النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
عبد الله بن الزبير بن العوّام بن خويلد بن أسد
إِبراهيم بن منصور، أَنَا أَبُو بكر بن(١) المقرىء، أَنَا أَبُو يَعْلَى، نَا بشر بن الوليد الكِنْدي،
نَا إسحاق - يعني ابن سعيد - حدَّثني سعيد أَبُو مالك قَال:
إني لقاعد في الحِجْر مع ابن الزبير إذ جاءه عَبْد اللّه بن عمرو، قَال: فقَال لابن
الزبير: إيّاك وَالإلحادَ في حَرَمِ الله، فإنّي سمعت رسول الله وَّهِ يقول: ((يُلحدُ بها رجلٌ
من قريش لو وُزنتْ ذنوبُ الثَقَلين بذنوبِهِ وازنته))، قال ابن الزبير: انظر لا تكونه(٢) يا ابن
العاص، فإنك قد قرأتَ الكتب، قَال: لا والله، إنّي أُشهدك أنّي ليس هو، هذا وجهي
إلى الشام.
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّد عَبْدَان بن زَرِّين (٣) بن المقرىء، نَا نصر بن إِبراهيم المقدسي،
أَنَا عَبْد الوهّاب بن الحُسَيْنِ الغَزَالِ، أَنَا الحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عُبَيْد العسكري، نَا
مُحَمَّد بن عثمان بن أَبِي شَيبة، نَا وكيع، نَا سفيان، عَن سَلَمة بن كُهَيل، عَن أَبي صادق،
عَن حَنَش الكناني، عَن عليم الكِنْدي، عَن سلمان الفارسي، قَال: ليُحرقنَّ هذا البيت
على يدي رجل من آل الزبير.
أَخْبَرَنَا أَبُو غالب، وأَبُو عَبْد اللّه ابنا البنّا، قَالا: أَنَا أَبُو الحُسَيْن بن الابنوسي، أَنَا
أَحْمَد بن عُبَيْد بن الفضل - إجازة - نا مُحَمَّد بن الحُسَيْن بن مُحَمَّد بن سعيد، نَا ابن أَبي
خَيْثَمة، نَا يَحْيَىُ بن معين، نَا ابن فُضَيل، نَا سالم بن أَبِي خَفْصَة، عَن منذر الثوري
قَالَ: قَال ابن الحَنَفيّة: اللّهم إنّك تعلم أنّي كنت أعلم مما علمتني أن ابن الزبير لا يخرج
منها (٤) إلّ قتيلاً، يُطاف برأسه في الأسواق.
قَال: ونا ابن أَبِي خَيْئَمة، نَا أَبي، نَا وَهْب بن جرير، نَا جويرية، قَال: سمعت نافعاً
يقول: لم يدعُ ابن الزبير إلى نفسه حتى هلك يزيد بن معاوية.
قَال جويرية: وحدَّثني نافع أنه كان تحت منبره يوم دعا إلى نفسه. قَال: وأخبرني
عَن نافع أن أبا حرة الأسلمي صاحب العباء كان رجلاً من الموالي، شجاعاً، مقاتلاً،
(١) سقطت ((بن)) من المطبوعة.
(٢) کذا بالأصل، وفي م والمسند: لا تكون هو.
(٣) بالأصل: ((زيد بن المقرىء)) والمثبت عن م، وفيها: زرين المقرىء، وانظر مشيخة ابن عساكر
١٣٣ / أ.
(٤) ((منها)) ليست في م.

٢٢٢
عبد الله بن الزبير بن العوّام بن خويلد بن أسد
فقام إليه فقال له: إنّما سفكنا الدماء، وقتلنا الناس إلّ في ملكك، قَال: فمن تبغون
سواي؟ قَال: فهلا انتظرت حتى نكون نحن ندعوك، ففارقه.
أَخْبَرَنَا أَبُو الحُسَيْن مُحَمَّد بن مُحَمَّد، وأَبُو غالب وأَبُو عَبْد اللّه، قالوا: أَنَا أَبُو
جعفر بن المَسْلَمةِ، أَنَا أَبُو طاهر المُخَلّص، نَا أَحْمَد بن سُلَيْمَان ، نَا الزبير قَال:
وحدَّثني عَبْد اللّه بن مُحَمَّد بن المنذر عَن خالة أبيه صفية بنت الزبير بن هشام بن عروة،
عَن هشام بن عروة (١) قَال: كان أول ما أفصح به عمي عَبْد اللّه بن الزبير وهو صغير
السّيف، فكان لا يضعه من فيه، فكان الزبير بن العوام إذا سمع ذاك منه يقول: أما والله
لیکونَنّ لك منه یوم ویوم وأیام.
أَخْبَرَنَا أَبُو القاسم علي بن إِبراهيم، أَنَا رَشَأ بن نظيف، أَنَا الحَسَن بن إِسْمَاعيل،
نَا أَحْمَد بن مروان، نَا إِبراهيم بن حبيب، نَا مُحَمَّد بن عَبْد اللّه، نَا أَبُو بكر بن عيّاش،
عَن الأعمش، عَن مُحَمَّد بن زيد بن عَبْد اللّه بن عمر(٢) قَال: إنّي لفوق أَبِي قُبَيس حين
وضع المنجنيق على ابن الزبير، فنزلت صاعقة كأنّي أنظر إليها تدور كأنها خُمارٌ(٣) أحمر
قد حرقت أصحاب المنجنيق نحواً من خمسين رجلاً.
أَخْبَرَنَا أَبُو غالب وأَبُو عَبْد اللّه ابنا البنّا، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو الحُسَيْن بن الآبنوسي،
أَنَا أَحْمَد بن عُبَيد(٤) - إجازة -.
ح قَالا: وأنا أَبُو تمّام علي بن مُحَمَّد - إجازة - أَنَا أَبُو بكر أَحْمَد بن عُبَيْد - قراءة -
نا محمد بن الحُسَيْن، نَا ابن أَبِي خَيْئَمة، نَا أَبُو الفتح - وهو نصر بن المغيرة - قَال: قَال
سفيان: كان ابن الزبير يشتد بالسيف، وهو ابن ثلاث وسبعين كأنه غلام.
أَخْبَرَنَا أَبُو بكر وجيه بن طاهر، أَنَا أَبُو صالح أَحْمَد بن عَبْد الملك، أَنَا أَبُو
الحَسَن بن السّقّا، وأَبُو مُحَمَّد بن بالويه، قَالا: نا أَبُو العبّاس مُحَمَّد بن يعقوب، نَا
عبّاس بن مُحَمَّد قَال: نا يَحْيَى بن معين، نَا مُحَمَّد بن الصلت، نَا يَخْرَ سُ بن اليمني(٥)،
(١) قوله: ((عن هشام بن عروة)) ليس في م.
(٢) بالأصل وم: عمرو، خطأ والصواب ما أثبت، ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٠٥/٥.
(٣) بالأصل وم: حمار بالحاء المهملة تحريف. والصواب عن مختصر ابن منظور ١٢/ ١٩٦ .
(٤) بالأصل وم ((حميد)) خطأ، والصواب ما أثبت قياساً إلى سند مماثل.
(٥) كذا بالأصل واللفظة غير مقروءة في م، وفي المطبوعة: البهي.

٢٢٣
عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد
قَال: كان ابن الزبير يقاتل الحَجّاج بمكة، قَال: فقَالت له امرأته: أَلَا أخرج فأقاتل
معك؟ قَال: لا، وكان الحَجّاج يقاتل وهو في المسجد الحرام، فجعل ابن الزبير يقول
هذا الشعر :
كتب القتلُ والقتالُ علينا وعلى المُحْصَناتِ جرّ (١) الذّيُولِ
قَال: ونا عبّاس، نَا جعفر بن عون، نَا هشام بن عروة قَال: كان ابن الزبير يحمل
عليهم حتى يخرجهم من الأبواب - يعني أبواب المسجد (٢) الحرام - وهو يقول:
لو كان قرني واحداً كفيته(٣)
ولسنا على الأعقاب تَدْمى كُلُومُنا ولكن على أقدامنا يقطر الدمُ(٤)
أَخْبَرَنَا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد - أنا أبو الحسين بن النَّقُّور، وأبو
منصور بن العطار، قالا: أنا أبو طاهر المخلّص نا أبو محمد السكري، نازكريا بن يحيى
المنقري، أنا الأصمعي نا عبد الله بن معاوية عن هشام بن عروة قال:
كان عبد الله بن(٥) الزبير يحمل عليهم حتى يخرجهم من الأبواب وهو يقول:
لو كان قرني واحداً كفيته
ثم يقول :
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا يقطر الدمُ
أَخْبَرَنَا أَبُو الفرج سعيد بن أبي الرجاء بن أبي منصور، أَنا منصور بن الحُسَيْن بن
علي بن القاسم بن روّاد، وأَحْمَد بن محمود، قَالا: أَنَا أَبُو بكر بن المقرىء، نَا أَبُو
عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عثمان بن مُحَمَّد بن عَبْد الملك بن سُلَيْمَان - إملاء - نا أَبُو خالد
(١) عن م وبالأصل: جز.
(٢) عن م وبالأصل: مسجد الحرام.
(٣) الرجز في حلية الأولياء ٣٣٣/١ بدون نسبة، ونسبه بحواشي المطبوعة لدويد بن زيد. وبعده في
الاستيعاب ٣٠٤/٢.
أوردته الموت وقد ذكيته
(٤) البيت في الحلية ٣٣٣/١ بدون نسبة، وخزانة الأدب الشاهد ٥٦٦، ج ٢٥٢/٣ و٢٥٥ وقال البغدادي
هو من ثلاثة أبيات أوردها أبو تمام في الحماسة للحصين بن الحمام المري. وانظر الاستيعاب ٣٠٥/٢
وأسد الغابة ١٤٠/٣.
(٥) سقطت ((بن)) من م.

٢٢٤
عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد
عَبْد العزيز بن معاوية، نَا جعفر بن عون، نَا هشام بن عروة، عَن أَبيه قَال: كان
عَبْد اللّه بن الزبير يحمل عليهم حتى يُخرجهم من الأبواب ويرتجز ويقول:
لو كان قرني واحداً كفيته
ولسنا على الأعقاب تَدْمَى كلومُنا ولكن على أقدامنا تقطر (١) الدِّما
أَخْبَرَنَا أَبُو غالب، وأَبُو عَبْد اللّه ابنا أَبي علي، وأَبُو الحُسَيْن بن الفراء، قَالوا: أَنَا
أَبُو جعفر المعدل، أَنَا أَبُو طاهر المُخَلّص، نَا أَحْمَد بن سُليمان، نَا الزبير، قَال:
وحدَّثني مُحَمَّد بن الضّحّاكِ، عَن جدي عَبْد اللّه بن مُصْعَب، عَن هشام بن عروة قَال:
رأيت ابن الزبير يُرمَى بالمنجنيق، فلا يلتفت ولا يرعد صوته، قَال: وربما مرت الشظية
منه قریباً من نحره.
قال: ونا الزبير، قَال: وحدَّثني خالد بن وَضَّاح، حدَّثني أَبُو الخَصيب نافع بن
مَيْسَرة مولى آل الزبير، عَن هشام بن عروة قال: رأيت الحجر من المنجنيق يهوي حتى
أقول لقد كان(٢) يأخذ لحية عَبْد اللّه بن الزبير، فقال له أَبي: ابن أم، والله إن كان(٢)
ليأخذ لحيتك، فقَال عَبْد اللّه: دعني يا ابن أم، فوالله ما هي إلّ هَيت حتى(٣) كأن
الإنسَان لم يكن، فقَال أَبي وأقبل علينا بوجهه: أَلَّ إني والله ما أخشى عليك إلّ من تلك
الهَيْت (٤) .
قال: وحدَّثني خالد بن وَضّاح، حدَّثني أَبُو الخَصيب نافع بن ميسرة مولى آل
الزبير، عَن هشام بن عروة، قَال: سمعت عمي عَبْد اللّه بن الزبير يقول: والله إِن أبالي
إذا وجدت ثلاثمائة يصبرون صبري، لو أَجْلب على أهل الأرض.
قال: ونا الزبير، حدَّثنيَ مُحَمَّد بن الضّحّاكِ، عَن جدي عَبْد اللّه بن مُصْعَب، عَن
هشام بن عروة قَال: أوصى الزبير بثلث ماله، قَال: وقسم عَبْد اللّه بن الزبير ثلث ماله
وهو حيّ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عَبْد الباقي، أَنَا الحَسَن بن علي، أَنَا أَبُو عمر مُحَمَّد بن
(١) عن م وبالأصل: ((يقطر)) ..
(٢) عن م وبالأصل: كان.
(٣) استدركت على هامش م.
(٤) بالأصل: ((المهس)) وفي م: ((المهيت)) والصواب ما أثبت وقد مرّت صواباً في السطر السابق.

٢٢٥
عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد
العبّاس، أَنَا أَحْمَد بن معروف، أَنا الحُسَيْن بن الفهم، نَا مُحَمَّد بن سعد، أَنَا مُحَمَّد بن
عمر، نَا عَبْد اللّه بن مُصْعَب، نَا هشام بن عروة قَال: جلس ابن الزبير يوم الثلاثاء،
فتغامز به بعض من كان عنده بنعسته تلك، ففتح عينيه فقال: شيخ كبير قد عاش حتى
ملّ، اللّهمّ إذا قبضتُ رجلي فلا أبسطها وإذا بسطتها فلا أقبضها.
قال: وأنا مُحَمَّد بن عمر، نَا إسحاق بن عُبَيْد اللّه، عَن المنذر بن جهم
الأسلمي، قَال: رأيت ابن الزبير يوم قُتل وقد خذله من كان معه خذلاناً شديداً، وجعلوا
يخرجون إلى (١) الحَجّاج، وجعل الحجّاج يصيح: أيها الناس، على ما تقتلون أنفسكم،
من خرج إلينا فهو آمن، لكم عهد الله وميثاقه وفي حرم الله وأمنه، ورب هذه البنية لا
أغدر بكم، ولا لنا حاجة في دمائكم، قَال: فجعل الناس ينسلّون حتى خرج إلى الحَجّاج
من أصحاب ابن الزبير نحوٌ من عشرة آلاف، فلقد رأيته وما معه أحدٌ (٢).
أَنْبَانا أَبُو علي الحداد، أَنَا أَبُو نُعَيم (٣)، نَا سُلَيْمَان بن أَحْمَد(٤)، نَا زيد بن
المبارك، أَنا صاحب لنا، أخبرني إِبراهيم بن إسحاق بن أبي إسحاق، قَال: سمعت
إسحاق بن أبي إسحاق يقول: أَنا حاضرٌ قتل ابن الزبير يوم قتل في المسجد الحرام،
جعلت الجيوش تدخل من أبواب المسجد، فكلما دخل قومٌ من باب حمل عليهم وحده
حتى يُخرجهم، فبينا هو على تلك الحال إذ جاءت شرفة من شرفات المسجد فوقعت
على رأسه فصرعته وهو يتمثّل بهذه الأبيات يقول (٥):
أسماء يا أسماء لا تبكيني
لم يبق إلّ حسبي وديني
وصارمٌ لانتْ(٦) به يميني
أَخْبَرَنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عَبْد الباقي، أَنَا الحَسَن بن علي، أَنَا أَبُو(٧) عمر بن
(١) عن م وبالأصل: مع.
(٢) الخبر في سير الأعلام ٣/ ٣٧٧ وتاريخ الإسلام (٦١ - ٨٠ ص ٤٤٥).
(٣) الخبر في حلية الأولياء ٣٣٣/١ وسير الأعلام ٣٧٣/٣ وتاريخ الإسلام (٦١ - ٨٠ ص ٤٤٦).
(٤) في الحلية ورد بعدها: ثنا علي بن المبارك، ثنا زيد بن المبارك.
(٥) الرجز في حلية الأولياء ٣٣٣/١ وسير الأعلام ٣٧٧/٣ وتاريخ الإسلام (٦١ - ٨٠ ص ٤٤٦).
(٦) في سير الأعلام وتاريخ الإسلام: لاثت.
(٧) سقطت ((أبو)) من م.

٢٢٦
عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد
حيّوية، أَنَا أَحْمَد بن معروف، نا الحُسَيْن بن الفهم، نا مُحَمَّد بن سعد، أَنَا مُحَمَّد بن
عمر، حدَّثني فروة بن زبيد - وأصلحه ابن حيّوية: قرة، وهو خطأ - عَن عبّاس بن
سهل بن سعد قَال: سمعت ابن الزبير يقول: ما أراني اليوم إلّ مقتولاً، ولقد رأيت في
الليلة هذه كأن السماء فُرجت لي فدخلتها، فقد والله مللتُ الحياة وما فيها، ولقد قرأ في
الصبح يومئذ متمكناً: ((ن والقلم)) حرفاً حرفاً، وإنّ سيفه لمسلول إلى جنبه، وإنه ليتم
الركوع والسّجُود كهيئته قبل ذلك(١).
قال: وأنا مُحَمَّد بن عمر، حدَّثني عَبْد الملك بن وَهْب، عَن شيخ من أسلم قَال:
سمعت ابن الزبير يقول يوم قتل: والله لقد مَللتُ الحياة، ولقد جاوزت سن أبي هذه، لي
ثنتان وسبعون سنة، اللّهمَّ إني قد أحببتُ لقاءك فاحبب لقائي، وجاهدتُ فيك عدوّك
فأثبني ثواب المجاهدين، قَال: فقُتل ذلك اليوم.
قال: وأنا مُحَمَّد بن عمر، حذَّثني عَبْد الرَّحْمُن بن أَبي الزّناد، عَن مخرمة بن
سُليمَان الوالبي، قَال:
دخل عَبْد اللّه بن الزبير على أمّه حين رأى من الناس ما رأى من خِذْلانهم إيّه،
فقال: يا أمه، خذلني الناس حتى ولدي وأهلي، فلم يبق معي إلّ من ليس عنده من الدفع
أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطوني (٢) ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت أمّه: أنت
والله يا بنيّ أعلم بنفسك، إنْ كنتَ تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له، فقد قُتل عليه
أصحابك، ولا تمكّن(٣) من رقبتك، فيلعب بك غلمان بني أميّة، وإنْ كنتَ إنما أردت
الدنيا فبئس العبد أنتَ، أهلكتَ نفسك، وأهلكتَ من قتل معك، قَال: قد (٤) يا ابن
الزبير، فقبّل رأسها، فقال: هذا والله رأيي والذي، قمتُ به داعياً إلى يومي هذا، ما
ركنتُ إلى الدنيا، ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلّ الغضب لله،
ولكني (٥) أحببتُ أعلم رأيك فزدتني قوة وبصيرة مع بصيرتي، فانظري يا أمّه فإنّي مقتول
من يومي هذا، لا يشتد جزعك عليَّ، سلمي لأمر الله، فإنّ ابنك لم يتعمد إتيان منكر،
(١) تاريخ الإسلام (٦١ - ٨٠ ص ٤٤٦).
(٢) كذا بالأصل وم.
(٣) في م: يمكن.
(٤) كذا بالأصل وم.
(٥) كذا بالأصل وم.

٢٢٧
عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد
ولا عمل بفاحشة، ولم يَجُرْ في حكم، ولم يغدر في أمَان، ولم يتعمد ظلم مسلم، ولا
معاهد، ولم يبلغني عَن عمالي فرضیته بل أنكرته(١)، ولم یکن شيء آثر عندي من رضی
ربي، اللّهمَّ إنّي لا أقول هذا تزكية مني لنفسي أنت أعلم بي، ولكني أقوله تعزية (٢) أمي
لتسلو به عني، فقَالت لهُ أمّه: إنّي لأرجو أن يكون عزائي فيك حسناً إن تقدمتني وإن
تقدمتك، ففي نفسي حوجاء حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمْرك، قَال: جزاكِ الله يا أنَّه
خيراً، فلا تدعي الدعاء لي(٣) بعد قتلي، قَالت: لا أدعه، لست بتاركة ذلك أبداً، فمن
قُتل على باطل فقد قتلتَ على حق، وخرج.
وقَالت أمّه: اللّهمَّ ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النجيب والظمأ
في هواجر المدينة ومكة وبر بأبيه وبي، اللّهمَّ إنّ سلّمتُ فيه لأمرك، ورضيت فيه بما
قضيتَ، فأثبني في عَبْد اللّه ثواب الصَّابرين الشاكرين.
قال: وأنا مُحَمَّد بن عمر، نَا خالد بن إلياس، عَن أَبِي سَلَمة الحضرمي، قَال:
دخلت على أسماء ابنة أبي بكر يوم الثلاثاء وبين يديها كفن قد أعدته ونشرته،
وأجمرته(٤)، وأمرت جواري لها يقمنَ على أبواب المسجد، فإذا قُتْل عَبْد اللّه صُيّحن،
فرأيتهن قد قُتْل عَبْد اللّه صيحن، وأرسلت ليحمل عَبْد اللّه، فأتى الحجَّاج فجرّ رأسه
وبعث به إلى عَبْد الملك بن مروان وصلبَ جثته، فقَالت أسماء: قاتل الله المبير يحول
بيني وبين جثته أن أواريها، ثم ركبت دابّتها حتى وقفت عليه وهو مصلوب، فدعت له
طويلاً وما يقطر من عينها قطرة، ثم انصرفت وهي تقول: من قُتل على باطل فقد قتلتَ
على حق، وعلى أكرم قتلة ممتنع بسيفك، فلا تبعد(٥).
قال: وأنا مُحَمَّد بن عمر، حدَّثني عَبْد اللّه بن نافع، عَن أَبيه قَال: سمع ابن عمر
التكبير فيما بين المسجد إلى الحَجُون حين قتل ابن الزبير، فقَال ابن عمر: لَمَنْ کان کبّر
حين وُلد ابن الزبير أكبر وخيراً (٦) ممن كبر على قتله.
(١) من قوله: ولا عمل بفاحشة إلى هنا سقط من م.
(٢) عن م وبالأصل: تعرفه أمي.
(٣) لفظة ((لي)) سقطت من م.
(٤) أي بخرته بالطيب (انظر القاموس المحيط، تاج العروس بتحقيقنا ((جمر))).
(٥) التاء مهملة بدون نقط بالأصل وم.
(٦) كذا بالأصل وم.

٢٢٨
عبد الله بن الزبير بن العوّام بن خويلد بن أسد
قال: وأنا مُحَمَّد بن عمر، حذَّثني نافع بن ثابت، عَن عَبْد اللّه مولى أسماء قَال(١):
لما قُتل عَبْد اللّه خرجت إليه أمّه حتى وقفت عليه، وهي على دابة، فأقبل الحَجّاج في
أصحابه، فسأل عنها فأخبر بها، فأقبل حتى وقف عليها، فقال: كيف رأيتُ نصر الله
الحق، وأظهره؟ قَالت: وبما أديل الباطل على الحق وإِنك بين فرثها والجيّة، قَال: إن
ابنك ألحد في هذا البيت، وقَال الله: ﴿ومن يرد فيه بإلحادٍ بظلم نذقه من عذابٍ
أليم﴾ (٢) وقد أذاقه الله ذلك العذاب الأليم (٣)، قطع السبيل، قَالت: كذبتَ، كان أوّل
مولود ولد (٤) في الإسلام بالمدينة، وسرّ به رسول الله وَّر، وحنكه بيده، فكبّر
المسلمون يومئذ حتى ارتجّت المدينة فرحاً به، وقد فرحتَ أنت وأصحابك بمقتله، فمن
كان فرح يومئذ به(٥) خيراً منك ومن أصحابك، وكان مع ذلك براً بالوالدين، صوّاماً،
قوّاماً بكتاب الله عز وجل، معظّماً لحرم الله، يبغض أن يعصي الله، أشهد على
رسول الله وَّهُ لسمعته يقول: ((سيخرجُ من ثقيفٍ كذابان، الآخر منهما شرّ من الأول،
وهو مبير))، وهو أنت، فانكسر الحَجّاج وانصرف، وبلغ ذلك عَبْد الملك، فكتب إليه
يلومه في مخاطبته أسماء، وقَال: مالك ولابنة الرّجل الصالح [٥٩١٤].
قال: وأنا مُحَمَّد بن عمر، نَا شُرَحبيل بن أَبي عون، عَن أَبيه قَال:
كان عَبْد اللّه بن الزبير قد قشم جلده على عظمه، كان يصوم الدهر، فإذا أفطر،
أفطر على لبن الإبل، وكان يمكث الخمس والست لا يذهب لحاجته، وكان يشرب
المسك، وكان بين عينيه سجدة مثل مبرك البعير، فلما قتله الحَجّاج صلبه على الثنية
التي بالحَجُون يقَال له كَدَاء(٦)، فأرسلت أسماء إليه: قاتلك الله، علام تصلبه؟ فقال:
إنّي استبقت أَنا وابنك إلى هذه الخشبة، فكانت(٧) به، فأرسلت إليه تستأذنه في أن
(١) الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠ ص ٤٤٦) وسير أعلام النبلاء ٣٧٨/٣ وفيهما ((أكثر))
بدل من ((أکبر)».
(٢) سورة الحج، الآية: ٢٥.
(٣) في م: أليم.
(٤) سقطت اللفظة من م.
(٥) كذا بالأصل وم: ((خيراً)).
(٦) في م: ((كداً) وكداء موضع بأعلى مكة (ياقوت).
(٧) كذا بالأصل وم، وفي المطبوعة فراغ مقدار كلمة بعد لفظة فكانت، وفي مختصر ابن منظور ٢٠٠/١٢
«فكانت اللنحة به» ولا معنى لها .

٢٢٩
عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد
تکفنه، فأبى، وکتب إلى عَبْد الملك یخبره بما صنع، فكتب إليه عَبْد الملك يلومه فيما
صنع، ويقول: أَلَا خلّيت أمّه فوارته، فأذن لها الحجّاج، فوارته بالمقبرة بالحَجُون.
قال: وأنا مُحَمَّد بن عمر، نَارباح بن مسلم، عَن أَبيه قَال: لقد رأيتهم مرة ربطوا
هرة ميتة إلى جنبه، فكان ريح المسك يغلب على ريحها .
قال: وأنا مُحَمَّد بن عمر، نَا يَحْيَىُ بن عَبْد اللّه بن أَبي فروة، عَن أَبيه قَال: صلّى
علیه عروة بن الزبير، ودفنه بالحجُون، وأمّه يومئذ حيّة، ثم توفيت بعد ذلك بأشهر
بالمدينة .
أَنْبَأنا أَبُو علي الحداد، أَنَا مُحَمَّد بن عَبْد اللّه بن أَحْمَد بن رِيْذَةِ (١)، أَنَا
سُلَيْمَان بن أَحْمَد الطَبَراني، نَا علي بن المبارك، نَازيد بن المبارك(٢)، نَا عَبْد الملك بن
عَبْد الرَّحْمُنِ الذِّماري، نَا القاسم بن معن، عَن هشام بن عروة، عَن أَبيه قَال:
لما مات معاوية تثاقل عَبْد اللّه بن الزبير عَن طاعة يزيد بن معاوية، وأظهر شتمه،
فبلغ يزيد، فأقسم لا يؤتى به إلّ مغلولاً، وإلّ أرسل إليه، فقيل لابن الزبير: أَلَّ نضع(٣)
لك أغلالاً من فضة تلبس عليها الثوب وتبرّ(٤) قسمه، فالصلح أجمل بك، قَال: فلا أبرّ
والله قسمه، ثم قَال :
ولا ألين لغير الحقّ أسأله حتى يلين لضرس الماضغ الحجرُ
ثم قَال: والله لضربة بسيف في عزّ أحبّ إليّ من ضربةٍ بسوط في ذلّ، ثم دعا إلى
نفسه، وأظهر الخلاف ليزيد بن معاوية، فوجّه إليه يزيد بن معاوية مسلم بن عُقْبة المرّي (٥)
في جيش أهل الشام، وأمره بقتال أهل المدينة، فإذا فرغ من ذلك سار إلى مكة، قَال:
فدخل مسلم بن عقبة المدينة(٦) وهرب منه يومئذ بقايا أصحاب رسول الله وَيرٍ، وعبث
فيها، وأسرف في القتل، ثم خرج منها، فلما كان في بعض الطريق إلى مكة مات،
(١) بالأصل: ((ريده)) وفي م: ((زيد)) وكلاهما تحريف والصواب ما أثبت وضبط، وقد مرّ التعريف به.
(٢) قوله: ((نا زيد بن المبارك)) ليس في م. ووجوده ضروري، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٤٨٣/٦.
(٣) في م: نصنع.
(٤) عن م وبالأصل: ويبرّ.
(٥) بالأصل: ((المزني)) خطأ والصواب ما أثبت، انظر تاريخ خليفة ص ١٩٥ و ٢٣٧ وسقطت اللفظة من م.
(٦) من قوله المري إلى هنا سقط من م.

٢٣٠
عبد الله بن الزبير بن العوّام بن خويلد بن أسد
واستخلف حُصَين بن نُمَير الكِنْدي، فقال له: يا ابن بردعة (١) الحمار احذر خدائع
قريش ولا تعاملهم إلّ بالثقاف، ثم القطاف، فمضى حُصَين بن نُمَير حتى ورد مكة،
فقاتل بها ابن الزبير أياماً، وضرب ابن الزبير فسطاطاً في المسجد، فكان فيه نساء يسقين
الجرحى ويداوينهم، ويطعمن الجائع ويكتمن إليهن المجروح، فقَال حُصَين: ما يزال
يخرج علينا من ذلك الفسطاط أسدٌ كأنما يخرج من عرينه، فمن يكفينيه؟ فقال رجل من
أهل الشام: أَنا، فلما جنّ الليل وضع شمعة في طرف رمحه ثم ضرب فرسه، ثم طعن
الفسطاط فالتهب ناراً، والكعبة يومئذ مؤزّرة بالطنافس، وفي أعلاها(٢) الحَبِرة(٣)،
فطارت الريح باللّهب على الكعبة حتى أحرقت، واحترق فيها يومئذ قرنا الكبش الذي
غُدي به إسحاق.
قَال: وبلغ حُصَين بن نُمَير موت يزيد بن معاوية فِهْرب حُصَين بن نُمَير، فلما
مات يزيد بن معاوية دعا مروان بن الحكم إلى نفسه، فأجابه أهل حمص، وأهل
الأردن، وفلسطين، فوجه إليه ابنُ الزبير الضّحّاكَ بن قيس الفِهْري في مائة ألف، فالتفوا
بمرج راهط ومروان يومئذ في خمسة آلاف من بني أميّة ومواليهم وأتباعهم من أهل
الشام، فقَال مروان لمولّى له يقال له كرة: احمل على أيّ الطرفين شئتَ، فقال: كيف
أحمل على هؤلاء لكثرتهم، قَال: هم من بين مكره ومستأجرٍ، احمل عليهم لا أم لك،
فيكفيك الطعان (٤) الماضغ الجندلي(٥) هم يكفونك أنفسهم، إنّما هو عُبَيْد الدينار
والدرهم، فحمل عليهم فهزمهم، وقتل الضّحّاك بن قيس، وانصدع الجيش، ففي ذلك
يقول زُفَر بن الحارث(٦):
لمروانَ (٧) صدعاً بيّنا متنائياً
لعمري لقد أبقتْ وقيعةُ راهطٍ
أرى الحربّ لا يزداد إلّ تماديًا
أبيني (٨) سلاحي لا أبا لك إنني
(١) في م: برذعة .
(٢) عن مختصر ابن منظور وبالأصل وم: أعلاهما.
(٣) بالأصل وم: ((الحيرة)) والصواب عن مختصر ابن منظور ٢٠١/١٢ .
(٤) عن م وبالأصل: الطاعن.
(٥) كذا بالأصل وم، وفي مختصر ابن منظور ١٢/ ٢٠١ الجندل.
(٦) الأبيات في تاريخ الطبري ٥٤١/٥ والأغاني ١٩/ ١٩٧ ضمن أخبار عويف القوافي.
(٧) الطبري: لحسان.
(٨) الطبري: أربني.

٢٣١
عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد
وتبقى خزازات(١) النُّفُوس كسا هيا
وقد ينبت المرعى على دِمَن الثَرَى
وفيه يقول أيضاً(٢):
فيحيا واما ابن الزُبير فيُفعلُ.
أفي الحقّ أما بَحْدَل وابن بَحْدَل
ولمّا يكن يومٌ أغرّ محجل
كذبتُمْ وبيت الله لا تقتلونه
شعاع كنورِ الشمس حين تعرجّل
ولمّا يكن للمشرفية فيكمُ
قَال: ثم مات مروان، فدعا عبد الملك إلى نفسه، وقام، فأجابه أهل الشام،
فخطب على المنبر وقَال: مَنْ لابنِ الزبير منكم؟ فقَال الحجّاج: أَنَا يا أمير المؤمنين،
فأسكته، ثم عاد، فأسكته، فقال: أَنا يا أمير المؤمنين، فإنّي رأيتُ في النوم أنّي انتزعت
جُبّته فلبستها، فعقد له في الجيش إلى مكة حتى وردوها على ابن الزبير، فقاتله بها،
فقَال ابنُ الزبير لأهل مكة: احفظوا هذين الجبلين، فإنكم لن تزالوا بخير أعزة ما لم
يظهروا عليهما (٣) ، قَال: فلم يلبثوا أن ظهر الحَجّاج ومن معه على أَبِي قُبيس، ونصب
عليه المنجنيق، فكان يرى به ابن الزبير ومن معه في المسجد، فلما كان الغداة التي قُتل
فيها ابن الزبير، ودخل ابن الزبير على أمّه أسماء بنت أبي بكر، وهي يومئذ بنت مائة
سنة، لم يسقط لها سن، ولم يفسد لها بصر، فقَالت لابنها: يا عَبْد اللّه ما فعلت في
حربكَ؟ قَال: بلغوا مكان كذا وكذا، قَال: وضحك ابن الزبير، فقال: إنّ في الموت
راحة، فقَالت: يا بنيّ لعلك تتمناهُ لي ما أحبّ أن أموتَ حتى آتي على أحد طرفيك، إمّا
أن تملك فتقر بذلك عيني، وإمَّا أن تقتل فاحتسبك، قَال: ثم ودّعها، فقالت له: يا بني
إياك أن تعطي خصلة من دينك مخافة القتل، وخرج عنها، فدخل المسجد، وقد جعل
بيضة على الحجر الأسود يتقي أن يصيبه المنجنيق، وأتى ابنُ الزبير آتٍ وهو جالسٌ عند
الحجر، فقال له: أَلَا نفتح (٤) لك الكعبة فتصعد فيها، فنظر إليه عَبْد اللّه ثم قَال: من كلّ
شيء تحفظ أخاك إلّ من نفسه - يعني من أجله - وهل للكعبة حرمة ليست لهذا المكان،
والله لو وجدوكم متعلقين بأستار الكعبة لقتلوكم، فقيل له: أَلّ نكلمهم في الصلح؟
(١) بالأصل: ((وقد تنبت ... خرافات النفوس)) والمثبت عن م ومثله في الطبري والأغاني.
(٢) مرّت الأبيات قريباً في أثناء الترجمة.
(٣) في م: عليها.
(٤) عن م وبالأصل: يفتح.

٢٣٢
عبد الله بن الزبير بن العوّام بن خويلد بن أسد
فقال: أَوَ حين صلح هذا؟ والله لو وجدوكم في جوفها لذبحوكم جميعاً، ثم أنشأ
يقول (١):
ولا مرتقِ (٢) من خشية الموت سُلّما
ولست بمبتاع الحياةِ بسبّةٍ
ملاقي المنايا أيّ صرف تيمّمَا
أنافس سهماً إنّه غيرُ بارحٍ
ثم أقبل على آل الزبیر یعظهم ویقول: لیکن أحدكم سیفه کما یکن وجهه، لا ینکسر
سيفه فيدفع عَن نفسه بيده كأنه امرأة، والله ما لقيتُ زحفاً قط إلّ في الرعيل الأول، وما
ألمت جرحاً قط إلاّ أن ألم الدواء قَال: فبينما هم كذلك، إذ دخل عليهم نفر من باب بني
جُمَح فيهم أسود فقال: من هؤلاء؟ قيل: أهل حمص، فحمل ومعه شَيْبَان فأول من لقيه
الأسود، فضربه بسيفه حتى أطنّ(٣) رجله فقال له الأسود: أخ يا ابن الزانية، فقال له ابن
الزبير: اخسَ يا ابن حام، أسماء زانية، ثم أخرجهم من المسجد وانصرف، فإذا بقوم قد
دخلوا من باب بني سهم، فقال: من هؤلاء؟ فقيل: أهل الأردن، فحمل عليهم وهو يقول:
لا عهد لي بغارةٍ مثل السَّيلْ لا ينجلي غبارها حتى الليلْ
قَال: فأخرجهم من المسجد، فإذا بقوم قد دخلوا من باب بني مخزوم، فحمل
عليهم وهو يقول :
لو كان قرني واحداً كفيته
قَال: وعلى ظهر المسجد من أعوانه من يرمي عدوه بالآجر وغيره، فحمل عليهم،
فأصَابته آجرة في مفرقه حتى فلقت رأسه، فوقف قائماً وهو يقول:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومُنا ولكن على أقدامنا تقطر الدّما
قال: ثم وقع، فأکبّ عليه مولیان له وهما يقولان:
العبد يحمي ربّه ويحتمي
قَال: ثم سُيّر إليه فخُزَّ رَأسه.
أَخْبَرَنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الباقي، أَنَا الحَسَن بن علي، أَنَا أَبُو عمر بن حيّوية،
(١) البيت الأول في الوافي بالوفيات ١٧٦/١٧ ونسبه بحاشيته للحصين بن حمام المري.
(٢) بالأصل وم: مرتقى، والمثبت عن الوافي.
(٣) أطن رجله أي قطعها بسرعة (انظر تاج العروس بتحقيقنا (طنن))).

٢٣٣
عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد
أَنَا أَحْمَد بن معروف، نَا الحُسَيْن بن الفهم، نَا مُحَمَّد بن سعد، أَنَا مُحَمَّد بن عمر، نَا
مُصْعَب بن ثابت، عَن أَبي الأسود، عَن عباد بن عَبْد اللّه بن الزبير.
قَال: ونا شُرَحبيل بن أَبي عون عَن أَبيه، وكان عالماً بأمر ابن الزبير.
قال: ونا عَبْد الرَّحْمُن بن أَبي الزِّناد، عَن هشام بن عروة، عَن أَبيه .
قال: ونا عَبْد اللّه بن جعفر، عن ابن عون مولى عَبْد الرَّحْمُن بن مِسْوَر.
قَال: ونا موسى بن(١) يعقوب بن عَبْد اللّه بن وَهْب بن زَمعة، عَن عمه أَبي
الحارث بن عَبْد اللّه .
قال: ونا عَبْد اللّه بن جعفر عَن أم بكر بنت المِسْوَر.
قَال: وغير هؤلاء أيضاً قد حدَّثني، وكتبت كلّ ما حدَّثوني به في مقتل عَبْد اللّه بن
الزبير، قَالُوا:
لما قتل عَبْد الملك بن مروان مُصْعَب بن الزبير بعث الحَجّاجَ بن يوسف إلى
عَبْد اللّه بن الزبير بمكة في ألفين من جند أهل الشام، فأقبل حتى نزل الطائف، فكان
يبعث البعوث إلى عرفة، ويبعث ابن الزبير بعثاً يطيقون(٢)، فيهزم خيل ابن الزبير،
ويرجع خيل الحَجّاج إلى الطائف، فكتب ٣) الحَجّاج إلى عَبْد الملك في دخول الحرم
ومحاصرة ابن الزبير، وأن يمدّه برجالٍ، فأجابه عَبْد الملك إلى ذلك، وكتب إلى
طارق بن عمرو يأمره أن يلحقَ بالحَجّاج، فسار طارق في أصحابه وهم خمسة آلاف،
فلحق بالحجاج، فنزل الحجاج من الطائف فحصر ابن الزبير في المسجد، وحجّ بالناس
الحَجّاجُ سنة اثنتين وسبعين، وابن الزُبير محصور، ثم صدر الحَجّاج وطارق حين فرغا
من الحجّ فنزلا بئر مَيْمُون (٤)، ولم يطوف بالبيت، ولم يقربا النساء ولا الطَّيّب إلى (٥) أن
قتل ابن الزبير، فطافا بالبيت وذبحا جُزُراً وحصرا(٦) ابن الزبير ليلة هلال ذي القعدة سنة
(١) سقطت ((بن)) من الأصل وم.
(٢) كذا بالأصل، وفي المطبوعة: يطوفون.
(٣) من قوله: فكان يبعث إلى هنا سقط من م.
(٤) بثر ميمون أحد آبار مكة (انظر ياقوت).
(٥) من قوله: ثم صدر الحجاج إلى هنا سقط من م.
(٦) عن م وبالأصل: وحصر.

٢٣٤
عبد الله بن الزبير بن العوّام بن خويلد بن أسد
اثنتين وسبعين ستة أشهر وسبع عشرة ليلة، وقتل(١) يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من
جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وقدم على ابن الزبير حُبْشان من أرض الحبشة يرمون
بالمزاريق، فقدمهم لأهل الشام، فجعلوا يرمون بمزاريقهم، فلا يقع لهم مزراق إلّ في
إنسان، فقتلوا من أهل الشام قتلى كثيرة، ثم حمل عليهم أهل(٢) الشام حملة واحدة،
فانكشفوا، وكان ابن الزبير يقدم أصحاب النكاية(٣) بالسيوف، ويتقدم هو ما يستفزه
صياحهم، وكان معه قوم من أهل مصر، فقاتلوا معه قتالاً شديداً، وكانوا خوارج حتى
ذكروا عثمان فتبرءوا منه، فبلغ ابن الزبير فناكرهم، وقَال: ما (٤) بيني وبين الناس إلّ
باب عثمان، فانصرفوا عنه، ونصب الحَجّاج المنجنيق يرمي بها أحثّ الرمي، وألحّ
عليهم بالقتال من كل وجه، وحبس عنهم الميرة، وحصرهم أشدّ الحصار، حتى جُهدَ
أصحابُ ابن الزبير وأصابتهم مجاعة شديدة.
وكان ابن الزبير قد وضع في كلّ موضع يخاف منه مسلحة، فكانت مسالحه كثيرة
يطوف عليها أهل البيات (٥) من أصحابه، وهم على ذلك مبلوغين من الجوع، ما يقدر
الرجل يقاتل ولا يحمل السلاح كما يريد من الضعف، وكانوا يستعينون بزمزم فيشربون
منها فيعصمهم وجعلت الحجارة من المنجنيق يرمي بها الكعبة حتى يؤثر فيها كأنها
جنوب الشتاء (٦) ، ويرمي بالمنجنيق من أَبي قُبيس فتمرّ الحجارة وابن الزبير يصلي عند
المقام كأنه شجرة قائمة، ما ينثني، تهوي الحجارة ململمة ملس كأنها خرطت وما يصيبه
منها شيء ولا سحالها (٧) ولا يفزع لها.
وحشر (٨) الحجاج أهل الشام يوماً وخطبهم وأمرهم بالطاعة وأن يرى أثرهم
اليوم، فإنّ الأمر قد اقترب، فاقبلوا ولهم زَجَلٌ (٩) وفرح، وسمعت ذلك أسماء بنت أَبي
(١) بالأصل وم: وقيل.
(٢) عن م، سقطت من الأصل.
(٣) في م: الكناية.
(٤) سقطت من م، ووهم محقق المطبوعة حيث أثبت بالحاشية أن اللفظة ((سقطت من الأصول)).
(٥) بالأصل وم: النيات، والمثبت عن المطبوعة.
(٦) كذا بالأصل وم.
(٧) كذا بالأصل وم.
(٨) بالأصل وم: ((وحسر)) خطأ والصواب عن مختصر ابن منظور ٢٠٤/١٢.
(٩) بالأصل وم: ((رجل)) خطأ والصواب ما أثبت عن مختصر ابن منظور ٢٠٤/١٢.

٢٣٥
عبد الله بن الزبير بن العوّام بن خويلد بن أسد
بكر الصّدّيق أم عَبْد اللّه بن الزبير، فقَالت لعَبْد اللّه مولاها: اذهب فانظر ما فعل الناس،
إنّ هذا اليوم يومٌ عصيبٌ، اللّهمَّ أَمضٍ ابني على بيّنة، فذهب عَبْد اللّه ثم رجع، فقال:
رأيت أهل الشام قد أخذوا بأبواب المسجد، وهم من الأبواب إلى الحَجُون، فخرج أمير
المؤمنین یخطر بسيفه وهو يقول :
إنّي إذا أعرف يومي أصبرْ إذْ بعضهم يعرف ثم يُنْكِزْ
فدفعهم دفعة تراكموا منها، فوقعوا على وجوههم وأكثر فيهم القتل ثم رجع إلى
موضعه، قَالت: من رأيتَ معه؟ قَال: معه أهل بيته، ونفر قليل، قَالت أمّه: خذلوه،
وأحبُّوا الحياة، ولم ينظروا لدينهم ولا لأحسابهم، ثم قامت تصلي وتدعو وتقول: اللّهمَّ
إنّ عَبْد اللّه بن الزبير كان معظِّماً لحرمتك، كريه إليه أن تعصى، وقد جاهد فيك
أعداءك، وبذل مهجة نفسه رجاء ثوابك، اللّهمَّ فلا تخيبه، اللّهمَّ ارحم ذلك السجود
والنحيب والظمأ في تلك الهواجر، اللّهمَّ لا أقوله تزكية، ولكن الذي أعلم وأنت أعلم
به، اللّهمَّ وكان براً بالوالدين، قَال: ثم جاء عَبْد اللّه بن الزبير فدخل على أمّه وعليه
الدرع والمِغْفَر، فدخل عليها، فسلّم، ثم دنا فتناول يدها فقبّلها وودعها، فقالت: هذا
وداع فلا تبعد إلّ من النار، قَال ابن الزبير: نعم، جئتُ مودعاً لك، إني لأرى هذا آخر
يوم من الدنيا يمرّ بي، واعلمي يا أمه أنّي إنْ قُتلت فإنّما أَنا لحم لا يضرني ما صُنع بي،
قَالت: صدقتَ، فامضٍ على بصيرتك، ولا تُمَكّن ابن أبي عقيل منك، فادن مني
أودّعك، فدنا منها، فعانقها، فمسّت الدرع، فقَالت: ما هذا؟ أصنيع من يريد ما تريد،
فقال: ما لبست الدرع إلّ لأشد منك، قَالت: فإنه لا يشدّ مني بل يخالفني، فنزعها ثم
أدرج كمّه وشدّ أسفل قميصه وجبّة خزّ تحت القميص، وأدخل أسفلها في المنطقة، وأمّه
تقول: البس ثيابك مشمرة، قَال: بلى هي على عهدك، قَالت: ثبّتك الله، فانصرف من
عندها وهو يقول:
إذ بعضهم يعرف ثم يُتْكِزْ
إنّي إذا عرف يومي أصبر
ففهمت قوله، فقَالت: تصبر، والله إن شاء الله، أليس أبوك الزبير؟ قَال: ثم
لاقاهم، فحمل عليهم حملة هزمهم، حتى أوقفهم خارجاً من الباب، ثم حمل عليه أهل
حمص، فحمل عليهم فمثل ذلك.
قال: وأنا ابن سعد، أَنا موسى بن إِسْمَاعيل، أَنا صالح بن الوليد الرياحي،

٢٣٦
عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد
أخبرتني جدتي ريطة بنت عَبْد اللّه الرياحية، قَالت:
كنتُ عند أسماء إذْ جاء ابنها عَبْد اللّه، فقال: إنّ هذا الرجل قد نزل بنا، وهو رجلٌ
من تَقيف يسمى الحجّاج في أربعين ألفاً من أهل الشام، وقد نالنا نَبلهم ونشابهم، وقد
أرسل إليَّ يخيّرني(١) بين ثلاث: بين أن أهرب في الأرض، فأذهب حيث شئتُ، وبين
أن أضع يدي في يده فيبعث بي إلى الشام موقراً حديداً، وبين أن أقاتل حتى أُقتل،
قَالْت: أي بني عشْ كريماً، ومُتْ كريماً، فإنّي سمعت النبي(٢) وَّ يقول: ((إن من ثقيف
مُبيراً وكذّاباً))، قَالت: فذهب، فاستند إلى الكعبة حتى قُتل [٥٩١٥].
قال: وأنا مُحَمَّد بن سعد، أَنَا مُحَمَّد بن عمر، نَا عَبْد اللّه بن مُصْعَب، عَن
هشام بن عروة، قَال: جاء رجل إلى ابن الزبير يوم الثلاثاء فحذّره الكمين، فقَال ابن
الزبير:
إِنْ يأخذوا سَلَبي غصباً وإِنْ كثروا ما لم أكن نائماً أو لمْ يَغُرُّوني
قَال: وجاء عُمَارة بن عمرو بن حَزْم، فقال: لو ركبتَ رواحلك فنزلت برمل
الحرل(٣)، فقال ابن الزبير: فما فعلت القتلى بالحَرَم، والله لئن كنت أوردتهم ثم فررتُ
عنهم لبئس الشيخ أَنا في الإسلام.
قال: وأنا مُحَمَّد بن سعد، حذَّثني مُصْعَب بن ثابت، عَن نافع مولى بني أسد
قَال: لما كان ليلة الثلاثاء قَال الحجاج لأصحابه: والله إني أخاف أن يهربَ ابن الزبير،
فإنْ هرب فما عُذرنا عند خليفتنا، فبلغ ابن الزبير قوله، فتضاحك وقال: إنّه والله ظن بي
ظنه بنفسه، إنه فرّار في المواطن، وأبوه قبله .
قال: وأنا مُحَمَّد بن عمر، حذَّثني عَبْدُ اللّه بن مُصْعَب، عَن هشام بن عروة،
قَال: لما أصبحوا يوم الثلاثاء غدا ابنُ الزبير ومعه نحوٌ من ثلاثمائة، وقَال: استأخروا
عني لا يقولون أخذ حمى ظهره، فتنحى عنه الناس، ثم حمل على باب من تلك الأبواب
فهزمهم حتى خرجوا إلى الأبطح وهو يرتجز:
(١) تقرأ بالأصل: ((يخبرني)) وفي م: ((يخير من بين)).
(٢) في م: رسول الله.
(٣) كذا بالأصل وم، ولم أعثر على هذا الموضع، وفي مختصر ابن منظور: ((برمل الحرك)) قال عنه ياقوت
إنه موضع، ولم یحدده.

٢٣٧
عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد
قد سنّ أصحابك ضربَ الأعناقْ
وقامت الحرب بنا على ساقْ
صبراً عقاق انه شرّ باقْ
صبر (١) بنيّ إنه العناق
قَال: وأنا مُحَمَّد بن عمر، نَا مُصْعَب بن ثابت، عَن نافع مولى بني أسد قَال(٢):
رأيت الأبواب قد شُحنت من أهل الشام يوم الثلاثاء، وأسلم أصحاب ابن الزبير
والمحاربين(٣) وكثرهم القوم، وأقاموا على كل باب قائداً ورجالاً، وأهل بلد، وكان
لأهل حمص الباب الذي يواجه الباب - باب الكعبة - ولأهل دمشق باب بني شَيبة،
ولأهل الأردن باب الصفا، ولأهل فلسطين باب بني جُمَح، ولأهل قِنَّسرين باب بني
سَهْم، وكان الحجاج وطارق جميعاً في ناحية الأبطح إلى المروة، فمرة يحمل ابن الزبير
في هذه الناحية، ومرة في هذه الناحية، ولكأنه أسدٌ في أجمةٍ، ما تقدم عليه الرجال
فغدوا في آثارهم حتى يخرجهم وهو يرتجز :
إنّي إذا أعرف يومي أصبرْ وإنّما يعرف يومه(٤) الحُرّ
ثم يصيح: أبا صَفْوَان(٥)، ویل أمه فتح(٦) لو كان له رجال.
لو كان قِرْني واحداً كَفَيْئُه
قَال ابن صَفْوَان: إي والله وألف.
قال: وأنا مُحَمَّد بن عمر، نَا شُرَحبيل بن أَبي عون، عَن أَبيه، قَال: سمعت ابن
الزبير يقول لأصحابه: انظروا كيف تضربون بسيوفكم، وليصُنِ الرجلَ سيفه كما يصونُ
وجهه، فإنه قبيح بالرجل أن يخطىء مضرب سيفه، فكنت أرمقه إذا ضرب، فما يُخطىء
مضرباً واحداً شبراً من ذباب السيف أو نحوه، ولقد رأيته ضرب رجلاً من أهل الشام
(١) كذا بالأصل وم.
(٢) الخبر في تاريخ الطبري ٦/ ١٩٠ (حوادث سنة ٧٣).
(٣) في الطبري: ((المحارس)) وهو أشبه بالصواب.
(٤) في الطبري: يوميه.
(٥) كنية عبد اللّه بن صفوان بن أمية الجمحي، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ٤/ ١٥٠.
(٦) كذا بالأصل وم، وفي الطبري: فتحا.

٢٣٨
عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد
ضربة أبدى سحرة وهو يقول: خذها وأنا ابن الجواري، فلما كان يوم الثلاثاء قام بين
الركن والمقام فقاتلهم أشد القتال، وجعل الحجّاج یصیح بأصحابه : یا أهل الشام، یا
أهل الشام، الله الله في طاعة إمامكم، فيشدّون الشدّة الواحدة جميعاً حتى يقَال: قد
اشتملوا عليه، فيشد عليهم حتى يفرجهم، ويبلغ بهم باب بني شيبة، ثم يكرّ ويكرّون
عليه، وليس معه أعوان، فعل ذلك مراراً حتى جاءه حجر عائر (١) من ورائه، فأصابه
فوقع في قفاه فَوَقَذه(٢)، فارتعش ساعة ثم وقع لوجهه، ثم انتهض فلم يقدر على القيام،
وابتدره الناس، وشدّ عليه رجل من أهل الشام، وقد ارتعش ابن الزبير، فهو متكىء على
مرفقه الأيسر، فضرب الرّجُل بالسيف وجعل يضربه، وما يقدر ينهض، حتى كثروه،
فذفّفوا(٣) عليه، ولقد كان يقاتل وإنه لمطروح يخذم بالسيف كلّ من دنا منه، فصاحت
امرأة من الدار: وأمير المؤمنيناه، فابتدره الناس، فكثروه، فقتلوه، رحمه الله ورضوانه
عليه .
قال: وأنا مُحَمَّد بن عمر، نَا رباح (٤) بن مسلم، عَن أَبيه قَال: سمعت ابن
الزبير يوم الثلاثاء وهو يحمل على أهل حمص وهم كانوا أشد الأجناد، فأخرجهم من
المسجد ولقد رأيتهم وحضّهم رجل منهم فأقبلوا جميعاً قد شرعوا الرماح، فأقبل إليهم
ابن الزبير وهو يرتجز :
لو كان قرني واحداً كفيته
ثم حمل عليهم فانفضّوا أوْزاعاً .
قال: وأنا مُحَمَّد بن عمر، حذَّثني عَبْد الرَّحْمُن بن أبي الزّناد وعَبْد اللّه بن
مُصْعَب، عَن أَبي المنذر هشام بن عروة.
قَال: ونا نافع بن ثابت، عَن نافع مولى بني أسد، قَالا(٥):
لما كان يوم الثلاثاء أخذ الحَجّاج بالأبواب على ابن الزبير، وبات ابنُ الزبير يصلّي
عامة الليل في المسجد الحرام، ثم احتبى بحمائل سيفه، فأغفى، ثم انتبه بالفجر،
(١) حجر عائر: أي لا يدري من رماه (انظر اللسان: عور).
(٢) وقذه: ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت (اللسان: وقذ).
(٣) أي: أجهزوا عليه.
(٤) ، كذا بالأصل وم.
(٥) الخبر في تاريخ الطبري ١٩١/٦.

٢٣٩
عبد الله بن الزبير بن العوّام بن خويلد بن أسد
فقَال: أذّن يا سعد(١)، فأذن عند المقام، ثم توضّأ ابنُ الزبير وركع ركعتي الفجر، ثم أقام
المؤذن، وتقدم فصلّى بأصحابه فقرأ: ((ن والقلم))(٢) حرفاً حرفاً، ثم سَلّم فقام،
فحمد الله وأثنى عليه ثم قَال: اكشفوا وجوهكم حتى أنظر، - وعليهم المَغَافر والعمائم،
فكشفوا وجوههم فقال: يا آل الزبير، لو طبتم لي نَفْساً عَن أنفسكم كنا أهل بيتٍ من
العرب اصطُلمنا لم يصبنا زبّاء بّة(٣)، أما بعد يا آل الزبير، فلا يروّعنكم وقع السيوف
فإني لم أحضر موطناً قط إلّ ارتُثنت فيه بين القتلى، ولما أجد من دواء جراحها أشدّ مما
أجد من ألم وقعها، صونوا سيوفكم كما تصُونون وجوهكم، لا أعلمن (٤) امرأً كسر سيفه
واستبقى نفسه، فإنّ الرجلَ إذا ذهب سلاحه فهو كالمرأة أعزل، غُضّوا أبصاركم عَن
البارقة، وليشغلْ كلّ امرىءٍ منكم قِرنه، ولا يلهينكم السوأل(٥) .... الزعفراني، نَا،
وأَخْبَرَنَا أَبُو طالب علي بن عَبْد الرَّحْمُن بن أَبِي عقيل، أَنَا أَبُو الحَسَن علي بن
الحَسَن الخِلَعي، أَنَا أَبُو مُحَمَّد بن النحاس، نَا أَبُو سعيد بن الأعرابي، نَا الزَغْفَراني، نَا
عَبْد الوهّاب بن عطاء، عَن زياد الجَصّاص، عَن علي بن زيد، عَن مجاهد، قَال: قَال
ابن عمر - زاد ابن أبي عقيل: لغلامه - وقالا : - انظر المكان الذي به(٦) - وفي حديث ابن
أَبي عقيل : به ابن الزبير - مصلوب، فلا تمرّ بي عليه، فسها الغلام، فرفع ابن عمر
رأسه، فإذا هو - زاد ابن أبي عقيل: به - وقالا: مصلوب، فقال: يغفر الله لك - زاد ابن
أَبي عقيل: ثلاثاً - أما والله ما علمتك إلّ - زاد ابن أبي عقيل: كنت - وقالاً _(٧) صوّاماً،
وَصولاً للرحم، والله إنّي لأرجو مع مساوىء ما أصبتَ، أن لا يعذبك الله بعدها أبداً، ثم
التفت إليّ فقَال: حدَّثني أَبُو بكر الصِّدِّيق أن رسول الله وَ لَه قَال: ((من يعمل سُوءاً يُجز به
في الدنيا)»(٨) [٥٩١٦].
(١) في الطبري: سعيد.
(٢) في م: نون والقلم.
(٣) بالأصل وم: ((رياسه)) كذا وفي المطبوعة: ((رئاسة)) والمثبت عن تاريخ الطبري.
(٤) في م: لا أعلمن أميراً.
(٥) بياض بالأصل مقداره صفحتين، ولم يبن في م أي فراغ والكلام متصل. وانظر تتمة الخبر في تاريخ
الطبري.
(٦) سقطت من م.
(٧) سقطت ((وقالا)) من م.
(٨) الخبر نقله الذهبي في سير أعلام النبلاء ٣٧٨/٣ من طريق زياد الجصاص، وفي تاريخ الإسلام (٦١ -
٨٠ ص ٤٤٧) من طريق عبد الوهّاب بن عطاء، وانظر تخريجه فيهما.

٢٤٠
عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد
أَخْبَرَنَا أَبُو الحَسَن كافور بن عَبْد اللّه الليثي، أَنا أَبُو عَبْد اللّه مالك بن أَحْمَد بن
علي المالكي، نَا أَبُو الحُسَيْن علي بن مُحَمَّد بن عَبْد اللّه بن بِشْرَان المُعَدّل - إملاء - أَنَا
أَبُو جعفر مُحَمَّد بن عمرو بن البُخْتَري، نَا أَحْمَد بن الوليد الفحام، ومُحَمَّد بن
عُبَيْد اللّه بن يزيد، قَالا: نا عَبْد الوهّاب بن عطاء، أَنا زياد بن الجَصّاص عَن علي بن
زيد، عَن مجاهد: أن ابن عمر مرّ بابن الزبير فقَال: يغفر الله لك، يغفر الله لك، يغفر الله
لك، ما علمتُ إلّ أنك كنت صَوّاماً وَصُولاً لرحمك.
أَخْبَرَنَا أَبُو حفص عمر بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن مُحَمَّد الفَرْغُولي(١) - بمرو - أَنَا
أَبُو عمرو عثمان بن مُحَمَّد بن عُبَيْد اللّه المَحْمِي، أَنَا أَبُو الحَسَن مُحَمَّد بن الحُسَيْن بن
علي بن داود العلوي، نَا أَبُو الأحرز مُحَمَّد بن عمر الأَزْدي، نَا مُحَمَّد بن يونس
القُرشي، نَا عَبْد الرحيم بن سُليم بن حَيّان، حدَّثني أَبِي عَن أَبيه، قَال: صحبت ابن عمر
من مكّة إلى المدينة، فقَال لي ولنافع: لا تمرا بي على (٢) هذا المصلوب - يعني
عَبْد اللّه بن الزبير - قَال: فما فجئه في جوف الليل أن صَدم عينيه جذعه، قَال: فجلس
يمسح عينيه، ثم قَال: رحمك الله أبا خُبَيب إنْ كنتَ وكنتَ، ولقد سمعت أباك الزبير بن
العوَّام يقول: قَال رسول الله وَّر: ((من يعمل سوءاً يُجز به في الدنيا أو في الآخرة))، فإنْ
يك هذا بذاك، فهَهْ فھَهْ مرتین.
قال الحاكم أَبُو عَبْد اللّه.
سليم من ثقات البصريين الذين يعز حديثهم، ولا أعرف له عَن أَبيه غير هذا، وأمّا
عَبْد الرحيم فلم أسمع بذكره إلّ في هذا الحديث.
كذا قَالَ: عَبْد الرحيم، وسمّاهُ غيره: عَبْد الرَّحْمُن.
أَخْبَرَنَاهُ أَبُو مُحَمَّد الحَسَن بن أَبي (٣) بكر بن أبي الرضا، أَنَا أَبُو عاصم الفُضَيل بن
(١) بالأصل: ((الفرعوني)) وفي م: ((الفرعوس)) وكلاهما تحريف والصواب ما أثبت عن مشيخة ابن عساكر
والأنساب.
والفرغولي بفتح الفاء وسكون الراء وضم الغين المعجمة نسبة إلى فرغول قال السمعاني وظني أنها من
قری دهستان.
ذكره السمعاني وترجم له. توفي سنة ٥٣٨ بمرو. (كما في معجم البلدان: فرغول).
(٢) في م: لا تمر علي.
(٣) سقطت ((أبي)) من م.