
كثير كلهم من علية القوم ورؤوس العلماء.
وقد كان بعض هؤلاء الذين أجازوه ممسكاً عن الإِجازة ومع ذلك فقد
أجازوا لأبي نعيم. قال الذهبي: ((وأجازه طائفة تفرَّد في الدنيا بإجازتهم)).
دأبه على العلم :
لم يكن أبو نعيم من الذين يغترون بذكائهم وقوّة حافظتهم فيعرضون
عن الدَّأب، بل كان يرى أنَّ ما وهبه الله من قوّة الحافظة نعمة يجب أن
يستغلها حق الاستغلال، مؤدياً حق الله تعالى فيها، ولذلك كان دائباً على
العلم عاكفاً على المطالعة. فلم تكن تراه إلَّ مدرِّساً، أو دارساً، أو مصنفاً،
حتى قال عنه أحمد بن محمد بن مردويه: ((لم يكن له غذاء سوى التسميع
والتصنيف)).
سعة علمه ومنزلته بين علماء عصره:
اجتمعت لأبي نعيم الأسباب الرئيسية التي تحمل الإِنسان إلى أعلى
المراتب العلمية، وهي: الذكاء، والدأب، واللذة بما يعمل، أما ذكاؤه:
فقد أجاز له شيوخ الدنيا التدريس والتحديث وهو ابن ست سنوات.
أما دأبه وتلذذه بما يعمل: فإنَّه لم يكن له غذاء سوى التسميع
والتصنيف.
وقد وصل أبو نعيم فعلاً إلى أعلى المراتب العلمية في عصره فلم
یکن یبذُّه أحد.
فقد أطلق عليه ابن كثير في البداية والنهاية لقب ((الحافظ الكبير))
فقال: أبو نعيم هو الحافظ الكبير ذو التصانيف المفيدة الكثيرة الشهيرة.
وقال عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان: كان أبو نعيم من أعلام
المحدثين وأكابر الحفاظ الثقات.
أمَّا الحافظ الذهبي فقد أطلق عليه وصف ((محدث العصر)) فقال: أبو

٨
دلائل النبوة
نعيم الحافظ الكبير محدِّث العصر ... رحلت الحفّاظُ إلى بابه لعلمه
وحفظه وعلو أسانيده.
ويعترف أحمد بن محمد بن مردويه أيضاً بأنَّ أبا نعيم كان محدّث
العصر بلا منازع فقال: كان أبو نعيم في وقته مرحولاً إليه، لم يكن في أفق
من الآفاق أحدٌ أحفظ ولا أسند منه، فإنَّ حفاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده،
وكل يوم نوبة أحد منهم، يقرأ ما يريده إلى قريب الظهر، فإذا قام - أبو
نعيم - إلى داره، ربما كان يُقرَأ عليه في الطريق جزءاً، وكان لا يضجر.
أمّا الخطيب البغدادي فإنَّه يعترف لأبي نعيم بقصب السبق فهو
يقول: ((لم أر أحداً أطلق عليه اسم الحافظ غير أبي نعيم وأبي حازم
العبدري)).
ويذكر حمزة بن العباس العلوي أنَّ أصحاب الحديث قد قالوا: بقي
أبو نعيم فترة طويلة من الزمن وهو لا نظير له أبداً فقال ((كان أصحاب
الحديث يقولون: بقي الحافظ أبو نعيم أربع عشرة سنة بلا نظير، لا يوجد
شرقاً ولا غرباً أعلى إسناداً منه، ولا أحفظ منه)).
وهكذا نجد أنَّ المحدثين جميعاً قد اتفقوا على أنَّ أبا نعيم كان
محدث عصره، وأنّه لم يكن له نظير في كثرة ما يحفظ، ولا في علو
الإِسناد(١).
وحيازة محدثٍ الأسانيدَ العالية ميزة ترجحه على غيره من المحدثين،
فالمحدثون يتحرون الأسانيد العالية ويرحلون في طلبها، حتى قال الإِمام
أحمد بن حنبل رضي الله عنه ((طلب الاسناد العالي سنة عمن سلف)).
وذلك لأنَّ العلو يُبعد الإِسناد عن الخلل لأنَّ كل رجل من رجال السند
(١) الاسناد العالي: هو الذي قلَّ عدد رجاله مع سلامتهم من الضعف وهو على خمسة أقسام:
(١) قربه من الرسول وليه. (٢) قربه من إمام من أئمة الحديث. (٣) العلو بالنسبة إلى رواية
الصحيحين أو أحدهما أو غيرهما من الكتب المعروفة المعتمدة. (٤) العلو المستفاد من
تقدم وفاة الراوي. (٥) العلو المستفاد من تقدم السماع . - انظر: بسط الكلام في مقدمة ابن
الصلاح تحقيق صديقنا الدكتور نور الدين عتر صفحة ٢٣١ وما بعدها ..

ترجمة المؤلف
يُحتمل أن يقع الخلل من جهته سهواً أو عمداً، ففي قلتهم قلة جهات
الخلل، وفي كثرتهم كثرة جهات الخلل.
ولهذا رَجُح الحافظ أبو نعيم على غيره من محدثي عصره، فهو يحدث
بأسانيدَ عالية لم تجتمع لأحد غيره من محدثي عصره.
مذهبه :
كانت الحركة المذهبية على أشدها في عصر الإِمام الحافظ أبي نعيم،
وكان بين السلفية والأشعرية تعصب زائدٌ يؤدي إلى الفتنة في بعض
الأحيان - كما يذكر في تذكرة الحفاظ - وكان أبو نعيم أشعرياً متعصباً حتى
قال ابن كثير في البداية والنهاية ((وكان أبو نعيم يميل إلى مذهب الأشعري
في الاعتقاد ميلاً كثيراً».
وقد حكى لنا الذهبي في تذكرة الحفاظ عن محمد بن عبد الجبار
الفرساني طرفاً من هذا التعصب قال: حضرتُ مجلسَ أبي بكر بن أبي علي
المُعَدّل في صغري مع أبي، فلما فرغ من إملائه قال إنسان: من أراد أن
يحضر مجلس أبي نعيم فليقم - وكان أبو نعيم على غير مذهب أبي بكر بن
أبي علي المعدل، وكان مهجوراً من قبل جماعة المعدَّل بسبب المذهب -
فقام إلى ذلك الرجل أصحاب الحديث - وهم الحنابلة - بسكاكين الأقلام،
وكاد أن يقتل.
ومن هنا نعلم أنَّ التعصب المذهبي كان سبباً في إعراض بعض الناس
عن أبي نعيم، ولو كانوا طرحوا هذا التعصب، واتبعوا الحق أينما وجدوه،
لاستفادوا من أبي نعيم، وأفادوه.
شيوخه :
قلنا إنَّ أبا نُعَيم بدأ بطلب العلم في سن مبكرة، ونبغ في سن مبكرة
أيضاً، حتى أجازوا له التحديث والتدريس وهو لمَّا يزل في السادسة من
عمره هذا بالإضافة إلى الرغبة الشديدة في لقاء العلماء والمحدثين، وأخذٍ

١٠
دلائل النبوة
الحديث عنهم ولعلّ أبا نعيم من القلائل الذين أكثروا من الشيوخ واللقاء
بهم حتى قال الحافظ الذهبي: ((وتهيأ له من لقيا الكبار ما لم يقع
لحافظ».
وأخذ أبو نعيم الحديث من أناس لم يأخذ منهم غيره فقال الذهبي
((كما تفرد بالسماع من خلق)) ومن هنا يجد الباحث صعوبة كبرى حين
البحث عن بعض الذين أخذ عنهم أبو نعيم.
. لقد سمع أبو نعيم من مسند أصبهان المعمّر أبي محمد بن فارس،
وأبي أحمد العسال، وأحمد بن محمد القصار، وأبي بحر بن كوثر، وأبي
القاسم الطبراني، وإبراهيم بن عبدالله بن أبي العزائم الكوفي، وغيرهم
کثیر، فأکثر وأجاد.
تلاميذه :
رأينا كيف أنَّ الحفاظ كانوا يتزاحمون بباب أبي نعيم، كلٌ ينتظر
دوره، ولعلَّ من أشهر هؤلاء الحفاظ الخطيب البغدادي، وأبو صالح
المؤذن، وأبو بكر محمد بن إبراهيم العطار، وغيرهم كثير، حتى قال علي
ابن المفضل الحافظ: قد جمع شيخنا السلفي أخبار أبي نعيم فسمى نحواً من
ثمانين نفساً حدَّثوا عنه.
ما أُخِذ عليه:
((ما من إنسان إلَّ رَدّ وَرُدّ عليه إلَّ رسول الله وَّة)) هذه كلمة قالها بحق
الإِمام مالك رضي الله عنه.
وأبو نعيم مع ما وصل إليه من إمامة وفضل، فقد أخذ عليه العلماء
بعض المآخذ هي :
١ - ذكر في لسان الميزان عن الخطيب البغدادي قال: رأيت لأبي نعيم
أشياء يتساهل فيها. منها أنه يطلِقُ في الإِجازة أخبرنا ولا يُبَيِّن. وقال ابن
كثير في البداية والنهاية: قال الخطيب البغدادي كان أبو نُعيم يخلط

١١
ترجمة المؤلف
المسموع له بالمُجاز ولا يوضح أحدهما من الآخر، وهو يقصد بذلك
جزء محمد بن عاصم؛ فقد قال محمد بن إبراهيم العطار مستملي أبي
نعيم: أخرج أبو نُعيم إليَّ نسخته من جزء محمد بن عاصم وقال: هو
سماعي، فقرأته عليه. فالخطيب يرى أنَّ جزء محمد بن عاصم وصل
إلى أبي نعيم إجازة وليس سماعاً.
- وأجاب الحافظ ابن النجار عن قضية جزء محمد بن عاصم هذه
فقال: جزء محمد بن عاصم قد رواه الأثبات عن أبي نعيم، والحافظ
الصدوق إذا قال: هذا الكتاب سماعي، جاز أخذه عنه بإجماعهم.
- وأجاب الحافظ الذهبي عن قضية جزء محمد بن عاصم هذه
فقال: حدَّثني أبو الحجاج الحافظ أنَّه رأى بخط الحافظ ضياء الدين
المقدسي قال: رأيت أصل سماع أبي نُعيم بجزء محمد بن عاصم.
قال الذهبي: قلت: فبطل ما تخيَّلَه الخطيبُ - من أنَّ جزء
محمد بن عاصم وصل أبا نُعَيم إجازة فحدث به على أنَّه سماعاً -.
- وأجاب الحافظ الذهبي عن دعوى الخطيب تساهل أبي نعيم في
الإِجازة فقال: وقول الخطيب: كان أبو نُعيم يتساهل في الإِجازة ...
إلخ .. فهذا ربما فعله نادراً، فإني رأيته كثيراً ما يقول: كتب إليَّ جعفر
الخلدي، وكتب إليَّ أبو العباس الأصم، وأنا أبو الميمون بن راشد في
كتابه، ولكني رأيته يقول: أنا عبدالله بن جعفر فيما قرىء عليه، فالظاهر
أنَّ هذه إجازة.
٢ - وقال عبد العزيز النخشبي لم يسمع أبو نعيم مسند الحارث بن أبي أسامة
بتمامه من ابن خلاد، فحدث به كله.
وقد ردَّ الحافظ ابن النجار ذلك فقال: وهِمَ في هذا، فأنا رأيت
نسخة الكتاب عتيقة وعليها خط أبي نعيم يقول: سمع مني فلان إلى
آخر سماعي من هذا المسند من ابن خلاد فلعلُّه روى باقيه بالإِجازة.
٣ - لقد كانت هناك مهاترات قاسية بين أبي نعيم وأبي عبدالله بن منده،
وكان ينال فيها كلّ منهما من الآخر، ولا سبب في ذلك إلّ تعصب كل

١٢
دلائل النبوة
منهما لمذهَبِه، فكان أبو نعيم أشعرياً وكان ابن منده حنبلياً سلفياً.
قال ابن حجر في لسان الميزان: وِكلام ابن منده في أبي نُعَيْم
فظيع ما أحِبُّ حكايته، ولا أقبل قول كلّ منهما في الآخر، بل هما
عندي مقبولان.
وقال الذهبي: ولأبي عبدالله بن منده حطَّ على أبي نعيم صعب
كما للآخر حط عليه لا ينبغي أن يُلتَفَت إلى ذلك للواقع الذي بينهما.
٤ - ولعلَّ آخر هذه المآخذ التي أخذها العلماء على أبي نعيم، ولعلَّه يكون
أعدلها هو: روايته الأحاديث الموضوعة دون التنبيه إليها في كثير من
الأحيان، حتى قال في ميزان الاعتدال: هو عندي مقبول لا أعلم له ذنباً
أكبر من روايته الموضوعات ساكتاً عنها.
وهذه كبيرة من أبي نعيم، لأنَّ من كان مثله لا ينبغي له أن يروي
شيئاً من هذه الموضوعات دون التنبيه عليها، ولكن ذلك لا يقدح في
عدالته وإمامته .
ولعلَّ أبا نُعيم كان يكتفي بذكر السند عن التنبيه عليها.
ويجدر بنا أن نختم هذه الفقرة بقول الحافظ ابن حجر فيه:
((أبو نعيم، أحد الأعلام، تُكُلِّم فيه بلا حُجَّة، لكن هذه عقوبة من الله
لکلامه في ابن منده بھوی» اهـ.
طائفة من كتبه :
لقد أحسن أبو نعيم التصنيف، ولهذا فقد عدَّه ابن الصلاح أبو عمرو
عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري المتوفى سنة ٦٤٣ هـ في مقدمته واحداً
من سبعة من الذين أحسنوا التأليف وعظمت الاستفادة من مصنفاتهم فقال
((سبعة من الحفاظ في ساقتهم أحسنوا التصنيف وعظم الانتفاع بتصانيفهم
في عصرنا منهم أبو نعيم أحمد بن عبدالله الأصبهاني الحافظ)).
ومن مؤلفاته :
١ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، وقد ألَّفه استجابة لرغبة أحد الأصحاب

١٣
ترجمة المؤلف
فقال رحمه الله ((أمَّا بعد أحسن الله توفيقك فقد استعنت بالله عزَّ وجل
وأجبتك إلى ما ابتغيت من جمع كتاب يتضمن أسامي جماعة وبعض
أحاديثهم وكلامِهم، من أعلام المحققين من المتصوفة وأئمتهم، وترتيب
طبقاتهم من النسَّاك ومحجتهم، من قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن
بعدهم ممن عَرَف الأدلة والحقائق، وباشر الأحوال والطرائق، وساكن
الرياض والحدائق، وفارق العوارض والعلائق، وتبرأ من المتنطعين
والمتعمقين، ومن أهل الدعاوي من المتسوفين، ومن الكسالى المثبطين
المتشبهين بهم في اللباس والمقال، والمخالفين لهم في العقيدة
والفعال)). إلخ ..
وبهذا يعلم موضوع الكتاب وجوهره:
وقد طبع كتاب (حلية الأولياء) في عشر مجلدات، وقد حاز
إعجاب العلماء في حسن تصنيفه، وغزارة مادته، فقال عنه ابن خلكان:
كتاب الحلية من أحسن الكتب. وقال عنه ابن كثير: من كتبٍ أبي نعيم
الحلية، دلَّ على رواية أبي نعيم، وكثرة مشايخه، وقوَّة اطلاعه في
مخارج الحديث وشعب طرقه.
ويذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ أنَّ أبا نعيم لما صنف كتاب
الحلية، حُمِل الكتابُ إلى نيسابور فاشتروه بأربعمائة دينار.
٢ - كتاب دلائل النبوة: ألَّف أبو نعيم هذا الكتاب بعد أن سأله بعض
المهتمين جمع ما تفرق من الأحاديث في نبوة محمد ل والدلائل
عليها، وما خصَّ الله تعالى محمداً به دون خلق الله.
قال رحمه الله في المقدمة ((أمَّا بعد، فقد سألتم - عمّر الله
بالبصائر الجميلةِ طوياتكم، ونوَّر في المسير إلى وفاقِه أوعيتكم
ونياتكم - جمعَ المنتشر من الروايات في النبوة والدلائل والمعجزات
والحقائق وخصائص المبعوث محمد ◌ّله بالسناء الساطع، والشفاء
النافع، الذي استضاء به السعداء، واشتفى به الشهداء، واستوصل دونه
البُعداء، فاستعنْتُ بالله واستوفقته، وبه الحول والقوة، وهو القوي العزيز،

١٤
دلائل النبوة
وجعلت ذلك فصولاً ... )) وأبو نعيم كعادته في كل مؤلفاته، يسوق في
هذا الكتاب الأحاديث بإسناده، دون أن ينبه إلى صِحَّتها أو عدم
صحتها، ودون أن يتكلم على أحدٍ من رجال هذه الأسانيد ودون أن
يشير إلى وجودها في شيء من كتب المحدثين الذين تقدموه.
وقد حوى هذا الكتاب خمسة وثلاثين فصلاً، تحدثت عن أسماءِ
الرسول وَ﴿، واشتهارٍ أمره قبل مبعثه، وذكرِ الكتب السماوية له،.
وتحدثت عن صفاته، وما خصَّه الله به وغير ذلك.
وقد طبع الكتاب في الهند مرة بعد مرة في جزء واحد.
٣ - كتاب ذكر أخبار أصبهان وقد طبع في مجلدين.
٤ - كتاب طبقات المحدثين والرواة.
٥ - كتاب معرفة الصحابة وفضائلهم.
٦ - كتاب الشعراء.
٧ - كتاب صفة الجنة.
٨ - كتاب الطب النبوي، وتوجد نسخة منه مخطوطه في المكتبة الظاهرية .
٩ - كتاب المستخرج على البخاري.
١٠ - كتاب المستخرج على مسلم.
وله كتب أخرى ورسائل كثيرة، كما هي عادة أهل زمانه وكل
المحدثين بتصنيف الرسائل في مسألة معينة.
...
وفاته :
امتدَّت حياة أبي نعيم الأصبهاني أربعة وتسعين عاماً، قضاها كلها، إلَّ
الأعوام الأربعة الأولى منها، ما بين درس، ومدارسة، وتدریس.
وفي يوم الإثنين الحادي والعشرين من محرم سنة ثلاثين وأربعمائة -
كما يذكر ابن خلكان - حمل النعيّ إلى العالم الإسلامي نبأ الفجيعة، نبأ
وفاة أبي نُعَيم في أصبهان، فبكى الناس العالِم المحقق، والزاهد العابد،
والحافظ المحدث، والمؤرخ المتبحر.

١٥
ترجمة المؤلف
ويذكر الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ أنَّ وفاة أبي نعيم كانت في
العشرين من محرم سنة ثلاثين وأربعمائة، فهو يتفق مع ابن خلكان في سنة
الوفاة ولكنَّه يختلف معه في اليوم الذي حدثت فيه الوفاة، والخطب بينهما
يسير.
ويذكر ابن الصلاح في مقدمته(١) أنَّ أبا نعيم توفي سنة ثلاثين
وأربعمائة في شهر صفر، ويذكر ذلك ابن خلكان أيضاً، أمَّا ابن كثير في
البداية والنهاية فيذكر وفاة أبي نعيم في حوادث سنة تسع وعشرين وأربعمائة
في شهر محرم.
فهو يختلف مع كل من أرَّخ لأبي نعيم في سنة الوفاة، ولم أر من
تابع ابن كثير في ذلك.
والصواب - والله أعلم - أنَّ وفاة أبي نعيم كانت سنة ثلاثين وأربعمائة،
لأنَّ المؤرخين يذكرون أنَّه في السنة التي توفي فيها أبو نعيم توفي أيضاً
العالم المحدث أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن عبدالله بن بشران
البغدادي، والمفسر أبو عبد الرحمن إسماعيل بن أحمد الحيري الضرير،
الذي قرأ عليه الخطيب البغدادي صحيح البخاري في ثلاثة مجالس، وأبو
عمران موسى بن عيسى بن أبي الحاج الفاسي نزيل القيروان، عالم المغرب
وعلمها الفذ في عصره، وقد كانت وفاة هؤلاء جميعاً سنة ثلاثين وأربعمائة.
رحم الله أبا نعيم الأصبهاني: فقد مات، وما مات، لأنَّه لم تمت
آثاره.
م. ق.
(١) ص ٣٤٨ تحقيق صديقنا الدكتور نور الدين عتر.
--

...
-
:

١٧
دلائل النبوة
كتَابُ
دَلائِل النّبَّوة
طلب تأليف الكتاب:
قصد بعض طلَّب الحديث أبا نعيم الأصبهاني وطلبوا منه أن يضع
لهم كتاباً يجمع فيه الأحاديثَ والرواياتِ الواردة في رسول الله ◌َّر، والتيٍ
تعتبر الدلائل على صدق نبوته عليه الصلاة والسلام؛ ونحن لا نشك بأنّ
كتب ابن إسحق والواقدي وغيرهما من المؤرخين الذين كتبوا في سيرة
الرسول الأعظم كانت متوفرة في ذلك الزمن، ولكن هذه الكتب ليست
بغيتهم، فإنّهم يطلبون من شيخهم كتاباً يجمع المنتشر من الروايات،
فأجابهم الشيخَ إلى طلبهم وصنف لهم كتاب ((دلائل النبوة)) وفي ذلك يقول
أبو نعيم :
((لقد سألتم - عمَّر الله بالبصائر الجميلة طوياتكم، ونوَّر في المسير
إلى وفاقه أوعيتكم ونياتكم - جمعَ المنتشِرِ من الروايات في النبوة والدلائل،
والمعجزات، والحقائق، وخصائص المبعوث محمد ولا بالسنا الساطع،
والشفاء النافع الذي استضاء به السعداء، واشتفى به الشهداء، واستوصل
دونه البعداء، فاستعنت بالله واستوفقته وبه الحول والقوّة، وهو القوي العزيز)) اهـ.
فصول الكتاب:
وهكذا استجاب الإِمام الحافظ أبو نعيم لرغبة طلابه فشمر عن ساعد
الجد، وأخذ يجمع طرق الحديث ورواياته، ثمَّ حررها ثمَّ صنفها، وقسم
كتابه هذا - دلائل النبوة - إلى خمسة وثلاثين فصلاً، تحدث في جملة منها

١٨
دلائل النبوة
على ما يدل على نبوته قبلَ البعثة، من بشاراتِ الجن والكهانِ والكتب
السماوية وحادثة الفيل وغير ذلك، كما تكلّم في جملةٍ من هذه الفصول عن
صفاته، وما خصَّه الله به، ومعجزاته.
وتكلم في فصول أخرى عن موقفه مع الكافرين، والهجرة، وعقد
فصلاً خاصاً قارن فيه بين ما آتاه الله للأنبياء السابقين من الفضائل والإِكرام،
وما آتاه الله لمحمد لته .
أمَّا سبب تقسيم الكتاب إلى فصول، فقد قال أبو نعيم ((وجعلنا ذلك
فصولاً ليسهل على المتحفظ أنواعه وأقسامه، فيكون أجمع لفهمه، وأقرب
من ذهنه، وأبعد من تحمل الكلفة في طلبه)). وهكذا فقد حرص الإِمام
الحافظ أن ييسر على طلابه أمر العلم ويمهد لهم طريقه.
المقدمة الرائعة للكتاب:
ورغم إعجابنا بما حواه الكتاب جملة من مادة علمية دسمة فإن إعجابنا
بالمقدمة الرائعة التي وضعها أبو نعيم أشد، لقد حلل فيها أبو نعيم النفس
الإِنسانية تحليلاً دقيقاً رائعاً، وتكلم عن النبوّة وخصائص الأنبياء، وأفاضَ القولَ
في الفضائل الأربعة والآفات الأربعة.
أمّا الفضائل الأربعة فهي :
١ - الفضيلة النوعية: وهي اختيار الله تعالى للرسالة أكملَ القوم خُلقاً وخلقاً وتفكيراً.
٢ - الفضيلة الإكرامية: وهي ما يزود الله به رسوله مما يقوي قلبه ويزيد إيمانه.
٣ - الإمداد بالهداية .
٤ - التثقيف عند الزلة .
أمَّا الآفات الأربعة فهي :
١ - الكفر بالله .
٢ - التقول على الله.
٣ - الفسق .
٤ - الجهل بأحكام الله .

١٩
دلائل النبوة
والنبي: السعيد بالمواهب الأربعة عن الآفات الأربعة.
والعاقل: السليم من الآفات الأربعة، ليس بسعيد بالمواهب الأربعة.
ويشرح لنا ذلك كله بأسلوب قوي، وعرض ساحر أخاذ وفكر ناضج عميق .
إنَّ المقدمة التي أتحفنا بها أبو نعيم هي بحق تستحق الكثير من
التأمل.
طريقة أبي نعيم في الكتاب:
لقد ذكرنا أنَّ أبا نعيم قسم كتابه إلى خمسة وثلاثين فصلاً، ونذكر هنا
أنَّ أبا نعیم محدّث، فهو يتبع أسلوب المحدّثین في تصنیف کتابه هذا ـ دلائل
النبوة -.
فهو يأتي بالحديث - وهو ما أُثر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير أو
صفة - أو الخبر - كخبر حادثة الفيل، وأخبار الكهان ببعثته الشريفة - بإسناده
دون أن ينبه على صحة هذا السند أو ضعفه، تاركاً ذلك إلى القارىءٍ، وقد
يكون في بعض هذه الأسانيد من اتّهم بالكذب أو الوضع، كما أنَّها قد
تكون صحيحة كل الصحة.
كما أَنَّه يأتي بالأحاديث بأسناده الخاص، لا ينقل ذلك عن أحد من
المحدثين الذين سبقوه، ولا يقلّدهم، ولكنَّه قد يلتقي معهم في بعض هذه
الطرق، وقد ينفرد هو بطريق لا توجد عند غيره من المحدثين.
ويحاول أبو نعيم أن يجمع طرق الحديث ورواياته، فيسوق لنا
الحديث من عشرة طرق أو أكثر أو أقل، حسبما يصله منها. وأبو نعيم
مغرم بجمع هذه الطرق والروايات إلى درجة قلَّ أن تجدها عند غيره، بل
إِنَّ الكتاب قد صنف لهذه الغاية.
رواية دلائل النبوة عن أبي نعيم:
لقد رأينا على النسخة المحفوظة في دار الكتب المصرية (برقم / ٦١٣
حدیث) ما يلي:

٢٠
دلائل النبوة
هذه ((رواية الشيخ الفقيه أبي سعد محمد بن محمد المطرز عنه(١)،
رواية الشيخ أبي أنس سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري عنه، رواية
الشيخ أبي الحسن ... (٢) بن إبراهيم بن نجا الأنصاري الواعظ عنه)).
أمَّا نسخة باتنه التي تحمل الرقم (٢٢٤٦ حديث) فقد ذكر فيها ما
يلي :
((أخبرنا الشيخ الإِمام الفقيه العالم الثقة الحافظ سعد الخير بن سهل
الأنصاري رحمه الله قراءة عليه ونحن نسمع وذلك في سنة تسع(٣) وثلاثين
وخمسمائة في منزله بدار الخلافة عمرها الله، قال: أنا الشيخ الفقيه أبو
سعد محمد بن محمد المطرز رحمه الله تعالى قراءة عليه في داره بأصبهان
وأنا أسمع قال: أنا أبو نعيم أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسحق قراءة
عليه ... )).
فأبو سعد المطرز أذن أخذ هذا الكتاب - دلائل النبوة - عن أبي نعيم،
وأخذه عن المطرز الحافظ سعد الخير محمد بن محمد بن سهل الأنصاري،
وأخذه عن سعد الخير أبو الحسن بن نجا الأنصاري.
أما سند النسخة من أبي الحسن إلى تاريخ نسخها، فإنّنا لا نعرف عنه
شيئاً .
النسخ الموجودة منه :
إنَّ النسخ الموجودة من دلائل النبوة في العالم هي ثلاث نسخ على ما
نعلم.
الأولى: هي النسخة الموجودة في باتنه في مكتبة خان بهادر خدابخش
وهي تحمل الرقم ((٢٢٤٦)). وقد نسخت هذه النسخة سنة ((٦٠٣)) هـ وفي
بعض صفحاتھا بیاض ونقص.
(١) أي عن أبي نعيم.
(٢) مخروم في الأصل.
(٣) لعلَّ الصواب ((سبع)) فإنَّ تحديثه بالجزء الثاني كان في سنة ثمان.