النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
إسماعيل بن إسحاق القاضي ببغداد قال:
كان عبد الملك بن مروان إذا جلس للمظالم أقام وصيفاً على رأسه فینشد:
وأَنْصَتَ السامعُ للقائلِ
إنّا إذا مالت دواعي الهوى
نقضي بحكم فاضلٍ عادلٍ
واصطرع القومُ بألبابهم
تَلُطّ دون الحق بالباطلِ
لا نجعل الباطل حقاً ولا
فنحمل الدهر مع الخاملِ
خيفةً أن نسفّه أحلامنا
أَخْبَرَنا أبو البركات محفوظ بن الحسن بن صصرى، أنا نصر بن أحمد الهمداني، أنا
الخليل بن هبة الله بن الخليل، أنا الحسن بن محمَّد بن القاسم، نا أحمد بن محمَّد بن
إسماعيل، نا إبراهيم بن يعقوب، حدثني عمر بن حفص بن غَيّاث، نا أبي، نا الأعمش(١)،
حدثني محمّد بن الزبير .
أن أنس بن مالك كتب إلى عبد الملك يشكو الحجاج ويقول: لو أن رجلاً آوى عيسى
ليلة واحدة أو خدمه فعرفته النصارى لنزل عندهم ولعرفوا ذلك له، ولو أنّ رجلاً خدم موسى،
فذكر نحوه، فعرفته اليهود، وإنّي خادم رسول الله وَ له وصاحبه، وأن الحجاج قد أَضَرّ بي(٢)
وفعل وفعل.
قال: فأخبرني مَنْ شهد عبد الملك يقرأ الكتاب وهو يبكي، وبلغ به الغضب ما شاء الله
ثم كتب إلى الحجاج بكتابٍ غليظٍ(٣)، فجاء إلى الحجاج فقرأه، فتغيّر وجهه ثم قال لصاحب
الكتاب: انطلق بنا إلیه.
أَخْبَرَنا أبو السعود بن المُجْلي، أنا محمَّد بن محمّد بن أحمد بن الحسن، أنا أبو
الطَّيِّب محمّد بن أحمد.
ح قال: ونا القاضي أبو محمَّد عبد الله بن علي، أنا أبو بكر أحمد بن محمَّد بن
الجَرّاح، قالا: أنا أبو بكر بن دريد (٤)، قال:
(١) من طريقه الخبر والكتاب في البداية والنهاية بتحقيقنا ٧٩/٩ وانظر الأخبار الطوال ص ٣٢٣ وفيها نسخة أخرى
للكتاب.
(٢) الأصل وم: ((أضرني)) والمثبت عن البداية والنهاية.
(٣) نسخة الكتاب في الأخبار الطوال ص ٣٢٤ راجعها فيه.
(٤) رواه ابن كثير في البداية والنهاية ٧٩/٩.

١٤٢
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
وكتب عبد الملك إلى الحجّاج في أيام ابن الأشعث: إنك أعز ما تكون بالله، أحوج ما
تكون إليه(١)، وإذا عززت بالله فاعفُ له، فإنك به تعزّ وإليه ترجع .
أَخْبَرَنا أبو القاسم الشحامي، أنا أبو بكر البيهقي، أنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنا أبو
عبد اللَّه الصنعاني، نا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرّزّاق، أنا مَعْمَر، عن الزهري.
أن يهودياً جاء إلى عبد الملك بن مروان، فقال له ابن هرمز: ظلمني، فلم يلتفت إليه،
ثم الثانية، ثم الثالثة، فلم يلتفت إليه، فقال له اليهودي: إنّا نجد في كتاب الله في التوراة أن
الإمام لا يشركُ في ظلمٍ ولا جورٍ حتى يرفع إليه، فإذا رُفع إليه فلم يغيرْ شَرَكَ في الجور
والظلم، قال: ففزع لها عبد الملك، وأرسل إلى ابن هرمز، فنزعه.
أَخْبَرَنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، أنا أبو الحسن رَشَأ بن نظيف، أنا الحسن بن
إسماعيل، أنا أحمد بن مروان، نا أحمد بن زكريا المخزومي، نا عبد الرحمن بن أخي
الأصمعي، عن الأصمعي قال:
أخذ عبد الملك بن مروان رجلاً وأراد قتله، فقال: يا أمير المؤمنين إنّك أعز ما تكون،
أحوج ما تكون إلى الله، فاعفُ له، فإنك به تُعان، وإليه تُعاد، فَخَلّ سبيله(٢).
قال: ونا ابن مروان، نا محمَّد بن الفرج، نا عبد الله بن بكر السَّهْمي، عن أبيه، قال:
سأل رجل عبد الملك بن مروان الخَلْوَة، فقال لأصحابه: إذا شئتم فلما تهيأ الرجل
للكلام قال له: إياك أن تمدحني فإنّي أعلم بنفسي منك، أو تكذبني فإنّه لا رأي لمكذوب، أو
تسعى إليَّ بأحدٍ، وإن شئت أقلتُك، قال: أقلني، فأقاله(٣).
أَخْبَرَنا أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنا أبو بكر البيهقي، أنا أبو عبد الله الحافظ، نا
الحسن بن محمَّد بن إسحاق، نا محمَّد بن زكريا، نا عبيد الله بن عائشة، عن أبيه، قال:
كان عبد الملك بن مروان إذا دخل عليه رجل من أُفق من الآفاق قال: اعفني من أربع،
وقُلْ بعدها ما شئت: لا تكذبني، فإن المكذوب لا رأي له، ولا تجبني فيما لم أسألك عنه،
فإنّ في الذي أسأل عنه شغلاً عمّا سواه، ولا تطرني، فإنّي أعلم بنفسي منك، ولا تحملني على
(١) بعدها في البداية والنهاية: وأذل ما تكون للمخلوق أحوج ما تكون إليهم.
(٢) مرّ الخبر قريباً عن الأصمعي من طريق آخر.
(٣) الخبر في البداية والنهاية ٧٩/٩ ببعض اختلاف.

١٤٣
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
الرعية، فإنّي إلى الرفق بهم والرأفة أحوج (١).
قال البيهقي: وروي لا تُخِفَّني - يعني لا تُغْضِبني - حتى يحملني الغضب على خفة
الطيش.
أَخْبَرَنا أبو محمَّد بن طاوس، نا سليمان بن إبراهيم بن محمَّد، نا محمَّد بن إبراهيم بن
جعفر - إملاء - نا أبو علي الحسين بن علي، نا محمّد بن زكريا الغَلّبي، نا محمَّد بن
عبد الرحمن، عن هشام بن سلیمان قال:
كان عبد الملك بن مروان إذا دخل عليه رسول من أُفق من الآفاق قال: اعفني من أربع،
وقُلْ ما شئتَ؛ لا تكذبنّ فإن المكذوب لا رأي له، ولا تجبني بغير ما أسألك عنه، ولا تُطرني،
فإنّي أعلم بنفسي منك، ولا تحملني على الرعية، فإنهم إلى رأفتي ومعدلتي أحوج.
أَخْبَرَنا أبو العزّ السلمي - إذناً ومناولة وقرأ عليّ إسناده - أنا محمَّد بن الحسين، أنا
المعافى بن زكريا، حدثني عبيد الله بن محمَّد بن جعفر الأَزْدي (٢)، نا أبو بكر بن أبي الدنيا،
حدثني أبي، أنا بعض أصحابنا قال:
كان عبد الملك إذا دخل عليه رجل من أُفق من الآفاق قال له عبد الملك: اعفني من
أربع وَقُلْ بعدُ ما شئتَ، لا تكذبني، فإن المكذوب لا رأي له، ولا تجبني فيما لا أسألك عنه،
فإنّ في الذي أسألك شغلاً عن سواه، ولا تطرني، فإنّي أعلم بنفسي منك، ولا تحملني على
الرعية فإنهم إلى معدلتي ورأفتي أحوج.
قرأت على أبي محمَّد السُّلَمي، عن أبي بكر الخطيب، أنا أبو يَعْلَى أحمد بن
عبد الواحد، أنا إسماعيل بن سعيد بن سويد، نا الحسين بن القاسم الكوكبي، نا أحمد بن
عبيد(٣)، أنا الأصمعي، عن أبيه، قال:
أُتي عبد الملك بن مروان برجلٍ كان مع بعض من خرج عليه، فقال: اضربوا عنقه،
فقال: يا أمير المؤمنين ما كان هذا جزائي منك، قال: وما جزاؤك؟ قال: والله ما خرجتُ مع
فلان إلّ بالنظر لك، وذلك أنّي رجل مشؤوم، ما كنتُ مع رجل قطّ إلّ غُلب وهُزم، وقد بان
لك صحة ما ادّعيتُ، وكنتُ عليك خيراً لك من مائة ألف معك، فضحك وخَلّى سبيله(٤).
(١) البداية والنهاية ٩/ ٧٩.
(٣) في م: عبيد اللّه.
(٢) في م: الأسدي.
(٤) البداية والنهاية ٧٩/٩.

١٤٤
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
أَخْبَرَنا أبو بكر محمَّد بن شجاع، أنا عبد الوهاب بن محمَّد، أنا الحسن بن محمَّد،
أنا أحمد بن محمَّد، أنا عبد الله بن محمَّد، حدثني هارون بن سفيان، حدثني أبو عمر العَبْدي
- وفي نسخة العُمَري: حدثني علي بن عوف الأَزْدي - حدثني إسحاق بن سعيد بن عمرو بن
سعید، قال:
قال يحيى بن الحكم بن أبي العاص لعبد الملك بن مروان: أي الرجال أفضل؟ قال:
مَنْ تواضع عن رفعةٍ، وزَهُدَ عن قدرةٍ، وتَرَك النُّصْرَةَ عن قوةٍ(١).
أُخْبَرَنا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا أبو الحسين بن النَّقُّور، وأبو منصور بن
العطار، قالا: أنا أبو طاهر المُخَلّص، نا عبيد الله بن عبد الرَّحمن.
ح وَأَخْبَرَنا أبو عبد الله محمَّد بن غانم بن أحمد بن(٢) الحداد، وأبو بكر محمَّد بن
عبد الواحد بن محمَّد يعرف بقفل(٣)، وأبو الوفاء المُفَضّل بن المُطَهّر بن الفضل بن بحر (٤).
قالوا: أنا عبد الوهاب بن منده، أنا أبي، أنا محمَّد بن الحسين المدائني - بمصر -
قالا : نا زکریا بن یحیی أبو يعلى السّاجي، نا الأصمعي، نا محمّد بن حرب الزيادي.
ح وَأَخْبَرَنا أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنا أبو بكر البيهقي، أنا أبو عبد الله الحافظ،
حدثني أبو الفضل محمّد بن الحسن الكاتب - ببغداد - نا محمَّد بن الحسين بن عُبيد، نا
محمَّد بن القاسم بن خَلّد، نا محمَّد بن حرب، عن أبيه.
ح وَأَخْبَرَنا أبو محمَّد بن طاوس، أنا سليمان بن إبراهيم بن محمَّد، نا محمَّد بن
إبراهيم بن جعفر - إملاءً - نا أبو علي الحسين بن علي، نا محمَّد بن زكريا، نا ابن عائشة.
قالا: قيل لعبد الملك: من أفضل الناس؟ قال: من تَوَاضَع عن رفعةٍ، وزَهُدَ عن قدرةٍ،
وأنصف عن قوةٍ (٥).
أَخْبَرَنا أبو القاسم العلوي، أنا أبو الحسن المقرىء، أنا أبو محمَّد المصري، أنا أبو
بكر الدِّيْنَوَري، نا محمَّد بن عبد الرَّحمن، نا إبراهيم بن المُنْذِر، عن ابن عيينة، قال:
(١) البداية والنهاية ٩/ ٨٠.
(٢) (بن)) سقطت من م، قارن مع المشيخة ٢٠٤/ ب.
(٣) إعجامها مضطرب بالأصل، وبدون إعجام في م، والمثبت عن المشيخة ١٩٧ / أ.
(٤) المشيخة ٢٤٥/ أ.
(٥) تهذيب الكمال ٩٤/١٢.

١٤٥
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
قال عبد الملك بن مروان: ثلاثة من أحسن شيءٍ: جود لغير ثوابٍ، ونَصَبٌ لغير دنيا،
وتواضع لغير ذلّ(١).
أَخْبَرَنا أبو محمَّد [بن](٢) طاوس - لفظاً - أنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أنا أبو نصر(٣)
محمّد بن أحمد بن الحسين بن عبد العزيز البَقّال العُكْبَري - بها - نا أبي، نا أبو بكر
الباغندي، حدثني عبد الملك بن محمَّد بن عبد الله الرقاشي (٤)، نا أبو حفص القديري (٥) ،
قال :
دخل أعرابي على عبد الملك بن مروان وهو يأكل الفالوذج، قال: فقال: يا ابن عمّ ادنُ
فَكُلْ من هذا الفالوذج فإنه يزيد في الدماغ، قال: إنْ كان كما يقول أمير المؤمنين فينبغي أن
یکون رأسه مثل رأس البغل .
أَخْبَرَنا آباء محمَّد: هبة الله بن أحمد المزكي، وعبد الكريم بن حمزة، وطاهر بن
سهل، قالوا: أنا أبو الحسين بن مكي، أنا أبو الحسن محمَّد بن أحمد بن العياس
الإخميمي، نا محمّد بن عبد الله بن سعيد المهراني، نا سهل بن محمَّد السِّجِسْتاني، نا
العُتبي، عن أبيه قال:
قال عبد الملك بن مروان: يا بني أميّة إنّ خير المال ما أفاد حمداً، ومنع ذماً، فلا يقولن
أحدكم ((ابدأ بمن تعول))، فإن الناس عيال الله (٦).
أَخْبَرَنا أبو الحسن الشافعي، أنا حيدرة بن علي، أنا أبو محمَّد بن أبي نصر، أنا عمي
أبو علي، نا أبو بكر محمَّد بن بشر بن موسى القراطيسي، قال:
قال عبد الملك بن مروان: لا طمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم (٧) .
أَخْبَرَنا أبو العز بن كادش - إذناً ومناولة وقرأ علي إسناده - أنا محمّد بن الحسين، أنا
المعافى بن زكريا القاضي، نا عمر بن الحسن بن علي بن مالك الشيباني، نا الغلابي، نا ابن
سلام، أنا عبد الله بن سعید، قال:
بعث عبد الملك بن مروان إلى الشعبي، فقال: يا شعبي عهدي بك وأنك لغلام في
(١) تهذيب الكمال ١٢/ ٩٤.
(٢) الزيادة عن م.
(٣) قوله: ((أنا أبو نصر)) سقط من م.
(٤) ترجمته في تهذيب الكمال ٨٩/١٢.
(٥) كذا رسمها بالأصل، وفي م: الفريدي.
(٦) البداية والنهاية ٩/ ٨٠.
(٧) البداية والنهاية ٩/ ٨٠ وفيها: لا طمأنينة قبل الخبرة، فإن الطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم.

١٤٦
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
الكتّاب، فحدّثني، فما بقي معي شيء إلّ وقد ملكته سوى الحديث الحسن، وأنشد:
ومللت إلّ من لقاء محدّثٍ حسنِ الحديث يزيدني تعليما
قال القاضي: ونظير هذا قول ابن الرومي:
ولقد سئمت ما أربي فكأن طيبها خبيث إلا الحديث فإنه مثل اسمه ابداً حديث
أَخْبَرَنا أبو بكر محمَّد بن شجاع، أنا أبو منصور بن شكرويه، ومحمَّد بن أحمد بن
علي السمسار:
ح(١) وَأَخْبَرَنا أبو محمَّد بن طاوس، أنا أبو منصور بن شكرويه.
ح(١) وَأَخْبَرَنا أبو طاهر محمَّد بن أبي نصر بن أبي القاسم بن هاجر(٢)، أنا أبو المظفر
محمود بن جعفر بن محمَّد بن أحمد الكَوْسَج.
قالوا: أنا إبراهيم بن عبد الله بن محمَّد، أنا أبو الحسن أحمد بن محمَّد بن سَلْم(٣)
المَخْرَمي، نا الزبير بن بكّار، نا محمَّد بن إسماعيل بن حفص بن إبراهيم، عن القاسم بن
محمّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن ابن نبیه السلمي، قال:
قال عبد الملك بن مروان: كل شيء - زاد ابن طاوس: قد - وقالوا: قضيت منه وطراً
إلّ من مناقضة - وقال ابن طاوس: مفاوضة - الإخوان الحديث على فنن التلال العفر في
الليالي البيض .
رواه غيره عن الزبير فلم يذكر بعده أحداً.
أَخْبَرَناه (٤) أبو القاسم الحُصَين، أنا الحسن بن عيسى بن المقتدر، نا أحمد بن
منصور اليشكري، نا الصولي، نا أحمد بن يحيى، نا عبد اللَّه - يعني ابن شبيب - حدثني
الزبير، قال :
قيل لعبد الملك: ما بقي من ملاذك يا أمير المؤمنين؟ قال: مراجعة الإخوان الحديث
على التلاع العفر.
قال اليشكري: التلاع العفر: عَنَى التلال التي فيها بعض الحمرة.
آخر الجزء الثامن والعشرين بعد الأربعمئة من الفرع.
(١) (ح)) حرف التحويل سقط من م.
(٣) في م: سالم.
(٢) في م: مهاجر.
(٤) عن م وبالأصل: أخبرنا.
:

١٤٧
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
أَخْبَرَنا أبو الحسن الفقيه الشافعي، أنا نصر بن إبراهيم، وعبد الله بن عبد الرزّاق.
وَأَخْبَرَنا أبو الحسن علي بن زيد السُّلَمي، أنا نصر بن إبراهيم، قالا: أنا أبو
الحسن بن عوف، أنا أبو بكر بن خُرَيم (١).
ح وَأَخْبَرَنا أبو القاسم بن عَبْدَان، أنا محمَّد بن علي بن أحمد الفراء، أنا عبد الله بن
الحسين بن عَبْدَان، أنا عبد الوهاب الكِلابي، أنا أبو الجهم بن طَلّب، قالا: نا هشام بن
عمّار، نا الهيثم بن عِمْرَان.
نا وقال أبو الجهم: سمعت إسماعيل بن عبيد الله قال:
كنت أعلّم ولدَ عبد الملك بن مروان من عاتكة، فكنت جالساً على فراشي وهم بين يدي
يتعلمون إذْ أقبل عبد الملك يمشي، ليس عليه رداء، فلما دنا قمت ليجلس، فقال: اجلس
مكانك، وأتى بوسادة فجلس ينظر إليهم وهم يتعلمون، فقال له بنوه: يا أمير المؤمنين إنّه قد
شقّ علينا في التعليم، فإنْ رأيتَ أن تأذن لنا نلعب، فقال: تلعبون وقد مرّ على رأس أبيكم ما
قد علمتم؟ لقد رأيتني أغزو مصعب بن الزبير، وعدوي كأمثال الجبال كثرة، وأنصاري من
أهل الشام عامتهم أعداء لي، فأمكث طويلاً، وقد ذهب عقلي، ثم يرده الله عليّ بعد طويل، أو
بعد ساعة.
- زاد أبو الجهم: وهم يزيد ومروان، ومعاوية بنو عبد الملك بن مروان.
أخبرتنا أم البهاء فاطمة بنت محمَّد، قالت: أنا أبو طاهر بن محمود، أنا أبو بكر بن
المقرىء، نا محمَّد بن جعفر، نا عبيد الله بن سعد، نا الهيثم بن خارجة، نا الهيثم بن
عمران، قال: سمعت إسماعيل بن عبيد الله قال:
قال لي عبد الملك بن مروان: لا تطعم ولدي السَّمْنَ، ولا تطعمهم طعاماً حتى
تخرجَهُم على البراز، وعلّمهم الصدق كما تعلّمهم القرآن، وجنّبهم الكذب وإنْ كان فيه
القتل.
أَخْبَرَنا أبو القاسم العلوي، أنا رَشَأ بن نظيف، أنا الحسن بن إسماعيل، أنا أحمد بن
مروان، نا إبراهيم الحربي، ومحمَّد بن موسى، قالا: نا محمَّد بن الحارث، عن المدائني
قال(٢):
(١) الأصل وم: حريم، تصحيف، والصواب ما أثبت، مرّ التعريف به.
(٢) من طريقه رواه ابن كثير في البداية والنهاية بتحقيقنا ٩/ ٨٠.

١٤٨
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
قال عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده: علّمهم الصدق كما تعلّمهم القرآن، وجنبهم
السَّفَلة فإنهم أسوء الناس رِعَةً(١)، وأقلهم أدباً، وجنبهم الحشم فإنهم لهم مفسدة، واحْفٍ
شعورهم تغلظ رقابهم، وأطعمهم اللحم يقووا، وعلّمهم الشعر يَمْجُدوا ويَنْجُدوا، وَمُرْهُم أن
يستاكوا عَرْضاً، ويمصُّوا الماء مصاً، ولا يعبّوا عباً، وإذا احتجت أن تتناولَهم بأدب فليكن
ذلك في سرّ لا يعلم به أحد من الغاشية فيهونوا عليهم.
أَخْبَرَنا أبوا(٢) الحسن الفقيهان، قالا: أنا أبو الحسن بن أبي الحديد، أنا جدي أبو
بكر، أنا أبو بكر الخرائطي، نا أبو يوسف يعقوب بن إسحاق القُلُوسي، نا إبراهيم بن المنذر،
نا معن بن عیسی، عن عمر بن سلام.
أن عبد الملك بن مروان دفع ولده إلى الشعبي يؤدبهم، فقال: علّمهم الشعر يَمْجُدوا
ويَنْجُدوا، وأطعمهم اللحم تشتد قلوبهم، وجزّ شعورهم تغلظ رقابهم، وجالس لهم الناس
يناطقوهم الكلام.
أَخْبَرَنا أبو السعود أحمد بن محمَّد (٣) بن علي بن المُجْلي - إذناً ومناولة - نا القاضي
أبو الحسين محمّد بن علي بن محمَّد بن عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله من لفظه،
قال: قُرىء على أبي الحسن أحمد بن محمَّد بن المكتفي وأنا أسمع قأقربه، نا محمَّد بن
الحسن بن دريد، أنا الحسن بن حضر، عن أبيه، عن الهيثم بن عدي، قال (٤).
أذِنَ عبد الملك للناس إذناً خاصاً، فدخل شيخٌ رتّ الهيئة، فلم يأبه له الجراس حتى
مَثُلَ بين يدي عبد الملك، وفي يده صحيفة، فألقاها بين يديه وخرج، فلم يوجد، فإذا فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم، يا أيها الإنسان إن الله عز وجل قد جعلك بينه وبين عباده، ﴿فاحكم
بينهم بالحق، ولا تَتّبع الهوى فيضلَّك عن سبيل الله - إلى قوله - يوم الحساب﴾ (٥) ﴿ألا يظن
أولئك أنهم مبعوثون﴾ (٦) إلى قوله ﴿رب العالمين﴾(٦) ﴿ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم
مشهود وما نؤخره إلّ لأجل معدود﴾(٧) إلى الذي أنت فيه لو بقي لغيرك ما وصل إليك،
((١) في البداية والنهاية: أسوأ الناس رغبة في الخير. ويقال: فلان سيء الرعة: إذا كان قليل الورع.
((٢) الأصل: ((أبو)) والتصويب عن م.
((٣) في م: بن محمد بن عبيد اللّه بن علي بن المجلي (في م: المحلى بالحاء المهملة).
((٤) الخبر في البداية والنهاية بتحقيقنا ٩/ ٨٠ من طريق الهيثم بن عدي.
((٥) سورة ص، الآية: ٢٦.
(٦) سورة المطففين، الآيات ٤ - ٦.
(٧) سورة هود، الآيتان ١٠٤ - ١٠٥ .

١٤٩
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
﴿فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا﴾(١)، وإني أحذرك يوم ينادي المنادي ﴿ألا لعنة الله على
الظالمین﴾ (٢) ، قال: فتغير وجه عبد الملك، فدخل دار حرمه ولم تزل الكآبة في وجهه بعد
ذلك أياماً.
أَخْبَرَنا أبو علي الحسن بن أحمد في كتابه، أنا أبو نُعَيم الحافظ، نا سليمان بن أحمد،
نا أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدَة، نا علي بن عياش، نا زكريا بن حكيم الحَبَطي، عن
الشعبي، قال:
کتب زِرّ بن حُبَیش إلى عبد الملك بن مروان.
ح(٣) قال: ونا أبو نصر محمَّد بن أحمد بن إبراهيم - واللفظ له - نا محمَّد بن علي بن
الهيثم، نا عبد اللَّه بن محمَّد بن عُبَيد، حدثني محمَّد بن الحسين، نا شهاب بن عبّاد، عن
سويد الكلبي.
أن زِرّ بن حبيش كتب (٤) إلى عبد الملك بن مروان كتاباً يعظه، وكان في آخره.
ولا يطمعك يا أمير المؤمنين في طول البقاء ما يظهر من صحتك، فأنت أعلم بنفسك،
واذکر ما تكلم به الأولون:
وبليت من كِبَرٍ أجسادُها
إذا الرجال ولدتْ أولادها
تلك زروٌ قددَنَا حصادُها
وجعلت أسقلمُها تعتادُها
فلما قرأ عبد الملك الکتاب بکی حتی بلَّ طرف ثوبه، ثم قال: صَدَق زِرّ، لو کتب إلینا
بغير هذا كان أرفق.
أُخْبَرَنا أبو يعقوب يوسف بن أيوب بن الحسين - بمرو - وأبو بكر محمَّد بن الحسين
- ببغداد - قالا: نا أبو الحسين بن المهتدي، أنا أبو الحسن محمّد بن محمَّد بن سليمان بن
جعفر، نا الحسين بن إسماعيل المحاملي، نا عبد اللَّه بن أبي سعد، نا محمَّد بن
الحسين بن عباس، حدثني عبد الله بن الوَضّاح، قال:
وقف عبد الملك على قبر أبيه فقال:
وما الدهر والأيام إلّ كما أرى
رزيّةَ مالٍ أو فِرَاق حبيبٍ
(١) سورة النمل، الآية: ٥٢.
(٣) (ح)) حرف التحويل سقط من م.
(٤) الخبر: الكتاب والبيتان في البداية والنهاية بتحقيقنا ٩/ ٨٠.
(٢) سورة هود، الآية: ١٨.

١٥٠
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
وإنّ امرأ قد جرّب الدهر لم يخفْ تقلّب عَصْرَيْه بغيرِ لبيبٍ
أَخْبَرَنا أبو القاسم الحسين بن الحسن بن محمَّد الأسدي، أنا أبو الفرج سهل بن
بشر، أنا القاضي أبو الحسن علي بن عبيد اللَّه الهمداني - إجازة - أنا الحسين بن إسماعيل،
نا أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن یزید الحلبي، نا علي بن أحمد الجُرْجَاني، نا ابن حُمَید، نا
جرير (١) لعبد الملك بن مروان(٢):
ودانت لي الدنيا بوقعِ البواترِ
لعمري لقد عمرتُ في الدهر(٣) برهةٌ
كلمح (٤) مضى في المزمنات الغوابرِ
فَأَضْحَى الذي قَدْ كان مما يَسُرّني
ولم أله (٧) في لذات عيشٍ نواضر
فيا ليتني لم أعن (٥) في المُلْكِ ساعةٌ (٦)
من الدهر حتّى زار ضَنْكَّ المقابر
وكنت كذي طِمْرَين عاش ببُلْغَةٍ
قرأت على أبي القاسم زاهر بن طاهر، عن أبي بكر البيهقي، أنا أبو عبد الله الحافظ،
قال: سمعت أبا بكر بن المُؤَمّل يقول: سمعت أبا الفضل محمَّد بن عبيد اللَّه البلعمي يقول:
قال عبد الملك بن مروان يوماً لجلسائه وأنشدهم بيت نُصَيّب (٨) :
أَهيمُ بدعدٍ ما حييت وإن أَمُتْ أوكّل(٩) بدعدٍ مَنْ يَهِيمُ بِهَا بعدي
ما تقولون فيه؟ فكل غاية (١٠)، فقال عبد الملك فلو (١١) كان إليكم كيف كنتم تقولون؟
فقال رجل منهم: كنت أقول:
أهيم بدعدٍ ما حييت وإن أمت فوا حزني من ذا يهيم بها بعدي (١١)
(١) هو جرير بن عبد الحميد، كما في تاريخ الإسلام.
(٢) الأبيات في البداية والنهاية بتحقيقنا ٨٢/٩ دون البيت الأخير، وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠)
ص ١٤٢، وفي البداية والنهاية: أنه تمثل بها، وفي آخرها قال ابن كثير: وقد أنشد معاوية بن أبي سفيان هذه
الأبيات عند موته.
(٣) الأصل وم وتاريخ الإسلام، وفي البداية والنهاية: في الملك.
(٤) الأصل وم وتاريخ الإسلام، وفي البداية والنهاية: كحلم.
(٥) عن م والمصادر، وبالأصل: أغز.
(٦) الأصل وم وتاريخ الإسلام، وفي البداية والنهاية: ليلة.
(٧) في البداية والنهاية: أسع.
(٨) الخبر في الشعر والشعراء ص ٢٤٣ وفيه أن الأقيشر دخل على عبد الملك بن مروان وعنده قوم فتذاكروا
الشعر، وذكروا قول نصيب.
(٩) في الشعر والشعراء: ((فيا ويح دعد)). والبيت برواية الأصل في الشعر والشعراء منسوباً للأقيشر.
(١٠) كذا بالأصل وم.
(١١) ما بين الرقمين سقط من م.

١٥١
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
فقال عبد الملك: قلت والله أسوأ مما قال.
قال: فكيف كنت تقول يا أمير المؤمنين فقال:
كنت أقول :
أهيم بدعد ما حييتُ وإن أَمُتْ(١) فلا صَلُحَتْ دعدٌ لذي خِلّة بعدي
فقالوا: والله أنت أشعر الثلاثة يا أمير المؤمنين.
أنْبَانا أبو علي محمَّد بن سعيد بن نَبْهَان، ثم أخبرنا أبو الفضل بن ناصر، أنا أحمد بن
الحسن، ومحمَّد بن إسحاق بن مَخْلَد، ومحمَّد بن سعيد.
ح(٢) وَأَخْبَرَنا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا أحمد بن الحسن.
قالوا: أنا أبو علي الحسن بن أحمد، أنا أبو بكر محمَّد بن الحسن بن مِقْسَم، نا أبو
العباس أحمد بن يحيى ثعلب، نا عمر بن شَبّة، نا ابن عائشة، قال: سمعت أبي يذكر.
أن عبد الملك بن مروان(٣) أشرف على أصحابه وهم يذكرون سيرة عمر، فغاظه ذلك
فقال: إِيهاً عن ذكر عمر، فإنه إزراءٌ على(٤) الولاة، مفسدة للرعية.
أَخْبَرَنا أبو محمَّد بن الأكفاني، نا عبد العزيز الكتاني(٥)، أنا تمام بن محمَّد، أنا
محمَّد بن سليمان الرَّبَعي(٦)، نا محمّد بن الفيض، نا إبراهيم بن هشام بن يحيى(٧)، حدثني
أبي، عن جدي قال:
كان عبد الملك بن مروان كثيراً مما يجلس إلى أمّ الدرداء في مؤخر المسجد بدمشق
وهو خليفة، فجلس إليها مرة من المرار، فقالت له: يا أمير المؤمنين بلغني أنّك شربتَ الطلاء(٨)
بعد العبادة والنُّسْك؟ قال: أي والله يا أمّ الدّرداء، والدماءَ قد شربتُها، ثم أتاه غلامٌ له قد كان
(١) صدره في الشعر والشعراء:
تحبكم نفسي حياتي فإن أمت
(٢) (ح)) حرف التحويل سقط من م.
(٣) الخبر في البداية والنهاية بتحقيقنا ٩/ ٨٠.
(٤) في البداية والنهاية: مرارة للأمراء.
(٥) في م: الكناني، تصحيف.
(٦) في م: الربيعي، تصحيف.
(٧) من طريقه رواه ابن كثير في البداية والنهاية بتحقيقنا ٩/ ٨٠ - ٨١ وباختصار في تاريخ الإسلام (حوادث سنة
٨١ - ١٠٠) ص ١٤٢ وسير أعلام النبلاء ٢٤٩/٤.
(٨) الطلاء: ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه.

١٥٢
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
بعثه في حاجة فأبطأ عليه، فقال: ما حبسك عليك لعنة الله، فقالت له: لا تفعل يا أمير
المؤمنين، فإنّي سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله * يقول: ((لا يدخل الجنّة
لعّان)) [٧٤٤٥].
أَخْبَرَنا أبو يعقوب يوسف بن أيوب بن الحسينِ الهَمَذاني(١) الواعظ - بمرو - أنا أبو
طاهر عبد الكريم بن الحسن بن رِزْمَة الخباز - ببغداد - أنا أبو الحسين علي بن محمَّد بن
عبد الله بن بِشْرَان، نا أبو الحسين أحمد بن محمَّد بن جعفر الجوزي، نا أبو بكر عبد اللَّه بن
محمّد بن أبي الدنيا، أخبرني العباس بن هشام بن محمّد، عن أبيه قال: أخبرني عمر بن
بشير -رجل من الأزْد -.
أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج: إنّما مَثَلي ومثل أهل العراق كما قال
الأوّل(٢) :
ولو لم ينبه بأتت الطيرُ لا تَسْري
إنّي وإيّاهم كمنْ نَبّه القَطَا
فما أنا بالواني ولا الضَّرعِ الغَمْر
أناة وحلما وانتظاراً بهم غداً
ستحملهم (٣) مني على مركّبٍ وَعْرِ.
أظنُّ صروفَ الدّهر والجهل منهم
وأنّ قناتي لا تلين على القسر
ألم تعلموا (٤) انّي تخاف عَرَامتي (٥)
حفاظا وینوي من سفاهة گَسْري
فما بال من أسعى لا خَير عظمه
أعود على ذي الجهل والذنب منهم
بحلمٍ ولو عَاقَبْتُ غَرّقهم بَحْرِي
قال ونا أبو بكر، حدثني محمَّد بن الحسين، حدثني يوسف بن الحكم، حدثني.
عبد السلام مولى مَسْلَمة، قال:
قال عبد الملك بن مروان لمحمد بن عُطَارد التميمي: يا محمَّد احفظ عني هذه الأبيات
واعمل بهن، قال: هاتها يا أمير المؤمنين، قال:
إذا أنت جاريت السفيه كما جرى
فأنت سفيه مثله (٦) غير ذى حلم
(١) الأصل وم: الهمداني، بالدال المهملة.
- ((٢) الأبيات الثاني والثالث والرابع في مروج الذهب ١٥٩/٣ .
((٣) الأصل: سيحملهم، وبدون إعجام في م، والمثبت عن مروج الذهب.
((٤) الأصل: يعلموا، وبدون إعجام في م، والمثبت عن مروج الذهب.
(٥) العرامة: الشراسة والأذى.
(٦) كتبت بالأصل فوق الكلام.

١٥٣
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
فعرضك للجهال غنم من الغنم
إذا أمن الجهال حلمك مرة
بحلم، فإن أعيا عليك فبالصرم
فلا تعرضن عرض السفيه وداره
بمرتبة بين العداوة والسلم
وعضٌ (١) عليه الحلم والجهل والْقه
وتأخذ فيما بين ذلك بالحزم
فيرجوك تارات، ويخشاك تارة
عليه بجُهَالٍ وذاك من العَزْمِ
فإن لم تجد بداً من الجهل فاستعن
أنبأنا أبو سعد أحمد بن محمَّد بن البغدادي، أنا أبو عمرو بن منده، أنا الحسن بن
محمّد بن أحمد أنا أحمد بن محمد بن عمر، نا أبو بكر ابن أبي الدنيا(٢)، نا الحسين بن
عبد الملك (٣) قال:
قيل لسعيد بن المُسَيّب أن عبد الملك قال: قد صرتُ لا أفرح بالحسنة أعملها، ولا
أحزن على السيئة أرتكبها، فقال سعيد: الآن تكامل موتُ قلبه.
أَخْبَرَنا أبو البركات الأنماطي، أنا أبو الحسين بن الطَّيُّوري، أنا أبو الحسن العتيقي.
وَأَخْبَرَنا أبو عبد اللَّه البَلْخي، أنا ثابت بن بُنْدَار، أنا الحسين بن جعفر.
،قالا: أنا الوليد بن بكر، أنا علي بن أحمد بن زكريا، أنا صالح بن أحمد العجلي،
حدثني أبي (٤) قال:
كان يقال ان لعبد الملك حلماً، دخل عليه عبد الرَّحمن بن أم الحكم، وكان ... (٥)،
فقال له عبد الملك: ما لي أراك كأن عاضّ على صوفة - یرید بياض عنقفته - فقال له
عبد الرَّحمن: إنهن والله يا أمير المؤمنين يقبلن مالي(٦) ولا يشممن قفاي، فعرف عبد الملك
أنه إنّما عيره بالبخر(٧)، فسكت، وكان أبخر.
يقال إنه ولد لستة أشهر، فدخل عليه رجل من أهل العراق، فعرض له عبد الملك بما
يكره، فقال له العراقي: إنّ ها هنا قوماً لم تنضجهم (٨) الأرحام، ولم يولدوا لتمام، فقال له
(١) عضى الشيء: وزعه وفرقه.
(٢) من طريقه رواه ابن كثير في البداية والنهاية ٨١/٩.
الأصل وم، وفي البداية والنهاية: الحسين بن عبد الرحمن.
(٣)
(٤) تاريخ الثقات للعجلي ص ٣١٢.
(٥) رسمها بالأصل: ((جبارا)) وفي م: ((حبار) وفي تاريخ الثقات: خياراً.
(٦) إعجامها مضطرب بالأصل، واللفظة سقطت من.م، والمثبت عن تاريخ الثقات.
(٧) الوليخر! النتن يكون في الفم وغيره (اللسان).
(٨) في تاريخ الثقات: تفضحهم.

١٥٤
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
عبد الملك: مَنْ هم ويلك؟ قال: سويد بن مَنْجُوف منهم يا أمير المؤمنين، وإنما أراده هو،
وكان سويد حاضراً، فلما خرجوا قال له سويد: أحسنت والله ما سرّني أنك نقصته شيئاً مما
کان.
أنْبَأنا أبو علي محمَّد بن سعيد.
ثم أخبرنا أبو القاسم بن السّمر قندي، أنا أبو طاهر أحمد بن الحسن بن أحمد.
ح (١) وحدثنا أبو الفضل بن ناصر، أنا أبو طاهر، وأبو الحسن محمَّد بن إسحاق بن
إبراهيم، وأبو علي محمَّد بن سعد.
قالوا: أنا أبو علي بن شاذان، أنا محمَّد بن الحسن بن مِقْسَم، نا أبو العباس، نا ابن
عائشة، قال: سمعت أبي یذکر قال:
كان عبد الملك فاسد الفم، فعضّ تفاحة فألقاها إلى امرأة من نسائه، فأخذتْ سكيناً،
فاجتلفتْ ما عابَ منها، فقال: ما تصنعين؟ قالت: أمطتُ الأذى عنها.
أنْبَأنا أبو الفرج غيث بن علي، ثم حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن طاهر عنه، أنا
مشرف بن علي بن الخَضِر - إجازة - أنا محمَّد بن الحسين بن الفراء، قال: قُرىء على
إسماعيل بن سعيد المُعَدّل، وأنا أسمع، أنا الحسين بن القاسم الكوكبي، نا أبو الفضل
الأصبهاني، أنا بُنْدَار، عن الأصمعي(٢)، عن أبيه، قال:
صعد عبد الملك بن مروان ذات يوم إلى المنبر فخطب الناس بخطبة بليغة ثم قطعها
وبكى بكاء شديداً، ثم قال: يا رب إنّ ذنوبي عظيمة، وإنّ قليل عفوك أعظم منها: اللَّهمّ فامحُ
بقليلٍ عفوك عظيم ذنوبي.
قال: فبلغ ذلك الحسن فبكى وقال: لو كان كلام يُكْتَبُ بالذهب لكُتب هذا الكلام(٩).
أَخْبَرَنا أبو محمَّد الحسن بن أبي بكر، أنا الفُضَيل بن يحيى، أنا أبو محمَّد بن أبي
شُرَيح، أنا محمَّد بن عقيل بن الأزهر، نا محمّد بن نصر، نا عمرو بن زرارة، أنا أبو غسان
شيخ من أهل المدينة كان غلاماً لمنصور بن المعتمر اشتراه أبو جعفر فأعتقه، عن مجالد، عن
الشعبي قال:
(١) (ح)) حرف التحويل سقط من م.
(٢) من طريقه في البداية والنهاية بتحقيقنا ٩/ ٨١، وتهذيب الكمال ٩٥/١٢.

١٥٥
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
خطب عبد الملك بن مروان فقال في خطبته: اللَّهمّ إن ذنوبي عَظُمَتْ فجلت عن الضفة
وهي صغيرة في جنب عفوك، فاعف عنا تعلم.
أُخْبَرَنا أبو النجم بدر بن عبد اللَّه، أنا أبو بكر الخطيب (١) ، أنا أبو يَعْلَى أحمد بن
عبد الواحد الوكيل، نا علي بن عمر الحافظ، نا الحسين بن إسماعيل، حدثني رجاء بن
سهل، نا أبو مُسْهِر، عن الحكم بن هشام، عن أبيه قال:
كان عبد الملك بن مروان يكثر في دعائه وفي خطبته أن يقول: اللَّهمّ إنّ ذنوبي جلت
وعَظُمَت عن أن توصف، وهي صغيرة في جنب عفوك، فاعفُ عني يا أرحم الراحمين، وكان
كثيراً ما يتمثل بهذين البيتين:
وبيت الغِنَى يُهْدَى له ويُزارُ
أَلَمْ تَرَ أنّ الفقرَ يُهجرُ أهلُه
إذا سرحت شَوْل له وعِشار(٢)
وماذا يضر المرء من كان جده
أُخْبَرَنا أبو القاسم الشحامي، أنا البيهقي.
وأَخْبَرَنا أبو سعد [أحمد](٣) بن البغدادي، أنا أبو نصر محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن
عمر، قالا: أنا أبو سعيد الصيرفي، أنا أبو عبد اللَّه محمّد بن عبد الله بن أحمد الصفّار، نا أبو
بكر بن أبي الدنيا، حدثني إبراهيم بن عبد الملك، عن أبي مُسْهِر الدمشقي، قال(٤):
حضر غداء عبد الملك فقال لآذنه: خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد؟ قال: مات یا
أمير المؤمنين قال: فأمية بن عبد الله بن خالد بن أَسيد؟ قال: مات يا أمير المؤمنين، قال:
وکان عبد الملك قد علم أنهم ماتوا، فقال: ارفع يا غلام، ثم قال:
ذَهَبَتْ لِداتي وانقضتْ آجالهم وغَبَرْتُ بعدهم ولست بخالدِ
واللفظ لأبي نصر.
أَخْبَرَنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد، أنا أبو بكر محمَّد بن هبة اللَّه، أنا أبو
الحسين بن بِشْرَان، أنا أبو علي بن صَفْوَان، أنا أبو بكر بن أبي الدنيا، قال: وحدثني
(١) الخبر في تاريخ بغداد ٨/ ٤١١ ضمن أخبار رجاء بن سهل الصاغاني.
(٢) الشول من النوق: هي التي خف لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها سبعة أشهر من يوم نتاجها أو ثمانية.
والعشار من الإبل: التي مضى لحملها عشرة أشهر.
(٣) زيادة عن م.
(٤) البداية والنهاية ٨١/٩ باختلاف وزيادة أسماء، وذكر البيت.

١٥٦
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
هارون بن سفيان، عن عبيد الله بن(١) محمَّد التيمي، قال: سمعت أبي يحدِّث، نا جعفر بن
عطية، عن (٢) قبيصة بن ذُؤَيب، عن أبيه (١)، قال:
كنا نسمع نداء عبد الملك بن مروان من وراء الحُجُرات: يا أهل النّعم لا تَغَالَوْا شيئاً
منها مع العافية، وكان قد أصابه داء في فمه .
قال: ونا ابن أبي الدنيا، قال: وحدثني أبو عبد الرّحمن الأَزْدي، قال: قال أبو مُشْهِر :.
قيل لعبد الملك بن مروان في مرضه: كيف تجدك يا أمير المؤمنين، قال: أجدني كما
قال الله تعالى: ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مَرّةٍ وتركتم ما خَوّلناكم وراء ظُهُوركم
وما نَرَى معكم شفعاءكم الذين زَعَمْتُم أَنَهم فيكم شُرَكاء لقد تَقَطَّع بينكم وضَلّ عنكم ما كُنْتُم
تَزْعَمُون﴾ (٣) (٤) .
أَخْبَوَنا أبو رجاء محمود بن يحيى بن أحمد بن محمود الثقفي، وأبو القاسم
محمود بن عبد الواحد بن أبي بكر، وأبو الفضائل أحمد بن حَمْد بن محمَّد بن الفراء، وأبو
سعيد عبد الجبار بن محمَّد بن أبي القاسم، قالوا: أنا القاسم بن الفضل بن أحمد الثقفي، نا
القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي - بنَيْسَابور - نا الحسن بن محمَّد بن إسحاق
الإسفرايني، نا محمَّد بن زكريا الغَلّبي، نا ابن عائشة، عن أبيه، عن الشعبي قال:
ما حسدت أحداً على كلام تكلم به ما حَسَدْتُ عبد الملك بن مروان، فإنّي سمعته
يقول: اللَّهمّ إنّ ذنوبي عظام، وإنها صغار في جنب عفوك، فاغفرها لي يا كريم(٥) ..
أُخْبَرَنا أبو القاسم بن السّمر قندي، أنا أبو بكر بن الطَّبَري، أنا أبو الحسين بن بِشْرَان،
أنا أبو علي بن صَفْوَان، نا أبو بكر بن أبي الدنيا، نا أبو عبد الرَّحمن الخُزَاعي، نا عبد الله بن
أحمد بن شَبُّويه، نا محمَّد بن نصر، نا عبد الله بن المبارك، عن المُفَضّل بن فَضَالة، عن أبيه
قال :
استأذن قومٌ على عبد الملك بن مروان وهو شديد المرض، فقالوا له لما به فقالوا: إنّما
ندخل لنسلِّم قياماً ثم نخرج، فدخلوا عليه وقد أسند خصي إلى صدره وقد اربدّ لونه، وحد
(١) ما بين الرقمين سقط من م.
(٢) الأصل: عن ابن قبيصة.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ٩٤.
(٤) الخبر في البداية والنهاية بتحقيقنا ٩/ ٨٢ ومروج الذهب ١٩٧/٣.
(٥) تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠) ص ١٤٢ - ١٤٣

١٥٧
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
منخراه، وشخصت عيناه، فقال: إنّكم دخلتم عليّ في حين إقبال آخرتي، وإدبار دنياي، وإنّي
تذكّرت أرجى عمل لي فوجدتها غزوة غزوتها في سبيل الله، وأنا خلو من هذه الأشياء، فإيّاكم
(١) هذه الخبيثة أن تطيفوا بها .
.....
قال: ونا ابن أبي الدنيا، حدثني محمَّد بن إدريس، نا إبراهيم بن عبد الله بن زَبْر،
قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز التَّنوخي يحدث قال(٢):
لما نزل بعبد الملك بن مروان الموت أمر بفتح باب قصره، فإذا بقصّار يضرب بثوبٍ له
على حجر، فقال: ما هذا؟ فقالوا: قصار، قال: يا ليتني كنت قصاراً - مرتين - فقال سعيد بن
عبد العزيز(٣): الحمد لله الذي جعلهم يفزعون ويفرّون إلينا ولا نفرّ إليهم.
أَخْبَرَنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، أنا أبو الحسن رَشَأ بن نظيف، أنا أبو محمَّد
المصري، أنا أبو بكر الدينوري، نا محمّد بن موسى بن حمّاد، نا محمَّد بن الحارث، عن
سعید بن بشیر، عن أبيه.
أن عبد الملك بن مروان حين ثقل جعل يلوم(٤) نفسه ويضرب بيده على رأسه وقال:
وددت أني كنت أكتسب يوماً بيوم ما يقوتني وأشتغل بطاعة الله(٥).
فذكر ذلك لأبي حازم فقال: الحمد لله الذي جعلهم يتمنون عند الموت ما نحن فيه، ولا
نتمنی عند الموت ما هم فيه.
أَخْبَرَنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو بكر اللالكائي، أنا أبو الحسين المعدل، أنا
أبو علي بن صفوان، نا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثني أبو زيد النميري، نا أبو غسان محمد بن
يحيى الكتاني، حدثني عبد العزيز بن عمران بن(٦) عمر بن عبد الرحمن(٧) بن عوف عن أبيه
عن جده قال :
لما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة نظر إلى غَسّال بجانب دمشق يلوي ثوباً بيده ثم
(١) رسمها بالأصل وم: ((وايا ابوابنا)).
(٢) البداية والنهاية بتحقيقنا ٩/ ٨٢ باختلاف، ومن هذه الطريق رواه المزي في تهذيب الكمال ١٢/ ٩٥.
(٣) كذا بالأصل، وفي تهذيب الكمال: ((فقال سعيد)) ولم ينسبه، وفي البداية والنهاية: ((فلما بلغ سعيد بن المسيب
قوله قال ... )).
(٤) في البداية والنهاية ٩/ ٨٢: جعل يندم ويندب ويضرب بيده.
(٥) إلى هنا ينتهي الخبر في البداية والنهاية.
(٦) الأصل: أن، والمثبت عن م.
(٧) الأصل: عبد العزيز، والمثبت عن م.

١٥٨
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
يضرب به المغسلة، فقال عبد الملك: والله ليتني كنت غسالاً آكل كسب يدي يوماً بيوم، وإني
لم ألٍ من أمر الناس شيئاً.
قال عبد العزيز عن أبيه عن جده :
قال أبو حازم: الحمد لله الذي جعلهم إذا حضرهم الموت يتمنون ما نحن فيه. وإذا
حضر أحدنا الموت لم نتمن ما هم فيه .
قال: ونا ابن أبي الدنيا حدثني سلمة بن شبيب، نا سهل بن عاصم عن مسعود بن خلق
قال : .
قال عبد الملك بن مروان في مرضه: والله وددت أني عبد لرجل من تهامة أرعى غنماً في
جبالها وأني لم أل(١).
قال: ونا ابن أبي الدنيا، قال: وحدثني محمد بن عباد بن موسى عن شعيب بن صفوان
قال (٢).
لما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة دعا بنيه فأوصاهم ثم لم يزل بين مقالتين حتى
فاضت نفسه :
الحمد لله الذي (٣) لا يبالي أصغيراً أخذ من ملكه أم كبيراً.
والأخرى (٤) :
فهل من خالد إمّا هلكنا وهل بالموت يا للناس عارٌ
أَخْبَرَنا أبو الحسن بن المُسَلّم الفقيه، أنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أنا أبو علي بن أبي
نصر، أنا أبو سليمان بن زبر نا محمد بن جعفر السامري (٥) ، نا أبو موسى عمران بن موسى
المؤدب قال:
(١) عن م وبالأصل: ((ألي)).
(٢) الخبر والبيت في البداية والنهاية بتحقيقنا ٩/ ٨٢.
(٣) في البداية والنهاية: الذي لا يسأل أحداً من خلقه صغيراً ....
(٤) البيت في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ ص ١٤٤) ونسبه لعدي بن زيد.
وفي البداية والنهاية: ((الباقين عار)) والبيت في الفتوح لابن الأعثم ٧/ ٢٠٤ برواية:
وهل بالموت للأحياء عار
فهل من خالد إن نحن متنا
(٥) من طريقه رواه المزي في تهذيب الكمال ٩٥/١٢ - ٩٦ وفيه: محمد بن جعفر الخرائطي. والبداية والنهاية
٩/ ٨٢ - ٨٣ باختلاف.

١٥٩
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
يروى أن عبد الملك بن مروان لما أحس بالموت قال: ارفعوني على شرف، ففعل ذلك
فتنسم الروح (١)، ثم قال: يا دنيا ما أطيبك، إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإن كنا
منك لفي غرور، وتمثل بهذین البیتین:
عذاباً لا طوق لي بالعذابِ
إن تناقش يكن نقاشك يا ربّ
عن مسيءٍ ذنوبه كالتراب
أو تجاوز فأنتَ ربّ صفوح
وقد روي أن معاوية هو المتمثل بهذه الأبيات، وستأتي في ترجمته.
قرأت على أبي محمَّد السُّلَمي، عن أبي بكر الخطيب، أنا أبو علي بن شاذان، قال:
قُرىء على أبي الحسن أحمد بن إسحاق بن نيخاب (٢) الطيبي، حدّثكم أبو عبد الله
أحمد بن محمَّد بن ساكن الزَّنْجاني - بزَنْجان - نا أبو الخطاب زياد بن يحيى، أخبرني أخي
محمّد بن يحيى، أخبرني أبو الهيثم (٣) الكوفي، عن الشعبي، قال:
أرسل إليّ عبد الملك بن مروان، فدخلت عليه وهو شاكٍ، فقلت: کیف أصبحت یا
أمير المؤمنين؟ فقال: أصبحت كما قال أخو بني قيس بن ثعلبة، قال: قلت: وما قال؟ قال:
قال :
خلفت بها عني عذار لجامي
كأني وقد جاوزت سبعين حجة
فكيفَ بمَنْ يَرْمي وليس برامي
رمتني بناتُ الدَّهْرِ من كلّ جانبٍ
ولكنني أرمى بغير سهام
فلو أنّني أرمى بسهم رأيته
حديثاً شديد البطش غير كهام
إذا ما رآني الناسُ قالوا: لم يَكُنْ
ولم تفن ما أفنيت سلك نظام
فافني وما أفني من الدهر ليلة
أتو ثلاثاً بعدهن قيامي
على الراحتين مرّة وعلى العصا
قال: قلت: لا، ولكنك كما قال لبيد بن ربيعة أخو بني جعفر بن كلاب، قال: وما
قال؟ قال: قال (٤):
وقد حَمَلْتُك سبعاً بعد سبعينا
نفسي تَشَكّي إلى الموت مجحفة (٥)
(١) كذا بالأصل وم، وفي تهذيب الكمال: ((الرياح)) وفي البداية والنهاية: الهواء.
(٢) إعجامها مضطرب بالأصل، وبدون إعجام في م، وقد مرّ التعريف به.
(٣) في م: أبو القاسم.
ذیل دیوان لبيد ط بيروت ص ٢٢٥ .
(٥) الديوان: مجهشة.

١٦٠
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية
فإذا تُزَادي ثلاثاً تحرزي(١) أملاً وفي الثلاث تمام (٢) للثمانينا
فعاش والله يا أمير المؤمنين حتى بلغ تسعين حجة، فلما بلغها قال:
كأني وقد جاوزت تسعين حجة خلعتُ بها عن منكبيَّ ردائيا
فعاش حتى بلغ مائة سنة، فقال (٣).
لزومُ العصا تُحْئى عليها الأصابعُ
أَلَيس ورائي إنْ تَرَاخَتْ مَنيَّتي
أدِبُّ (٤) كأنّي كلَّما قمتُ راكعُ
أُخَبّر أخبارَ القُرُونِ التي مَضَتْ
فعاش يا أمير المؤمنين حتى بلغ عشراً ومائة سنة، فقال (٥):
وإنّ في مائةٍ قد عاشها رَجُلٌ وفي تكامُّلِ عَشْرٍ بعدها عُمُرُ
فعاش يا أمير المؤمنين حتى بلغ عشرين ومائة سنة، فقال(٦):
لو كان للنفس اللّجُوجِ خُلُودُ
وعشت سبعاً بعد مُجْرَى داحس
فعاش يا أمير المؤمنين حتى بلغ أربعين ومائة سنة، فقال (٧):
ولقد سئمتُ من الحياةِ وطولِها وسؤالِ هذا الناس كيفَ لبيدُ
فقال عبد الملك: اقعد يا شعبي، ما بينك وبين الليل؟ قال: فحدثته حتى أمسيتُ، ثم
فارقته، فمات ۔۔ و الله - في جوف الله .
أَخْبَرَنا أبو بكر محمَّد بن الحسين بن المَزْرَفي (٨) ،نا أبو الحسين بن المهتدي، أنا أبو
أحمد عبيد الله بن محمَّد بن أبي مسلم، أنا عثمان بن أحمد بن السماك، نا إسحاق بن
إبراهيم بن سنين، نا أبو عبد الرَّحمن عبد الله بن أبي مذعور، حدثني بعض أهل العلم، قال:
وكان آخر ما تكلم به عبد الملك بن مروان عند موته: اللَّهمّ إنْ تغفر تغفر جماً، ليتني
(١) الديوان: تبلغي أملاً.
(٢) الديوان: وفاء للثمانينا.
(٣) البيتان من قصيدة في ديوانه ط بيروت ص ٨٩ يرثي أخاه أربد.
(٤) أدبّ أمشي الدبيب، وهي مشية الشيخ الهرم.
(٥) ذیل دیوان لبید ص ٢٢٥ .
(٦) البيت في دیوان لبید ص ٤٦ وروايته:
وغَنَيتُ سبتاً قبل مجرى داحس
لو كان للنفس اللجوج خلود
(٧) دیوان لبید ص ٤٦، وذیل دیوانه ص ٢٢٥.
(٨) الأصل: المرزقي، وفي م: المزرقي، كلاهما تصحيف.