النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
اشعث بن قیس، أبو محمد الکندي
الحسين بن بشران، أنا عثمان بن عبد اللّه، نا حنبل بن إسحاق، قال: سمعت أبا نُعيم
قال: کنیة الأشعث بن قیس أبو محمد.
أخْبَرَذا أبو البركات الأنماطي، أنا أحمَد بن الحسن بن خَيْرُون، أنا أبو القاسم بن
بشران، أنا أبو علي بن الصَّوَّاف، نا أبو جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: قال عمي
أبو بكر: الأشعث بن قیس أبو محمد.
أخْبَرَنا أبو بكر الشِّقَّاني، نا أحمَد بن منصور بن خلف، أنا أبو سعيد بن حَمْدون،
أنا مكي بن عبدان، قال: سمعت مسلم بن الحجاج يقول(١): أبو محمد الأشعث بن قيس
الكندي له صحبة.
قرأت على أبي الفضل بن ناصر، عن أبي الفضل التّميمي، أنا أبو نصر الوائلي، أنا
الخَصيب بن عبد اللّه، أنا موسى بن أبي عبد الرَّحمن النسائي، قال: سمعت أبي يقول:
أبو محمد الأشعث بن قیس.
أخْبَرَنا أبو الفتح نصر الله بن محمد، أنا نضر بن إبراهيم، أنا سليم بن أيوب، أنا
طاهر بن محمد بن سليمان، نا علي بن إبراهيم بن أحمد، نا أبو زكريا بن أبي محمد بن
إِياس، قال: سمعت محمد بن أحمد بن المُقَدّمي، قال: الأشعث بن قيس الكندي أبو
محمد .
أخْبَرَنا أبو بكر يحيى بن إبراهيم السَّلَمَاسي - إذناً - أنا أبو العز أحمَد بن عبيد اللّه
العُكْبَري، أنا أبو علي محمد بن الحسين الجَازِري، أنا أبو الفرج المعَافى بن زكريا
الجُريري(٢)، نا يزداد بن عبد الرَّحمن، نا أبو موسى يعني تينة، نا القحذمي، قال: تزوج
قيس بن معدي کَرِب بنت الحارث بن عمرو آكل المرار فولدت له الأشعث بن قيس فقال
أبو هانيء الکِنْدي:
تخبرها (٣) فتنكح في ذراها
بناتُ الحَارث الملك ابن عمرٍو
ألا طعنتْ بمُديتها حشاها
لها الوَيْلات إذ أنكحتموها
(١) الكنى والأسماء للإمام مسلم ص ١٧١ .
(٢) الخبر والأبيات في الجليس الصالح الكافي ط بيروت ٣٦١/٣ ونقله عن الجريري ابن العديم في بغية
الطلب ١٨٩٨/٤ - ١٨٩٩.
(٣) بالأصل ((يجرها)) والمثبت عن الجليس الصالح.

١٢٢
أشعث بن قيس، أبو محمد الكندي
وقد نُبَّئتها ولدتْ غُلامَاً فلاعاش الغلام ولا هناها
فأجابه أبو قساس الکندي:
أَلا تنهى لسانك عن رداهَا
أَلَا أبلغ لدَيك أبَاهُنّيّ
لتنكحها فلم تكُ من هواها
فقد طالبتَ هذا قبل قيس
فلاقت منهلاً عذباً شفاها
فطافت(١) في المناهل تبتغيها
إذا ما سِيلَ منقصةً أباها
شديد الساعدين أخا حروبٍ
ولا من فوق ذروتهَا أتاها
وماحُّت(٢) مطيّته إليها
قال عيسى: قال القحذمي، وآل الأشعث ينشدون هذا الشعر ولا ينكرونه، قال:
والأشراف لا يبالون أن يكون أخوالهم أشرف من أعمَامهم.
قال القاضي (٣): قوله في هذا الشعر:
ألا تنھی لسانك عن رداها
أنّث اللسان، وذكر أهل العلم بالعربية أن [العرب](٤) تذکر اللسان وتؤنثه، و قیل من
أنثه أراد به اللغة والرسالة كقول الشاعر(٥):
إذا أتتني لسانٌ لا أسرّ بها من علو لا صخب فيها ولا سحرُ(٦)
[أخبرنا](٧) أبو بكر محمد بن عبد الباقي، أنا [أبو](٨) محمد الجَوهَري، أنا أبو
عمر بن حيوية، أنا أحمَد بن معروف، أنا الحارث بن أبي أسامة، نا محمد بن سعد (٩)، أنا
محمد بن عمر، حدّثني محمد بن عبد الرَّحمن(١٠) [عن](١٠) الزّهري، قال: قدم
(١) بالأصل ((فطابت)) والمثبت عن الجليس الصالح.
(٢) بالأصل ((أحيت)) والمثبت عن الجليس الصالح.
(٣) يعني المعافى بن زكريا الجريري.
(٤) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك عن الجليس الصالح.
(٥) هو أعشى باهلة كما في الأصمعيات ص ٨٨ وانظر اللسان (لسن)).
(٦) روايته في الأصمعيات:
قد جاء من عل أبناء أنبؤها
إليّ لا عجب منهـا ولا سخر
(٧) زيادة لازمة.
(٨) زيادة لازمة قياساً إلى سند مماثل.
(٩) طبقات ابن سعد ٣٢٨/١ وبغية الطلب ١٨٩١/٤ - ١٨٩٢.
(١٠) الأصل وابن العديم، في ابن سعد: عبد اللّه.
(١١) زيادة عن ابن سعد.

١٢٣
أُشعث بن قيس، أبو محمد الكندي
الأشعث بن قيس على رسول الله ◌َ في بضعة عشر راكباً من كِنْدة فدخلوا على النبي وَ هو
مسجده، وقد رجّلوا جممهم واكتحلوا، وعليهم جِبابُ الحِيرة، قد كفّوها بالحرير.
وعليهم الديباج ظاهرٌ مُخَوّص(١) بالذهب، فقال لهم رسول الله وَلاي: ((ألم تُسلموا؟))
قالوا: بلى، قال: ((فما بال هذا عليكم))؟ فألقوه، فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم
[أجازهم] (٢) بعشرة أواق، عشرة(٣) أواق، وأعطى الأشعث بن قيس اثنتي عشرة أوقية.
رواه ابن سعد في موضع آخر أتم من هذا عن الواقدي، عن مَعْمَر، عن الزهري [٢٣١٨]
أخْبَرَنا أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن، أنا محمد بن أحمد بن محمد، أنا
عيسى بن علي، أنا عبد الله بن محمد، نا عبد الرَّحمن بن حمّاد، نا هُشَيم بن بشير، نا
مُجالد بن سعيد، نا الشّعبي، عن الأشعث، قال قدمت على رسول الله وَليم في وفد كِنْدة
فقال لي النبي ◌َّله: ((هل لك من ولد؟)) فقلت: غلام وُلد مخرجي إليك من ابنة فلان
ولوددت أن أشبع القوم مكانه، فقال: ((لا تقولن ذا فإن فيهم قرة عين وأجراً إذا قبضوا)) ثم
قال: ((إنهم لمجبنة محزنة)) (٤) قال هُشيم: وأما منصور فحدّثنا: ((مجبنة مبخلة
محزنة))[٢٣١٩].
أخْبَرَنا أبو القاسم الشّحامي، أنا أبو سعد الجَنْزَرُودي، أنا أبو حامد أحمد بن
سهل بن إبراهيم بن سهل الأنصاري، نا أبو قريش محمد بن جمعة بن خلف القِهِسْتاني
الحافظ، نا محمد بن شبُّويه، نا يَعلى - يعني ابن عبيد - نا سفيان الثوري، عن الأعمش،
عن خَيْئَمة، قال: بُشر الأشعث بن قيس بغلام وهو عند النبي وَ ﴿ فقال: أمَّا وَالله لوددت أن
لكم به قصعَةً من خبز ولحم؛ فقال رسول الله وَّهِ: ((لأن قلتَ ذاك إنّها لمحزنةً مجبنةً وإنّها
لثمرة القلوب وقُرّة العين)»[٢٣٢٠].
أخْبَرَنا أبو القاسم زاهر وأبو بكر وجيه ابنا طاهر، قالا: أنا أبو نصر عبد الرَّحمن بن
علي بن محمد بن الحسين بن موسى، أنا أبو زكريا يحيى بن إسماعيل بن يحيى بن
زكريا بن حرب، أنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسين بن الشَرْقي، نا أبو
(١) بالأصل ((فحرص)) والمثبت عن ابن سعد، مخوص أي منسوج بالذهب (النهاية).
(٢) زيادة عن ابن سعد.
(٣) كذا، والصواب: ((بعشر)) في الموضعين.
(٤) انظر سير الأعلام ٣٨/٢ -٣٩ والحاشية رقم ١ صفحة ٣٩ فيها.

١٢٤
أشعث بن قيس، أبو محمد الكندي
عبد الرَّحمن عبد الله بن هاشم بن حيّان الطوسي العبدي، نا وكيع، نا أبو حُباب، عن
القاسم بن عبد الرَّحمن، قال: قال رسول الله وَلي للأشعث بن قيس: ((هل لك من بنت
جمد من ولدٍ؟)) قال: نعم، لي منها غلام، وددت أن لي به جفنة من طعام أطعمها من معي
من بني جَبَلة قال: فقال النبي ◌َّر: ((لأن قلت ذاك إنهم لهم القلوب وقُرّة الأعين، وإنهم مع
ذلك لمجبنة مبخلة محزنة» [٢٣٢١].
أخْبَرَنا أبو الحسن علي بن أحمد، نا أبو الحسين بن الآبنوسي، أنا عيسى بن علي،
أنا عبد الله بن محمد، قال: أبو محمد الأشعث بن قيس الكندي سكن الكوفة ومات بها.
أخْبَرَذا أبو الفتح يوسف بن عبد الواحد بن محمد، نا شجاع بن علي بن شجاع،
أنا عبد اللّه بن مَنْدَة، قال: أشعث بن قيس بن معدي كَرِب بن معاوية بن جَبَلة بن
عديّ بن ربيعة بن الحارث بن معاوية بن ثور الکندي یکنی أبا محمد، وکان قد ارتدّ ثم
راجع للإسلام في خلافة أبي بكر وزوّجه أخته أم فروة، شهد القادسية، ومدائن،
وجلولاء(١)، ونهاوند (٢)، والحكمين على عهد علي، وفيه نزلت: ﴿إنّ الّذين يشترُون
بعهدِ الله وأيمانهم ثمناً قليلاً﴾ الآية، توفي بالكوفة سنة اثنتين(٣) وأربعين، وصلّى عليه
الحسين(٤) بن علي.
أُخْبَرَنا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا أحمد بن محمد النَّقُّور، أنا أبو طاهر
المُخَلّص، نا رضوان بن أحمد، نا يونس بن بُکَیر، عن ابن إسحاق، قال: وكان من
حديث كندة حين ارتدّت أن رسول الله وَ لتر كان بعث إليهم رجلاً من الأنصار يقال له
زياد بن لبيد وكان عَقَبياً بدرياً أميراً على حضرموت فكان فيهم حياة رسول الله وَلهو يطيعونه
ويؤدون إلیه صَدَقاتهم لا ينازعونه، فلما توفي رسول الله يظهر وبلغهم انتقاض من انتقض
من العرب ارتدّوا وانتقضوا بزياد بن لبيد.
وكان سبب انتقاضهم به أن زياداً أخذ فيما يأخذ من الصدقة قلوصاً لغلام من كِنْدة،
وكانت كوماء خيار إبله فلما أخذها زياد فعقلها في إبل الصدقة ووسمها جزع الغلام من
(١) جلولاء: طسوج من طساسيج السواد في طريق خراسان، بينها وبين خانقين سبعة فراسخ (معجم البلدان).
(٢) نهاوند مدينة عظيمة في قبلة همذان بينهما ثلاثة أيام (معجم البلدان).
(٣) بالأصل: ((اثنين)).
(٤) كذا، وتقدم في رواية: ((الحسن)).

١٢٥
أُشعث بن قيس، أبو محمد الكِنْدي
ذلك، فخرج يصيح إلى حارثة بن سُراقة بن معدي كَرِب فقال: أخذت الفلانية في إبل
الصدقة فأنشدك الله والرحم، فإنها أکرم إبلي عليّ بعیراً وأباعر، فخرج معه حارثة حتی أتی
زياداً، فتكلم إليه أن يردّها عليه ويأخذ مكانها بعيراً، فأبى عليه زياد، وكان رجلاً صلباً
مسلماً، وخشي أن يروا ذلك منه ضعفاً وخَوَراً للحديث الذي كان، فقال: [ما](١) كنتُ
لأردها وقد وسمتها في إبل الصدقة، ووقع عليها حقّ الله عزّ وجلّ، فراجعه حارثة فأبى،
فلمَّا رأى ذلك حارثة قام إلى القلوص فحل عقالها ثم ضرب وجهها وقال: دونك وقلوصك
- لصاحبها -وهو يرتجز ويقول(٢):
يضعها شيخ بخدّيه الشَّيبْ
اليوم لا أخلط بالعلم الريب
وقال حارثة بن سراقة الكندي(٣):
أطعنا رسول الله ما دام وسطنا
أيأخذها قسراً ولا عهدَ عنده
فلم يك يهديها إليه بلا هدّى
فنحن بأن نختارها وفصالها
إذا لم يكن من ربنا أو نبيّنا
أيُجري على أموالنا الناسُ حكمَهم
بغير رضىَ منا ونحن جماعة
فتلك إذا كانت من الله زلفة
فأجابه زیاد بن لبید :
سيعلم أقوامٌ أطاعوا نبيّهم
أذاعت عن القوم الأصاغر لَعنةً
'+۔۔
وَدنّوالعقياه إذا هي صرمت
قد لمَّع الوجة كتلميع الثوب
وليس في منعي حريمي من عيبْ
فيالَ عباد الله ما لأبي بكرِ
يملكه فينا وفيكم عُرى الأمرِ
وقدمات مولاها النبيّ ولا عذرِ
أحقّ وأولى بالامارة في الدَّهر
فذو الوفد أولى بالقضية في الوَفرِ
بغير رضى إلّ الثَّسَنّم بالقسر
شهوداً كأنّا غائبين عن الأمرِ
ومن غيره إحدى القواصم للظهر(٣)
بأن عويّ القوم ليس بذي قدرٍ
قلوبَ رجالٍ في الحلوق من الصّدرِ
هواديه الأولى على حين لا عذرٍ
(١) الزيادة للإيضاح عن م وانظر مختصر ابن منظور وبغية الطلب.
(٢) الشطران الأول والثاني في تاريخ الطبري ٣٣٢/٣ والشطور في بغية الطلب ١٩٠١/٢٤.
(٣) الأبيات منسوبة للحطيئة باختلاف انظر ديوانه ط بيروت ص ١٤٢ وتخريجها فيه، وانظر الكامل للمبرد
٥٠٨/٢ و ٥٠٩.

١٢٦
أشعث بن قيس، أبو محمد الكندي
جماعته الأولى برأي أبي بكرٍ
فإن عصا الإسلام قدرضيت به
فـإن كنتمُ منهم فطوعاً لأمره
فنحن لكم حتى نقيمَ صعوركم(١)
رويدكم إنّ السيوفَ التي بها
وإلّ فأنتم من مخافته صعرِ
بأسيافنا الأولى وبالذبل السّمرِ
ضربناكم فدا بأيماننا تبري
لها يبغون الغير من فرط الصغر
أبعد التي بالأمس كنتم غويتم
وناهيَةٌ عن مثلها آخر الدّهرِ
وكان لهم في غيّ أسود عبرةٌ
وبالقوم حتى نالهنّ بلا مهرٍ
وإن تكفروا تستوبلوا غبّة الكفرِ
تلعب فيكم بالنساء ابن عبّه
فإن تسلموا فالسّلم خير بقيّة
وتفرق الناس عند ذلك طائفتين فصارت طائفة مع حارثة بن سُراقة قد ارتدوا عن
الإسْلام، وطائفة مع زياد بن لبيد. فلما رأى ذلك زياد قال لهم: نقضتم العهد وكفرتم
فأحللتم بأنفسكم واغتنمتم أولاها بعد عقباها، فقال حَارثة: أمّا عهد بيننا وبين صاحبك
هذا لأحدث فقد نقضناها وإن أبيت إلّ الأخرى أصبتنا على رجل، فاقضٍ ما أنت قاضيها.
فتنحى زياد فيمن اتبعه من كِنْدة وغيرهم قريباً، وكتب إلى المُهَاجر(٢) أن يمده،
وأخبره خبر القومَ فخرج المُهَاجر إليه، وسمع الأشعثُ بن قيس صارخاً من أعلى حصنهم
في شطرٍ من الليل :
في حائط يجمعها كالصيرة
عشيرة تملك بالعشيرة
قبائل أقلها كثيرة
والمسلمُون كالليوث الزيرة
فيها أمير من بني المغيرة
فلما سمع الأشعث الصَّارخ إلى ما قد رأى من اختلاف أصحابه بادرهم فخرج من
تحت ليله حتى أتى المُهاجر وزياداً، فسألهما أن يؤمنّاه على دمه وماله حتى يبلغاه أبا بكر
فيرى فيه رأيه ويفتح(٣) لهم باب الحصن ففعلا، ويفتح لهم باب الحصن، فيدخل
المسلمون على أهل الحصن، فاستنزلوهم فضربوا أعناقهم، واستاقوا أموالهم، واستبوا
نساءهم، وكتبوا إلى أبي بكر بذلك، واستوثقوا من الأشعث حتى بعثوا به إلى أبي بكر في
(١) الأصعر: المعرض بوجهه كبراً.
(٢) يريد: المهاجر بن أبي أمية وقد كان أبو بكر أَمَّره على قتال من ارتد ما بين نجران إلى أقصى اليمن.
(٣) كذا بالأصل.

١٢٧
أشعث بن قيس، أبو محمد الكندي
الحديد موثقاً، فقال له أبو بكر: كيف ترى صنيع الله بمن نقض عهده؟ فقال الأشعث أری
أنه قد أخطأ حظه ونفس(١) جدّه، فقال له أبو بكر: فما تأمرني فيك؟ قال: آمرك أن تمنّ
علي فتفكني من الحديد وتزوّجني أختك أم فروة ابنة أبي قحافة ففعل أبو بكر، فقال
الأشعث حین زوجه أبو بكر(٢):
لقد كنت بالأخوان جدّ ضنينٍ
لعمري وما عمري عليّ بهيّنِ
وما الدهر عندي بعدها بأمينٍ
ولم ترم(٣) أنثى بعدهم بجنينٍ
عليه بقلبٍ والهٍ وحنينٍ(٤)
أحاذر أن تُضرب هناك رُؤوسهم
فليت جنون الناس تحت جنونهم
وكنت كذات البّو أنحت وأقبلت
فأجابه مسلم بن صُبيح السَّکوني:
جزا الأشعثَ الكنديَّ بالغدر ربُّه
أخافجرة لا تستقال وغدرةٍ
فلا تأمنوه بعد غدرته بكم
وليس أمرؤ باع الحيَاة بقومه
هدمت الذي قد کان قیسٌ یشیده
وألبستنا ثوب المسبَّة بعدها
أرى الأشعثَ الكنديّ أصبح بعدها
سيهلك مذموماً ويورث سُبَّةً
جزاء مُليمٍ في الأمور ظنين
لها أخوّاتٌ مثلهَا ستكونُ
على مثلها فالمرء غير أمين
أخاثقةٍ أن يُرتجى ويكونُ
ويرضى من الأفعال ما هُو دونُ
فلازلتَ عبوساً بمنزل هونِ
هجيناً بها من دون كلّ هجينٍ
يبيت بها في النّاس ذات قرونِ
قرأت على أبي غالب بن البنّا، عن أبي محمد الجوهري، أنا أبو عمر بن حيوية، أنا
أحمَد بن معروف بن بشر، نا الحسين بن فهم، نا محمد بن سعد، أنا محمد بن عمر،
حدثني خالد بن القاسم، عن زُرعة بن عبد اللّه بن لبيد، قال(٥): كان رسول الله ◌َّالآ قد
(١) بغية الطلب: وتعس جده.
(٢) الأبيات في تاريخ الطبري ٣٤١/٣ منسوبة للأشعث بن متناس السكوني يبكي أهل النجير.
(٣) في الطبري: فليت جنوب الناس تحت جنوبهم ولم تمش.
(٤) في الطبري:
وكنت كذات البوّ ريعت فأقبلت
· على بوّها إذا طرّبت بحنين
(٥) الخبر في غزوات ابن حبيش ١٣١/١ نقلاً عن الواقدي، ونقله ابن العديم في بغية الطلب ٤/ ١٩٠٤ وما
بعدها .

١٢٨
أشعث بن قيس، أبو محمد الکندي
استعمل زیاد بن لبید علی حضرموت وقال له: ((سرْ مع هؤلاء القوم- یعني وفد کِنْدة -فقد
استعمَلتك عليهم))(٢٣٢٢)، فسار زياد معهم عاملاً لرسول الله وَ لقر على حضرموت على
صدقاتها: الثمار والخفّ والماشية والكراع والعشور، و کتب له كتاباً، فكان لا يعدوه إلى
غيره ولا يقبض دونه، فلمَّا قُبض النبي ◌َّهِ واستُخلف أبو بكر كتب إلى زياد يقرّه على
عمله، ويأمره أن يبايع من قِبَله، ومن أبى وطئه بالسيف ويستعين بمن أقبل على من
أدبر(١) .
وبعث بكتابه إليه مع أبي هند البياضي، فلما أصبح زياد غدا بنعي رسول الله وَي إلى
الناس، وأخذهم بالبيعة لأبي بكر وبالصَّدقة، فامتنع قومٌ من أن يعطوا الصَّدَقة، وقال
الأشعث بن قيس: إذا اجتمع الناس فما أنا إلّ كأحدهم، ونكص عن التقدم إلى البيعة،
فقال له امرؤ القيس بن عابس الكِنْدي: أنشدك الله يا أشعث، ووفادتك على رسول الله وَليه
وإسلامك أن تنقضِه اليوم، والله ليَقُومنّ بهذا الأمر من بعده من يقتل من خالفه، فإياك إياك
وابق على بنفسك، فإنك إن تقدّمت تقدم الناس معك، وإن تأخّرت افترقوا، فأبى الأشعث
وقال: قد رجعت العرب إلى ما كانت الآباء تعبد، ونحن أقصى العرب داراً من أبي بكر،
أيبعث أبو بكر إلينا الجيوش؟ فقال امرؤ القيس: أي والله، وأُخرى: لا يدعك عامل
رسول الله وَو ترجع إلى الكفر، فقال الأشعث: من؟ قال: زياد بن لبيد. فيتضاحك
الأشعث وقال: أمّا یرضی زیاد أن أجيره؟ فقال امرؤ القيس : سترى.
ثم قام الأشعث فخرج من المسجد إلى منزله، وقد أظهر ما أظهر من الكلام القبيح
من غير أن ينطق بالرّدّة، ووقف يتربص وقال: نقف أموالنا بأیدینا ولا ندفعها، ونكون من
آخر الناس.
قال: وبايع زياد لأبي بكر بعد الظهر إلى أن قامت صلاة العصر، فصلّى بالناس
العصر ثم انصرف إلى بيته، ثم غدا على الصَّدَقة من الغد كما كان يفعل قبل ذلك، وهو
أقوى ما كان نفساً وأشدّه لساناً، فمنعه حارثة بن سُراقة بن معدي کَرِب العبدي أن يصدّق
غلاماً منهم، وقام يحلّ عقال البكرة التي أخذت في الصَّدقة، وجعل يقول:
يمنعها شيخ بخدّيه الشّيبْ ملمَّع كمَا يُلمَّع الثوب
ماضٍ على الرّيبِ إذا كان الرّيبْ
(١) انظر نص كتاب أبي بكر إلى زياد بن لبيد في غزوات ابن حبيش ١/ ١٣١.

١٢٩
أشعث بن قیس، أبو محمد الکندي
فنهض زياد بن لبيد وصاحَ بأصحابه المسلمين، ودعاهم إلى النّصرة لله ولكتابه،
فانحازت طائفة من المسلمين إلى زياد وجعل من ارتدّ ينحاز إلى حارثة، فكان زياد يقاتلهم
النهار إلى الليْل، فقاتلهم أياماً كثيرة، وضوى إلى الأشعث بن قيس بشرٌ كثير، فتحصن
بمن معه ممن هو على [مثل رأيه، في النُجَير، فحاصرهم زياد بن لبيد، وقذف الله الرعب
في أفئدتهم، وجهدهم] (١) الحصار. فقال الأشعث بن قيس: إلى متى هم في هذا
الحصن، قد غرثنا (٢) فيه وغرث عيَالنا، وهذه البعوث تقدم عليكم ما لا قبل لنا به، والله
للموت بالسيف أحسن من الموت بالجوع، ويؤخذ برقبة الرجل كما يصنع بالذّرّية؛ قالوا:
وهل لنَا قوة بالقوم، ارتأ لنا فأنت سيدنا قال: أنزل وآخذ لكم أماناً تأمنون به، قبل أن
تدخل علیکم هذه الأمداد، ما لا قبل لنا به ولا یدان.
قال: فجعَل أهل الحصن يقولون للأشعث: افعل فخذ لنا الأمان، فإنه ليس أحد
أجدى(٣) أن يقدر على ما قبل زياد منك؛ فأرسَل الأشعث إلى زياد: أنزل فأكلمك، وأنا
آمن؟ قال زياد: نعم، فنزل الأشعث [من](٤) الُجیر فخلا بزیاد، فقال: يا ابن عم قد كان
هذا الأمر ولم يبارك لنا فيه، ولي قرابة ورحم، وإن وكلتني إلى صاحبك قتلني - يعني
المُهَاجر بن أبي أمية - إن أبا بكر يكره قتل مثلي، وقد جاءك كتاب أبي بكر ينهاك عن قتل
الملوك من كِنْدة، فأنا أحدهم وإنما أطلب منك الأمان على أهلي ومالي؛ فقال زياد بن
لبيد: لا أؤمنك أبداً على دمك، وأنت كنت رأس الرّة والذي نقض علينا كِنْدة فقال: أيها
الرجل دع عنك مَا مضى واستقبل الأمور إذا أقبلت عليك، فتؤمّني على دمّي وأهلي ومالي
حتى أقدم على أبي بكر فيرى فيّ رأيه؛ فقال زياد: وماذا؟ قال: وأفتح لك النُّجَير.
فأمّنه زیاد على أهله ودمه وماله، وعلى أن يقدم به على أبي بکر فیری فیه رأیه، ويفتح
له النُّجیر.
قال محمد بن عمر: وهذا أثبت عند أصحابنا من غيره.
(١) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدراكه ضروري عن م وعن بغية الطلب ١٩٠٥/٤ وغزوات ابن حبيش
١٣٥/١ ومختصر ابن منظور ٤١٣/٤ وفيه أيديهم بدل أفئدتهم.
والنجير حصن باليمن قرب حضرموت (معجم البلدان).
(٢) غرثنا: جعنا وجاعت عيالنا (النهاية).
(٣) كذا وفي غزوات ابن حبيش: أجرأ.
(٤) الزيادة عن ابن حبيش.
-------

١٣٠
أُشعث بن قيس، أبو محمد الکِندي
وقد حدّثني صدقة بن عتيبة(١) عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، عن جدّه أبي
مغيث، قال: كنت فيمن حضر أهل النُّجَير فصالح الأشعث زياداً على أن يؤمن من أهل
الُّجَير سبعين رجلاً ففعل، فنزل سبعون ونزل معهم الأشعث، فكانوا أحداً وسبعين، فقال
له زياد: أقتلك، لم يكن لك أمَان، فقال الأشعث: تؤمنني علی أن أقدم على أبي بکر فیری
فيّ رأيه، فأمنه على ذلك. وقيل إن السبعين نزلوا واحداً واحداً فلما بقي هو قام إليه رجل
واحد فقال: أنا معك، قال: إن الشرط سبعون ولكن كن فيهم، وأنا أتخلف فآثر بالحياة
وتخلف هو فيمن تخلف أسيراً فالله أعلم(٢).
قال: وأنا محمد بن عمر، حدّثني الزبير بن موسى بن عبد اللّه بن أبي أميَّة، عن
عمّه مصعب بن عبد الله بن أبي أمية قال: أمّن زياد بن لبيد الأشعثَ بن قيس على أن
يبعث به وبأهله وماله إلى أبي بكر فيحكم فيه بما يرى، وفتح له النُّجَير فأخرجوا المقاتلة
وهم كثير، فعمد زياد إلى أشرافهم سبعمائة رجل فضرب أعناقهم على دم واحد، ولام
القوم الأشعث، فقالوا لزياد: غدر بنا الأشعث وأخذ الأمان لنفسه وماله وأهله ولم يأخذه
لنا جميعاً، فنزلنا ونحن آمنون فقُتلنا، فقال زياد: ما أمنتكم؛ قالوا: صدقتَ، خدعنا
الأشعٹ.
قالَ: وأنا محمّد بن عمر، نا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن دَاوُد بن
الحُصَين قال: بعث زياد بن لبيد بالسبي مع نُهيك بن أَوْس بن حَزْمة (٣) الأشهلي إلى أبي
بکر، وبعث معه بثمانین من بني قتیرة، وبعث بالأشعث معهم في وثاق.
قال: وحدّثني خالد بن القاسم، عن أبيه، عن عبد الرَّحمن بن الحويرث بن نقيد،
قال:
رأيت الأشعث بن قيس يوم قُدم به المدينة في حديد مجموعة يداه إلى عنقه، بعث به
زياد بن لبيد والمُهَاجر بن [أبي](٤) أمية إلى أبي بكر، وكتبا إليه: إنّا لم نؤمنه إلّ على
حکمك، وقد بعثنا به في وثاق وبأهله وماله الذي خفّ حمله معه فیری في ذلك رأيك.
(١) في بغية الطلب: عتبة.
(٢) قال الواقدي: والقول الأول أثبت، (ابن حبيش ١٣٨/١).
(٣) في غزوات ابن حبيش: ((خزيمة)) وفي بغية الطلب: حرمة.
(٤) سقطت من الأصل ومن م.

١٣١
أُشعث بن قيس، أبو محمد الکندي
قال: ونزل نُهيك بن أوس بالسبيّ في دار رملة بنت الحارث، ومعهم الأشعث بن
قيس فجعل يقول: يا خليفة رسول الله وَلهو ما كفرتُ بعد إسلامي، ولكن شححت على
مالي، فقال أبو بكر: ألستَ الذي تقول: قد رجعت العرب إلى مَا كانت الآباء تعبد؟ وأبو
بكر يبعث إلينا الجيوش ونحن أقصى العرب داراً، فردّ عليك من هو خير منك فقال لك: لا
يدعك عامله ترجع إلى الكفر، فقلت: من؟ فقال: زياد بن لبيد، فتضاحكت، فكيف
وجدت زياداً؟ أَذكرت به أمه؟ فقال الأشعث: نعم كل الإِذكار، ثم قال الأشعث: أيها
الرجل أطلق إِساري، واستبقني لحربك وزوجني أختك أم فروة بنت أبي قحافة، فإني قد
تبتُ مما صنعتُ ورجعتُ إلى مَا خرجت منه من منعي الصدقة.
فزوجه أبو بكر أم فروة بنت أبي قحافة فكان بالمدينة مقيماً حتى كانت ولایة عمر بن
الخطاب، وندب الناس إلى فتح العراق، فخرج الأشعث بن قيس مع سعد بن أبي وقاص
فشهد القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند، واختط بالكوفة حين اختط المسلمون، وبنى
بها داراً في بني كِنْدة، ونزلها إلى أن مات بها وولده بها إلى اليوم.
اخْبَرَنا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا أبو الحسن بن النَّقُّور، أنا أبُو طاهر
المُخَلّص، أنا أبو بكر بن يوسف، أنا شعيب بن إبراهيم، ناسيف بن عمر التميمي، عن
سهل بن يوسف، عن أبيه، عن كثير بن الصلت، قال(١): ولما رأى أهل [النُّجَير](٢)
المواد لا تنقطع عن المسلمين، وأيقنوا أنهم غير منصَرفين عنهم خشعت أنفسهم وخافوا
القتل على أنفسهم، ولو صبروا حتى يجيء المُغيرة(٣) لكانت لهم في الثالثة الصلح عن
الجلاء نجاةً [فعجّل](٢) الأشعث فخرج إلى عكرمة(٤) بأمان، وكان لا يأمن غيره، وذلك
أنه كانت تحته أسماء بنت النعمان بن الجَوْن يخطبها وهو يومئذ ينتظر المهاجر، فأهداها
إليه أبوها قبل أن يُبادوا، وكان تزوجها على خميصة فابتنى بها ثم غدا بها، فأبلغه عِكرِمُ
المُهَاجرَ، واستأمنه له لنفسه ونفر معه تسعة على أن يؤمنهم وأهليهم على أن يفتحوا لهم
الباب؛ فأجابه إلى ذلك وقال: انطلق واستوثق لنفسك ثم هلم کتابك أختمه.
(١) تاريخ الطبري ٣٣٧/٣.
(٢) زيادة عن الطبري.
(٣) هو المغيرة بن شعبة، وكان أبو بكر كتب إلى المهاجر بن أبي أمية كتاباً وأرسله مع المغيرة بن شعبة يتعلق
بشأن أهل النجير، الطبري ٣٣٧/٣.
(٤) هو عكرمة بن أبي جهل انظر الطبري ٣٣٧/٣.

١٣٢
أشعث بن قيس، أبو محمد الكندي
قال(١): ونا سيف عن أبي إسحاق الشّيبابي، عن سعيد بن أبي بُرْدة، عن عامر: أنه
دخل عليه فاستأمنه على أهله وماله وتسعة ممن أحب، وعلى أن يفتح لهم الباب فيدخلون
على قومه. فقال لهم المهاجر: اكتب ما شئت واعجل، فكتب أمانه، وأمانهم وفيهم أخوه
وبنو عمه وأهلوهم، ونسي نفسه، عَجِلَ وَدهِشَ ثم جاء بالکتاب فختمه، ورجع فسرّب
الّذين في الكتاب.
وقال الأجلح والمجالد: لمّا لم يبقَ إلّا أن يكتب نفسه وثب عليه جَحْدَم بشفرةٍ
وقال: نفسك أو تکتبني، فکتبه وترك نفسه.
قال أبُو (٣) إسحاق: فلمّا فتح الباب اقتحمه المسلمون فلم يدعوا فيه مقاتلاً إلّ
قتلوه، وضربوا أعناقهم صبراً، وأحصى ألف امرأة ممن في التُّجير والخندق من بین سلیب
أو متبع ووضع على السبي والفیؤ الأحراس، وشارکھم کثیر.
وقال كَثِير بن الصّلت(٤): لمّا فُتح الباب وفُرغ ممن في النُّجير وأحصي ما أفاء الله
عليهم، دعا الأشعث بأولئك النفر، ودعا بكتابه فعرضهم، فأجاز(٥) من في الكتاب، فإذا
الأشعث ليس فيه، وإذا هو قد نسي نفسه، فقال المُهَاجر: الحمد لله الذي أخطأك نوءك (٦)
يا أشعث، يا عدو الله قد كنت أشتهي أن يخزيك الله، فشدّه وثاقاً، وهمّ بقتله. فقالوا له:
أخره وأبلغه أبا بكر، فهو أعلم بالحکم في هذا، وإن کان رجلاً نسي اسمه أن یکتبه، وهو
ولي المخاطبة أفذاك، الله يبطل ذاك! فقال المهاجر: أمره بيّن، ولكني أَتّبع المشورة
وأوثرها(٧). وأخّره وبعث به إلى أبي بكر مع السبي، وكان معهم يلعنه المسلمون ويلعنه
سبايا قومه، وسماه نساء قومه عُرفَ النار - كلامٌ يماني يسمون به الغادر - وقد كان المُغيرة
تحير ليله للذي أراد الله عزّ وجلّ، فجاء والقوم في دمائهم(٨) والسبي على ظهر،
(١) الطبري ٣/ ٣٣٧ -٣٣٨.
(٢) الطبري ٣٣٨/٣.
(٣) بالأصل (ابن)) والمثبت عن الطبري.
(٤) الطبري ٣٣٨/٣.
(٥) في الكامل لابن الأثير: فأجار.
(٦) قوله: ((أخطأك نوْءُك)) عن الطبري ومكانها بالأصل: ((خطأ نفسه فولی)) كذا.
(٧) بالأصل: ((وأورثها وأجيره)) والمثبت عن الطبري.
(٨) رسمها غير واضح بالأصل، والمثبت عن الطبري.

١٣٣
أُشعث بن قيس، أبو محمد الكندي
[وسارت](١) السبايا والأسرى، فقدم القوم على أبي بكر [بالفتح] (١) والسبايا والأسرى،
فدعا بالأشعث، وقال: استزلّك بنو وليعة، ولم يكن لتستزلهم - ولا يرونك كذلك أهلاً -
وأهلكوا وأهلكوك، أما تخشى أن تكون دعوةُ رسول الله وَّه قد وصل إليك منها طرفٌ، مَا
تراني صانعاً بك؟ قال: إني لاعلم لي برأيك، وأنت أعلم برأيك، قال: فإني أرى قتلك.
قال: فإني أنا الذي راوضت القوم في عشرة، فما يحلّ دمي، قال: أفوّضوا القوم إليك؟
قال: نعم، قال: ثم أتيتهم بما فوّضوه إليك يختموه لك؟ قال: نعم، قال: فإذا وجب
الصلح بعد ختم الصحيفة على من في الصحيفة، وإنما كنت قبل ذلك مراوضاً، فلما خشي
أن يوقع به، قال: أو تحتسب فيّ خيراً فيطلق أساري ويقيلني عثرتي ويقبل إسلامي وتفعل
بي مثل ما فعلت بأمثالي وتردّ علي زوجتي - وكان قد خطب أم فروة بنت أبي قحافة إلى أبي
قحافة مقدمه على رسول الله وَ ﴿ فزوجه وأخّرها إلى أن يقدم الثانية، فتوفي رسول الله وَلـ
وفعل الأشعث ما فعل فخشي أن لا تُرد عليه - تجدني خير أهل بلادي لدين الله فتجافی له
عن دمه، وقبل منه وردّ عليه أهله، وقال: انطلق فليبلغني عنك [خير](١) وخلّ النفر فذهبوا
وقسم أبو بكر السبي فباعه في الناس وترك الخمس، فاقتسم الجيش أربعة أخماس.
أنبأنا أبو علي بن نبهان(٢).
ثم أخبرنا أبو البركات الأنماطي أنا أبو طاهر أحمد بن الحسين البَاقَلاني، قالا: أنا
أبو علي بن شاذان، أنا عبد اللّه بن إسحاق بن إبراهيم البَغَوي ح.
قال الأنماطي: وأنا طراد، أنا أحمد بن علي بن الحسين بن البادًا(٣)، أنا حامد بن
محمد بن عبد اللّه الهَرَوي، قالا: أنا علي بن عبد العزيز، نا أبو عُبيد ، نا شريك، عن
إبراهيم بن مُهَاجر، عن إبراهيم النَّخَعي، قال: ارتدّ الأشعث بن قيس في ناس من كِنْدة
فحوصر فأخذ الأمان لسبعين رجلاً منهم، ولم يأخذ لنفسه فأُتي به أبو بكر فقال: إنّا قاتلوك
لا أمان لك، فقال: تمنّ عليَّ وأسلم، فقال: ففعل وزوّجه أخته.
أخبرناه أتم من هذا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا عاصم بن الحسن، أنا أبو
(١) زيادة عن الطبري.
(٢) بالأصل ((نهبان)) والصواب عن م.
(٣) كذا بالأصل، وفي التبصير ٥٦/١ البادي، قال وأخطأ من قال البادا، وهو قول العامة، وانظر الاكمال
٤٠٨/١ وفي م: ((الباذا)).

١٣٤
أشعث بن قيس، أبو محمد الكندي
عمر بن مهدي، أنا أبو العباس أحمد بن محمد بن عُقبة، نا أحمد بن يحيى الصُوفي، نا
عبد الرَّحمن بن شريك، نا أبي، نا إبراهيم بن مُهَاجر، عن إبراهيم، قال: ارتدّ
الأشعث بن قيس وناسٌ من العرب لمّا مات نبي الله وَله فقالوا: نصلّي ولا نؤدّي الزكاة،
فأبى عليهم أبو بكر ذلك قال: لا أحلّ عقدة عقد رسول الله وَلجر، ولا أعقد عقدة حلها
رسول الله وَ ﴾، ولا أنقصكم شيئاً مما أخذ منكم رسول الله ێے، ولأجاهدنكم ولو منعوني
عقالاً مما أخذ منكم نبي الله وَِّ، لجاهدتكم عليه، ثم قرأ: ﴿وما محمدٌ إلّ رسولٌ قد
خلت من قبله الرسل﴾(١) الآية، فتحصّن الأشعث بن قيس هو وناس من قومه في حصن،
فقال الأشعث: اجعلوا لسبعين(٢) منّا أماناً فجعل لهم، فنزل بعد سبعين، ولم يُدخل نفسه
فيهم، فقال أبو بكر: إنه لا أمَان لك، إنّا قاتلوك قال: أفلا أدلك على خيرٍ من ذلك؟ تستعين
بي على عدوك وتزوّ جني أختك، ففعل.
أنبأنا أبو سعد المُطَرّز وأبو علي الحداد، قالا: أنا أبو نُعيم ح.
وَأخْبَرَنا أبو علي الحداد وجماعة، قالوا: أنا أبو بكر بن رِيْذَةَ(٣)، قالا: أنا
سليمان بن أحمد، نا عبد الرحمن بن مسلم، نا عبد المؤمن بن علي، نا عبد السلام بن
حرب، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: لما قُدم بالأشعث بن
قيس أسيراً على أبي بكر الصديق أطلق وثاقه وزوّجه أخته، واخترط سيفه ودخل سوق
الإبل فجعل لا يرى جملاً ولا ناقة إلّ عرقبه، وصاح الناس: كفر الأشعث. فلمّا فرغ طرح
سيفه، وقال: إني والله مَا كفرتُ، ولكن زوجني هذا الرجل أخته، ولو كنا في بلادنا لكانت
لنا وليمة غير هذه، يا أهل المدينة انحروا وكلوا، ويا أصحاب الإبل تعالوا خذوا
شرواها (٤).
وقد قيل إن الذي زوّجه أم فروة أبو قحافة، فلعل قوله زوّ جني أختك أدخلها عليّ أو
لأن النكاح انفسخ بردّته فأراد تجديده والله أعلم.
آخر الجزء الثالث بعد المائة.
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٤٤.
(٢) بالأصل ((السبعين)).
(٣) بالأصل ((زيدة)) والصواب ما أثبت وضبط عن التبصير.
(٤) بغية الطلب ٤/ ١٩١٠ - ١٩١١.

١٣٥
أشعث بن قيس، أبو محمد الکندي
أخْبَرَنا أبو القاسم بن السّمَرقندي، أنا أبو الحسين بن النَّقُّور، وأنا أبو طاهر
المُخَلّص، أنا أبو بكر بن سيف السّجستاني [نا] السّري بن يحيى، نا شعيب بن إبراهيم،
نا سيف بن عمر، عن موسى بن عُقبة، عن أبيه وسعيد، عن عبد اللّه النَّخَعي، عن
عبد اللّه بن أبي مليكة والوليد بن عبد اللّه، عن أبي الطفيل، قالوا: تزوج الأشعث مقدمه
على رسول الله ◌َ﴿ إلى أبي قحافة أم فروة، وهو ثالث أزواجها والأوسط منهم تميم،
وأزمع بالهجرة والمقام، فلما قدم على النبي وَ﴿ وأخبره الذي أراد أيسه من الهجرة إلى
المدینة بعد الفتح، فرجع وأراد الانطلاق بأم فروة فأبی علیه أبو قحافة، وقال: إنا لا نغترب
إلّ في مغترب إلينا فرجع إلى اليمن، وفعل الذي فعل فلما أُتي به أبو بكر تجافى له عن دمه
وردّ عليه أهله بالنكاح الأول كما فعل بغيره(١).
أخْبَرَنا أبو الفتح يوسف بن عبد الواحد، أنا شجاع بن علي، أنا أبو عبد الله بن
مَنْدَة، أنا خَيْئَمة بن سليمان، نا إسحاق بن يسار، نا حامد بن يحيى، نا سفيان، عن
إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: شهدت جنازة فيها الأشعث بن قيس
وجرير قال: فقدّم الأشعث جريراً وقال: إن هذا لم يَرتدّ عن الإسلام وكنت قد ارتدّتْ.
أخبرناه عالياً أبو الحسن بن البقشلان، أنا أبو الحسين بن الابنوسي، أنا عيسى بن
علي، أنا عبد الله بن محمد بن المقرىء، نا سفيان، عن إسماعيل، عن قيس، قال(٢).
شهدت الأشعث وجرير بن عبد اللّه في جنازة فقدّمه - يعني الأشعث قدم جريراً -ثم التفت
فقال: إني ارتددت(٣) وهذا لم يرتدّ.
أخْبَرَنا أبو الحسن بن قُبَيَس، نا وأبو منصور بن خَيْرُون، أنا أبو بكر الخطيب (٤)،
أخبرني أبو القاسم الأزهري، نا أحمَد بن إبراهيم بن الحسن، نا أبو أحمد محمد بن أحمَد
الحَرّار، نا أحمَد بن الحارث الخَزّاز، أنا أبو الحسن المدائني عن شيوخه الذین روی
عنهم خبر النهروان قال [وأمر عليّ](٥) بالرحيل - يعني بعد فراغه من قتال الحرورية - وقال
لأصحابه قد أعزكم الله وأذهب ما كنتم تخافون، فامضوا من وجهكم هذا إلى الشام، فقال
(١) الخبر في بغية الطلب ٤/ ١٩١٠ وبهامشها أن أول أزواجها أبو أميمة رجل من بني الصقب.
(٢) الخبر في بغية الطلب ٤/ ١٩١١.
(٣) عن بغية الطلب، وبالأصل ((ارتدت)).
(٤) الخبر في بغية الطلب ١٩١١/٤ نقلاً عن الخطيب.
(٥) الزيادة عن ابن العديم.

١٣٦
أشعث بن قيس، أبو محمد الكندي
الأشعث: يا أمير المؤمنين نفذت نبالنا وكلّت سيوفنا ونصلت أسنة رماحنا، فلو أتينا مصرنا
حتى نستعد ثم نسير إلى عدونا فركن الناس إلى ذلك، فسار عليّ يريد الكوفة فأخذ على
المدائن حتى انتهى [إلى](١) النخيلة(٢) فنزلها، وساق بقيَّة الحديث.
أخْبَرَنا أبو القاسم بن السّمر قندي، أنا أبو بكر بن الطّبري، أنا محمد بن الحسين،
أنا عبد الله بن جعفر، نا يعقوب بن سفيان في أسامي من غزا مع علي بن أبي طالب يوم
صفین: الأشعث بن قيس الکندي.
أخْبَرَنا أبو غالب الماوردي، أنا أبو الحسن السيرافي، أنا أبو عبد اللّه النهاودي، أنا
أحمد بن عمران، نا موسى بن زكريا، نا خليفة بن خيَّاط، قالَ(٣). وقال أبو عبيدة: كان
على الميمنة - يعني من أصحاب علي يوم صفين - الأشعث بن قيس الكندي.
قالَ: ونا خليفة، نا علي بن محمد، عن سلمة (٤) بن مُحارب، عن حرب بن
خالد بن يزيد بن معاوية، قال: فصل معاوية في تسعين(٥) ألفاً، ثم سبق معاويةُ فنزل
الفرات وجاء علي وأصحابه فمنعهم معاوية الماء فبعث علي الأشعثَ بن قيس في ألفين،
وعلى الماء لمعاوية أبو الأعور الشُّلَمي في خمسة آلاف، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وغلب
الأشعث على الماء.
أخْبَرَنا أبو القاسم الحسين بن الحسن بن محمد الأسدي المعروف بابن (٦) البُنّ
- بقراءتي عليه غير مرة - أنا أبو القاسم علي بن محمد بن أبي العلاء، أنا أبو الحسين
عبد الوهاب بن جعفر بن علي بن جعفر المدائني، أنا أبو محمد عبد الله بن
عبد الغفار بن محمد بن أحمد بن إسحاق - قدم علينا - أنا أبو علي بن حيدرة، نا
العباس بن الوليد بن مزيد (٧) قال: سبق أصحاب معاوية إلى الماء بصفين قبل، وعلى
أصحاب معاوية رجلان أحدهما أبو الأعور السلمي والآخر بسر بن أبي أرطأة، فلما قدم
(١) الزيادة عن ابن العدیم.
(٢) النخيلة: تصغير نخلة، موضع قرب الكوفة على سمت الشام (معجم البلدان).
(٣) تاريخ خليفة ص ١٩٣ .
(٤) تاريخ خليفة: مسلمة.
(٥) في تاريخ خليفة: سبعين.
(٦) ضبطت عن الاكمال ٢٦٥/١ .
(٧) بالأصل ((زيد)) خطأ، والصواب عن م، انظر ترجمته في سير الأعلام ١٢ / ٤٧١.

١٣٧
أُشعث بن قيس، أبو محمد الكندي
أصحاب علي منعهم الماء واحتازوه دونهم فأرسل علي إلى معاوية أن يطلق الماء لعسكره،
فلو كان أصحابي سبقوا إليه ما منعوك.
قال: فاستشار عمرو بن العَاص وعبد الله بن أبي سرح، وكان أخا عثمان لأمه،
فقال عمرو: أرى أن تطلق لهم الماء وقال ابن أبي سرح: لا تطلق لهم الماء حتى يموتوا
عطشاً كما قتلوا أمير المؤمنين عطشاً - يعني بذلك عثمان - فمال معاوية إلى قوله، وترك
قول عمرو، فلما أضر بأصحاب علي ذلك أصبح على باب حجرة عليّ اثنا (١) عشرة ألفاً
مِن أصحاب البرانس، وقالوا: يا أمير المؤمنين أنهلك ونحن ننظر إلى الماء قال: فمن له؟
قال الأشعث بن قيس: أنا، قال: فشأنك قال: فتقدم بهم، قال: فجعل يلقي رمحه
ويسمي بطوله وهو راجل وهو يقول:
هل يصلح الأمر بغير نصح
میعادنا اليوم بیاض الصّبخ
ادنوا إلى القوم يطعن كدخ
لا لاولا الزاد بغير ملخ
حسبي من الأقدام قاب رمحي
قال: فحملوا عليهم فَأزالوهم عن الماء وقعدوا عليه قال: فقال عمرو لمعاوية:
شمت بك أتراك تضاربه على الماء كمَا ضربوك بالأمس؟ قال معاوية: هم خير من ذلك،
وأرسل عليّ إلى الأشعث أن خلِّ بينه وبين المَاء.
أخْبَرَنا أبو القاسم بن السّمرقندي، عن أبي القاسم يوسف بن محمد بن
المِهْرَوَاني (٢)، أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن الحَمَّامي المقرىء، أنا أبُو صالح
القاسم بن القاسم بن سالم الإِخباري، أنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن
محمد بن حنبل، حدّثني أبي أملاه عليّ إملاء - نا أبو المُغيرة، نا صَفْوَان، حدّثني أبو
الصلت سُليم الحَضْرَمي، قال: شهدنا صفين، فإنّا لعلى صفوفنا وقد حُلنا بين أهل العراق
وبين الماء، فأتانا فارس على برذون مقنعاً بالحديد، فقال: السَّلام عليكم، فقلنا:
وعليك؛ قال: فأين معاوية؟ قلنا: هو ذا، فأقبل حتى وقف ثم حسر عن رأسه فإذا هو
أشعث بن قيس الكِنْدي، رجل أصلع ليس في رأسه (٣) إلّ شعرات فقال: الله الله يا معاوية في
(١) بالأصل ((اثني)).
(٢) ضبطت عن الأنساب، هذه النسبة إلى مهروان، ناحية مشتملة على قرى بهمذان.
(٣) عن م وبغية الطلب والمختصر، وبالأصل ((شعره)).

١٣٨
أشعث بن قیس، أبو محمد الكندي
أمَّ محمد ◌َ؟ هبوا أنكم قتلتم أهل العراق فمن للبعوث والذراري؟ أم هبوا أنّا قتلنا أهل
الشام، فمن للبعوث والذراري الله الله فإن الله يقول: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا
فأصلحوا بينهما فإن بَغَتْ إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيءَ إلى أمرِ الله﴾(١)
فقال له معاوية: فما الذي تريد؟ قال: نريد أن تخلوا بيننا وبين الماء، فوالله لتُخَلّنّ بيننا
وبين الماء أو لنضعنّ أسْيَافنا على عواتقنا ثم نمضي حتى نرد الماء ونموت دونه، فقال
معاوية لأبي الأعور وعمرو بن سفيان: يا أبا عبد اللّه خلّ بين إخواننا وبين الماءَ فقال أبو
الأعور لمعاوية: كلا والله، يا أم(٢) عبد اللّه لا تخلّ بينهم وبين الماء، يا أهل الشام دونكم
عقيدة الله، فإن الله قد أمكنكم منهم، فعزم عليه معاوية حتى خلّى بينهم وبين الماء، فلم
يلبثوا بعد ذلك إلّ قليلاً حتى كان الصلح بينهم، ثم انصرف معاوية إلى الشام بأهل الشام
وعلي إلى العراق بأهل العراق.
أخْبَرَنا أبو الغنائم بن النَّرْسي.
ثم حدَّثنا أبو الفضل بن ناصر، أنا أبو الفضل بن خَيْرُون: والمبارك بن
عبد الجبار، وأبو الغنائم بن النَّرْسي - واللفظ له - قالوا: أنا أبو أحمد الغَنْدَجاني - زاد ابن
خَيْرُون: وأبو الحسن الأصبهاني، قالا -: أنا أحمد بن عَبْدان، أنا محمد بن سَهْل، أنا
محمد بن إسماعيل (٣)، نا عبد اللّه بن عمر، نا حفص بن غياث عن الأعمش، عن حيّان
أبي سعيد التميمي (٤) قال: حذر الأشعث بن قيس الفتن فقيل له أخرجت مع علي؟ قال:
ومن لك إِمَام(٥) مثل علي.
أخْبَرَنا أخبرنا أبو العز بن كادش، أنا أبو يَعْلى محمد بن الحسين بن الفراء، أنا
إسماعيل بن سعيد بن سويد، نا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدّثني أبو علي الحسن بن
عُلَيل، نا العُمَري، عن الهيثم بن عديّ، عن أبي عياش قال: خطبَ أمير المؤمنين علي بن
أبي طالب - عليه السلام - على الحسن ابنه، أم عمران بنت سعيد بن قيس الهَمْداني فقال:
(١) سورة الحجرات، الآية: ٩.
(٢) كذا بالأصل وبغية الطلب.
(٣) التاريخ الكبير، ج ٢/ قسم ٥٩/١ في ترجمة حيان أبو سعيد ونقله ابن العديم في بغية الطلب ١٩١٢/٤
وسير الأعلام ٢/ ٤٠ .
(٤) عند البخاري: التيمي.
(٥) سقطت من البخاري.

١٣٩
أُشعث بن قيس، أبو محمد الكندي
فوقي(١) أمير أوامره - يعني أمها - فقال: قم فوامرها، فخرج من عنده فلقيه الأشعث بن
قيس بالباب فأخبره الخبر فقال: ما تريد إلى الحسن يفخر عليها ولا ينصفها(٢) ويسيء إليها
فيقول: ابن رسول الله وَلاير، وابن أمير المؤمنين، ولكن هل لكَ في ابن عمها فهي له وهو
لها؟ قالَ: ومن ذاك؟ قال محمد بن الأشعث، قال: قد زوّجته، ودخل الأشعث على أمير
المؤمنين عليّ - عليه السَّلام - فقال: يا أمير المؤمنين خطب الحسن ابنة سعيد؟ قال: نعم،
قال: فهل لك في أشرف منها بيتاً وأكرم منها حسباً وأتم جمالاً وأكثر مالاً؟ قال: ومن هي؟
قال جعدة بنت الأشعث بن قیس، قال: قد قاولنا رجلاً لیس إلى ذلك الذي قاولته سبیل،
قال: إنه فارقه ليؤامر أمّها(٣)، قال: فزوجها من محمد بن الأشعث، قال: متى؟ قال:
الساعة بالباب، قال: فزوج (٤) الحسن جعدة، فلما لقي سعيد الأشعث قال: يا أعور
خدعتني؟ قال: أنت يا أعور حيث تستشيرني في ابن رسول الله وَل﴿ ألستَ أحمق، ثم جاء
الأشعث إلى الحسن فقال: يا أبا محمد ألّا تزور أهلك؟ فلما أراد ذلك قال: لا تمشي والله
إلّ على أردية قومي، فقامت له كندة سماطین، وجعلت له أردیتها بسطاً من بابه إلى باب
الأشعث.
اخْبَوَنا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا أبو الحسن بن النَّقُّور وأبو منصور
عبد الباقي بن محمد بن غالب، قالا: أنا أبو طاهر المُخَلّص، نا أبو محمد عبيد اللّه بن
عبد الرحمن، نا زكريا بن يحيى المقرىء، نا الأصمعي، نا سفيان، قال: عزّى علي بن
أبي طالب الأشعث بن قيس على ابنه فقال: إن تحزن فقد استخفت منك الرحم، وإن تصبر
ففي الله خلف من ابنك، إنك إن صبرتَ جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت
جرَى عليك وأنت مأثوم.
اخْبَرَنا أبو طالب بن عبد الرحمن بن أبي عقيل، أنا أبو الحسن، أنا عبد الرحمن بن
عمر بن النّحاس، أنا أبو سعيد بن الأعرابي، أنا أبو رفاعة عبد الله بن محمد بن عمر بن
حبيب العَدَوي، نا إبراهيم بن بشّار، نا سفيان، عن إسماعيل، عن قيس قال: دخل
الأشعث بن قيس على علي في شيءٍ فتهدده بالموت، فقال علي: بالموت فتهددني؟ ما
(١) بالأصل ((قومي) والمتبت عن ابن العديم ١٩١٦/٤ وفي م: ((مومى)).
(٢) بدون نقط بالأصل، والمتبب عن م.
(٣) غير واضحة بالأصل، والمثبت: ((ليؤامر أمها)) عن ابن العديم.
(٤) بالأصل ((فخرج)) والمثبت عن م.

١٤٠
أشعث بن قيس، أبو محمد الكندي
أبالي سقط عليَّ أو سقطت عليه، هاتوا له جامعة وقيداً ثم أومأ إلى أصحابه فطلبوا إليه فيه،
قال: فتركه(١).
قال سفيان: فحدثني ابن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: فسمعوا لصوت رجليه
حفيفاً، قال علي : فرقناه ففرق.
قرأت على أبي غالب بن البنًّا، عن أبي محمد الجوهري، أنا أبو عمر بن حَيُّوية، أنا
أحمد بن معروف، نا الحسین بن الفهم، نا محمد بن سعد، نا الفضل بن دُکین، نا
محمد بن إسماعيل بن رجاء [بن] الزبير، قال: سمعت الشيباني يذكر عن قيس بن
محمد بن الأشعث: وأن الأشعث كان عاملاً على أذربيجان استعمله عثمان، وأنه أتاه رجل
من قومه فأعطاه ألفين فشكاه، فلمَّا قدم الأشعث أرسل إليه فقال: إنما استودعتك المال،
قال: إنما أعطيتنيه صلة، فحَمِي الأشعثُ فحلفَ فكَفّر عن يمينه بخمسة عشر ألفاً (٢).
أخْبَرَنا أبو العز بن كَادش، أنا أبو محمد الجوهري، أنا أبو الحسين بن المُظَفّر، نا
محمد بن محمد الباغندي، نا علي بن المديني، نا یحیی بن زکریا بن أبي زائدة، حدثني
إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، قال: كان الأشعث بن قيس حلف على يمين فأخذ بها
مالاً، قال: فصلّى الغداة وقد وضع المال في ناحية المسجد فقال: قبحك الله من مالٍ، أما
والله ما حلفت إلّ على حق ولكنه رد على صاحبه، وهو ثلاثون ألفاً صَدَقة مقامي الذي
قمته(٣).
قال: ونا محمد بن محمد البَاغَنْدي، نا علي بن حُكيم، عن يزيد، عن شريك،
قال: سمعت أبا إسحاق يقول: صلّيت بالأشاعثة صلاة بليل الفجر، فلما سلّم الإمام إذا
بین یديّ كيس وحذاء نعل، فنظرت فإذا بين يدي كلّ رجل كيس وحذاء نعل، فقلت: ما
هذا؟ قالوا: قدم الأشعث بن قيس الليلة فقال: انظروا فكلّ من صلّى الغداة في مسجدنا
فاجعلوا بین یدیه کیساً وحذاء نعل.
قرأت على أبي عبد اللّه يحيى بن الحسن بن البنا، عن أبي الحسن محمد بن
(١) بغية الطلب ١٩١٤/٤ وسير أعلام النبلاء ٤٠/٢ - ٤١.
(٢) بغية الطلب ١٩١٥/٤ وسير أعلام النبلاء ٢/ ٤١ والزيادة عن ابن العديم.
(٣) بغية الطلب ١٩١٥/٤ - ١٩١٦.