النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كُثَيْر بن عَبْدِ الرَّحمنِ ابنِ الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيْمر بن مَخْلَد
قال طلحة بن عَبْد اللّه(١): والذي نفسي بيده لعجبت من كُثَيِّر، ومن جوابه، وما رأيت
أحداً قطَ أحمق منه، رأيتني وقد دخلت عليه ومعي جماعة من قريش وكان عليلاً فقلنا: كيف
تجدك يا أبا صَخْر؟ قال: بخير (٢)، سمعتم الناس يقولون شيئاً؟ - وكان يتشيع - فقلنا: نعم،
يقولون: إنّك الدَّجَّال، قال: والله لئن قلتَ ذاك إني لأجد ضعفاً في عيني هذه منذ أيام.
أَخْبَرَنا أَبُو الحُسَيْنِ مُحَمَّد بن مُحَمَّد، وأَبُو غالب أَحْمَد، وأَبُو عَبْد اللّه يَحْيَى ابنا أَبي
عَلي قالوا: أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بن أَحْمَد بن مُحَمَّد، أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحمن بن العباس، أَنْبَأْنَا
أَحْمَد بن سُلَيْمَانِ، حَدَّثَنَا الزُّبَير، حَدَّثَني عمران بن موسى بن فليح [حدثني عمي سليمان بن
فلیح قال :
استنشدني يوماً أمير المؤمنين هارون الرشيد لكُثَيِّر](٣) فأنشدته نَسيبَ قصيدة له، ثم
وقفت، فقال لي مالك: فقلت: إنّه قد مدح بني مروان يا أمير المؤمنين، فقال: امضه،
فمضيت في مديحها حتى فرغت، ثم استزادني فزدته شباب (٤) قصيدة أخرى فلما انتهيت إلى
المديح وقفتُ [فقال لي: ما لك(٥)؟] فقلت: إنه مدح بني مروان يا أمير المؤمنين، فقال:
امضه، فمضيت في مديحها حتى أنشدتها قصائد له، فجعل يتعجب من شعره، فقال له يَحْيَى
ابن خالد: ما مدحكم به ابن أبي حفصة أجود من هذا حين يقول :
نور الخلافة في المهدي تعرفه وذلك النورُ في موسى وهارونٍ
فقال له أمير المؤمنين الرشيد: دَعْ هذا الكلام عنك يا أبا عَلي، فوالله لا نمدح بمثل
شعر كُثَيِّر حتى يحاك لنا مثل طراز هشام.
أَخْبَرَنا أَبُو القَاسمِ إسْمَاعيل بن أَحْمَد، أَنْبَأْنَا أَبُو مُحَمَّد السكري، أَنْبَأَنَا أَبُو الحسَن
الطاهري، أَنْبَأْنَا أَبُو بَكْر الخُتّلِي، أَنْبَأَنَا أَبُو خليفة الجُمَحي، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللّه الجُمَحي(٦)
قال: وكان لكُثَيِر في النسيب(٧) نصيب وافر وجميل مقدّم عليه في النسيب، وله في فنون
(١) الخبر في الأغاني ٩/ ٢٠ وفيها: طلحة بن عبيد اللّه. (٢) الأغاني: أجدني ذاهباً.
(٣) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك عن م و((ز)).
(٤) رسمها بالأصل: (سات)) وفي م: (سبات)) وفي ((ز)): ((شيان)) والمثبت عن المختصر.
(٥) ما بين معكوفتين استدرك على هامش الأصل، وبعدها صح.
(٦) طبقات فحول الشعراء ص ١٦٨.
(٧) كذا بالأصل وم و((ز))، وفي طبقات فحول الشعراء: التشبيب.

٨٢
كُثَيْرِ بن عَبْدِ الرَّحمن ابن الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيْمر بن مَخْلَد
الشعر ما ليس لجميل، وكان جميل صادق الصبابة والعشق، وكان كُثَيِّر يقول : - ولم يكن
عاشقاً - وكان راوية جميل وهو الذي يقول(١):
وإنْ نأتك وَلَمْ تْمِمْ بها خَرَقُ
أَلْمِم بعَزّة إنّ الركب منطلقُ
كأن إنسانها في لُجَّةٍ غرقُ
قَامَتْ تراءى لنا والعينُ ساجية
مبادراً خَلَسَاتِ الطرف يستبق
ثم استدار على أرجاء مقلتها
درّ تَحَلَّلَ من أسلاكه نَسَقُ
كأنه حين مَارَ المَأْقَيَان به
قال: وسمعت الناس يستحسنون من قوله ويقدمونه(٢).
أريد لأنسى ذكرها فكأنّما تَمَثّل لي ليلى بكلّ سبيل
قال: وسمعت من يطعن عليه ويقول: ما له يريد أن ينسى ذكرها.
أَخْبَرَنا أَبُو الحُسَيْنِ بن الفراءِ، وأَبُو غالب، وأَبُو عَبْد اللّه قالوا: أَنْبَأْنَا أَبُو جَعْفَر
المعدل، أَنْبَأَنَا أَبُو طاهر الذهبي، أَنْبَنَا أَبُو عَبْد اللّه الطوسي، حَدَّثَنَا الزبير قال: وحَدَّثَنِي
عُثْمَان بن عَبْد الرَّحمن قال: حضرت مجلس أَبيك أَبي بكر بن عَبْد اللّه بن مصعب، وعنده
عَبْد العزيز بن عمران الزهري، وكان عَبْد العزيز يقول شعراً ضعيفاً، فقال له أَبُو بَكْر: عجباً
لك يا أبا عَبْد الرَّحمن مع عقلك كيف تقول ضعيف الشعر؟ فقال له عَبْد العزيز: أصلحك
الله، إنّ كُثَيّاً أنشد طلحة ابن عَبْد اللّه بن عوف قوله(٣):
تراجع مني النفس بعد اندمالها (٤)
وإنّي على سُقْمي بأسماء والذي
وللربع من أسماء بعد احتمالها
لأرتاح من أسماء للذكر قد خلا
فقال له طلحة: إنك لقائل هذا الشعر يا أبا صَخْر، فقال له كُثَيِّر: كأنك عجبت لجودة
شعري مع رأيي؟ قال: نعم، قال كُثَيْر: إنّ عقلك نفذ ذلك في شعري ولم ينفذ لك في رأيي
قال عَبْد العزيز لأبي بكر: وعقلك أصلحك الله نفذ لك في عقلي، ولم ينفذ لك في شعري.
أَخْبَرَتنا فخر النساء شُهْدة بنت أَحْمَد بن الفرج في كتابها قالت: أَنْبَأَنَا جَعْفَر بن أَحْمَد
السراج، أَنْبَأنَا القاضي أَبُو الطّيّب طاهر بن عَبْد اللّه الطبري. ح وأَنْبَأنَا أَبُو القَّاسم عَلي بن
(١) الأَبيات في ديوانه ص ١٣٠ وطبقات فحول الشعراء ص ١٦٨.
(٢) مرّ البيت قريباً.
(٣) البيتان من قصيدة، ديوانه ص ١٩١ حكي عنه أنه قال: هي خير قصائدي.
(٤) يعني تماثله للشفاء من المرض.

٨٣
كُثَيْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحمن ابن الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيْمر بن مَخْلَد
إِبْرَاهيم العلوي وجماعة عن القاضي أبي الطّيّب الطبري.
حَدَّثَنَا القاضي أَبُو الفرج المعافى بن زكريا، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى الصولي، حَدَّثَنَا
مُحَمَّد بن يزيد، حَدَّثَنَا ابن عائشة، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَني رجل من بني عامر بن لؤي: ما رأيتُ
بالحجاز أعلم منه حَدَّثَني كُثَيِّر أنه وقف على جماعة يفيضون فيه وفي جميل أيهما أصدق
عشقاً، ولم يكونوا يعرفونه بوجهه، ففضلوا جميلاً في عشقه، فقلت لهم: ظلمتم كُثَيِّراً،
كيف يكون جميل أصدق عشقاً من كُثَيِّر وإنّما أتاه عن بُثَينة بعض ما يكره فقال(١):
رمى الله في عيني بُثَيْنة بالقَذَى وفي الغُرّ من أنيابها بالقَوَادِحِ
والقوادح ما يصيبها ويعيبها، وكُثَيّاً أتاه عن عَزّة ما يكره فقال(٢):
ـعزّة من أعراضنا ما اسْتَحَلّتِ
هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرٍ
فما انصرفوا إلاَّ على تفضيلي.
أَخْبَرَنا أَبُو القَاسم بن أَبِي الأشعث، أَنْبَأَنَا عَبْد الوهَابِ البَزّازِ(٣)، أَنْبَأَنَا عَلي بن عَبْد
العزيز، أَنْبَأَنَا أَحْمَد بن جَعْفَر، أَنْبَأَنَا الفضل بن الحُبَابِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَلاّم قال (٤):
وقدم - يعني - كُثَيْراً على عَبْد الملك بن مروان الشام فأنشده والأخطل عنده فقال عَبْد
الملك: كيف ترى يا أبا مالك؟
قال: أرى شعراً حجازياً مقروراً لوقد ضغطة بَرْدُ الشام لاضمحلٌ.
أَخْبَرَنا أَبُو الفتح نصر اللّه بن مُحَمَّد الفقيه، حَدَّثَنَا نصر بن إِبْرَاهيم، أَنْبَأْنَا عَبْد الكريم
ابن عَلي القزويني - قراءة عليه - حَدَّثَنِي أَبُو القَّاسم صلة بن المُؤَمّل بن خلف البَزّاز، حَدَّثَنَا
أَبُو(٥) مسلم مُحَمَّد بن عَلي الكاتب، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن الحسن بن دريد الأزدي، حَدَّثَنَا
مُحَمَّد بن أَبي يعقوب، حَدَّثَنَا أَبُو نصر بن منصور، عَن العُثْبِي قال: [كان](٦) عَبْد الملك بن
مروان: يحب النظر إلى كُثَيِر عَزّة، إذ دخل آذنه يوماً فقال: هذا كُثَيِّر بالباب، فاستبشر عَبْد
الملك وقال: أدخله، فدخل، فإذا هو حقير قصير تزدريه العين، فسلّم بالخلافة، فقال عَبْد
(١) دیوان جميل ص ٥٤.
(٢) ديوانه ص ٥٦.
(٤) طبقات فحول الشعراء ص ١٦٧.
(٣) الأصل وم، وفي (ز)): البزار.
(٥) كتبت فوق الكلام بين السطرين بالأصل.
(٦) سقطت من الأصل واستدركت للإيضاح عن م و(ز)).

٨٤
كُثَيْرِ بِن عَبْدِ الرَّحمنِ ابنِ الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيْمر بن مَخْلَد
الملك: ((تسمع بالمعيدي لا أن تراه))(١)، فقال: مهلاً يا أمير المؤمنين، فإنّما المرء بأصغريه:
قلبه ولسانه، إنْ نطق نطق ببيان، وإن قال(٢) قال بجنان، وأنا الذي أقول يا أمير المؤمنين(٣):
وقد أَبْدَتْ عريكتيَ الأمورُ
وَجَرَّبْتُ الأمورَ وجَرَّبَتْني
بهم لأخو مثاقبة خبير
وما يخفى الرجال عليّ إنّي
وفي أثوابه أسدٌ يزير (٤)
فيخلف ظنَّك الرجلُ الطريرُ
ترى الرجل النحيف فتزدريه
ويعجبك الطرير فَتَخْتَبره
ولكن زَيْنُها كَرَمٌ وخير
ولم تَطُلِ البُزَاة ولا الصُّقُور
فلم يَسْتَغن بالعظم البعير
فلا عرف لديه ولا نكير
وليس يطول والقصباء خور
وما عظمُ الرجال لها(٥) بزينٍ
بغاثُ الطير أطولها جسوماً
وقد عَظُمَ البعير بغير لبّ
فيركب ثم يضرب بالهراوي
وعود النبع ينبت مستمراً
أَخْبَرَنا أَبُو العزّ أَحْمَد بن عُبَيْد اللّه - إذناً ومناولة وقرأ عليّ إسناده - أَنْبَأْنَا مُحَمَّد بن
الحُسَيْنِ، أَنْبَأَنَا المعافى بن زكريا القاضي(٦)، حَدَّثَنَا الحسن بن علي بن المَرْزُبان النحوي،
حَدَّثَنَا عَبْدِ اللّه بن هارون النحوي، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن أبي يعقوب الدِّيْنُوري، أَخْبَرَني
نصر بن منصور عن العُثْبي قال: كان عَبْد الملك بن مروان يحب النظر إلى كُثَيِر إذ دخل عليه
آذنه يوماً، فقال: يا أمير المؤمنين هذا كُثَيِّر بالباب، فاستبشر عَبْد الملك وقال: أدخله يا
غلام، فدخل كُثَيِّر، وكان دميماً حقيراً تزدريه العين، فسلّم بالخلافة، فقال عَبْد الملك:
تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال كُثَيِّر: مهلاً يا أمير المؤمنين، فإنّما الرجل بأصغريه.
قال القاضي: العرب تقول: تسمع بالمعيدي لا أن تراه، وأن تسمع بالمعيدي خير من
(١) مثل، ونصه في جمهرة الأمثال للعسكري: أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. قائله: شقة بن ضمرة، من بني
تميم، انظر خبره في جمهرة الأمثال ٢٦٦/١.
(٢) كذا بالأصل وم و(ز))، وفي المختصر: ((وإن قاتل قاتل .. )) ومثله في جمهرة الأمثال، ونسب القول أيضاً فيها إلى
شقة بن ضمرة.
(٣) الأَبيات ليست في ديوانه المطبوع.
(٤) كذا بالأصل وم، وفي ((ز)): برير، وكتب على هامشها: ((زئير)) وفي المختصر: مزير.
(٥) الأصل وم، وفي (ز)): لنا.
(٦) الخبر رواه المعافى بن زكريا في الجليس الصالح الكافي ١/ ٥٨٤ وما بعدها، وانظر أمالي القالي ١/ ١٣ و٤٦/١.

٨٥
كُثَيْرِ بن عَبْد الرَّحمن ابن الأسْوَد بن عامر بن عُوَيْمر بن مَخْلَد
أن تراه، وهو مثل سائر، بلسانه وقلبه، وإن نطق نطق ببيان، وإن قاتل قاتل بجنان، وأنا الذي
أقول يا أمير المؤمنين(١):
فقد أَبْدَت عريكتيَ الأمورُ
وَجَرَّبْتُ الأمورَ وجَرَّبَتْني
بهم لأخو مثاقبةٍ خبيرُ
وما يخفى الرجالُ عليّ إِنّي
وفي أثوابه أسدٌ يزير
ترى الرجل النحيفَ فتزدريه
فيخلفُ ظنَّك الرجلُ الطريرُ
ويعجبُكَ الطريرُ فتبتليه
ولكن زَيْنُها كَرَمٌ وخيرُ
وما عظمُ الرجال لهم بزينٍ
ولم تطلِ البزاةُ ولا الصُّقُورُ
بُغَاثُ الطير أكثرها جسوماً
ويروى بغاث(٢)، وبغاث بالفتح والكسر، فأمّا الضم فخطأ عند أهل العلم باللغة، وقد
أجاز بعضهم الضم، والمقلات التي لا يعيش لها ولد، والقَلَت بفتح اللام: الهلاك، ومن
ذلك ما روي عن النبي ◌ّر أنه قال: ((المسافر وما معه على قَلَتِ إلاَّ ما وقى(٣) الله)) [١٠٦٢٦]
ومنه قول الشاعر:
فلم أر كالشَّجْمير مَنْظَرَ نَاظِرٍ ولا كَلَيالي الحجّ أقلتنَ ذا هوی (٤)
ويروى: أفلتن بالفاء(٥)، فأما القَلْت بسكون اللام فالنقرة في الجبل أو الحجر يجتمع
فيها الماء يجمع قلات، قال الشاعر:
قلتان في جوف صفاً منقور (٦)
كأن عينيه من الغثور
ثم رجعنا إلى شعر كُثَيّر :
لقد عظم البعير بغير لبّ
فلم يستغن بالعظم البعير
(١) لم ترد الأبيات في الديوان الذي بيدي، وهي معجم الشعراء منسوبة للعباس بن مرداس، والبيت الرابع في تاج
العروس (طرر) منسوباً للعباس بن مرداس، وقيل: للمَتلمس، وقال الصاغاني: لمعاد بن مالك معود الحلماء.
(٢) كذا بالأصل وم، والذي في ((ز)، والجليس الصالح:
بغاث الطير أطولها جسوماً
ولم تطل البزاة ولا الصقور
ویروی :
وأم الصقر مقلات نزور
بغاث الطير أكثرها فراخاً
وفي بغاث الطير لغتان: بغاث وبغاث بالفتح والكسر.
(٣) بالأصل و(ز)): وفي، والمثبت عن م والجليس الصالح.
(٤) البيت لعمر بن أبي ربيعة ديوانه ط بيروت ص ١٩.
(٥) وهي رواية الديوان.
(٦) نسب الشعر بحواشي الجليس الصالح إلى العجاج.

٨٦
كُثَيْرِ بن عَبْدِ الرَّحمن ابن الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيمر بن مَخْلَد
فلا عرف لديه ولا نكير
فيركب ثم يضرب بالهراوى
قال القاضي : فيروى:
يجرره الصبي بكل سهب ويحبسه على الخسف الجرير
قال القاضي: الجرير الحبل، وبه سمّي الرجل، قال الشاعر:
فيعجبه ويفزعه الجَريرُ
تری في کف صاحبه حلاہ(١)
رجعنا إلى شعر كُثَيِّر:
وعودُ النبع ينبتُ مستمرًّا وليس يطول والقَصْبَاءُ خورُ
قال القاضي: النبع: من كريم الشجر، ويتخذ منه القسيّ قال الشاعر:
أَلَمْ تَرَ أنْ النبعَ يصلب عوده ولا يستوي والخروعُ المُتَقَّصّفُ
وقال الأعشى:
ونحن أناسٌ عودنا عودُ نبعة إذا افتخرَ الحَيّانِ بَكْرٌ وتغلبُ(٢)
قال: فاعتذر إليه عَبْد الملك ورفع مجلسه ثم قال له: يا كُثَيِّر، أنشدني في إخوان دهرك
هذا، فأنشده(٣):
وأينَ الشريكُ في المرّ أينا
خير إخوانك المشاركُ في المُرّ
وإن غبتَ كان أُذناً وعينا
الذي (٤) إنْ حَضَرْتَ سرك في الحيّ
القین جلاهُ [الجلاء](٥) فازداد زینا
ذاك مثلُ الحسامِ أخلصه
قال القاضي: ويروى: جلاه التلام يريد التلامذة، والتلاميذ وهم الصياقلة ههنا، ويقال
التلام المدوس وهو حجر يجلى به، رجع الشعر:
بتّلوا كلما يزينك شينا
أنتَ في معشرٍ إذا غبت عنهم
أنتَ من أكرم الرجال علينا
فإذا ما رأوك قالوا جميعاً
(١) في الجليس الصالح:
فيفزعه ويجبنه الجرير
صاحبه خلاء
(٢) ديوانه ص ١٢ من قصيدة يهجو الحارث بن وعلة.
(٣) الأبيات في دیوانه ص ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٤) الأصل: للذي إن حضرت يسرّك الحي. والمثبت عن م و((ز)) والديوان.
(٥) زيادة عن م و(ز)) والديوان والجليس الصالح لتقويم السند.

٨٧
كُثَيْر بن عَبْد الرَّحمن ابن الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيُمر بن مَخْلَد
فقال له عَبْد الملك: يغفر الله لك يا كُثَيِّر، وأين الاخوان؟ غير اني أنا الذي أقول(١):
وما لك عند فقرك من صديقٍ
صديقك حين تستغني كثير
طوى عنك الزيارة عند ضيق
فلا تنكر على أحدٍ إذا ما
على حنقٍ (٢) وأَشرقني بريقي
وكنت إذا الصديق أراد غيظي
مخافةَ أن أكون بلا صديقٍ
غَفَزْتُ ذنوبه وصفحت عنه
أَخْبَرَنا أَبُو القَاسم إسْمَاعيل بن أَحْمَد، أَنْبَأَنَا عَبْد الوهّاب بن عَلي، أَنْبَأَنَا عَلي بن عَبْد
العزيز قال: قرىء على أَحمَد بن جَعْفَرِ، أَنْبَأَنَا الفضل بن الحُبَاب، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَلام(٣)،
أَخْبَرَني أبان بن عُثْمَان البَجلي قال:
دخل كُثَيِّر على عَبْد الملك فأنشده مدحته التي يقول فيها(٤):
على ابن أبي العاص دلاصٌ حصينةٌ أجاد المُسَدّي سَزْدَها وأذالَها
فقال له عَبْد الملك: أفلا قلت كما قال الأعشى لقيس بن معدي كرب(٥):
شهباءُ(٦) يخشى الذائدون نهالَها
وإذا تجييء كتيبة ملمومةٌ
كنتَ المقدّمَ غيرَ لابسٍ جُنّةٍ
بالسيف تضربُ مُعْلِماً أبطالَها
فقال: يا أمير المؤمنين وصفه بالخرق ووصفتك بالحزم.
أَنْبَانا أَبُو الفضل مُحَمَّد بن ناصر، أَنْبَأَنَا أَبُو طاهر مُحَمَّد بن أَحمَد بن أَبي الصقر، أَنْبَأَنَا
القاضي أَبُو البركات أَحْمَد بن عَبْد الواحد بن الفضل بن نظيف، أَنْبَأَنَا الشريف أَبُو جَعْفَر
مُحَمَّد بن عَبْد اللّه بن طاهر بن يَحْيَى الحسيني ويعرف بمسلّم(٧)، حَدَّثَنِي جدي طاهر بن
يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهيم بن المنذر، حَدَّثَنِي أَبُو الحسَن المدائني قال:
دخل كُثَيِّر بن عَبْد الرَّحمن على عَبْد الملك فأنشده القصيدة التي يقول فيها:
أجاد المُسَدّي سَزْدَها وأذالَها
على ابن أبي العاص دلاصٌ حصينةٌ
(١) الأبيات في ديوان كثير ص ١٣٥.
(٢) رسمها بالأصل: ((حنفى)) وفي م: ((حمد)) والمثبت عن ((ز))، والديوان والجليس الصالح.
(٣) الخبر والشعر في طبقات فحول الشعراء ص ١٦٧.
(٤) دیوان كثير من قصيدة يمدح عبد الملك بن مروان ص ١٥٠ رقمه ٥٩.
(٥) ديوان الأعشى من قصيدة يمدح قيس بن معدي كرب (ط بيروت) ص ١٥٠ و١٥٤.
(٦) عجزه في الديوان: خرساء تغشي من يذود نهالها. (٧) ضبطت بتشديد اللام عن (ز)).

٨٨
كُثَيْر بن عَبْد الرَّحمن ابن الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيمر بن مَخْلَد
فقال له عَبْد الملك: الأعشى أشعر منك، فقال: يا أمير المؤمنين وما يقول الأعشى؟
قال: الأعشى يقول:
خرساء يخشى الذَّائدون ثمالها
فإذا تكون كتيبةٌ ملمومةٌ
بالسيف يضرب مُعْلِماً أبطالها
كنتَ المقدّم غير لابس جُنّة
فلم يجعلني مكفراً في الحديد، قال: يا أمير المؤمنين الأعشى وصف حاجبه بالتعرير،
وأنا وصفتك بالحزم.
أَخْبَرَنا أَبُو القَاسِم بن السَّمَرْقَتْدي، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّد السكري، أَنْبَأَنَا أَبُو الحسن بن عَبْد
العزيز، قال: قُرىء على أَحْمَد بن جَعْفَر، أَنْبَأْنَا أَبُو خليفة، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللّه الجُمَحي(١)،
أَخْبَرَنِي عُثْمَان بن عَبْد الرَّحمن قال: أنشد كُثَيِّر عَبْد الملك حين أزمع بالمسير إلى مصعب(٢):
إذا ما أراد الغزو لم يثن همه(٣)
كعاب (٤) عليها نَظُمُ درّ يزينها
نهته فلما لم تر النهي عاقه بكت وبكى مما شجاها قطينها (٥)
فقال عَبْد الملك: والله لكأنه شهد عاتكة بنت يزيد بن معاوية، امرأته، وهي أم يزيد بن
عَبْد الملك(٦).
أَخْبَرَنا أَبُو العز السلمي - مناولة وإذناً وقرأ عليَّ إسناده - أَنْبَأْنَا مُحَمَّد بن الحُسَيْنِ، أَنْبَأَنَا
المعافى بن زكريا(٧)، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى الصولي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يزيد، أَخْبَرَني مُحَمَّد
ابن عَبْد اللّه بن طاهر، عن أبيه، عن جده قال:
وفد كُثَيِّر على عَبْد الملك وهو يريد الخروج إلى مُصْعَب، فقال له لمّا خرج: يا بن أَبي
جمعة، ذكرتك بشيء من شعرك الساعة، فإن أصبته فلك حكمك، قال: نعم يا أمير
المؤمنين، أردت الخروج فبكت عاتكة بنت يزيد وحشمها - يعني امرأته - فذكرت قولي:
(١) الخبر والشعر في طبقات فحول الشعراء ص ١٦٧.
(٢) ديوان كثير ص ٢٣٠ من قصيدة يمدح عبد الملك بن مروان، والأغاني ٩/ ٢١.
(٣) الديوان: عزمه.
(٤) في الديوان وطبقات فحول الشعراء والأغاني: ((حصان)).
(٥) القطين: الخدم والأتباع.
(٦) وكانت عاتكة، امرأته، قد لاذت بعبد الملك بن مروان لما أراد الخروج لحرب مصعب، وقالت: يا أمير المؤمنين
لا تخرج هذه السنة لحرب مصعب، وبكت وبكى جواريها معها .
(٧) الخبر رواه المعافى بن زكريا الجريري في الجليس الصالح الكافي ٥٨٨/١ وما بعدها.

٨٩
كُثَيْرِ بن عَبْدِ الرَّحمن ابن الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيْمر بن مَخْلَد
حَصَانٌ(١) عليها نَظْمُ درّ يزينُها
إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه
بكت فبكى مما عراها قطينُها
نهته فلمّا لم تَرَ النَّهْي عاقه
قال: أصبت والله، احتكم قال: مائة ناقة من نوقك المختارة، قال: هي لك، فلمّا كان
الغد نظر عَبْد الملك إلى كُثَيِّر يسير في عُرض الناس ضارباً بذقنه على صدره يفكر، فقال:
علي بكُثَيْر، فجيء به، فقال: إنْ أصبتُ ما كنتَ تفكرُ فيه فلي حكمي؟ قال: نعم، قال: الله،
قال: قلت في نفسك: ما أصنعُ بالمسير مع هذا(٢)، رجل(٣) ليس على نِخلتي، ولا مذهبي،
نسير إلى رجل كذلك وكلاهما عندي ظالمٌ من أهل النار، ويلتقي الحيّان فيصيبني سهم غربٌ
فأكون قد خسرت الدنيا والآخرة، قال: والله يا أمير المؤمنين ما أخطأتَ حرفاً فاحتكم، قال:
حكمي أن أحسن صلتك وأن أصرفك إلى أهلك، ففعل ذلك به.
قال القاضي: يقال: أصابه سهم غَرَب وغَرْب والتحريك أعلاهما، وهو أن يصيبه
السهم على حين غفلة منه، والغرب أيضاً عّة تعرض للعين (٤)، والغرب دلو عظيمة، ومنه:
((ما سقي بالغرب ففيه نصف العشر)) ويجمع غروباً، كما قال الأعشى(٥):
من ديارٍ بالهَضْب هَضْبِ القليب فَاضَ ماءُ الشؤون فيضَ الغُرُوبِ
الغرب مقابل الشرق، والغَرَب بالتحريك ضرب من الشجر معروف، والغرب بالفتح
أيضاً من أسماء الفضة قال الأعشى(٦):
إذا انكب أزهر بين السُّقَاة تراموا(٧) به غَرَباً أو نضارا
قال أَبُو عبيدة: الغرب: الفضة، والنّضَار: الذهب، وقال الأصمعي: الغرب:
الخشب، والنُّضَّار: الأثل، وكلّ ناعم فهو نُضَار، وقيل للأصمعي: إنهم لم يكونوا يشربون
في آنية الخشب - يعني الأكاسرة - ويقال للفضة: اللُّجَين، والقطعة من سبيكة والدبلة (٨)
والذهب: نضر وعقيان، وعسجد، ويقال له: الزخرف، والغرب أيضاً: ما سال من الحوض
(١) الحصان: المرأة العفيفة.
(٢) ((هذا)) كتبت فوق الكلام بين السطرين بالأصل.
(٣) كذا بالأصل وم و(ز))، وفي الجليس الصالح: الرجل.
(٤) الغرب: علة تصيب العين فلا يرقأ دمعها.
(٥) مطلع قصيدته التي یمدح قيس بن معدي کرب، دیوانه ط بیروت ص ٢٦.
(٦) البيت في ديوانه ص ٨١ من قصيدة يمدح قيس بن معدي كرب.
(٧) تقرأ بالأصل: ((تراهنا) والمثبت عن م، و(ز))، وديوان الأعشى، وفي الجليس الصالح: ولعوا به.
(٨) بالأصل وم و((ز)): ووذيله، والمثبت عن الجليس الصالح.

٩٠
كُثَيْرِ بن عَبْدِ الرَّحمن ابن الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيمر بن مَخْلَد
والبئر من الماء، كما قال ذو الرمة(١):
وأدرك المستبقّى من ثَميلته ومن ثمائلها واستنشىء الغَرَبُ(٢)
[قوله: واستنثى الغرب](٣) معناه أنه شمّ من قولهم: شممت منه نشوة طيبة، أي ريحاً
طيبة، يقول: شممن الماء من شدة العطش، يعني حمير الوحش (٤).
أَنْبَأنا أَبُو صادق مرشد بن يَحْيَى بن القاسم المديني، وأَبُو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن أَحْمَد بن
إِبْرَاهيم، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر يَحْيَى بن سعدون بن تمام، أَنْبَأْنَا أَبُو صادق قالا: أَنْبَأْنَا أَبُو الحسَن
مُحَمَّد بن الحُسَيْن بن مُحَمَّد النيسابوري. ح وَأَخْبَرَنا أَبُو مُحَمَّد عَبْد الرَّحمن بن أَبِي الحسَن،
أَنْبَأْنَا سهل بن بشر، أَنْبَأَنَا عَلي بن منير بن أَحْمَد قالا: أَنْبَأَنَا أَبُو طاهر مُحَمَّد بن أَحْمَد الذهلي
قال: قُرىء على أبي العباس أَحْمَد ابن يَخْيَى بن زيد النحوي الشيباني المعروف بثعلب وأنا
حاضر في سنة تسع وثمانين ومائتين حَدَّثَنا شيبان بن مالك بن شيبان، حَدَّثَنَا عَبْد اللّه بن
إِسْمَاعيل - شيخ لنا - عن حمّاد الراوية قال(٥): قدمت المدينة، فدخلت المسجد، فكان أوّل
من دفعت إليه كُثَيِّر عزّة فقال: يا أبا صَخْر ما عندك من بضاعتي؟ قال: عندي ما عند
الأحوص ونُصَيْب، قلت: وما عندهما؟ قال: هما أحق بإخبارك، قلت: إنا (٦) لم نحثٌ
المطيّ نحوكم شهراً إلاَّ لطلب ما عندكم ليبقى لكم، وقل من يفعل ذلك، قال: أفلا أخبرك
إلى ما دعاني إلى ترك الشعر؟ [لما](٧) كان هذا الرجل والياً - يعني - عمَر بن عَبْد العزيز - قلتُ
له: بلى، قال: إنّي شخصتُ أنا والأحوص ونُصَيْب وكلّ واحد منهما يدلّ بسابقةٍ له عند عَبْد
العزيز بن مروان، وإخاء لعمر وكلّ واحد منا ينظر في عطفيه، لا يشكّ يُشْرَك في الخلافة،
فلما رُفعت لنا أعلام خُنَاصرة(٨) - وهي منزل عمَر - لقينا مَسْلَمة بن عَبْد الملك، وهو يومئذ
فتى العرب، وقبل ذلك ما بلغتنا الأخبار [بأنه](٩) لا خير لنا عنده، فجعلنا نكذب، ويغلب
(١) ديوان ذي الرمة ص ١١.
(٢) أدرك: هلك، والثميلة: بقية كل شيء. أي ما بقي من الطعام في الجوف. (شرح ديوانه).
(٣) الزيادة عن ((ز))، والجليس الصالح. سقطت الجملة من الأصل وم
(٤) في الجليس الصالح: حمر الوحش.
(٥) القصة بتمامها في العقد الفريد ٣٢٣/١ والشعر والشعراء ٥٠٤/١ والأغاني ٢٥٦/٩.
(٦) الأصل: إنما، والمثبت عن م و((ز)).
(٧) زيادة عن م و((ز)).
(٨) خناصرة: بليدة من أعمال حلب تحاذي قنسرين (معجم البلدان).
(٩) زيادة عن م و(ز))، للإيضاح.

٩١
كُثَيْر بن عَبْدِ الرَّحمن ابن الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيمر بن مَخْلَد
الطمع اليأس، فلمّا التقينا مَسْلَمة سلّمنا عليه، فردَّ علينا ثم قال: أما بلغكم أنّ إِمامكم لا يقبل
الشعر؟ فقلنا له: وصح لنا خبر حتى انتهينا إليك يا بن الخليفة، ووجمنا له وجمةً عرفها في
وجوهنا، فقال: إنْ يكُ ذو دين بني مروان، تخشيم حرمانه، فإنّ صاحب دنياها قد بقي لكم
عنده ما تحبون(١)، فما ألبث(٢) حتى انصرف، وأمنحكم، وآتي ما أنتم أهله، فلمّا رجع
كانت رحالنا عنده، وأكرم منزلنا، وأقمنا عنده أربعة أشهر، يطلب الإِذن لنا هو وغيره، فلم
يؤذن لنا، إلى أن قلت في جمعةٍ من تلك الجمع: لو أنّ دنوت من عمَر فسمعت كلامه
فتحفظته كان ذلك رأياً، ففعلت فكان مما حفظته من قوله يومئذ:
لكلّ سفرٍ زاد لا محالة، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة التقوى، وكونوا كمن
عاين ما أعدّ الله له من عذابه وثوابه، فترغّبوا وتَرَهْبوا(٣)، ولا يطولن عليكم الأمد، فتقسو
قلوبكم، وتنقادوا لعدوكم، فإنه والله ما بُسط أمل من لا يدري لعله لا يمسي بعد إصباحه،
ولا يصبح بعد إمسائه، وربما كانت له بين ذلك خطرات المنايا، وإنما يطمئن من وثق بالنجاة
من عذاب الله، وأهوال يوم القيامة، فأمّا من لا يداوي من الدنيا كَلْماً(٤) إلاَّ أصابه جارح من
ناحية أخرى، فكيف يطمئن؟ أعوذ بالله أن آمركم(٥) بما أنهى عنه نفسي، فتخسر صفقتي،
وتبدو مسكنتي في يوم لا ينفع فيه إلاَّ الحق والصدق، ثم بكى حتى ظننا أنه قاضٍ نحبه،
وارتجّ المسجد وما حوله بالبكاء والعويل.
فانصرفت إلى صاحبيّ فقلت: خذا شرخاً من الشعر غير ما كنا نقول لعمر وآبائه، فإن
الرجل آخري وليس بدنياوي؛ إلى أن استأذن لي مَسْلَمة في يوم جمعة بعدما أذن للعامة، فلما
دخلنا سلّمتُ ثم قلت: يا أمير المؤمنين طال الثواء، وقلّت الفائدة، وتَحَدّث بجفائك إِیّانا
وفود العرب، فقال: يا كُثَيِّر ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ إلى آخر الآية(٦)، أفمن
واحدٍ [من](٧) هؤلاء أنت؟ فقلت: ابن سبيل، منقطع به، قال: أَوَلَست ضيف أَبي سعيد؟
قلت: بلى، قال: ما أرى مَنْ كان ضيف أبي سعيد منقطعاً به، قلت: أيأذن لي أمير المؤمنين
(١) الأصل وم: تخفون، والمثبت عن ((ز)).
(٢) الأصل: لبث، والمثبت عن م و(ز)).
(٣) كذا بالأصل وم و((ز))، وفي المختصر: أو ترخّبوا. (٤) الأصل: ((كلبا)) تصحيف، والتصويب عن م و((ز)).
(٥) الأصل: آثرکم، والمثبت عن م و((ز)).
(٧) زيادة للإيضاح عن ((ز))، وم.
(٦) سورة التوبة، الآية: ٦٠.

٩٢
--
كُثَيْر بن عَبْدِ الرَّحمن ابن الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيْمر بن مَخْلَد
في الإنشاد؟ قال: نعم، أنشد ولا تقولن إلاَّ حقّاً، فأنشدته(١):
وليت فلم تشتم علياً ولم تخف
وَصَدّقت بالفعل المقال مع الذي
ألا إنّما يكفي الفتى بعد زَيْغه (٤)
وقد لبست تسعى إليها ثيابها(٥)
وتومض أحياناً بعينٍ مريضة
فأعرضت عنها مشمئزاً كأنها
وقد كنت من أجبالها(٨) في مُمَنْعٍ
وما زلتَ توّاقاً إلى كل غاية
فلمّا أتاك الملك عفواً ولم يكنْ
تركتَ الذي يفنى وإنْ كان مونقاً
وأضررتَ بالفاني وشمّرت للذي
وما لك إذْ كنتَ الخليفةَ مانعٌ
سما لك همّ في الفؤاد مؤرّق
فما بين شرق الأرض والغرب كلّها
يقول أميرُ المؤمنين ظلمتني
برياً ولم تقبل إشارة(٢) مجرم
أتيت فأمسى(٣) راضياً كلّ مسلم
من الأود البادي ثقافُ المقوّم
تراءى لك الدنيا بكفّ ومعصم
وتبسم عن مثل الجُمان المنظّم
سقتك مدوفاً(٦) من سمام وعلقم(٧)
ومن بحرها في مزيد الموج مفعم
بلغت بها أعلى البنّاء المقدم
لطالب دنيا بعده من تكلم(٩)
وآثرت ما يبقى برأي مصمم
أمامك في يومٍ من الشرّ مظلم
سوى الله من مالٍ رغيبٍ ولا دم
بلغتَ به أعلى المعالي بسُلّم
منادٍ ينادي من فصيحٍ وأعجم
بأخذك ديناري(١٠) ولا أخذ درهم
(١) الأبيات من قصيدة يمدح عمر بن عبد العزيز، ديوانه ص ٢١٤ ومطلعها:
عرج بأطراف الديار وسلّم
والأبيات أيضاً في الشعر والشعراء ٥٠٥/١ والأغاني ٢٥٨/٩ - ٢٥٩ والعقد الفريد ٣٢٤/١ -٣٢٥.
(٢) في الأغاني: مقالة.
(٣) في الأغاني:
وقلت فصدقت الذي قلت بالذي
فعلت فأضحى
(٤) العقد الفريد: زيفه.
(٥) الديوان والأغاني: وقد لبست لبس الهلوك ثيابها.
(٦) الأصل: مذربا، والمثبت عن م، و((ز))، والديوان، والأغاني، والشعر والشعراء والعقد الفريد.
(٧) في (ز)): ((علم)) وعلى هامشها: علقم.
(٨) الأصل: ((اجفالها)) وفي ((ز): ((أحبالها)) والمثبت عن م، والديوان والمصادر.
(٩) الأصل: ((تكرم)) وفي العقد الفريد: ((تقدم)) والمثبت عن م، و(ز))، والديوان.
(١٠) كذا بالأصل وم و(ز))، وفي الديوان والمصادر: بأخذ لدینار.
وإن هي لم تسمع ولم تتكلم

٩٣
كُثَيْر بن عَبْد الرَّحمن ابن الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيمر بن مَخْلَد
ولا السفك منه ظالماً ملء محجم
لك الشطر من أعمارهم غير نُدّم
مغذّ مطيفٌ بالمَقَام وزمزم
وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم
ولا بسط كفّ لامرىءٍ غير مجرم(١)
ولو يستطيع المسلمون لقَسَّمواً (٢)
فعشتَ بها ما حجّ لله راكبٌ
فأربخ بها من صفقةٍ لمبايعٍ
فأقبل علي فقال: يا كُثَيِر إنك تُسأل عما قلتَ، قلت: ثم تقدّم الأحوص فاستنشده في
الإنشاد فقال: قُلْ ولا تقولن إلاَّ حقاً، فأنشأ يقول(٣):
وما الشعر إلاَّ خطبة (٤) من مؤلّفٍ
فلا تقبلن إلاَّ الذي وافق الرضا
رأيتك لم تعدل عن الحقّ يمنةٌ
ولكن أخذتَ القصدَ جهدك(٦) كله
فقلنا، ولم نكذب، لما قد بدا لنا
وَمَنْ ذا يردّ السهم بعد مضائه
فلولا الذي قد عوّدتنا خلائف
لَمَا وَخَدَتْ شهراً برحلي رَسْلَةٌ
ولكن رجونا منك مثل الذي به
فإنْ لم يكن للشعر عندك موضعٌ
وكان مصيباً صادقاً لا يعيبه
فإنّ لنا قُربى ومحض مودّة
بمنطقِ حقّ أو بمنطقٍ باطلٍ
ولا يرجّعنا كالنساء الأراملِ
ولا شامة(٥) فعلَ الظَّلومِ المخاتل
فنلت (٧) مثال الصالحين الأوائل
ومن ذا يردّ (٨) الحقّ من قول قائل
على فوقه إذ عاد مَنْزَع(٩) نابل
غَطاريف كانوا كاللّيوث البَوَاسل
تقدّمتان النيف(١٠) بين الرواحل
صُرِفْنا قديماً عن ذويك الأوائل
وإنْ كان مثل الدرّ في قيل قائل(١١)
سوى أنه يبنى بناء (١٢) المنازل
وميراث آباءٍ مشوا بالمناصل
(١) الأغاني: لامریءٍ ظالم له.
(٢) الأصل وم: ((تقسموا)) وفي (ز)): ((يقسموا) والمثبت عن الديوان والمصادر.
(٤) العقد الفريد: حكمة.
(٣) الأَبيات أيضاً في المصادر السابقة.
(٥) الأصل وم و(ز))، وفي المصادر: يسرة.
(٦) الأصل: ((جملك)» ثم شطبت وكتب فوقها: جهدك.
(٧) الأصل وم و((ز))، وفي الأغاني: ((وتقفو مثال)) وفي الشعر والشعراء: تقدّ مثال.
(٨) في ((ز)): يزل.
(٩) كذا بالأصل وم و((ز)): ((عاد منزع نابل)) وفي الأغاني والشعر والشعرء: إذ عار من نزع نابل.
(١٠) الأصل وم و((ز))، وفي الشعر والشعراء: ((نقد متان البيد)) وفي الأغاني: ((تفل متون البيد)).
(١١) الشعر والشعراء: في قتل فاتل.
(١٢) الأصل وم و((ز)): ((يبقى بقاء المنازل)) والمثبت عن الأغاني.

٩٤
كُثَيْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحمن ابنِ الأَسْوَّد بن عامر بن عُوَيمر بن مَخْلَد
وأرضوا(١) عمود الدين بعد التمايل
فذادوا عدوّ السلم عن عُقْر دارهم
على الشعر كعباً بالضحى والأصائل
فقبلك ما أعطى الهُنيدة(٢) جُلّة
وقُلْك خيرٌ من بحورٍ سوائل(٣)
فكلّ الذي عدَّدتُ يكفيك بعضُهُ
ثم تقدم نُصَيب فاستأذنه في الإنشاد، فأبى أن يأذن له، وأمره بالغزو إلى دابق، فخرج
محموماً، وأمر لي وللأحوص بثلاثمائة درهم، لكلّ واحد منا، وأمر لنُصَيب بخمسين ومائة
درهم، وقال للأحوص حين أنشد: إنك تُسأل عما قلتَ.
آخر الجزء الثامن بعد الأربعمائة من الأصل (٤).
(١) الأصل وم و((ز))، وفي الأغاني والشعر والشعراء: وأرسوا.
(٢) الهنيدة: المئة من الإبل.
(٣) القل: القليل.
(٤) آخر الجزء الثامن بعد الأربعمئة من الأصل، ليس في م.
و کتب بعدها في (ز)):
يتلوه أنا أبو علي الحسن أحمد إذناً وأبو الفرج بلغت سماعاً على والدي الإمام العالم الحافظ أبي القاسم علي بن
الحسن بن هبة الله بن عبد اللّه فسمعه ابن محمّد بن القاسم وكتب القاسم بن علي في يومين آخرهما ثالث ذي
القعدة سنة ثلاث وستين وخمسمائة .
سمع جميعه على مؤلفه سيدنا الشيخ الفقيه الإمام العالم الحافظ الثقة ثقة الدين صدر الحفّاظ ناصر السنّة محدّث
الشام أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة اللّه الشافعي أيّده الله ابنه أبو الفتح الحسن وابن أخيه القاضي أبو البركات
الحسن بن محمّد بن الحسن والشيخ الفقيه جمال الدين أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن سعد اللّه الحنفي والشيخ
الصالح أبو بكر محمّد بن بركة بن خلف بن كرما الصالحي وشمس الدولة أبو الحارث عبد الرّحمن بن محمّد بن
مرشد بن منقذ الكتاني وزين الدولة أبو علي الحسين بقراءة أخيه الشيخ الفقيه شمس الدين أبي عبد اللّه محمّد ابنا
المحسن بن الحسين بن أبي المضاء وأبو عبد الله الحسين بن عبد الرّحمن بن الحسين بن عبدان وأبو زكريا يحيى
ابن علي بن مؤمل وأبو المحاسن سليمان وأبو البيان ثنا ابنا الفضل بن الحسين بن سليمان ومحسن بن سراج بن
محسن وإبراهيم وطوق وابنا غازي بن سلمان وإبراهيم بن مهدي بن علي ومحاسن بن خضر بن عبيد ومحمّد بن
كامل بن سالح الشواغرة وإسماعيل بن حماد الدمشقي وحمزة بن إبراهيم بن عبد اللّه وأبو القاسم بن عبد الصَّمد
ابن علي الحموي وأبو القاسم بن شبل وينان بن أبي الكرم بن أَبي الوحش وأبو الحسين بن علي بن خلدون
وعثمان بن يوسف بن جوهر وعمر بن عبد الله الأندلسي وخضر بن أبي سعيد بن أبي زيد وبستكين بن عبد الله
عتيق بن أبي عقيل وعلي بن عبد الكريم بن الكويس وعين الدولة بن مدكين بن عبد اللّه وعبد الله بن المظفر بن
عبد اللّه بن شافعٍ وعمر بن كام بن عبد اللّه السراج وابنه عبد الرزّاق وإبراهيم بن عطاء بن إبراهيم وكاتب الأسماء
عبد الرّحمن بن أبي منصور بن نسيم بن الحسين بن على الشافعي وسمع نصفه الأول ابن أخ الشيخ أبو منصور عبد
الرّحمن بن محمّد بن الحسن بن هبة الله ويوسف بن أبي الحسين بن أحمد وعين الدولة بن النمش بن كمستکین
وسمع نصفه الآخر بركا بن فرجا وزين فرلون الديلمي وعمر بن أبي عبد الله بن أبي الفضل الموازيني وعلي بن
محمّد بن علي وبدران بن عبد الله ورمضان بن علي بن أبي الفرج وبركات بن عبد اللّه عتيق بن أشليها وعبد
الواحد بن بركات بن أبي الحسين الصفار وذلك في مجلسين آخرهما يوم الخميس من المحرم سنة أربع وستين =

٩٥
كُثَيْر بن عَبْد الرّحمن ابن الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيْمر بن مَخْلّد
٠٠
= وخمسمائة بالمسجد الجامع بدمشق هـ.
سمع جميع هذا الجزء على سيدنا الشيخ الإمام العالم الحافظ الثقة بهاء الدين شمس الحفّاظ ناصر السنّة محدّث
الشام أبي محمّد القاسم بن الشيخ الإمام العالم الحافظ أبي القاسمِ علي بن الحسن بن هبة اللّه الشافعي أيّده الله
بتوفيقه بقراءة القاضي الفقيه بهاء الدين أبي المواهب الحسن ابنا أَبي الغنائم بن هبة الله بن محفوظ بن صصرى
التغلبيان وأبو العباس أحمد بن علي بن يعلى السلمي وأحمد بن ناصر بن طعان الطريفي وأبو طالب بن علي بن
أبي الفرج الكتاني وأبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الأنصاري وأبو عبد اللّه محمّد بن ميمون بن مالك
الأنصاري ومحمّد بن علي بن عساكر ومحمّد بن عبد اللّه والحسن بن أبي الحسن علي بن عقيل الثعلبي وأبو
الحسين بن علي بن هبة الله بن خلدون المصري وعيسى بن يحيى بن يوسف والعميد أبو محمّد عبد الواحد بن
أبي البركات بن أبي الحسين الصفار وعلي بن عبد اللّه وسليمان بن سليمان بن دلج ولدج الباشقردي وأبو حفص
عمر بن محمّد بن الحسن الرومي وأحمد بن علي بن أحمد الأزدي وعثمان بن أبي القاسم بن عبد الباقي الضرير
وكاتب الأسماء إبراهيم بن يوسف بن محمّد المعافري البوني وسمع أكثره أبو عبد اللّه محمّد بن علي بن محمّد
الحلبي وسمع أكثره أيضاً أبو العباس الخضر بن عبد العزيز بن رمضان الواعظ وابنه أبو عبد اللّه محمّد والقاضي
أبو منصور عبد الرحيم بن القاضي أبي عبد اللّه محمّد بن الحسن بن هبة اللّه في آخرين أسماؤهم على نسخة الفرع
وذلك في مجالس في أواخر رمضان سنة تسع وسبعين وخمسمائة بمدينة دمشق والحمد لله وحده وصلواته على
نبيه محمّد وصح وثبت سمع جميع هذا الجزء على الشيخ الأجل الإمام الأوحد الحافظ الثقة الأصيل العالم بهاء
الدين شمس الحفّاظ محدّث الشام جمال الإسلام ثقة الثقات معتمد الرواة ناصر السنة أبي محمّد القاسم بن الإمام
الحافظ شيخ الإسلام ناصر الحديث أبي القاسم علي بن الحسن الشافعي أيّده الله وولده أبو القاسم علي وسبطه أبو
المجد الفضل بن نبا بن الفضل الحميري أطال الله أعمارهما ونفعهما والشيخ الإمام أبو جعفر أحمد بن علي بن
بكر القرظي وابناه أبو الحسين محمّد وحران وأبو الحسين إسماعيل وفتاهم فرج الحبشي وأبو علي الحسن بن علي
ابن عبد الوارث التونسي وأبو طالب بن علي بن أبي الفرج الكتاني وأبو الحجاج يوسف بن أبي الفرج بن مهذب
التنوخي وابنه عبد العزيز وأبو سعيد خلف بن محمّد بن سمدون التوزري والبريد أبو علي محمّد بن عبد الله بن
إبراهيم الحسيني الغرناطي وأبو محمّد عبد العزيز بن عبد الملك بن تميم الشبلي وعبد السَّلام بن أبي بكر بن أحمد
الشافعي وأبو الحسن علي بن أبي بكر بن أبي القاسم الأندلسي وعلي بن تميم بن عبد السَّلام البحاني وعلي بن
عمر بن عثمان الصقلي وأبو يعلى حمزة بن أسيد بن أبي الفوار بن الصفار والأمين أبو الحسن علي بن عوضة
العرضي وأبو الفتح نصر اللّه بن عبد المنعم بن أبي الوقار وعمر بن عيسى بن صقال الدمشقي وأبو الفضل جعفر
ابن أبي عبد الله بن موسى الأزدي وإبراهيم بن سليمان بن إبراهيم الصنهاجي وإسماعيل بن عبد الله بن عبد
المحسن الأنصاري المعروف بابن الأنماطي وهذا خطه في سابع رجب سنة خمس وخسمائة.
سمع جميع هذا الجزء على الشيخ الأجل الأمين الأصيل زين الأمناء شيخ الشام أبي البركات الحسن بن محمّد بن
الحسن الشافعي أيّده الله بسماعه فيه من عمّه ومؤلفه والملحق بإجازته منه بقراءة الشيخ الإمام العالم المحدّث
محب الدين أبي محمّد عبد العزيز بن الحسين بن عبد العزيز بن هلالة الأندلسي ابنا المسمع أبو علي عبد اللطيف
وأبو سعد عبد اللّه وأبو المعالي عبد اللّه بن أبي طالب بن عبد اللّه بن صابر السلمي وأبو بكر محمّد بن إسماعيل
بن عبد الله بن الأنماطي وفتاه صفي وسمع أبوه إسماعيل المذكور من أول ترجمة كثير بن هراسة في نصف الجزء
إلى آخر الجزء وذلك بالمسجد الجامع بدمشق بكرة يوم الأربعاء منتصف شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة
وستمائة سمع جميع هذا الجزء على سيدنا القاضي العالم الورع أبي البركات الحسن بن محمّد بن الحسن بن =

٩٦
كُثَيْر بن عَبْدِ الرَّحمن ابن الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيْمر بن مَخْلَد
أَخْبَرَنا(١) أَبُو عَلي الحسَن(٢) بن أَحْمَد المقرىء - إذناً - وأَبُو الفرج سعيد بن أَبي الرجاء
مشافهة، قالا: أَنْبَأَنَا أَبُو الفتح منصور بن الحُسَيْن بن عَلي، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْر بن المقرىء، أَنْبَأنَا
أَبُو عَرُوبة، حَدَّثَنَا عمرو بن عُثْمَان، حَدَّثَنَا خالد بن يزيد، عَن معاوية قال: كان لا يقوم أحد
من بني أمية إلاَّ سبّ علياً فلم يسبه عمَر فقال كُثَيْر عزَّة:
بريّاً ولم تقنع سجية مُجْرِمٍ
وليتَ فلم تشتُم علياً ولم تَخَفْ
فعلتَ فأضحى راضياً كلّ مسلمٍ
وقلتَ فصدّقتَ الذي قلت بالذي
أَخْبَرَنا أَبُو القَاسمِ إسْمَاعيل بن أَحْمَد، أَنْبَأْنَا أَبُو مُحَمَّد عَبْد الوهّاب بن عَلي،َ أَنْبَأنَا
عَلي بن عَبْد العزيز قال: قرىء على أَحْمَد بن جَعْفَر، أَنْبَأَنَا الفضل بن الحُبَاب، حَدَّثَنَا مُحَمَّد
ابن سَلام قال(٣):
وقدم كُثَيِّر على يزيد بن عَبْد الملك وقد مدحه بقصائد جياد مشهورة، فأعجب بهن يزيد
هبة الله بسماعه فيه من المصنف والملحق فبالإجازة له من عمه المصنف بن الفقيه أبو محمّد عبد العزيز عثمان بن
=
أبي طاهر الإربلي ومحمّد بن يوسف بن محمّد البرزالي الإشبيلي بقراءته وهذا خطه وعارض به نسخته وسمع
نصفه الأول حسب الشيخ الفقيه الزاهد سفيان بن عبد الله بن حسان اليمني وسمى أيضاً محمّداً وصح ذلك وثبت
لعبد العزيز الإربلي من أوله شيء بجامع دمشق حرسها الله والحمد لله وحده وصلاته على محمّد نبيّه وسلامه. هـ.
سمع جميع هذا الجزء على سيدنا القاضي العالم الورع أبي البركات الحسن بن محمّد بن الحسن بن هبة الله
بسماعه فيه والملحق فيإجازته من عمه والفقهاء الورع أبو عبد اللّه محمّد وسمى أيضاً سفيان بن عبد الله بن حسان
ابن محمّد بن سفيان اليماني وأبو محمّد عبد العزيز عثمان بن أبي طاهر الإربلي ومحمّد بن يوسف بن محمّد
البرزالي الإشبيلي بقراءته وهذا خطه وعارض به نسخته وسمع نصفه الأول حسب أبو موسى عيسى بن سليمان بن
عبد الله بن عبد الملك الوردي وصح ذلك في مجلسين آخرهما يوم الاثنين السابع والعشرون من جمادى الأولى
سنة ثمان عشرة وستمائة المجلس الأولى بدار الحديث يوم الأربعاء ومن غده كمل بجامع دمشق حرسها الله
والحمد لله وحده وصلاته علی نبیه وسلامه.
نقل لابن البكري.
الجزء التاسع بعد الأربعمائة من تجزئة الأصل.
من كتاب تاريخ مدينة دمشق حماها الله وذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها
وأهلها .
تصنيف الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة اللّه الشافعي رحمهم الله.
سماع ولده القاسم بن علي بن الحسن بن هبة اللّه وأجازه له من بعض شيوخ أبيه رحمهم الله.
(١) کتب قبلها في ((ز)):
بسم الله الرحمن الرحيم
أخبرنا والدي الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن رحمه الله قال.
(٣) الخبر في طبقات فحول الشعراء ص ١٦٧ - ١٦٨.
(٢) في ((ز)): الحسين.

٩٧
كُثَيْرِ بن عَبْد الرّحمن ابن الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيُمر بن مَخْلَد
وقال له: احتكم، قال: وقد جعلت ذاك إلي؟ قال: نعم، قال: مائة ألف، قال: ويحك،
مائة ألف، قال: أعلى جود أمير المؤمنين أبقى(١) أم على بيت المال؟ قال: ما بي استكثارها،
ولكن أكره أن يقول الناس أعطى شاعراً مائة ألف، ولكن فيها عُرُوض قال: نعم يا أمير
المؤمنين، فكان يحضر سمر يزيد ويدخل عليه، فقال له ليلة: يا أمير المؤمنين ما يعني
الشماخ بن ضرار بقوله(٢):
إذا عَرِقَتْ مغابنُها وجادتْ بدرَّتها قِرَى حَجٍ قتين(٣)
فسكت عنه يزيد، فقال: بصبصن إذْ حُدين (٤) ثم أعاد بصبصن إذ حدين(٥) فقال يزيد:
وما على أمير المؤمنين لا أم لك أن يعرف هذا هو القَرَاد أشبه الدواب بك، وكان قصيراً
متقارب الخلق، فحجب عن يزيد فلم يصل إليه، فكلّم مَسْلَمة بن عَبْد الملك يزيدَ فقال: يا
أمير المؤمنين مدحك، قال: بكم مدحنا؟ قال: بسبع قصائد، قال: فله سبع مائة دينار، والله
لا أزيده عليها .
أَخْبَرَنا أَبُو الحسَن(٦) مُحَمَّد بن مُحَمَّد، وأَبُو غالب أَحْمَد، وأَبُو عَبْد اللّه ابنا البنّا،
قالوا: أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَر العدل، أَنْبَأْنَا أَبُو طاهر المخلص، أَنْبَأَنَا أَحْمَد بن سُلَيْمَان، حَدَّثَنَا الزبير
قال(٧): وكان كُثَيِّر شيعياً حربياً يزعم أنّ الأرواح تناسخ، ويحتج بقول الله عز وجلّ: ﴿في أي
صورة ما شاء ركّبك﴾(٨) ويقول: أَلاَ ترى أنه محوّله في صورة بعد صورة.
قال: وحَدَّثَنَا الزبير (٩)، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن إسْمَاعيل بن جَعْفَر عن سعيد بن عقبة
الجهني، عن أبيه قال:
سمعت كُثَيِّراً ينشد عَلي بن عَبْد اللّه بن جَعْفَر لنفسه في مُحَمَّد بن علي بن أبي
طالب(١٠):
أمين الله يَلْطُفُ في السّؤالِ
أقر الله عيني إذْ دعاني
وساءل عن بنىّ وكيف حالي
وأثنى في هواي عليَّ خيراً
(٢) ديوان الشماخ ص ٩٥.
(١) في طبقات فحول الشعراء: أبغى.
(٣) المغابن، واحدها مغبن، وهي مراق الجلد. والقتين: القليل الدم.
(٤) الأصل وم و((ز)): ((حديثا)) والمثبت عن طبقات فحول الشعراء.
(٥) راجع الحاشية السابقة.
(٦) في ((ز)): الحسين.
(٨) سورة الانفطار، الآية: ٨.
(١٠) الأبيات في ديوانه ص ١٨٢ يمدح ابن الحنفية.
(٧) الخبر في الأغاني ٩/ ١٧.
(٩) الخبر والشعر في الأغاني ٩/ ١٦.

٩٨
كُثَيْرِ بن عَبْدِ الرَّحمن ابن الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيْمر بن مَخْلَد
وزلة نعله عند النضال
وكيف ذكرتُ شأن(١) أَبي خُبیبٍ
هو المهدي خَبَّرناه كعبٌ أخو الأحبار في الحِقَب الخوالي(٢)
فقال له عَلي بن عَبْد اللّه: يا أبا صَخْر ما يثني عليك في هواك خيراً إلاَّ من كان على
مثل ذلك(٣)، فقال: أجل، بأَبي أنت، قال: وكان كُثَيِّر خشبياً (٤) يرى الرجعة، قال: وأَبُو
خُبِيب الذي ذكر كُثَيِر عَبْد الله بن الزبير كان يكنى بأبي بكر، وخُبيب ابنه وأسن ولده، وكان
من العبّاد، وكان من هجا عَبْد اللّه بن الزبير كنّاه بابنه خُبَيب، وكان كُثَيِر سييء الرأي في عَبْد
الله بن الزبیر ینال منه.
وحَدَّثَني مُحَمَّد بن حسن عن أَبي بكر عَبْد الحميد بن عَبْد اللّه بن أُويس، عَن أَبيه،
عَن موسى بن عقبة قال: هوّل ليلة لكُثَيّر في منامه فغدا على آل الزبير فأنشدهم:
[أقام](٥) بها ما لم يرمها الأخاشب
بمفتضحِ البَطْحَاء ثاوٍ لو أنه
بوائق ما يخشى تنبه النوائب
سرحنا سرويا آمنين ومن يخف
إلى الله من عيب ابن أسماء تائب
تبرأت من عيب ابن أسماء إنني
وآباؤه فينا الكرام الأطايب
هو المرء لا تزري به أمهاته
قال الزبير: ووجدت بخط الضحاك بن عُثْمَان الحزامي قال كُثَيِّر:
إلى الله من عيب ابن أسماء تائب
تَبَرَّأتُ من عيبٍ ابن أسماء أنّني
ذكر الزبير بن بكّار فيما رواه عنه أَحْمَد بن سعيد الدمشقي، ويَحْيَى بن عَلي بن يَحْيَى
المنجم، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعيل بن جَعْفَر بن إِبْرَاهيم، عن أَبي أَحْمَد، حَدَّثَنِي عَبْد العزيز
ابن عمران قال :
قدم الفرزدق المدينة فقال لكُثَيْر: هل لك بنا في الأحوص بن محمد نأتيه ونتحدث
(١) في الديوان والأغاني:
وزلة فعله عند السؤال
خبيب
أبي
حال
(٢) الأصل وم: الخوال، والمثبت عن ((ز))، والديوان والأغاني.
(٣) كذا بالأصل، وفي م و((ز)): ((رأيك)) وفي الأغاني: مذهبك.
(٤) كذا بالأصل وم و((ز))، وفي الأغاني: كيسانياً.
والخشبية هم أصحاب المختار بن أبي عبيد، وقيل هم قوم من الجهمية يقولون إن القرآن مخلوق. وقد اختلفوا في
سبب تسميتهم بالخشبية، راجع في ذلك تاج العروس : خشب.
(٥) الزيادة عن م و((ز))، لتقويم الوزن.

٩٩
كُثَيْر بن عَبْد الرَّحمن ابن الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيْمر بن مَخْلَد
عنده؟ قال: وما نصنع عنده، إذا والله تجد عنده أسود يؤثره عليك، فقال: إن هذا من عداوة
الشعراء بعضهم لبعض، قال: فانهض بنا إذاً لا أبا لغيرك، قال الفرزدق فأردفت كُثَيِراً وقلت
له: تلفف يا أبا صَخْر فإنّ مثلك لا يكون رِذفاً، فخمّر رأسه وألصق بي وجهه، فجعلت لا أمرٌ
بمجلس قوم إلاَّ قالوا: مَنْ هذا وراءك يا أبا فراس؟ فأقول: جارية وهبها لي الأمير، فلما
أكثرت عليه من ذلك واجتاز ببني زريق وكان يبغضهم فسألوني، فقلت لهم ما كنت أقول قبل
ذلك، فكشف رأسه وارتفض وقال: كذب، ولكنّي كنت أكره أن أكون له رِذفاً، كان حديثه
لي معجباً فركبت وراءه ولم يكن دابة أركبها إلاَّ دابته، فقالوا: لا تعجل يا أبا صَخْر، فهذه
دوابٌ كثيرة تركب منها ما أردتَ فقال: دوابكم والله أبغض إليّ من ردفه، فسكتوا عنه، فجعل
يتغشم عليهم حتى جاوز أقصاهم فقلت: والله ما قالوا لك بأساً قال: إنّي والله ما أعلم نفيراً
أشدّ بغضاً للقرشيين من نفير اجتزت بهم، قلت: ما أنت وقريش لا أرض لك، قال: أنا والله
أحدكم، قلت: إنْ كنتَ أحدهم فأنت دعيّهم قال: دعيهم خير من صحيح نسب العرب، وإِلا
أنا والله من أكرم بيوتهم، أنا أحد بني الصلت بن النضر، فقلت: أما قريش أولاد فهر بن مالك
فقال: كذبتَ، وما علمك يا بن الجعداء بقريش، هم بنو النضر بن كنانة(١)، أَلاَ ترى أن
رَسُول الله وَلّ اعتزى إلى النّضْر فلم يكن ليجاوز أفضل نسبه قال: فخرجنا حتى أتينا
الأحوص، فوجدناه في مشربةٍ له، فقلنا: أنرقى إليك أو تنزل إلينا؟ قال: لا أقدر على ذاك
عندي أم جَعْفَر، ولم أرها منذ أيام ولي فيها شغل، فقال لي كُثَيِّر: أم جَعْفَر والله بعض عبيد
الزرانيق قال: فقلنا له: فأنشدنا بعض ما أحدثت، فأنشدنا :
يا بيت عاتكة التي أَتَغَزّل
حتى أتى على آخرها.
قال الفرزدق: فقلت لكُثَيِّر: قاتله الله ما أشعره لولا ما أفسد به نفسه قال: ليس هذا فساد،
هذا خسف إلى النجوم، قلتُ: صدقتَ، فانصرفنا من عنده، فقال: أين تريد؟ قلت: إنْ شئتَ
فمنزلي وأحملك على البغلة وأهب لك المطرف، وإن شئتَ فمنزلك ولا أرفدك شيئاً(٢)، قال:
بل منزلي وأبذل لك ما قدرتُ عليه، فانصرفنا إلى منزله، فجعل يحَدَّثَني وينشدني حتى جاءت
الظهر، فدعا لي بعشرين ديناراً فقال: استعن بها يا أبا فراس على مقدمك، فقلت: هذا أشد
(١) من قوله: فقلت: أما قريش إلى هنا سقط من ((ز)).
(٢) من قوله: فمنزلي إلى هنا سقط من ((ز)).

١٠٠
كُثَيْر بن عَبْدِ الرَّحمن ابن الأَسْوَد بن عامر بن عُوَيمر بن مَخْلَد
عليّ من حملان بني زريق إيّاك، [قال: إنك](١) والله ما تأنف من هذا من أحد، وإنّي والله ما
أقبل من أحدٍ غير الخليفة، قال الفرزدق: فجعلتُ والله أقول في نفسي: تالله إنه لمن قريش،
وهممتُ أَلاّ أقبل منه، فدعتني نفسي وهي طمعة إلى الأخذ منه، فأخذتها.
أَنْبَانا أَبُو مُحَمَّد بن الأكفاني، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد الكتاني، أَنْبَأْنَا عُبَيْد اللّه بن أَحْمَد بن
عُثْمَان - إجازة - أَنْبَأَنَا أَبُو عمَر بن حيّوية، أَنْبَأنَا مُحَمَّد بن خلف بن المَرْزُبان، حَدَّثَنِي أَحْمَد بن
زهير، أَخْبَرَني مصعب بن عَبْد اللّه قال(٢).
بعثت عائشة بنت طلحة بن عُبَيْد اللّه إلى كُثَيِّر عزّة فجاءها، فقالت له: ما الذي يدعوك
إلى ما تقول في الشعر من عزّة وليست على ما تصف من الحسن والجمال، فلو شئتَ صرفتَ
ذلك إلى غيرها، فمن(٣) هو أولى به أنا وأمثالي، فأنا أشرف وأفضل من عزّة، وإنّما أرادت أن
تخبره(٤) وتبلوه فقال(٥):
وأضحى يريدُ الصَّرْم أو يَتَبَدَّلُ
صحا قلبه يا عزّ أو كاد يذهَلُ
لعزَّة، لا قالٍ، ولا متبدِّل(٦)
وكيف يريد الصَّرْمَ مَنْ هو وامقٌ
أَبينا وقُلْنا الحاجبيّة أول
إذا وصلتنا خُلْة كي تزيلَنا(٧)
ونحنُ لتيك الحاجبية أوصل(٩)
سنوليك عُزفاً إن أردت(٨) وصالنا
فَحَمَّلها غيظاً عليَّ المُحَمّل
وحدثها الواشون أنّي هجرتها(١٠)
فقالت عائشة: والله لقد سميتني لك خُلّة وما أنا لك بخُلّة، وعرضت عليّ وصلك، وما
أردتُ ذلك(١١)، فهلاً(١٢) قلتَ كما قال جميل، فهو والله أشعر منك حيث يقول(١٣):
بالجدِّ تخلطه بقولِ الهازلِ
يا رُبّ (١٤) عارضة علينا وَضْلَها
(١) الزيادة عن (ز))، وم.
(٣) بالأصل: متن، والمثبت عن م، و((ز)).
(٢) الخبر والشعر في الشعر والشعراء ١/ ٥٠٨.
(٤) - الأصل: تخفره، والمثبت عن م، و((ز)).
(٥) من أبيات في ديوانه ص ١٥٩ يمدح عبد الملك بن مروان، والشعر والشعراء ٥٠٩/١.
(٦) ليس في الديوان والشعر والشعراء.
(٧) صدره في الديوان والشعر والشعراء: إذا ما أرادت خلة أن تزيلنا.
(٨) الأصل: أرادت، والمثبت عن (ز))، والديوان. (٩) سقط البيت من م.
(١٠) صدره في الديوان، وليس البيت في الشعر والشعراء: وخبرها الواشون أني صرمتها.
(١١) الجملة في الشعر والشعراء: وما أريد ذلك وإن أردتَ.
(١٢) بالأصل وم و((ز)): ((قالا)) وقد شطبت الكلمة في ((ز))، واستدرك على هامشها ((فهلاً)) وهو ما أثبتناه، وفي الشعر
(١٣) ديوان جميل ص ١٧٨ والشعر والشعراء ١/ ٥٠٩.
والشعراء: ألا قلت.