النص المفهرس

صفحات 301-320

يُدانيه أحد من العالمين، سَرَىُ ونَفَذَ إلى أولاد البنات لقُوَّته
وجلالته وعِظَم قَدْره، ونحن نرى من لا نسبة له إلى هذا الجَنَاب
العظيم من العظماء والملوك وغيرهم تسْري حُرْمة إيلادهم وأبوتهم
إلى أولاد بناتهم، فتلحظهم العيون بلحظ أبنائهم، ويكادون
يضربون(١) عن ذكر آبائهم صفحًا، فما الظنُّ بهذا الإيلاد، العظيم
قدره الجليل خطره؟ .
قالوا: وأما تَمسُّككم بدخول المسيح في ذُرية إبراهيم عليه
الصلاة والسلام فلا حُجَّة لكم فيه، فإن المسيح عليه السلام لم يكن
له أب، فنسبه من جهة الأب مستحيل، فقامت أَمُّه مقام أبيه (ولهذا
ينسبه الله سبحانه إلى أَمِّه، كما ينسب غيره من ذوي الآباء إلى
أبيه)(٢)، وهكذا كل من انقطع نسبه من جهة الأب، إما(٣) بلعان أو
غيره، قامت أُمُّه في النَّسب مقام أبيه وأمه، ولهذا تكون في هذه
الحال عَصَبته في أصح الأقوال، وهو إحدى الروايات عن الإمام
أحمد رضي الله عنه، وهو مقتضى النصوص، [٩٢/أ] وقول ابن
مسعود(٤) رضي الله عنه وغيره، والقياس يشهد له بالصِّحَّة؛ لأنَّ
(١) في (ب) (ويضربون) وهو خطأ.
(٢) سقط من (ح) ما بين القوسين.
(٣) انظر: تهذيب الفرائض لأبي الخطاب الكلوذاني ص٢٨٦.
(٤) أخرجه الدارمي في مسنده (١٩٩٦/٤) رقم (٣١٤٥)، والبيهقي في الكبرى
(٢٥٨/٦) وغيرهما .
من طريق محمد بن سالم عن الشعبي عن علي وعبدالله قالا: (ولد الزنا
بمنزلة ابن الملاعنة)، وسنده ضعيف. محمد بن سالم هو أبو سهل الكوفي =
٣٠١

النَّسبَ في الأصل للأب، فإذا انقطع مِن جِهَته عاد إلى الأُمّ، فلو
قُدِّرَ عَوْدُه مِن جهة الأب رجع من الأمّ إليه، وهكذا كما اتفق الناس
عليه في الولاء أنه لموالي الأب، فإن تعذَّر رجوعه(١) إليهم صار
لِمَوالي الأمّ، فإن أمكن عَوْدُه إليهم رجع من موالي الأمّ إلى مَعْدَنِهِ
وَقَرارِه(٢). ومعلوم أنَّ الولاء فرع على النَّسب يُخْتذى فيه حذوه،
فإذا كان عَصَبَات الأُمّ من جهة(٣) الولاء عصبات لهذا المولى الذي
انقطع تَعْصِيْبه من جهة موالي أبيه؛ فلأن تكون عصبات الأُمّ من
النَّسب عصبات لهذا الولد الذي انقطع تعصيبه من جهة أبيه بطريق
الأولى، وإلاّ فكيف يثبت هذا الحكم في الولاء ولا يثبت في
النسب الذي غايته أن يكون مُشَبَّهًا به ومُفَرَّعًا عليه؟! وهذا مِما يَدلُّ
على أنَّ القياس الصحيح لا يفارق النَّص أصلاً، ويَدُلُّك على عُمْق
عِلْم الصحابة رضي الله عنهم، وبلوغهم في العلم إلى غايةٍ يَقْصُر
عن نيْلها السُّبَّاق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل
العظيم .
ضعيف، وبعضُهم يضعِّفه جدًا. انظر: تهذيب الكمال (٢٣٨/٢٥ - ٢٤٢).
(١) في (ظ) (رجوعهم).
(٢) انظر المغني لابن قدامة (٢٢٨/٩ - ٢٢٩).
(٣) سقط من (ظ، ت، ج، ح) قوله (جهة).
٣٠٢

الفصل الخامس(١)
في ذكر إبراهيم خليل الرحمن
صلى الله
وَسَلمُ
وهذا الاسم من النَّمَط المتقدم، فإن إبراهيم بالسِّرْيانية معناه
((أبٌ رحيم)). والله سبحانه وتعالى جعل إبراهيم الأب الثالث
للعالم (٢)، فإن أبانا الأول آدم عليه السلام، والأب الثاني نوح عليه
السلام، وأهل الأرض كلهم من ذُرِّيته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا
[الصافات: ٧٧]، [٩٢/ب] وبهذا يتبين كَذِب
٧٧
ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ
المفترين من العَجَمِ الذين يزعمون أنهم لا يعرفون نوحًا عليه السلام
ولا ولده، ولا ينتسبون(٣) إليه، وينسبون(٤) ملوكهم من آدم إليهم،
ولا يذكرون نوحًا عليه السلام في أنسابهم، وقد أكذبهم الله
عز وجل في ذلك.
فالأب (٥) الثالث أبو (٦) الآباء وعمود العالم، وإمام الحُنَفاء
(١) وقع في (ت) (فصل) بدلاً من (الفصل الخامس).
(٢) في (ب) (في العالم).
(٣) في (ح) (ينسبون).
(٤) في (ب) (وينتفون) وفي (ش، ت، ظ) غير منقوطة.
(٥) من (ح) وفي باقي النسخ (والأب).
(٦) من (ظ، ت) ووقع في (ب، ش، ح) (أب).
٣٠٣

الذي اتخذه الله خليلاً، وجعل النُّبُوة والكتاب في ذُرِّيته، ذاك خليل
الرحمن، وشيخ الأنبياء كما سمّاه النبي ◌َّ بذلك، فإنه لما دخل
الكعبة وجد المشركين قد صوروا فيها صورته، وصورة إسماعيل
ابنه وهما يستقسمان بالأزلام، فقال :
٢٨٤ - ((قاتلهم الله، لقد علموا أن شيخنا لم يكن يستقسم
بالأزلام)) (١) ولم يأمر الله رسوله وَله أن يتبع مِلَّة أحد مِن الأنبياء
غيره، فقال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ
اُلْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]، وأمر أَمَّته بذلك فقال تعالى: ﴿هُوَ
اجْتَبَنِكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ قِلَّةَ أَبِكُمْ إِنَهِيٍّ هُوَ سَمَّنَكُمُ
اَلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلٌ﴾ [الحج: ٧٨]، ((ومِلَّةَ)) منصوب على إضمار فعل،
أي: اتبعوا والزموا ملة إبراهيم، ودل على المحذوف ما تقدم من
قوله: ﴿وَجَهِدُواْ فِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ،﴾ [الحج: ٧٨]، وهذا هو الذي
يقال له: الإغراء. وقيل: منصوب انتصاب المصادر، والعامل فيه
مضمون ما تقدم قبله؛ وكان رسول الله وق وله يوصي أصحابه إذا أصبحوا
وإذا أمسوا أن يقولوا(٢):
(١) أخرجه البخاري في (٦٤) الأنبياء (٣١٧٣ و٣١٧٤) من حديث ابن عباس
رضي الله عنهما. ولم أقف على لفظة (شيخنا) فلتنظر.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٤٠٦/٣، ٤٠٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة
(١، ٢، ٣٤٥) وغيرهما، وسنده صحيح. وقد وقع فيه اختلاف.
والحديث صححه النووي والعراقي وحسنه ابن حجر والسيوطي وغيرهم.
انظر: الأذكار رقم (٢٣٤)، والفتوحات الربانية (١٢٦/٣)، ونتائج =
٣٠٤

٢٨٥ - ((أصْبَحْنَا على فِطْرةِ الإسْلام وكَلِمَة الإخلاص، ودِيْنِ نَبِّنا
مُحمَّدٍ، ومِلّة أبيْنا إبْراهِيْم حَنِيْفًا [١/٩٣] مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكين)).
وتأمّل هذه الألفاظ كيف جعل الفطرة للإسلام، فإنه فطرة الله
التي فطر الناس عليها، وكلمة الإخلاص هي: شهادة أن لا إله إلا
الله، والمِلَّة لإبراهيم عليه الصلاة والسلام فإنه صاحب الملة، وهي
التوحيد وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ومحبته فوق كل
محبة. والدين للنبي وَّ، وهو دينه الكامل وشرعه التَّام الجامع
لذلك كله .
وسَمَّاه الله سبحانه: إِمَامًا، وأُمَّة، وقانتًا، وحنيفًا. وقال
تعالى: ﴿﴿ وَإِذِ أَبْتَلَى إِرَهِعَمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامَّا قَالَ
ـَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، فأخبر سبحانه
وَمِنْ ذُرِّيَِّيٌّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ
أنه جعله إمامًا للناس، وأنَّ الظَّالم من ذُرِّيته لا ينال رُتْبة الإِمَامَة،
والظَّالم هو المشرك، وأخبر سبحانه أنَّ عَهْدَه بالإِمَامة لا ينالُ من
أشرك به، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةُ قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ ٠َ شَاكِرًا لِّأَنْعُمِّةِ اجْتَبَهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقٍِ ﴿ وَءَاتَيْنَهُ فِ
[النحل: ١٢٠ - ١٢٢ ].
اُلُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ.
فالأُمَّة هو : القدوةُ المعلِّم للخير، والقانتُ: المطيعُ لله تعالى
الملازمُ لطاعته، والحنيفُ: المقبلُ على الله تعالى، المعْرض عَمَّا
=
الأفكار (٣٧٩/٢).
٣٠٥

سواه، ومَنْ فَسَّره بالمائل فلم يُفسِّره بنفس موضوع اللفظ، وإنما
فسَّره بلازم المعنى، فإنّ الحنف هو الإقبال، ومن أقبل على شيء
مال عن غيره، والحنف في الرِّجْلَين هو إقبال إحداهما (١) على
الأخرى، وِيلزمه ميلها عن جهتها. [٩٣/ب] قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ
لِلّيْنِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، فحنيفًا هو
حال مفردة(٢) لمضمون قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾، ولهذا فُسِّرت
((مخلصًا))، فتكون الآية قد تضمنت الصدق والإخلاص، فإن إقامة
الوجه للدين هو: إفراد طلبه بحيث لا يبقى في القلب إرادة لغيره،
والحنيف: المُفْرِدُ لمعبوده لا يريد غيره. فالصدق أن لا ينقسم
طلبك، والإخلاص(٣) أن لا ينقسم مطلوبك، الأول: توحيد
الطلب، والثاني: توحيد المطلوب.
والمقصود: أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو أبونا الثالث،
وهو إمام الحنفاء، وتسميه أهل الكتاب عمود العالم، وجميع أهل
الملل مُتَّفِقَة على تعظيمه وتولِّيْه ومَحَبَّته.
وكان خير بنيه سيد ولد آدم محمدًا وَلِّ يُجلّه ويُعظّمه ويُبجّله
ويحترمه .
(١) في (ب) (أحدهما).
(٢) من (ح) وفي (ب) (مقرّة) وهو خطأ، ووقع في (ش، ت، ظ، ج)
(مُقَدَّرة).
(٣) في (ظ، ت، ج) (والإفراد).
٣٠٦

و ہ و
٢٨٦ - ففي ((الصحيحين)) (١): من حديث المختار بن فُلْفُل،
عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: جَاءَ رجلٌ إلى النبي
وَلَه فقال: يا خَيْرَ البَرِيّة، فقال رسول الله ◌َله: «ذَْكَ إبْراهِيْم)).
وسماه شيخه، كما تقدم.
٢٨٧ - وثبت في ((صحيح البخاري)) (٢) من حديث سعيد بن
جبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، عن النبي وَلّ، أنه قال:
((إِنَّكمِ مَحْشُورُونِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقِ
[الأنبياء: ١٠٤]، وأَوَّل مَنْ
تُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ
يُكْسَىُ يومَ القيامةِ إِبْرَاهِيْم)».
٢٨٨ - وكان رسول الله وَل أشبه الخلق به، كما في
((الصحيحين))(٣)، عنه قال: ((رأيتُ إبراهيْمَ فإذا أقْرب [٩٤/أ] النَّاس
شَبَهَا بِه صَاحِبِكم)) يعني نَفْسَهُ بَّه، وفي لفظ آخر: ((فَانْظُروا إلى
(٤)
صاحِبِكم))(٤) .
(١) أخرجه مسلم في (٤٣) في الفضائل (٢٣٦٩) ولم يخرجه البخاري. انظر:
تحفة الأشراف (٤٠٢/١) رقم (١٥٧٤).
(٢) أخرجه البخاري في (٦٤) الأنبياء (٣١٧١)، ومسلم في (٥١) الجنة وصفة
نعيمها وأهلها (٢٨٦٠) من حديث.
(٣) أخرجه مسلم في (١) الإيمان (١٦٧) من حديث جابر بن عبدالله رضي الله
عنهما .
(٤) أخرجه البخاري في (٦٤) الأنبياء (٣١٧٧)، ومسلم في (١) الإيمان (١٦٦)
(٢٧٠) .
٣٠٧

وكان ◌َّ يعوذ أولاد ابنته حسنًا وحسينًا رضي الله عنهما
بتعويذ إبراهيم لإسماعيل وإسحاق صلى الله عليهم وسلم،
٢٨٩ - ففي ((صحيح البخاري)) (١): عن سعيد بن جبير، عن
ابن عباس رضي الله عنه، قال: كان النبي ◌َّلا يعوذ الحسن والحسين
ويقول: ((إنَّ أَبَاكُمَا كانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيْلِ وإِسْحَاق: أعُوْذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ
التَّامَّة، مِنْ كُلِّ شَيْطَان وَهَامَّة، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّة)).
وكان مَليّ أول من قرى الضيف، وأول من اختتن، وأول من
رأى الشيب. فقال: ما هذا يا رب؟ قال: وقار. قال: رب زدني
وقارًا(٢) .
(١) أخرجه البخاري في (٦٤) الأنبياء (٣١٩١).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ رقم (٢٦٦٨ - رواية يحيى الليثي، ٩٨٠ - ورواية
الشيباني - وغيرهما) وابن أبي شيبة في مصنفه (٢٤٧/٧) رقم (٣٥٧٢٧
و٣٥٧٢٨) وغيرهما تامًا - وزاد في الموطأ - (وأول الناس قصَّ شاربه).
وسنده صحيح إلى سعيد بن المسيب.
وقد رويت الجملة الأولى والثانية - من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وفي
ثبوتها نظر.
تفرد بها محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره.
أخرجه ابن أبي عاصم في الأوائل رقم (١٨) والطبراني في الأوائل
(١١٢١٠) والبيهقي في شعب الإيمان - من طريق ابن أبي الدنيا - قِرى
الضيف - (١٧ / ١٠٦) رقم (٩١٧٠) وغيرهم.
وقد اضطرب محمد بن عمرو في لفظة (- أول من اختتن إبراهيم .. ).
انظر مسند أبي يعلى (٣٨٤/١٠) رقم (٥٩٨١) وتاريخ دمشق لابن عساكر =
٣٠٨

وتأمّل ثناء الله سبحانه عليه في إكرام ضيفه من (١) الملائكة
حيث يقول سبحانه: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ﴾﴿ إِذْدَخَلُواْ
عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَا قَالَ سَلَمٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ (٤٥) فَرَغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ:
[الذاريات: ٢٤ - ٢٧]، ففي هذا ثناء على
٢٧
إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ
إبراهيم من وجوه متعددة :
أحدها: أنه وصف ضيفه بأنهم مكرمون. وهذا على أحد
القولين أنه إكرام إبراهيم لهم (٢)، والثاني: أنهم المكرمون عند الله
سبحانه، ولا تنافي بين القولين، فالآية تدل على المعنيين.
الثاني: قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ فلم يذكر استئذانهم،
ففي هذا دليل على أنه وَّ كان قد عُرِف بإكرام الضّيْفان، واعتياد
قِراهُم، فبقي منزل مضيفه مطروقًا لمن ورده، لا يحتاج إلى
الاستئذان، بل استئذان الداخل دخوله، وهذا غاية ما يكون من
الكرم [٩٤/ ب].
الثالث: قوله لهم(٣): ﴿سَلَمٌ﴾ بالرفع، وهم سَلَّمُوا عليه
بالنَّصب. والسلام بالرفع أكمل فإنه يَدُلُّ على الجُمْلة الإسْمِية الدَّالة
(٦/ ١٩٧).
=
والمحفوظ عن غير واحد عن أبي هريرة (اختتن إبراهيم ... ) بدون ذكر
الأوَّليَّة .
(١) سقط من (ح) (من).
(٢) سقط من (ب، ح، ش).
(٣) سقط من (ح).
٣٠٩

على الثُبُوت والتَّجَدُّد(١)، والمنصوب يدُلّ على الفِعْليّة الدَّالة على
الحُدُوث والتَّجدُّد(٢)، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام حَيَّاهم بتحيَّة
أحْسَن من تحيَّتهم، فإنَّ قولهم: ﴿سَلَمَا﴾ يدل على سَلَّمْنَا سَلَاَمًا،
وقوله: ﴿سَلَمٌ﴾ أي: سَلامٌ عليكم.
الرابع: أنه حذف المبتدأ من قوله: ﴿قَوْمٌ مُّنْكَرُونَ ﴾﴾ فإنه لمَّا
أنكرهم ولم يعرفهم احْتَشَم من مواجهتهم بلفظ ينفّر الضيف لو
قال: أنتم قوم منكرون، فَحَذْفُ المبتدأ هنا مِن أَلْطف الكلام.
الخامس: أنه بنى الفعل للمفعول، وحذف فاعله، فقال:
﴿ُكَرُونَ ﴾ ولم يقل إني أنكركم، وهو أحسن في هذا المقام
وأبعد من التَّنْفِيْر والمواجهة بالخشونة .
السادس: أنه راغ إلى أهله ليجيئهم بِنُزُلِهِم، والرَّوَغَان هو
الذهاب في اختفاء بحيث لا يكاد يشعر به الضيف، وهذا من كرم
ربِّ المنزل المضيف؛ أن يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به
الضيف(٣)، فيشقّ عليه ويستحي، فلا يشعر به إلا وقد جاءه
بالطعام، بخلاف من يُسْمِعُ ضيفه ويقول له، أو لمن حضر:
مكانكم حتى آتيكم بالطعام ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف
واحتشامه .
(١) سقط من (ب).
(٢) سقط من (ظ، ت، ج) من (والمنصوب) إلى (والتجدد).
(٣) سقط من (ب، ش) (الضيف)، وسقط من (ت، ظ، ج) من قوله (وهذا من
كرم) إلى (لا يشعر به الضيف).
٣١٠

السابع: أنه ذهب إلى أهله فجاء بالضِّيافة، فدلَّ على أنَّ ذلك
كان مُعدًّا عندهم مهيَّأ للضيفان، ولم يحتج أن يذهب إلى غيرهم
من جيرانه، أو غيرهم فيشتريه أو يستقرضه.
الثامن: قوله: ﴿فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ
دلَّ على خدمته [٩٥/أ]
٢٦
للضيف بنفسه، ولم يقل فأمر لهم، بل هو الذي ذهب وجاء به
بنفسه، ولم(١) يبعثه مع خادمه، وهذا أبلغ في إكرام الضيف.
التاسع: أنه جاء بعجل كامل، ولم يأت ببضعة(٢) منه، وهذا
من تمام کرمه ێ .
العاشر: أنه سَمِيْن لا هزيل، ومعلوم أن ذلك من أفخر
أموالهم، ومثله يُتَّخَذ للاقتناء والتَّربية، فآثر به ضيفانه.
الحادي عشر: أنه قربه إليهم(٣) بنفسه، ولم (٤) يأمر خادمه
بذلك .
الثاني عشر: أنه قربه إليهم ولم يقربهم إليه، وهذا أبلغ في
الكرامة، أن يجلس (٥) الضيف، ثم يقرب الطعام إليه، ويحمله(٦) إلى
(١) في (ش) (ولم يقل: بعثه).
(٢) في (ب) (بنصفه).
(٣) سقط من (ب)، (إليهم)، وسقط من (ج) (بنفسه).
في (ب، ش) (لم) بدون واو قبلها.
(٤)
(٥) في (ب) (تجلس) في (ظ، ت) غير منقوطة.
(٦) في (ب) (وتحمله) في (ظ، ت) غير منقوطة.
٣١١

حضرته، ولا تضع الطعام في ناحية، ثم تأمر ضيفك بأن يتقرب إليه.
وهذا عرض وتلطُف
الثالث عشر: أنه قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ
في القول، وهو أحسن من قوله: كلوا، أو مُدُّوا أيديكم، ونحوها،
وهذا مِمَّا يعلم الناس بعقولهم حُسْنه ولطفه، ولهذا يقولون: بسم
الله، أو ألا تتصدَّق، أو ألا تجبر، ونحو ذلك.
الرابع عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل؛ لأنه رآهم لا
يأكلون، ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الإذن في الأكل، بل
كان إذا قدم إليهم الطعام أكلوا، وهؤلاء الضيوف لما امتنعوا من
الأكل قال لهم: ألا تأكلون، ولهذا أوْجَسَ منهم خِيْفَة، أي: أحسَّها
وأضْمَرها في نفسه، ولم يُبْدِها [٩٥/ب] لهم، وهو الوجه.
الخامس عشر: فإنهم لما امتنعوا من الأكل لطعامه خاف من
أن يظهر لهم ذلك، فلمّا علمت الملائكة منه ذلك، قالوا: لا
تخف، وبَشَّرُوه بالغلام.
فقد جمعت هذه الآية آداب الضِّيافة التي هي أشرف الآداب،
وما عداها من التَّكلُّفات التي هي تخلُّف (١) وتكلف إنما هي من
أوضاع الناس وعوائدهم، وكفى بهذه الآداب شرفًا وفخرًا، فصلى
الله على نبينا، وعلى إبراهيم وعلى آلهما وعلى سائر النبيين.
وقد شهد الله سبحانه بأنه وفَّى ما أُمِرَ به فقال تعالى: ﴿أَمَّ لَمْ
(١) وقع في نسخة (ظ) من حاشية (ب) (تصلف).
٣١٢

[النجم: ٣٦ - ٣٧]،
يُنَّأْ بِمَا فِىِ صُحُفٍ مُوسَى (٢٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَ
٢٩٠ - قال ابن عباس رضي الله عنه: ((وفّى جميع شرائع
الإسلام، ووفَّى ما أمر به من تبليغ الرسالة))(١).
وقال تعالى: ﴿﴿ وَإِذٍ أَبْتَلَّ إِبْرَهِعَمَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ فَأَتَمَّهُنِّ قَالَ إِنِّىِ جَاعِلُكَ
لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، فلمَّا أتمَّ ما أَمِر به من الكلمات جعله الله
إمامًا للخلائق یأتمُون به.
وكان وَّ كما قيل: قَلْبُهُ للرحمن، وولده للقُرْبان، وبَدَنه
للنِيْران، وماله للضِّيفان.
ولمَّا اتخذه ربه خليلاً - والخُلَّة هي كمال المحبة، وهي مرتبة
لا تقبل المشاركة والمزاحمة، وكان قد سأل ربه أن يهب له ولدًا
صالحًا، فوهب له إسماعيل، فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه، فغار
الخليل(٢) على قلب خليله أن يكون فيه [٩٦/أ] مكان لغيره، فامتحنه
بذبحه؛ ليظهر سِرُّ الخُلَّة في تقديمه محبّة خليله على محبَّة ولده،
فلمَّا اسْتَسْلم لأمر ربه وعزم على فعله وظهر سلطان الخلة في
الإقدام على ذبح الولد إيثارًا لمحبة خليله على محبته، نسخ(٣) الله
تعالى ذلك عنه وفداه بالذُّبْح العظيم، لأنَّ المَصْلحة في الذَّبْح كانت
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٧/ ٧٣) عن ابن عباس بمعناه وسنده ضعيف
جدًا. وثبت نحوه عن مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة.
(٢) في (ب) (الجليل)، وفي (ظ، ت) غير منقوطة.
(٣) في (ح) (فسخ).
٣١٣

ناشئة من العزم وتوطين النفس على ما أُمِرَ به، فلما حصلت هذه
المصلحة عاد الذبح في نفسه(١) مفسدة، فنسخ في حقه، وصارت
الذبائح والقرابين من الهدايا والضَّحايا سُنَّة في أتْبَاعه إلى يوم القيامة .
وهو الذي فتح للأُمَّة باب مناظرة المشركين وأهل الباطل،
وكَسْرِ حُجَجِهم، وقد ذكر الله سبحانه مناظرته في القرآن مع إمام
المعطّلِيْن، ومناظرته مع قومه المشركين، وكَسْرَ حُجَج الطائفتين
بأحسن مناظرة، وأقربها إلى الفهم وحصول العلم.
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَاَ ءَاتَيْنَهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ
مَّن نَّشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]، قال زيد بن أسلم وغيره:
٢٩١ - ((بالحجة والعلم))(٢). ولما غُلِبَ أعداءُ الله معه
بالحُجَّة، وظهرت حُجَّته عليهم، وكَسَرَ أصنامهم، فكَسَرَ حُجَجَهم
ومعبودهم، همُّوا بعقوبته وإلقائه في النار، وهذا شأن المبطلين إذا
غُلِبُوا وقامت عليهم الحجة هموا بالعقوبة، كما قال فرعون لموسى
عليه الصلاة والسلام وقد أقام [٩٦/ب] عليه الحجة: ﴿لَيِنِ أَّخَذْتَ إِلَهًا
غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، فأضرموا له النار وألقوه
(١) من (ب) قوله (في نفسه) وفي (ش، ت، ظ) (نفسه).
(٢) أخرجه ابن وهب في التفسير من ((جامعه)) (٢ / رقم ٢٧٤) عن زيد بن أسلم
قال: «بالعلم))، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ رقم ٧٥٥٠) وسنده صحيح،
ولفظه (إنه العلم، يرفع الله به من يشاء في الدنيا). وانظر: تفسير الطبري
(٢٥٩/٧).
٣١٤

في المنجنيق، فكانت تلك السَّفْرة من أعظم سفرة سافرها وأبركها
عليه، فإنه ما سافر سفرةً أبرك ولا أعظم ولا أرفع لشأنه وأقرّ لعينه
منها، وفي تلك السفرة عرض له جبريل بين السماء والأرض فقال:
يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا (١).
٢٩٢ - قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:
﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ الَ﴾﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ((قالها نبيكم، وقالها
إبراهيم حين ألقي في النار))(٢)، فجعل الله سبحانه عليه النار بردًا
وسلامًا .
٢٩٣ - وقد ثبت في ((صحيح البخاري)) (٣): من حديث أم
شَرِيْك أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ أَمَرَ بِقَتْلِ الوَزَعْ وقال: ((كانت تَنْفُحُ عَلَى (٤)
إِبراهِیم)).
وهو الذي بنى بيت الله وأذَّنَ في الناس بحجِّه؛ فكل مَنْ حَجَّه
واعْتَمره حصل لإبراهيم من مزيد ثواب الله تعالى وإكرامه بعدد
الحُجَّاج والمعتمرين، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنَا﴾
[البقرة: ١٢٥].
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٤٥/١٧) مقطوعًا.
(٢) أخرجه البخاري في (٦٨) التفسير/ آل عمران (٤٢٨٧).
(٣) في (٦٤) الأنبياء (٣١٨٠)، ومسلم في (٣٩) السلام (٢٢٣٧).
(٤) وقع في نسخة (ظ) على حاشية (ب) (نار) بدلاً عن (على)، وفي (ت، ج)
(تنفخ النار على ... ) وهي غير موجودة في البخاري.
٣١٥

٢٩٤ - قال ابن عباس(١) رضي الله عنه: يثوبون إليه، ولا
يقضون منه وطرا))(٢)، ﴿ وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلَى﴾ [البقرة: ١٢٥]،
فأمر نبيه وَّ﴾ وأَمَّته أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى تحقيقًا
للاقتداء به وإحْياءِ آثارِه صلى الله على نبينا وعليه وسلم [٩٧/أ].
ومناقب هذا الإمام الأعظم (٣) والنَّبِيّ الأكرم ◌َّ أجلُّ من أن
يُحيط بها كتاب، وإنْ مَدَّ الله في العمر أفردنا كتابًا في ذلك يكون
قطرة في بحر فضائله أو أقلّ، جعلنا الله تعالى مِمَّن ائتمَّ به، ولا
جعلنا مِمَّن عَدَلَ عن مِلَّته بمنِّه وكرمه.
وقد روى لنا عنه النبي وقليل حديثاً وقع لنا متصل الرواية إليه،
٢٩٥ - رُوِّيْنَاهُ في كتاب الترمذي وغيره(٤) وغيره: من حديث
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (البقرة/ رقم (١٢٠٠).
وظاهر سنده حسن، وهو من قول مجاهد أصح. انظر: تفسير الطبري
(٥٣٣/١)، وأخرجه الطبري (٥٣٤/١) وسنده حسن. وليس فيه (ولا
يقضون منه وطرّا).
(٢) سقط من (ح) من قوله (قال ابن عباس) إلى (وطره).
(٣) في (ب) (أعظم).
(٤) أخرجه الترمذي (٣٤٦٢)، والطبراني في الصغير (٣٢٦/١) رقم (٥٣٩) من
طريق سيَّار عن عبدالواحد عن عبدالرحمن بن إسحاق عن القاسم به، وقال
حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود.
قلت: وهذا منكر رفعه، تفرد به عبدالرحمن بن إسحاق، وهو متفق على
ضعفه. قال أبو حاتم: ((هكذا رواه سيار. وغيره يقول عن القاسم عن أبيه: هذا
الصحيح مرسل)). راجع تتمة الكلام في علل ابن أبي حاتم (١٧٠/٢ - ١٧١).
وورد من حديث أبي أيوب الأنصاري، ولكن فيه «غراسها لا حول ولا =
٣١٦

القاسم بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود رضي الله عنه،
قال: قال رسول الله وَله: ((لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا
محمد أقرىء أمتك السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة
الماء وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله
أکبر»، قال الترمذي: هذا حديث حسن.
قوة إلا بالله)). أخرجه ابن حبان (١٠٣/٣) رقم (١، ٨) وغيره، وحسنه ابن
حجر في النتائج (١٠١/١) وغيره، وفيه عبدالله بن عبدالرحمن، لم يوثقه إلا
ابن حبان (١/٧) ففيه جهالة.
* وورد من حديث ابن عمر: عند الطبراني في الكبير (٣٦٤/١٢) وغيره *
ويخشى أنه من منكرات: عقبه بن علي. انظر الضعفاء الكبير للعقيلي
(٣٥٢/٣) وأيضًا: ليس في متنه: (سبحان الله والله أكبر).
٣١٧

الفصل السادس
في ذكر المسألة المشهورة بين الناس وبيان ما فيها(١)
وهي أن النبي # أفضل من إبراهيم، فكيف طلب له وَليل من
الصلاة ما لإبراهيم وقّ، مع أن المشبّه به أصله أن يكون فوق
المشبّه؟ فكيف الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين(٢)؟.
ونحن نذكر ما قاله الناس في هذا، وما فيه من صحيح
وفاسد .
* فقالت طائفة: هذه الصلاة علَّمها النَّبِي وَّ أُمَّته قبل أن
يعرف أنَّه سَيِّد ولد آدم.
ولو سكت قائل هذا لكان [٩٧/ب] أولى به وخيرًا له، فإنَّ هذه
هي الصلاة التي علّمهم النبي ◌َّ إياها لما سألوه عن تفسير ﴿إِنَّ اللَّهَ
وَمَلَبِّكَتَُّ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ
تَسْلِيمًا ﴾﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فعلمهم هذه الصلاة وجعلها مشروعة
في صلوات الأُمّة إلى يوم القيامة، والنبي ◌َّ لم يَزَلْ أفضل ولد آدم
قبل أن يعلم بذلك وبعده. وبعد أن عَلِمَ بذلك(٣)، لم يُغَيِّر نظم
(١) سقط من (ب) (وبيان ما فيها).
(٢) في (ب) (المنافين) وهو خطأ.
(٣) سقط من (ب) (وبعدَه، وبعد أن علم بذلك).
٣١٨

الصلاة التي عَلَّمَها أمته، ولا أبدلها بغيرها، ولا روى عنه أحد
خلافها، فهذا من أفسد جواب يكون.
* وقالت طائفة أخرى: هذا السؤال والطلب شُرِع لِيتَّخذه الله
خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، وقد أجابه الله تعالى(١) إلى ذلك.
٢٩٦ - كما ثبت عنه(٢) في ((الصحيح))(٣): ((أَلاَ وَإِنَّ صَاحِبَكم
خَلِيلُ الرَّحْمَنِ)) يعني نفسه.
وهذا الجواب من جنس ما قبله؛ فإن مضمونه: أنه بعد أن
اتخذه الله خليلاً، لا تُشْرَع الصلاة عليه على هذا الوجه، وهذا من
أبطل الباطل.
* وقالت طائفة أخرى: إنما هذا التَّشبيه راجع إلى المُصَلِّي
فيما يحصل له من ثواب الصَّلاة عليه، فطلب من ربه تعالى ثوابًا،
وهو أن يصلي عليه كما صلى على آل إبراهيم، لا بالنسبة إلى النبي
وَلَه، فإن المطلوب لرسول الله وَّه مِن الصَّلاة أجلُّ وأعْظَمُ ممّا هو
حاصل لغيره من العالمين.
وهذا من جنس ما قبله، أو أفسد، فإن [٩٨/أ] التشبيه ليس فيما
يحصل للمصلَّي، بل فيما يحصل للمصلَّى عليه، وهو النبي
صَلىالله
وسلم
(١) من (ب) فقط قوله (تعالى).
(٢) سقط من (ظ، ت) (كما ثبت عنه)، وفي (ج) طمس من الأصل.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٣٨٣) من حديث ابن
مسعود رضي الله عنه.
٣١٩

وآله، فمن قال: إن المعنى اللهم أعطني من ثواب صلاتي عليه كما
صليت على آل إبراهيم، فقد حَرَّف الكلم، وأبطل في كلامه.
ولولا أن هذه الوجوه وأمثالها قد ذكرها بعض الشُّرَّاح
وسَوَّدُوا بها الطُّروس(١)، وأوهموا الناس أن فيها تحقيقًا، لكان
الإضراب عنها صفحًا أولى من ذكرها، فإنَّ العالم يستحيي من
التَّكلم على هذا والاشتغال بردِّه.
* وقالت طائفة أخرى: التشبيه عائد إلى الآل فقط، وتَمَّ
الكلام عند قوله: ((اللهم صل على محمد))، ثم قال: ((((وعلى آل
محمد كما صليت على آل إبراهيم))، فالصلاة المطلوبة لآل محمد
هي المشبّهة بالصلاة الحاصلة لآل إبراهيم، وهذا نقله العِمْراني (٢)
عن الشافعي .
وهو باطل عليه قطعًا، فإن الشافعي أجلُّ من أن يقول مثل
هذا، ولا يليق هذا بعلمه وفصاحته، فإن هذا في غاية الرَّكاكة
والضَّعف(٣).
(١) جمع طِرْس، وهي الصحيفة. انظر: اللسان (١٢١/٦) مادة: طرس.
(٢) هو أبو الحسن يحيى بن أبي الحسن العِمْراني، شيخ الشافعية في اليمن،
(ت: ٥٧٨هـ). طبقات فقهاء اليمن للجعدي ص ١٧٤ .
وانظر البيان للعمراني (٢٤٥/٢).
(٣) قال ابن حجر: ((وليس التركيب المذكور بركيك ... )) لكن تعقبه الزركشي.
انظر فتح الباري (١٦٥/١١)، والقول البديع للسخاوي ص ٨٤.
٣٢٠