النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
من بني عامرٍ لآل الوحيد
ثم بُدِّلْتُ بعد حيّ قريش
لفتى الناس الأحوص الصّنْديد
فغنائي لمعبدٍ، ونشيدي
سوف يستميل(١) الهمام يزيد
بعجز المالُ عن شراك ولكنْ
قال: فمضى لذلك ما مضى، ثم دخل الأحوص ومَعْبَد يوماً (٢) على يزيد فأخرج إليهما
الجارية، ثم قال: يا أحوص، أتعرف هذه الجارية؟ قال: نعم، ثم قال لها الأحوص: أوفينا
لك؟ قالت: نعم، جزاك الله خيراً .
قال(٣): ونا الوليد بن هشام، قَال: وحَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن مُحَمَّد الأَنْصَاري أن عاتكة التي
ذكر الأحوص بيتها هي عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وإنما كنى عن امرأة سمّاها غيرها، وكان
يتشبب(٤) بها، فذكر عاتكة وبيتها، لأن بيتَ عاتكة كان إلى جنب بيت تلك المرأة، وقد أدخلا
جميعاً في مسجد رَسُول الله وَله.
[قال](٥) المعافى: والذي حُكي عن الأحوص في هذا الخبر من سعيه في أمر اللَّهَبي
والكذب عليه، وإضافة ما ليس فيه إليه من ألأم الأخلاق وأنجسها(٦)، وأقبح المذاهب
وأوحشها، وفاعله يتعرض (٧) لما أوعد الله من فعله من عذابه، وأليم عقابه.
وقد مضى فيما تقدّم من مجالسنا(٨) هذه ذكر قصة بني أُبَيْرق(٩) ورميهم بفعلهم من هو
بريء منه، وإن الله أنزل في ذلك: ﴿ومن يَكْسِبْ خطيئةً أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً
وإثماً مبيناً﴾ (١٠).
وقوله في عاصم بن ثَابِت بن أَبِي الأَقْلَح: الذي حَمَتْ لحمه الدَّبْر لما قُتل أراد
المشركون أخذه، وكان قد دعا الله أن لا يمسّه مشرك، فأرسل الله الدَّبْر فأحاطت به وحمته،
فلم يصلوا إليه، فلما جاء الليل أرسل الله سيلاً فاحتمله من الوادي وفاتهم.
(١) الجليس الصالح: نسميك.
(٢) الجليس الصالح: جميعاً.
(٣) القائل: محمد بن عبد الرحمن الذارع، كما يفهم من عبارة المعافى بن زكريا ٦٥/٤ وما بعدها.
(٤) الجليس الصالح: يشبب.
(٥) زيادة منا للإيضاح، وفي الجليس الصالح: قال القاضي (وهو المعافى بن زكريا).
(٦) الجليس الصالح: وأفحشها.
(٧) الجليس الصالح: متعرض.
(٨) عن الجليس الصالح وبالأصل: مجالسها.
(٩) ورد الخبر في الجليس الصالح الكافي للمعافى: المجلس الثامن والأربعون ٣٤٨/٢.
(١٠) سورة النساء، الآية: ١١٢.

٢٠٢
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
ولقتله قصة أنا ذاكرها (١) :
كان أَبُو سُلَيْمَان عاصم بن أَبِي الأَقْلَح شهد بدراً وأُحُداً، وثبت حين ولّى الناس يوم أُحُد
عن رَسُول الله وَّ ه معه، وبايعه على الموت، وكان من الرماة المذكورين من أصحاب
رَسُول اللهِوَ﴿، وذكر أنه قَتَلَ يوم أُحُد من أصحاب اللواء من المشركين الحارث وشافعاً
ابني (٢) طَلْحة بن أَبِي طَلْحة، وأمّهما سلافة بنت سعيد (٣) بن الشهيد من بني عَمْرو بن
عوف، فنذرت أن تشرب في قحف رأس عاصم الخمر، وجعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة،
فقدم فارس (٤) بني لحيان من هُذَيل على رَسُول الله وَ ل﴿ فسألوه أن يوجه إليهم من يفقههم في
الدين، فبعث رَسُول الله وَلِّ معهم ستة نفر أحدهم عاصم بن ثابت بن أَبِي الأَقْلَح، فلما صاروا
على الرجيع (٥) استصرخوا عليهم هُزَيلاً فلم يشعروا وهم في رحالهم إلّ ببارقة السيوف قد
غشيتهم فقاتلهم مرثد بن أبي مرثد (٦) وخالد بن البُكَير، وعاصم بن ثَابِت حتى قُتلوا، وأما
الآخرون فاستأسروا رجال بين الذين قتلوهم وبين رأس عاصم أن يأخذوه الدَّبْر فتركوه وقالوا
حتى نُمسي فنأخذه، فبعث الله الوادي، فاحتمل عاصماً فذهب به.
قال المعافى: والدبر: [النحل] (٧) كما قال أَبُو ذؤيب الهُذَلي (٨):
إذا لسعته الدَّبْرُ لم يَرْجُ لسعَها وخالفها في بيت نُوبٍ عوامل
ويروى: عواسل. النُوب: السود من النوبة، واللوبة، والأوبة واللّبة (١٠)، فيروى: إذا
لسعته النحل، وقيل (4): إنّ النُوب الذين ينوبون وليس من اللون وقوله: لم يرج لسعها:
(١) هذا من كلام المعافى بن زكريا، وانظر الخبر في الجليس الصالح ٦٦/٤ وما بعدها، وسيرة ابن هشام ١٧٨/٣
وما بعدها وانظر مغازي الواقدي ٣٥٤/١.
(٢) عن الجليس الصالح وبالأصل: ابنا.
(٣) كذا بالأصل، والجليس الصالح، وفي مغازي الواقدي ٣٥٦/١ وسيرة ابن هشام ٣/ ١٨٠: سعد.
(٤) الجليس الصالح: ناس من بني لحيان.
(٥) اللفظة غير واضحة بالأصل، والمثبت عن الجليس الصالح.
(٦) الأصل: ((مزيد بن أبي مزيد) والمثبت عن الجليس الصالح.
(٧) الزيادة عن الجليس الصالح.
(٨) شرح أشعار الهذليين ١/ ١٤٤ .
(٩) بالأصل: ((النويه، والكويه، والأويه، واللايه)) والمثبت عن الجليس الصالح بالباء الموحدة، واللفظة الأخيرة
لیست فیه.
(١٠) بالأصل: وهل، والمثبت عن الجليس الصالح.

٢٠٣,
عبد الله بن محمدبن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
معناه: لم يَخَفْ وقيل: قول الله: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُون لله وقاراً﴾(١) إنّ معناه لا تخافون لله عظمةً
ومن ذلك قول الراجز:
ما ترتجي حين يلاقي (٢) الرائدا أسبعةً لاقت معاً أو واحدا
وقول الشاعر(٣) :
لعمرك ما أرجو إذا كنتُ مسلماً على أَي جنب كان في الله مصرعي(٤)
يعني: ما أخاف، وقيل في قوله: ﴿وَتَرْجُون من الله ما لا يَرْجُون﴾(٥) إن معناه:
وتخافون من الله ما لا يخافون، وممن قال هذا قطرب(٦).
قال المعافى: وإنما اختزل (٧) الرجاء من الأمل [والخوف](٨) لأنهما مما ينتظر ويُرجى
ويُتوقع، وليس المخلوقون(٩) منه على أمرٍ يثقون به(١٠) ويوقنون به ويقطعون عليه بعينه.
وأنكر الفرّاء ما ذكره قُطْرب في هذا الموضع وقال: العرب لا تذهب بالرجاء مذهب الخوف
في الاثبات، وإنما تفعل هذا في الجحد والنفي.
والأحوص بن مُحَمَّد الشاعر من ولد عاصم بن ثَابِت هذا.
وأما ذكره في الخبر الغسيل، فإن الغسيل حَنْظَلة بن أبي عامر، واسم أَبي عامر عبد
عَمْرو، وذلك أنه استشهد مع رسول الله وَلقيم يوم أُحُد، فأخبر أصحابه أنه رأى الملائكة تغسّله،
فأرسل إلى امرأته فسألها عن أمره فأخبرته أنه كان مضاجعها، فلما استنفر (١١) للجهاد مع
النبي ◌َّي قام عن بطنها مبادراً، ولم يغتسل، فقال: إنّي رأيت الملائكة تغسله.
(١) سورة نوح، الآية: ١٣.
(٢) الجليس الصالح: ((تلاقي الزائد)).
(٣) الشاعر هو خبيب بن عدي انظر سيرة ابن هشام ١٨٥/٣.
(٤) البيت من قصيدة قالها خبيب حين بلغه أن القوم اجتمعوا لصلبه، وصدره في السيرة: فوالله ما أرجو إذا متّ
مسلماً.
وأرجو هنا أي أخاف.
(٥) سورة النساء، الآية: ١٠٤ والأولى بالأصل: ويرجون.
(٦) بالأصل: ((فيمن قال هذا لقطرب)) والمثبت عن الجليس الصالح.
(٧) عن الجليس الصالح وفيه: ((كأنما اختزل)) وبالأصل: ((أسرك)) وفي المطبوعة: ((اشترك)).
(٨) الزيادة عن الجليس الصالح.
(١٠) الأصل: ((يعني يوقنونه)) والمثبت عن الجليس الصالح.
(٩) عن الجليس الصالح وبالأصل: المحلفون.
(١١) الأصل: ((استقر الجهاد)) والمثبت عن الجليس الصالح ٦٨/٤.

٢٠٤
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
وكان أَبو (١) حنيفة يرى أن شهيد المعركة إذا قُتل جُنباً فواجبٌ على المسلمين غسله،
ويحتج بقصة حنظلة هذه، وكان أصحابه وغيرهم ممن يذهب إلى أن لا يُغسل الشهيد يرون أن
الجُنب وغيره سواء في ترك الغَسْل، وإلى هذا نذهب، والاحتجاج فيه مرسوم في كتبنا المؤلّفة
في الفقه، وأَبُو عامر أَبُو حنظلة كان يقال له الراهب، فسمّاه النبي وَّ الفاسق، وكان ممن
يسعى في بناء مسجد الضّرار الذي ذكره الله في كتابه وأهله، يقول: ﴿والذين اتّخذوا مسجداً
ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمنْ حَارَبَ الله ورسولَه من قبلُ، وليحلفَنّ إنْ أردنا
إلّ الحسنى والله يشهدُ إِنّهم لكاذبون﴾ (٢) إلى آخر القصة.
قال المعافى (٣): وقد كان ابن الأنباري أملّ علينا خبر الأحوص ودير الغدير بغير هذا
الإسناد وعلى مخالفة في مواضع من المتن، فإنّي كنت قد رسمته فيما مضى من هذه
المجالس، ففي هذه الرواية زيادة ليست فيه، وإنْ كان ما مضى فاتني، آتي ما أحفظه من جملته
لتحصل بما أثبته منه ما فيه من زيادة من غير إطالة، بذكر إسناده وأعيان ألفاظه، وهو أن في
الرواية التي وصفت أمرها.
أن يزيد بن الوليد كتب إلى الضّحّاك بن مُحَمَّد عامله على المدينة أن وجّه إليَّ
الأحوص بن مُحَمَّد الأَنْصَاري الشاعر ومعبداً (٤) المُغَنّي.
فجهّزهما وأمرهما بالمسير، فكانا ينزلان في طريقهما للأكل والشرب إلى أن أتيا
البلقاء، وهو منزل بين المدينة والشام، فجلسا هنالك، فأكلا، وجلسا على نهرها، فإذا هم
بجارية قد خرجت من قصرٍ هنالك، ومعها جَرّ فاستسقت (٥) فيه من الغدير، ثم إنها ألقت
الجَرّ (٦) فانكسر فجلست تبكي، فسألاها عن شأنها فقالت: لرجل بمكة من قريش، فاشتراني
صاحب هذا القصر، وهو رجل من بني عامر من آل الوحيد، بخمسين ألف درهم، فنزلتُ من
قبله ألطفَ منزلة، ثم أنه تزوج ابنة عمّ له فهديت إليه، فكانت تسيء إليّ وتكلفني أن أستقي في
كل يوم من هذا الغدير بحبرّ، فشكوت ذلك إلى الرجل فقال: إنّما أنت أمة وهذه ابنة عمي،
(١) الأصل: أبي.
(٢) سورة التوبة، الآية: ١٠٧ وفي الجليس الصالح: بين المسلمين.
(٣) الجليس الصالح: قال القاضي.
(٤) عن الجليس الصالح وبالأصل: ومعبد.
(٥) الجليس الصالح: فاستقت.
(٦) الجرّ والجرار جمع جرّة وهي إناء من خزف كالفخار.

٢٠٥
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
فربّما ذكرت ما كنتُ فيه، فيسقط الجرّ من يدي(١) ثم أخذت العود وغنت:
حذر (٢) العدى وبه الفؤاد مُوَكّلُ
يا بيتَ عاتكة التي أتعزّل
قَسَماً إليك مع الصدود لأميل
إنّي لأمنحك الصدود وإنّني
ما كان غيرُك والأمانة، ينزل
ولقد نزلتَ من الفؤاد بمنزلٍ
ولما كتمت(٣) من الصبابة أطول
ولقد شكوتُ إليك بعض صبابتي
فلقد تعجبين(٤) بعدك المتعلّل
هل عيشنا بكَ في زمانك راجعٌ
أخشى ملامة(٥) كاشح لا يعقل
أعرضتُ عنك وليس ذاك لبغضةٍ
فقلنا لها: لمن هذا الشعر؟ قالت: للأحوص بن مُحَمَّد الأَنْصَاري، وقلنا: فلمن الغناء؟
قالت: لمعبد المغني، فقال الأحوص: فأنا والله الأحوص، وقال معبد: وأنا والله معبد،
فأنشأت تقول(٦):
أستقي (٨) الماء نحو هذا الغديرِ
إنْ تروني (٧) الغَدَاة أسعى بجرّ
وفي كل نعمةٍ وسرورِ
فلقد كنت في رخاء من العيش
وماذا إليه صار مصيري
ثم قد تبصران ما فيه أصبحت(٩)
صدق الحديث مثلُ الخبير
أبلغا عني الإمام وما يبلغ(١٠)
وأحكاهم لبمٌّ وزير(١١)
إنّني أضرب الخلائق بالعود
أنا فيه فإنّني كالأسير
فلعل الإله ينقذ مما
وبلادي وزرتُ أهل القبور
ليتني متّ يوم فارقت أهلي
(١) زيد في الجليس الصالح:
فينكسر، فتضربني على هذا، ولما رأيتكما وما أنتما عليه ذكرت ما مضى من أيامي فسقط الجرّ من يدي.
(٢) عن الجليس الصالح وبالأصل: ((حبها)).
(٣) الجليس الصالح: شكوت.
(٤) الجليس الصالح: تفخَّس.
(٥) الجليس الصالح: مقالة.
(٦) الأَبيات في الجليس الصالح ٤/ ٧٠ والأغاني ١٠٩/٢١.
(٧) الأصل والمطبوعة: ((يروني العداة)) والمثبت عن الجليس الصالح والأغاني.
(٨) الأصل: ((أسقي الماء بحق)) والمثبت عن الأغاني والجليس الصالح.
(٩) الأغاني: أمسيت.
(١٠) الأغاني: يعرف ... غير الخبير.
(١١) البم والزير: من آلات الطرب.

٢٠٦
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
فقال الأحوص: والله لا أبرح حتى أقول فيها شعراً، فقال (١):
وغنَّا غناء فحلٍ مُجِيدٍ
إنّ زِينَ الغدير مَنْ كسر الجَرّ
كنتُ فيما مضى لآل الوليد
في بني عامر (٢) لآل الوحيد
قلتُ من أنت يا ظعين؟ فقالت:
ثم بُدّلْتُ بعد حيّ قريشٍ
الفتى الناس الأحوص الصنديد
فغنـئـي لمعبــدونشيـدي
فتبسمت ثم قلت: أنا الأحـ
ـوص والشيخ معبد فأعيدي
تتهادى، فقلت: أم سعيد (٣)
فأعادت فأحسنت ثم ولت
أنت في ذمة الهُمام يزيد
يعجز المال عن شراك ولكن
معبديّ يزيد حبك الوريد (٤)
إن يذكر بك الإمام بصوتٍ
كل خير بنا هناك وزيدي
يفعل الله ما يشاء فظُنِّي
ثم دعاها وانصرفا، فلما دخلا على يزيد قال للأحوص: أنشدني أقرب شعر قلته
فأنشده :
إن زين الغدير من كسر الجرّ وغنّى غناء فحل مجيد
وقال لمعبد: غنّني أقرب غناء غنّيته، فغناه: إن زين الغدير من كسر الجرّ. فقال: لقد
اجتمعتما على أمرٍ (٥)، فقصًّا عليه القصة. فكتب إلى عامله على البلقاء: ابتع هذه الجارية بما
بلغت. فابتاعها بمائة ألف درهم وأهداها إلى يزيد، فحظيت عنده، وحلّت ألطفَ محلّ من
قلبه قال: فوالله ما انصرفنا حتى صار إلينا من الجارية مالٌ وخلعٌ وألطاف كثيرة.
ذكر الزبير بن بكار فيما رواه عنه أَحْمَد بن سعيد الدمشقي، وأَبُو أَحْمَد يَحْيَى بن
المنجم، قَال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن يَحْيَىُ، عَن أيوب بن عمر عن أبيه قال(٦):
ركب الأحوص إلى الوليد قبل ضرب ابن حزم(٧) اياه ليشكوه إليه، فلقيه رجل(٨) من
(١) الأبيات في الأغاني ١١٠/٢١ والجليس الصالح ٤/ ٧٠.
(٣) الأغاني: فقلت قول عميد.
(٢) الأغاني: بني خالد.
(٤) بالأصل: ((معبدي ترى كل حبك الوريد)) والمثبت عن المطبوعة، وفي الجليس الصالح: ((معبدي يزيل حبل
الوريد)» وفي الأغاني: ((یردّ».
(٥) بالأصل: ((لقد اجتمعنا على الجر)) والمثبت عن الجليس الصالح.
(٦) الخبر في الأغاني ٢٤٦/٤ وفيه اختلاف.
(٧) الأصل: أحزم.
(٨) الأصل: رجلاً.

٢٠٧
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
بني مخزوم يقال له: ابن عنبة (١) فوعده أن يعينه على ابن حزم، فلما دخلا على الوليد قال له
الوليد: ويلك ما هذا الذي أتيت (٢) به يا أحوص، قال: يا أمير المؤمنين، والله لو كان الذي
رماني به ابن حزم أمراً من أمر الدين إلا أن دناءته ونذالته على ما هي عليه لاجتنبته، فكيف وهو
من أكبر معاصي الله، وأنا الذي أقول:
لظلوا وأيديهم إليك تشير
قال: فقال ابن عنبة(١): يا أمير المؤمنين، إنّ ابن حزم من فضله وعدله ورضاه في بلده
وليس ممن يُتّهم له قول ولا حكم، فقال الأحوص: هذا والله كما قال الأول(٣):
وكنتَ كذئب (٤) السَّوء لما رأى دماً بصاحبه يوماً أحالَ على الدَّمِ(٤)
وفي رواية أَبِي أَحْمَد: وأغار، جميعاً وعدني والله أن يعينني على ابن حزم، ثم هذا
قوله.
أَخْبَوَنَا أَبُو القَاسِم بن السَّمَرْ قَنْدي، أَنَا أَبُو مُحَمَّد عَبْد الوهاب بن عَلي، أَنَا أَبُو
الحسن(٥) عَلي بن عَبْد العزيز، قَال: قُرىء على أَبي بكر أَحْمَد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن سَلْم،
أَنَا الفضل بن الحُبَاب، نَا مُحَمَّد بن سلام قال:
وأما الأحوص بن مُحَمَّد الأَنْصَاري فحَدَّثَني أَبي عن من حدَّثه أحسبه قال: عن الزهري،
قال (٦):
كان الأحوص الشاعر يشبّب بنساء أهل المدينة فتأذوا به، وكان معبد وغيره من المغنين
يتغُّون في شعره فشكاه قومه، فبلغ ذلك سُلَيْمَان بن عَبْد الملك، فكتب إلى عامله بالمدينة:
أن يضربه مائة سوط ويقيمه على البُلُس (٧) للناس، ثم يسيّره إلى دَهلك يفعل ذلك به، فََوى
بها سلطان سُلَيْمَان، وعُمَر بن عَبْد العزيز فأتى رجالٌ من الأنصار عُمَر بن عَبْد العزيز فسألوه
أن يردّه إلى حرم رَسُول الله وَ ﴿ وقالوا: قد عرفتَ نسبه، وموضعه من قومه، وقد أخرج إلى
(١) الأغاني: محمد بن عتبة.
(٢) الأغاني: رميت.
(٣) البيت للفرزدق ديوانه ط بيروت ٢/ ١٨٧.
(٤) عن الديوان والأغاني: وبالأصل: ((كذبت)).
(٥) بالأصل: أبو الحسين.
(٦) انظر الأغاني ٢٤٦/٤ - ٢٤٧ والوافي بالوفيات ٤٣٧/١٧ والشعر والشعراء ص ٣٣٠.
(٧)، البُلُس بضمتين، غرائر كبار من مسوح يجعل فيها التبن.

٢٠٨
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
أرض الشرك، فنطلب إليك أن تردّه إلى حَرَمَ رَسُول اللهِ وَّهِ ودار قومه، فتساءل عُمَر: من
الذي يقول:
فأُبْهِتَ حتى ما أكادُ أُجِيبُ (١)
فما هو إلّ أَنُ أراها فجاءةً
قالوا: الأحوص، قال: فمن الذي يقول:
بأبياتكم ما دُرْتُ حيث أدورُ
أدور ولولا أَنْ أرى أمّ جَعْفَر
قالوا: الأحوص، قال: فمن الذي يقول:
يفرّ منّي بها وأَتَّبِعُ
الله بيني وبين قَيّمها
قالوا: الأحوص، قال: فمن الذي يقول:
سيُلْقى لها في القلب في مُضْمَر الحَشَا سريرةُ حبّ يومٍ تُبْلَى السرائرُ
قالوا: الأحوص، قال: إنه عنها يومئذ لمشغول، والله لا أردّه ما كان لي سلطان، فمكث
هنالك صدراً (٢) يزيد بن عَبْد الملك، فبينما يزيد ليلة على سطح وجاريته حَبابة تغنّه شعر
الأحوص إذ قال يزيد: من تقول هذا الشعر؟ قالت: لا وعيشك(٣) أدري، قال: وقد كان ذهب
من الليل شطْرُه، فقال: ابعثوا إليّ الزُهري، فعسى أن يكون عنده علمٌ من ذلك، فأُتي ابن
شهاب الزهريّ، فقُرع بابه، فخرج فزعاً حتى أتى يزيد، فلما صعد إليه قال: لا بأس، لم
ندعك إلّ لخير، اجلس، فجلس فقال: من يقول هذا الشعر؟ قال: الأحوص يا
أمير المؤمنين، قال: ما فعل؟ قال: قد طال حبسه بدَهْلَك، قال: عجبتُ لعُمَر بن عَبْد العزيز
كيف اعتقله (٤)، فأمر بالكتاب بتخليصه (٥) وأمر له بأربع مائة دينار، فأقبل الزهري من ليلته إلى
ناس من الأنصار فبشّرهم بتخلية سبيل الأحوص، ثم قدم عليه، فأجازه، وأحسن إليه.
أَخْبَرَنَا أَبُو غالب أَحْمَد، وأَبُو عَبْد اللّه يَحْيَى ابْنَا(٦) الحَسَنِ، قَالا: أنا أَبُو الحُسَيْن بن
الآبنُوسِي، أَنَا أَحْمَد بن عُبيد بن الفضل - إجازة - قالا: وأنا أَبُو تمام عَلي بن مُحَمَّد العبدي
- إجازة - أنا أَبُو بَكْر بن بيري - قراءة - أنبأُ أَبُو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن الحُسَيْن بن مُحَمَّد بن سعيد،
(١) البيت من أبيات نسبها ابن قتيبة في الشعر والشعراء ص ٣٩٥ لعروة بن حزام العذري (ترجمته).
(٢) في الوافي بالوفيات والأغاني: فمكث هناك بقية ولاية عمر وصدراً من ولاية يزيد بن عبد الملك.
(٤) الأغاني: أغفله.
(٣) الأغاني: وعينيك.
(٥) الأغاني: بتخلية سبيله.
(٦) الأصل: ((أنا)) خطأ والصواب ما أثبت، والسند معروف.

٢٠٩
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
نَا أَبُو بَكْر بن أَبِي خَيْئَمة، نَا الزبير بن بكّار، حَدَّثَني مُحَمَّد بن إسْمَاعيل، عَن مُحَمَّد بن زيد
الأَنْصَاري قال(١):
أدنى عُمَر بن عَبْد العزيز لما ولي الخلافة زيد بن أسلم وجفا الأحوص، فقال
الأحوصُ(٢):
أَفي الحقّ أَنْ أُقصى ويُدْنَى ابنُ أسلما
ألستَ أبا حفص هُديتَ مُخَبّري
فقال عُمَر: ذلك الحق.
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّد بن طاوس، أَنَا أَبُو الغنائم بن أَبِي عُثْمَان، أَنَّا أَبُو عُمَر بن مهدي، أَنْبَأ
أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن أَحْمَد بن يعقوب بن شيبة، نَا جدي يعقوب، نَا الحارث بن مسكين، نَا ابن
وَهْب، قال: ونبأ عَبْد الرَّحْمُن بن زيد بن أسلم قال:
كان سُلَيْمَان بن عَبْد الملك قد أجلى الأحوص (٣)، فكان في دَهْلَك، فكتب إلى عُمَر بن
عَبْد العزيز يتشكّى ويذكر قرابته، فأمر به من دَهْلَك أن يجعل في بعض قرى اليمن بقي من
أرض الإسلام، فكان ذربَ اللسان قال: فقال عُمَر بن عَبْد العزيز حين قال الأحوص:
أفي الله أن أقصى ويدنى ابن أسلم
قال: إن ابن أسلم أولى بذلك منه.
قال: وخال الأحوص حنظلة غسيل الملائكة، وأبوه عاصم الذي حمته الدَّبْر.
أَنْبَأنَا أَبُو القَاسِم عَلي بن إِبْرَاهيم، وأَبُو الوحش سُبَيْع بن المُسَلّم، عَن رَشَأ بن نَظِيف،
نَا أَبُو أَحْمَد عَبْد السَّلام بن الحَسَن البصري اللغوي، أَنَا أَبُو مُحَمَّد عَلي بن عَبْد اللّه بن المغيرة
الجوهري البغدادي، أَخْبَرَنِي أَبُو الحَسَن أَحْمَد بن مُحَمَّد الأسدي، روى (٤) الرياشي، حَدَّثَني
العُثْبي، حَدَّثَنِي أَبِي وأَبُو إِبْرَاهيم قالا(٥): سير الوليد بن عَبْد الملك الأحوص إلى دَهْلك -
موضع - فكتب إلى عمر(٦) حين استُخلف(٧):
(١) الخبر في الأغاني ٢٤٨/٤ .
(٢) البيت في الأغاني ٢٤٨/٤ والشعر والشعراء ص ٣٣٠ وفيه من أبيات.
(٣) الأصل: الأرض، والمثبت عن المطبوعة.
(٥) الأصل: قال.
(٤) المطبوعة: ((نا)).
(٦) الأصل: ((محمد)) والمثبت عن الوافي بالوفيات.
(٧) الأول في الوافي بالوفيات ٤٣٧/١٧ والأغاني ٢٤٧/٤ .

٢١٠
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
وخالُك أمسى مُوثَقاً في الحبائلِ
فكيف ترى للنوم(١) طعماً ولذةً
ليشمت بي، أو شامتاً غير سائل
فَمَنْ يكُ أمسى سائلاً عن شماتةٍ
صبوراً على عَمَاء تلك البلائل
فقد عجمت مني الحوادث ماجداً
ألمت به بالخاشع المتضائل
إذا سُرّ لم يفرخ، وليس لنكبةٍ
فبعث عُمَر إلى عراك بن مالك الغفاري - وكان الذي شهد عليه - فقال: ما ترى في هذا
البائس فقد كتب بما ترى؟ فقال عراك: مكانه خير له، فتركه في موضعه، فلما ولي يزيد حَدَر
الأحوصَ، وسیّر عراكاً، فقال الأحوص:
الآن استقرّ الملكُ في مستقره
وعاد لعُرْفٍ أَمْرُه المتنكرُ
طريد تلافاه يزيد برحمةٍ فلم يُمْسِ من نعمائه يَتَعَذّرُ
قال الرياشي: كانت أم عاصم بن عُمَر بن الخطّاب - وهو جدّ عُمَر بن عَبْد العزيز -
[بنت ثابت بن أبي الأقلح. وكان الأحوص من ولد عاصم، فلذلك مت إلى عمر بن عبد
العزيز](٢) بالخؤولة (٣).
أَنْبَأْنَا أَبُو عَلي بن نبهان، ثم حَدَّثَنَا أَبُو الفضل بن ناصر، أَنْبَأْ أَحْمَد بن الحَسَن،
ومُحَمَّد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهيم، ومُحَمَّد بن سعيد بن نبهان.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِمِ بنِ السَّمَرْقَنْدِي، أَنْبَأْ أَبُو طاهر أَحْمَد بن الحَسَن، قَالُوا: أنا أَبُو
عَلي بن شاذان، أَنْبَأْ أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن الحسن (٤) بن مِقْسَم، نَا أَبُو العباس أَحْمَد بن يَحْيَىُ
ثعلب، حَدَّثَنِي عُمَر بن شبّةٍ، حَدَّثَنِي ابن أقصير - يعني - عُمَر بن مُحَمَّد السلمي، حَدَّثَني
يَحْيَى بن عروة - يعني - ابن ◌ُذينة، قال:
لما قدم الفرزدق المدينة أتى مجلس أَبي، فأنشده الأحوص شعراً قال: من أنت؟ قال:
الأحوص بن مُحَمَّد، قال: ما أحسن شعرك، فقال: أهكذا تقول لي؟ فوالله أنا أشعر منك،
قال: وكيف تكون أشعر منّي وأنت تقول:
وأفضلُ شيءٍ ما به العينُ قَرَّتِ
يقرّ بعيني ما يقرّ بعينها
(١) الأصل: ((النوم)) والمثبت عن المطبوعة، وفي الأغاني والوافي: للعيش طيباً.
(٢) ما بين معكوفتين سقط من الأصل وأضيف عن المطبوعة.
(٣) بالأصل: بالخؤولية.
(٤) عن المطبوعة، وبالأصل: ((الغشم)).

٢١١
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
فإنه يقرّ بعينها أن تنكح، فيقر ذاك بعينك؟.
أَنْبَانَا أَبُو الفرج غيث بن عَلي، نبأ أَبُو بَكْر الخطيب، أَنَا الحسن(١) بن أَحْمَد بن
[إبراهيم، أنا أبو علي عيسى بن محمد بن أحمد بن](٢) عُمَر بن عَبْد الملك بن جُرَيج
الطُوماري، نَا أَبُو العبّاسِ أَحْمَد بن يَحْيَى ثعلب، نَا زبير بن بكار، نَا إِبْرَاهيم بن المنذر
الحِزَامي، عَن مُطَرّف بن عَبْد الله (٣) بن خُوَيْلد الهُذَلي، عَن أبيه عن جده قال (٤) :
بينما أنا وأبي نطوف بالبيت إذا نحن بعجوز يضرب أحد لحييها بالآخر أقبح عجوزٍ
رأيتها قط، فقال أَبي: بني (٥) ، أتعرف هذه؟ قلت: لا، ومن هذه؟ قال: هذه التي يقول فيها
الأحوص:
قبل الذي نالني من حبله قُطِعًا (٦)
سلام ليت لساناً تنطقين به
حتى إذا قلتُ هذا صادق نَزَعا
أدعو إلى هجرها قلبي فتتبعني
فما أُبالي أطارَ اللومُ أم وَقَعا
يلومني فيك أقوامٌ أُجالسهم
أَخْبَرَنَا أَبُو غالب وأَبُو عَبْد اللّه ابنا البنّا، قَالا: أنا أَبُو جَعْفَر المعدّل، أَنَّا أَبُو طاهر (٧)
الذهبي، أَنْبَأْ أَحْمَد بن سُلَيْمَان، نَا الزبير بن بكار، حَدَّثَني عمي مُصْعَب بن عَبْد اللّه(٨)،
أَخْبَرَني الزبير بن خُبَيب(٩) بن ثابت في آخرين عن أبيه خُبَيب (٩) بن ثَابِت قال:
خرجنا مع مُحَمَّد بن عبّاد - يعني: بن عَبْد اللّه بن الزبير - إلى العُمْرة، فإنّا لبقرب
قُدَيد(١٠) إذ لحقنا الأحوص الشاعر على جمل برَحْل، فقال: الحمد لله الذي وفقكم لي، ما
أحب أنكم غيركم، ما زلت أحرّك جملي هذا في آثاركم منذ رُفعتم لي ولا أعرفكم، فازددتُ
بكم غبطة حين عرفتكم، فأقبل عليه مُحَمَّد بن عبّاد فقال: لكنا والله ما أغبطنا أنفسنا بك، ولا
نحبّ مسايرتك فتقدم عنا أو تأخّرْ فقال: والله ما رأيتُ كاليوم جواباً، قال: هو ذاك.
(١) الأصل: الحسين، والصواب ما أثبت، ترجمته في سير الأعلام ٤١٥/١٧.
(٢) ما بين معكوفتين زيادة لازمة عن المطبوعة، وانظر ترجمة عيسى بن محمد بن أحمد الجريجي الطوماري في
سير الأعلام ١٦/ ٦٤.
(٣) الأصل: عبد الملك، والصواب عن الأغاني ٤/ ٣٠٠ والمطبوعة.
(٤) انظر الخبر في الأغاني ٣٠٠/٤.
(٦) الأغاني: يا سلم ليت ... حبكم قطعا.
(٨) الخبر في الأغاني ٢٤٢/٨ .
(١٠) قدید بالتصغير، موضع قرب مكة.
(٥) المطبوعة: ((فقال: أي بني)).
(٧) المطبوعة: أبو طاهر المخلص الذهبي.
(٩) الأصل: حبيب، والمثبت عن الأغاني.

٢١٢
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
وكان مُحَمَّد رجلاً جدياً يكره الباطل وأهله، فأشفقنا مما صنع، ولم نستطع أن نرد (١)
علیه، ونحن معه عدة من آل الزبير.
وتقدم عنا الأحوص، ولم يكن لي شأن غيره أن أعتذر إليه، وأفرق من مُحَمَّد، فلما
هبطنا من المُشلّل (٢) على خَيْمَتي أم معبد. سمعت الأحوص يهمهم بشيء، ففهمته(٣) وهو قد
بدرني، ومُحَمَّد خلف خيمتي أم معبد، مُحَمَّد كأنه يهّىء القوافي، فأمسكت راحلتي حتى
لحقني مُحَمَّد فقلت: إنّي أسمع هذا يهيىء القوافي، فإما تركتنا نعتذر إليه وأرضيناه، وإما
خلّيتَ بيننا وبينه فضربناه، فإنا لا نصادفه في أَخْلَى من هذا المكان، قال: كلا، إنّ سعد بن
مصعب قد أخذ عليه أن لا يهجوا زبيرياً أبداً، وإنْ فعل (٤) رجوت أن يخزيه الله، دَعْهُ.
وذكر الزبير بن بكار في رواية الدمشقي ويَحْيَىُ بن علي بن يَحْيَى المنجم عنه قال:
حَدَّثَنِي عَبْدِ الرَّحْمُن بن عَبْد اللّه، عَن عَبْد اللّه بن عمرو بن سفيان الجُمَحي(٥) قال:
كان عَبْد الحكم بن عَمْرو بن عَبْد اللّه بن صَفْوَان الجُمَحي قد اتّخذ بيتاً وجعل فيه
شطرنجات(٦) ونردات، وقرقات(٧) ودفاتر فيها من كل علم، وجعل في الجدار أوتاداً، فمن جاء
علق ثيابه على وتد منها، ثم جرّ دفتراً فقرأه، أو بعض ما يلعب به، فيلعب مع بعضهم، وإن
عبد الحكم يوماً لفي المسجد الحرام إذا فتى داخل من باب الخياطين (٨) باب بني جمح عليه
ثوبان معصفران مدلوكان، وعلى أذنيه ضغثا ريحان، وعليه ردع (٩) خلوق، فأقبل يشق الناس
حتى جلس إلى عَبْد الحكم بن عَمْرو بن عَبْد اللّه، فجعل من رآه يقول: ماذا صُبّ عليه من
هذا اليوم، لم يجد أحداً يجلس إليه غيره؟ ويقول بعضهم: فأي شيء يقول له؟ عَبْد الحكم
أكرم من أن يجبه، فتحدث إليه ساعة ثم أهوى فشبّك يده في يد عَبْد الحكم، وقام يشق
المسجد حتى خرج من باب الخياطين (٨) .
(١) الأصل: ((يستطيع .. يرد)).
(٢) المشلل: بالضم فالفتح وفتح اللام المشددة، جبل يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر.
(٤) مكررة بالأصل.
(٣) الأغاني: فتفهمته.
(٥) راجع الخبر في الأغاني ٢٥٣/٤ - ٢٥٤.
(٦) الأصل: أسرنجات، والمثبت عن الأغاني.
(٧) القرقات جمع قرق، وهي لعبة للصبيان يخطون بها أربعة وعشرين خطاً مربعة. كل مربع منها داخل الآخر،
ويصفون بين تلك المربعات حصيات صغيرة على طريقة مخصوصة (هامش الأغاني).
(٨) كذا بالأصل، وفي الأغاني: الحناطين.
(٩) عن الأغاني وبالأصل: ((درع)) والردع: أثر الخلوق والطيب في الجسد، وقيل: اللطخ بالزعفران.

٢١٣
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
قال عَبْد الحكم فقلت في نفسي: ماذا سلط عليّ منك، رآني معك الناس في المسجد،
ونصفهم في الخياطين (١) ؟ حتى دخل عَبْد الحكم بيته وعلق رداءه، على وتد وحلّ إزاره،
وأخذ الشترنج، وقال: من يلعب بها؟ فبينما هو كذلك إذ دخل الأبجر المغني فقال له: أي
زنديق ما جاء بك ها هنا وجعل يشتمه ويمازحه، فقال عَبْد الحكم: أتشتم رجلاً في منزلي،
قال: تعرفه، هذا الأحوص، فاعتنقه عَبْد الحكم وحيّاه وقال: أما إذا كنت الأحوص فقد هان
عليّ كلّ ما فعلت.
قال الزبير: وحَدَّثَنِي عَمْرو بن أَبِي سُلَيْمَان، عَن يوسف بن عُنَيْزة (٢) قال: هجا
الأحوصُ بن مُحَمَّد رجلاً من الأنصار من بني حَرَام يقال له ابن بشير، وكان كثير المال،
فغضب من ذلك، فخرج حتى قدم على الفرزدق بن غالب بالبصرة، فهدى(٣) له وألطفه فقبل
ذلك منه، فجلسا يتحادثان، فقال له الفرزدق: ممن أنت؟ قال: من الأنصار، قال: ما
أقدمك؟ قال: جئت مستجيراً بالله ثم بك من رجل هجاني، قال: قد أجارك الله منه، وكفاك
مؤنته، فأين أنت عن الأحوص بن مُحَمَّد، قال: هو الذي هجاني، فأطرق ساعة ثم قال:
أليس الذي يقول :
فقد هاجَ أحزاني وذكّرَني نُعْما
ألا قف برسم الدار فاستنطق الرَّسْما
قال: بلى، قال: فلا والله ما أهجو رجلاً هذا شعره، فخرج ابن بشير فاشترى أفضل من
الشراء الأول من الهدايا، وقدم بها على جرير، فأخذها وقال له: ما أقدمك؟ قال: جئت
مستجيراً بالله وبك من رجل هجاني، قال: قد أجارك الله وكفاك، أين أنت عن ابن عمك
الأحوص بن مُحَمَّد، قال: هو الذي هجاني، قال: فأطرق ساعة ثم قال: أليس الذي يقول:
شبابة(٥) كالكلب الذي ينبح النَّجما
تَمَشّى بشتمي في أكاريس (٤) مالكٍ
ولا بالمُسَمّى ثم يلتزم الإِسما
فما أنا بالمخسوس (٦) في جذمٍ مالكٍ
(١) كذا بالأصل، وفي الأغاني: الحناطين.
(٢) الأصل: ((عشرة)) والمثبت عن الأغاني وفيها: يوسف بن أبي سليمان بن عنيزة. انظر فيها الخبر ٢٦٣/٤.
(٣) الأغاني والمطبوعة: فأهدى له.
(٤) الأصل: ((تمشي في أكاريش)) والمثبت عن الأغاني ٢٦٣/٤.
وأكاريس جمع الجمع لكرسي وهو هنا الجماعة من الناس.
(٥) الأغاني: تشید به كالكلب إذ.
(٦) الأصل: ((بالمحسوس ... بكريم الأسما)» والمثبت عن الأغاني، والجذم: الأصل.

٢١٤
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
ولكن بيتي إنْ سألت وجدته توسط منها العزّ والحسبَ(١) الضخما
لا والله لا أهجو رجلاً هذا شعره.
فاشترى أفضل من تلك الهدايا وقدم على الأحوص فأهداها له، وصالحه.
أَنْبَانَا أَبُو طالب الحُسَيْن بن مُحَمَّد الزينبي، أَنَا أَبُو القَاسِمِ عُبَيْد اللّه بن أَحْمَد بن عُثْمَان
الأزهري، أَنْبَأْ أَبُو أَحْمَد بن حيّوية، نَا أَبُو مزاحم موسى بن عُبَيْد اللّه [بن] خاقان، أنشدنا
مُحَمَّد بن عمّار بن أسد التميمي.
قال أَبُو مزاحم: وحَدَّثَني ابن أبي سعد عن ابن(٢) مَحْمُود بحديثٍ في قصيدة تنسب إلى
الأحوص بن عَبْد اللّه:
وإليه آل الحكم(٣) حين يؤول
والست تأمر بالعقاب وبالنهي
وحديث من أبغضتَه مَمْلُول
أما الحبيب فما يُمَلّ حديثُه
ثِقْل تعالجه عليك ثقيل
وإذا يجالسك البغيضُ فإنّه
والطرف من دول البغيضٍ كليل
ويدوم طرفك للجليل يودّه
فانظر إلى ما قلت كيف تقول
واعلم بأن من السكوت لُبَانة
كتب إليَّ أَبُو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن أَحْمَد بن إِبْرَاهيم بن الحَطّاب (٤)، أَنْبَأْ أَبُو القَاسِم
عَلي بن مُحَمَّد بن عَلي الفارسي، أَنَا القاضي أَبُو الطاهر مُحَمَّد بن أَحْمَد بن عَبْد اللّه بن
نصر بن بُجَير الذُهْلي، أَخْبَرَني مُحَمَّد بن الحسن(٥)، أَنَا الرياشي، عَن ابن سَلّم، أَخْبَرَني
إِبْرَاهيم بن عَبْد الرَّحْمُن، عَن إسْمَاعيل بن مُحَمَّد المخزومي قال (٦) : اجتمع خمس نسوة
عند امرأة من أهل المدينة، فقلن: ارسلي إلى الأحوص، فإنّا نحبّ أن نتحدّث معه، ونسمع
من شعره، قالت: إذن لا يزيد إذا خرج من عندكن وعرفكن أن يفضحكن بالشعر، فلم يزلن
بها حتى أرسلت رسولاً يذكر له أمرهن ولا يسميهن، ويأتي مُخَمّر الرأس ففعل وتحدث معهن
(١) الأصل: والخشب، والمثبت عن الأغاني.
(٢) المطبوعة: أبي محمود.
(٣) كذا بالأصل، وصوب البيت في المطبوعة: الشيب يأمر بالعفاف ... آل الحلم.
(٤) الأصل: الخطاب بالخاء المعجمة، خطأ، والصواب ((الحطاب بالحاء المهملة))، مرّ التعريف به.
(٥) الأصل: الحسين، والصواب ما أثبت عن المطبوعة.
(٦) الخبر والشعر في الأغاني ٣٥٢/١٧ - ٣٥٣ (في خبر للأحوص).

٢١٥
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
وأنشدهن، فلما أراد الخروج شق طمرة من (١) ورائه فوضعها على جدران الدار ثم تيمم
الموضع لمّا أصبح، فطاف عليه حتى وجد العلامة فقال:
حورُ العيون نواعمٌ زُهْرُ
خَمْسٌ دَسَسْنَ إليّ فِي لَطْفٍ
نام الرقيب وحلّق النّسر
فطرقتهنّ مع الرسول(٢) وقد
غضباً يلوح بمتنه أثر
متأبطاً للحي إن فزعوا(٣)
ثم استفقن وقد بدا الفجر
فعكَفْنَ ليلتهُنّ ناعمةً
غض الشباب رداؤه غَمْـر
بأشمّ معسول بحاجبه(٤)
قامت بخاصرة لقيتها(٥)
تمشي التأود غادةٌ بكر
كلما يُسَرّ كأنه سحر
فتناغيا(٦) من دون نسوتها
كلّ يرى أن الشباب له في كلّ مُبْلِغ لذّةٍ عذر (٧)
قال إِسْمَاعيل: فخرجت وأنا شاب، ومعي شباب كثير في مسجد رَسُول الله رَّ﴿ فذكرنا
خبر الأحوص هذا وشعره، وقدامنا عجوز عليها وسم جمال، فلما بلغنا المسجد وقفت،
والتفتت إلينا فقالت: يا فتيان، أنا والله إحدى الخمس، كذب وربّ هذا القبر والمنبر، ما
خلتْ معه واحدة، ولا راجعته دون نسوتها كلاماً.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن كرتيلا، أَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن عَلي الخيّاطِ، أَنَّا
أَحْمَد بن عَبْد اللّه السُّوسَنْجِردي، أَنَا أَبُو جَعْفَر أَحْمَد بن علي بن مُحَمَّد، أَنَا أَبِي أَبُو طالب، أَنَا
مُحَمَّد بن مروان، أنشدنا مُحَمَّد بن الحَسَن القرشي، وأَبُو عيسى الأزدي للأحوص يرئي
معاوية [فقال : ]
وصِبَى الكبير إذا بقا (٨) تعليلُ
يا أيها الرجل الموكّل بالصّبا
قدّم لنفسك قبل موتك صالحاً
إنّ الحِمَامَ لنازلٌ بك لاحقٌ
واعمل، فليس إلى الخلود سبيل
والموت رَبْعٌ إقامةٍ محلولُ
(١) في المطبوعة: شق طرة من ردائه.
(٣) الأغاني: إذ قرعوا عضباً.
(٥) الأغاني: قامت تخاصره لكلّتها.
(٦) مضطربة بالأصل، والمثبت عن المطبوعة، وفي الأغاني: فتنازعا.
(٧) الأغاني: في كل غاية صبوة عذر.
(٨) المطبوعة: صبا تعليل.
(٢) الأغاني: الجري.
(٤) الأغاني: فكاهته.

٢١٦
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
لا بدّمن يومٍ لكلّ مَعَمَّر
والناس أرسالٌ إلّى أَمَدٍ لهم
إنّ امرأً أمن الزمان وقد رأى
أين ابن هند وهو فيه عبرة
ملكٌ تدينُ له الملوك مباركٌ
تُجْبَى له بَلْخ ودجلة كلها
والشام أجمع جازه، فبكلّه
متأثل ما إن يُظَنّ لملكه
وبكلّ أرضٍ غروة، من وقعة
يقضي، فلا وَهِمٌ ولا متتعتعٌ
لو أنه وَزَنَ الجبالَ بحلمه
فأزال ذلك ريبُ يومٍ واحدٍ
حتى ثَوَى جدثاً كأنّ ترابه
فهو الذي لو كان حياً(٢) خالداً.
فيه لمدة عيشه تكميلُ
يمضي لهم جيل ويخلق(١) جيلٌ
غِيَرَ الزمان وَرَيْبَه لجهولُ
أمّا اعتبرتَ كمن له معقول
كادتْ لمهلكه الجبال تزولُ
وله الفرات وما سقاه النّيل
لهُمْ كتائبُ تُجْتَنى وخيولُ
عنه ولا لنعيمه تحويل
حصنٌ تَخَرّبَ أو دَمٌ مطلول
لمقالة ما قال حين يقول
لوفى بها، أو ظلّ وهو يميل
عنه وحكم ماله تبديلُ
مما تُطَرّده الصبا منخول
يوماً لكان من المنون يؤول
أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِم إِسْمَاعيل بن أَحْمَد، أَنَا عَبْد الوهّاب بن عَلي السكري، أَنْبَأْ عَلي بن
عَبْد العزيز الطاهري قال: قُرىء على أَبي بكر أَحْمَد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن(٣) سلم أنا
الفضل بن الحُبَاب، نَا مُحَمَّد بن سلام الجُمَحي قال:
وقال الأحوص يمدح عَبْد العزيز بن مروان:
إلى أهل سَلْع(٤)، إن تشوّقت(٥) نافعٌ
أقول بعمّان: وهل طَرَبي به
وبرق تلألأ بالعقيقين رائع
أصاحِ أَلَمْ تحزنك ريح مريضة
نسيم الرياح والبروقُ اللوامع
فإن الغريب الدار مما يشوقه
بنا منظرٌ من حصن عمان يافع
نظرت على فوت وأوفى عشية
(١) المطبوعة: ويخلف.
(٢) المطبوعة : حيٌّ.
(٣) بالأصل: ((وسلم)) والصواب ما أثبت، ترجمته في سير الأعلام ١٦/ ٨٢.
(٤) سلع: جبل بقرب المدينة.
(٥) المطبوعة: ((تشوفت)) والأصل مثل عبارة طبقات الشعراء للجمحي.

٢١٧
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
والعين أسرار(١) تفيض كأنما
لأبصر أحياء بخاخٍ تضمّنت(٢)
فأبدت كثيراً نظرتي من صبابتي
وكيف اشتياق المرء يبكي صبابة
لعمرُ ابنه الزيديّ إنّ أذكارها
فإنّي بذكراها على كلّ حالةٍ
لقد كنت أبكي والنوى مطمئنة
وقد ثبتت في الصدر منها مودّةً
أهمّ لأنسى ذكرها فيشوقني
وإنّا عدانا (٥) عن بلاد نحبها
أَغَرُّ لمروان وحربٍ كأنه
هو الفرُ من عبدي مناف کلیھما
فكلّ غنيّ قانع بفعاله
هو الموت أحيا المنون (٦) ، وإنه
وقال أيضاً (٧):
تُعَلّ بكحل الصابّ منها المدامع
منازلهم منا التلال الروافع
وأكثر منها ما تحن الأضالع
إلى من ناءَ عن داره وهو طائع؟
على كلّ حال للفؤاد الرابع (٣)
من العوي (٤) أو جَلْس البلاد لنازع
بنا وبكم، من علم ما البينُ صانع
كما ثبتت في الراحتين الأصابع
رفاقٌ إلى أهل الحجاز نوازع
إمامٌ دعانا نفعه المتتابع
حُسَامٌ جلت عنه الصياقل قاطع
إليه انتهت أحسابها والدسائع
وكل عزيز عنده متواضع
لغيثُ حَيَا يحيى به الناسُ واسعُ
إني إذا جهل (٨) اللئام رأيتني
ما من مصيبة نكبة أُمنى بها
وتزول حين تزول عن متخمط (١٠)
كالشمس لا تخفى بكل مكان
إلّ تشرفني وترفع (٩) شأني
تخشى بوادره على الأقران
أَخْبَرَنَا أبو بكر اللفتواني أنا عبد الوهاب بن محمد، أنا الحسن بن محمد، أنا أحمد بن
(١) عند الجمحي: وللعين أسراب.
(٢) الأصل: تضمضمت، والمثبت عن طبقات الشعراء ص ١٨٨ .
(٣) في طبقات الشعراء: الرائع.
الجمحي: الغور، وهو أشبه، والجلس: ما ارتفع على الأرض على الغور، وفي الجمحي: التلاد بدل البلاد.
(٤)
عن طبقات الشعراء، وبالأصل: وإن عرانا.
(٥)
(٦) المطبوعة: أحياناً يكون.
الأبيات في طبقات الشعراء للجمحي ص ١٨٨ - ١٨٩ والأول والثاني في الشعر والشعراء ص ٣٣٢.
(٨) الشعر والشعراء: خفي.
(٧)
(١٠) الرجل المتخمط : الشديد الغضب له ثورة وجلبة.
(٩) الشعر والشعراء: وتعظم.

٢١٨
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
محمد اللنباني، نا عبد الله بن محمد، نا أبو زيد النميري، حدثني أُبُو سلمة الغفاري، حدثني
عبد الله بن عمران بن أبي فروة قال(١):
أتت الأحوص الأنصار حين وقف (٢) أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في سوق
المدینة، وإنه يصبح :
إلّ تعظمني وترفع شأني
ما من مصيبة نكبة أعنى بها
تخشى بوادره على الأقران
وتزول، حين تزول، عن متخمط
كالشمس لا تخفى بكل مكان
إلى إذا خفي اللئام رأيتني
أَخْبَوَنَا أبو العز بن كادش إذناً ومناولة وقرأ عليّ إسناده، أنا أبو علي محمد بن
الحسين، أنا المعافى بن زكريا، نا محمد بن الحسن بن دريد، أنا عبد الرحمن، عن عمه،
قال: سمعت جعفر بن سلیمان يقول:
ما سمعت بأشعر من القائل :
من الحبّ ميعاد السُّلُوّ المقابرُ
إذا رمت عنها سلوة قال شافعٌ
فقلت: أشعر من الأحوص حيث يقول :
سَرِيرةُ ودّ يومٍ تَبْلَى السرائرُ
سيبقى لها في مُضْمَر القلب والحشا
وذكر [الزبير] ابن بكار قال: وكتب إلي إِسْحَاق بن إِبْرَاهيم التميمي - هو المَوْصلي - أن
أبا عبيدة(٣) حدَّثه عن غير واحد من أهل المدينة.
أن الأحوص لم يزل بدَهْلك حتى مات عُمَر بن عَبْد العزيز فاندس إلى حَبَابة فعنت
يزيد بن عَبْد الملك بأبيات له، قال أَبُو عبيدة أظنها هذه:
أبهذا المخبري عن يزيد بصلاح فداك أهلي ومالي
ما أبالي (٤) إذا بقى لي يزيد مَنْ تَوَلّتْ به صروف الليالي
قال أَبُو عبيدة: فتراه عرّض بعُمَر ولم يقدر على أن يصرح مع بني مروان فقال: مَنْ يقول
هذا؟ قال: فقالت: الأحوص، وهونت أمره وكلّمته في أمانه فآمنه، فلما أصبح حضر
(١) الخبر والشعر في الأغاني ٢٣٦/٤.
(٣) الخبر مع الشعر في الأغاني ٢٤٩/٤.
(٢) في الأغاني: رأيت الأحوص حين وقفه.
(٤) رواية الأغاني: ما أبالي إذا يزيد بقى لي.

٢١٩
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
فاستأذنت له، فأذن له، ثم أعطاه مائة ألف درهم.
أَخْبَرَنَا أَبُو العزّ أَحْمَد بن عُبَيْد اللّه بن كادش، أَنَا أَبُو مُحَمَّد الجَوْهَرِي، أَنَا أَبُو عُبَيْد اللّه
المَرْزُباني قال: وأنشدنا أَبُو عبد اللّه (١) - يعني نفطويه - للأحوص(٢):
وإنّي لَآتي البيت ما إن أحبّه وأُكثرُ هجرَ البيت وهو حبيبُ
وأُغضيَ عن أشياء (٣) منكم تُريبني وأُدعَى إلى ما سَرّكم فأُجيب
أَنْبَأنَا أَبُو القَاسِم عَلي بن إِبْرَاهيم، وأَبُو الوحش سُبَيْع بن المُسَلّم، عَن رَشَأ بن نَظِيف،
أَنَا أَبُو أَحْمَد عُبَيْد اللّه بن مُحَمَّد بن أَبي مُسَلّم الفَرَضي، أَنَا أَبُو الطاهر عَبْد الواحد بن عُمَر بن
أبي هاشم المقرىء، نَا أَحْمَد بن سعيد، نَا الزبير بن بكّار (٤) ، حَدَّثَنِي عَبْد الملك قال: قال
لي أَبُو السائب: يا ابن أخي أنشدني للأحوص: فأنشدته قوله:
حبل امرىءٍ بوصالكم صبّ
قالت: وقلت: تحرّجي وصلي
الغدرُ شيءٌ ليس من شعبي (٥)
صاحت إذاً بعلي، فقلت لها:
عرسُ الخليل وجارة الجَنْبِ
ثنتان لا أدنو لوصلهما
والجار أوصاني به ربّي
أما الخليلُ فلست فاجعه
بعضَ الحديث، مطية صَحْبي
عوجا، كذا نذكر لغانيةٍ
نذنب بل أنت بدأت بالذنب
ونقل لها: فيما الصُّدودُ ولم
منا بدارِ السَّهْلِ والرَّحْب
إنْ تقبلي نُقبل ونُنْزلكم
وتُصَدّعي متلائمَ الشعب
أو تُذْبري تكدر معيشتنا
فأقبل علي وقال: هذا والله يا ابن أخي المحب عيناً (٦) ، لا الذي تقول:
وجدت لديّ منفسحاً عريضاً
وكنت إذا خليل رام صرْمي
اذهب فلا صحبك الله ولا وسّع قلبك.
أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِمِ بنِ السَّمَرْقَنْدي، أَنَا عَبْد الوهّاب بن عَلي، أَنَا عَلي بن عَبْد العزيز
(١) الأصل: أبو عبيد اللّه خطأ، والصواب ما أثبت، واسمه إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان (انظر سير
الأعلام ١٥/ ٧٥).
(٢) الأصل: الأحوص.
(٤) الخبر والأبيات في الأغاني ٤/ ٢٦٤.
(٦) الأصل: ((المحنت عينا)) والمثبت عن الأغاني.
(٣) المطبوعة: الأشياء.
(٥) الأغاني: ضربي.

٢٢٠
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الشاعر المعروف بالأحوص
قال: قرىء على أَحْمَد بن جَعْفَر، أَنَا الفضل بن الخُبَاب، نَا مُحَمَّد بن سَلّم قال: وقوله
أيضاً: يعني الأحوص بن مُحَمَّد(١):
مع الإِشراق في فَنَنٍ حَمامُ
أَإِن نادى هَديلاً(٢) ذات فَلْجِ
هوى نَسَقاً وأسلمه النظام
ظللتَ كأن دمعك درّ سلكِ
وأنّي(٣) من بلادك أمّ حفصٍ
صريعُ مُدامة غلبتْ عليه
وأنّى(٣) من بلادك(٤) أمّ حفصٍ
أُحُلّ النَّعْفَ من أُحُدٍ وأدنى
سلام الله يا مطرٌ عليها
ولا غفر الإله لمُنْكِحيها
كأنّ المالكين(٦) نِكاح سلمى
فإنْ يكن النكاح أحلّ شيئاً(٧)
ولو لم ينكحوا إلّ كفيّاً
وحبلُ وصالها خَلَق رمام
يموت لها المفاصل والعظام
سقى بلداً يحلُ به الغمام
مساكنها الشُبَيْكة أو سنام(٥)
وليس عليك يا مطر السَّلام
ذنوبَهم، وإن صلوا وصاموا
غداة يرومها مطر نيام
فإنّ نكاحَها مطراً(٨) حرامُ
لكان كفيّها مَلِكُ هُمام
وإلّ شقّ(٩) مفرقَكَ الحُسامُ
فطلّقها، فلستَ لها بأهلٍ
أَنْبَانَا أَبُو الفرج الخطيب، قَال: نبأ أبو(١٠) بكر الحافظ، أَنَا الحسن(١١) بن أَحْمَد بن
(١) الأَبيات في طبقات الشعراء للجمحي ص ١٨٩ - ١٩٠ والأغاني ٢٩٢/١٥ - ٢٩٣ و٢٩٤ ضمن أخبار آدم بن
عبد العزيز.
(٢) الأصل: هذيلا، والمثبت عن المصدرين، والهديل على ما تزعم العرب فرخ حمام كان على عهد نوح فمات
ضيعة وعطشاً.
(٣) كذا صدره بالأصل، وفي الأغاني:
«کأنك من تذکر أم عمرو»
وعند الجمحي: أم حفص، ومثله في المطبوعة. وقبله ورد فيها بيت وسقط من الأصل وروايته:
وأنت جو بدائك مستهام
تموت تشوقاً طرباً وتحيا
(٤) عند الجمحي: ((ديارك)).
(٥) النعف: ما انحدر من غلظ الجبل، وهو هنا: نصف سويقة قرب المدينة. والشبيكة: موضع بين مكة والزاهر.
وسنام: جبل بين ماوان والربذة، بالحجاز.
(٦) الأصل: المالكي، والمثبت عن ابن سلام الجمحي.
(٨) عند ابن سلام: مطرٌ.
(٧) الأغاني: أنثى.
(٩) الأغاني: عض مفرقك.
(١٠) الأصل: أبا.
(١١) الأصل: الحسين، وما أثبت قياساً إلى سند مماثل.