النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن عبد اللّه بن بكر أبو يعقوب، المعروف بابن راهويه
[ومائتين](١)، وهو ابن سبع وسبعين سنة.
أحْبَرَنا أبو الحسن بن قُبَيس، نا وأبو منصور بن خَيْرُون، أنا أبو بكر الخطيب
قال(٢): قرأت على الحسن بن أبي بكر، عن أحمد بن كامل القاضي، أخبرني أبو يحيى
الشعراني: أن إسحاق بن راهويه توفي في سنة ثمان وثلاثين [ومائتين](٣) وإنه كان
يخضب بالحِنّاء وقال لي: ما رأيت بيد إسحاق كتاباً قط، وما كان يحدّث إلّ حفظاً.
قال: كنت إذا ذكرت إسحاق في العلم وجدته فيه فرداً، فإذا جئت إلى أمر الدنيا رأيته لا
رأي له.
قال: وأنا أحمد بن محمد العتيقي، أنا محمد بن عدي البصري ۔ في کتابه - نا أبو
عبيد محمد بن علي الأجري قال: سمعت أبا داود يقول: إسحاق بن راهويه تغيّر قبل أن
يموت بخمسة أشهر، وسمعت منه في تلك الأيام ورميت به، ومات سنة سبع أو ثمان
و ثلاثین.
أخْبَرَنا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا أبو علي بن المَسْلَمة، وأبو القاسم
عبد الواحد بن علي بن محمد بن فهد العَلّف قالا: أنا أبو الحسن الحَمَّامي، أنا
الحسن بن محمد بن الحسن السَّكُوني، نا محمد بن عبد الله بن سليمان الحَضْرمي
قال: مات إسحاق بن إبراهيم بن راهويه سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
أخْبَرَنا أبو الحسن بن قُبَيس، نا وأبو منصور بن خَيْرُون، أنا أبو بكر الخطيب (٤)،
أنا أبو بكر البَرْقاني قال: قرأت على أبي حامد أحمد بن عمر بن حفص المَرْوزي - بها -
قال: سمعت أبا يزيد محمد بن يحيى بن خالد يقول: مات إسحاق بن إبراهيم ليلة
الخميس سنة ثمان وثلاثين ومائتين قال: وأنا محمد بن أحمد بن يعقوب، أنا محمد بن
نعيم، نا محمد بن إبراهيم المُزَكي، نا الحسين بن محمد بن زياد قال: توفي إسحاق بن
إبراهيم الحَنْظلي ليلة النصف من شعبان سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
(١) ما بين معكوفتين زيادة عن التاريخ الكبير.
(٢) تاريخ بغداد ٣٥٤/٦.
(٣) زیادة عن تاريخ بغداد.
(٤) تاريخ بغداد ٣٥٥/٦.

١٤٢
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
كتب إليّ أبو نصر بن القُشَيري، أنا أبو بكر البيهقي، أنا أبو عبد الله الحافظ قال:
قرأت بخط أبي عمرو المُسْتَملي أخبرني علي بن سَلمة بن علي الجُلاباذي(١) الكَرَابيسي
- وهو من الصالحين - قال: رأيت ليلة مات إسحاق بن إبراهيم الحنظلي كأن قمراً ارتفع
من الأرض إلى السماء من سكة إسحاق بن إبراهيم ثم نزل فسقط في الموضع الذي دفن
فيه إسحاق بن إبراهيم، ولم أشعر أنا بموته، فلما عدوت إذا أنا بحفّار يحفر قبر
إسحاق بن إبراهيم في الموضع الذي رأيع القمر وقع فيه. فسألت الحفّار قلت: قبر من
هذا؟ قال: قبر إسحاق بن إبراهيم (٢).
قال أبو عمرو: وأخبرني علي بن سَلمة، نا شاذان وكان وكيلاً لآل طاهر قال:
رأيت الليلة الذي مات فيها إسحاق بن إبراهيم كان عليه إزار ورداءاً وهو متحرك كأنه
قائم مستقبل قبره الذي دفن فيه ومعه رجال كثير كأنهم قالوا لإسحق بن إبراهيم أين(٣).
تريد؟ فقال إسحاق بن إبراهيم: أريد الحجّ.
٦١٨ - إسحَاقْ بن إبراهيم بن ميمون،
أبو محمد التّميمي المعروف أبوه بالمَوْصلي (٤)
سمع: مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وهُشيم بن بشير، وأبا معاوية الضرير،
وأبا سعيد الأصمعي، وأبا عبيدة معمر بن المثنى، وبقية بن الوليد، ورَوْح بن عُبَادة(٥).
روى عنه ابنه حمّاد، وشيخه أبو سعيد الأصمعي، والزُبير بن بكّار، وأبو العيناء
محمد بن القاسم بن خلّد، وميمون بن هارون الكاتب، وعلي بن يحيى المُنَجّمَ، وأبو
خالد يزيد بن محمد المُهَلَّبي، والحسين بن يحيى الكاتب، وغيرهم.
(١) هذه النسبة إلى كلاباذ محلة كبيرة بنيسابور (انظر الأنساب: الجلاباذي).
(٢) الخبر في بغية الطلب لابن العديم ١٤٠٨/٣ .
(٣) رسمها غير واضح بالأصل، والمثبت عن م وانظر بغية الطلب ١٤٠٩/٣ .
(٤) تاريخ بغداد ٣٣٨/٦ الأغاني ٢٦٨/٥ معجم الأدباء ٥/٦ الوافي بالوفيات ٣٨٨/٨ ووفيات الأعيان
٢٠٢/١ وسير أعلام النبلاء ١١٨/١١ وانظر بالحاشية في المصادر الثلاثة الأخيرة ثبتاً بأسماء مصادر أخرى
كثيرة ذکر ته و ترجمت له.
(٥) ضبطت اللفظتان عن تقريب التهذيب.

١٤٣
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
وقدم دمشق مع المأمون (١).
أخْبَرَنا أبو الحسن بن قُبَيس، نا وأبو منصور بن خَيْرون، أنا أبو بكر الخطيب (٢):
حدّثني أبو سعيد مسعود بن ناصر السِّجْزي، نا علي بن أحمد بن إبراهيم
السُّرْخَاباذي(٣)، نا أحمد بن فارس بن حبيب، حدّثني محمد بن عبد الله الدّوري
- بمدينة السلام - حدّثني علي بن الحسين بن الهيثم، نا الحسين بن علي المرداسي، نا
حمّاد بن إسحاق بن إبراهيم المَوصلي قال: قال لي أبي: قلت ليحيى بن خالد أريد أن
تكلم لي سفيان بن عيينة ليحدّثني بأحاديث، فقال: نعم إذا جاءنا فأذكرني، قال: فجاءه
سفيان، فلما جلس أومأتُ إلى يحيى، فقال له: يا أبا محمد إسحاق بن إبراهيم من أهل
العلم والأدب، وهو مكره على ما تعلمه منه. فقال سفيان: ما تريد بهذا الكلام؟ قال:
تحدّثه بأحاديث، قال: فتكرّه ذلك، فقال يحيى: أَقسمتُ عليك إلّ فعلتَ، قال؛ نعم،
فليبكر إليّ قال: فقلت ليحيى: افرض لي عليه شيئاً، فقال له: يا أبا محمد افرض له
شيئاً، قال: نعم، قد جعلت له خمسة أحاديث، قال: زده، قال: قد جعلتها سبعة،
قال: هل لك أن تجعلها عشرة؟ قال: نعم، قال إسحاق: فبكّرت إليه واستأذنت ودخلت
فجلستُ بين يديه وأخرج كتابه فأملى عليّ عشرة أحاديث، فلما فرغ قلت له: يا أبا محمد
إن المحدِّثَ يسهو ويغفل وإنّ المحدَّث أيضاً كذلك، فإن رأيت أن أقرأ عليك ما سمعته
منك قال: اقرأ فديتك، فقرأت عليه، وقلت له أيضاً: إن القارىء ربما أغفل(٤) طرفه
الحرف، والمقروء عليه ربما ذهب عنه الحرف، فأنا في حل أن أروي جميع ما سمعته
منك؟ قال: نعم فديتك أنت والله فوق أن تستشفع أو يشفع لك، فتعال كل يوم، فلوددت
أن أصحاب الحديث كانوا مثلك.
قال(٥): وأخبرني أحمد بن محمد بن يعقوب الکاتب، حدثني جدي محمد بن
عبيد اللّه بن قفرجل، نا محمد بن يحيى، نا أبو العَيْناء، نا إسحاق بن إبراهيم
المَوصلي قال: جئت أبا معاوية الضرير ومعي مائة حديث أريد أن أقرأها عليه، فوجدت
(١) الخبر نقله ابن العديم عن ابن عساكر في بغية الطلب ١٤١٩/٣.
(٢) تاريخ بغداد ٣٣٩/٦.
(٣) هذه النسبة إلى سرخاباذ، قرية من قرى الري.
عن تاریخ بغداد وبالأصل ((غفل)).
(٤)
(٥) تاریخ بغداد ٣٣٨/٦ -٣٣٩.

١٤٤
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
في دهليزه رجلاً ضريراً، فقال لي: إنه قد جعل الأذن عليه اليوم إليّ لينفعني، وأنت
رجل جليل، فقلت له: معي مائة حديث، وأنا أهب لك عنها مائة درهم، فقال: قد
رضيت، ودخل فاستأذن لي فدخلت، وقرأت المائة حديث، فقال لي أبو معاوية: الذي
ضمنته لهذا يأخذه من أذناب الناس، وأنت من رؤسائهم وهو ضعيف مُعْيِل، وأنا أحب
منفعته. قلت: قد جعلتُها له مائة دينار. فقال: أحسن الله جزاك، فدفعتها إليه فأغنيته.
أنبأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم وأبو الوحش سُبيع بن المُسَلّم، عن أبي الحسن
رشا بن نظيف - ونقلته من خطه - أنا أبو الفتح إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن
الحسين بن سیبخت البغدادي، نا أبو بكر محمد بن یحیی الصولي، ناعون بن محمد،
نا أبي قال: قال لي إسحاق بن إبراهيم كنت مع المأمون بدمشق وكان قد قلّ المال عنده
حتى ضاق وشكى ذاك إلى أبي إسحاق المعتصم فقال له: يا أمير المؤمنين كأنك بالمال
قد وافاك بعد جمعة. قال: وقد كان حمل إليه ثلاثين ألف ألف من خراج ما كان يتولاه
أبو إسحاق، فلما ورد عليه ذلك المال قال المأمون ليحيى بن أكثم: اخرج بنا ننظر إلى
هذا المال فخرجا حتى أصحرا ووقفا ينظران إليه، وكان قد هيىء بأحسن هيئة، وحلّيت
أباعره وأُلبست الأَجلّة المُوَشّاة والجلال المصبوغة وقلّدت العهن وجُعلت البدور من
الحرير الأحمر والأخضر والأصفر، وأُبديت رؤوسها. قال: فنظر المأمون إلى شيءٍ
حسن، واستكثر ذلك المال وعظم في عينه واستشرفه الناس ينظرون إليه ويعجبون منه،
فقال المأمون: يا أبا محمد ينصرف أصحابنا هؤلاء الذين تراهم إلى منازلهم خائبين،
وننصرف نحن بهذه الأموال قد ملكناها دونهم، إنّا إذاً للئام، ثم دعا محمد بن يزداد
فقال: وقّع لفلان بألف ألف، ولفلان بمثلها، ولفلان بثلاثمائة ألف، ولفلان بمثلها،
قال: فوالله إن زال كذلك حتى فرّق أربعة وعشرين ألف ألف، درهم ورجله في ركابه؛
قال: ثم قال: ادفع الباقي إلى المُعَلّى لعطاء جندنا. قال: فقال العبسي: فجئت حتى
قمت نُصبَ عينيه فلم أرد طرفي عنه فجعل لا يلحظني إلّ رآني بتلك الحال. فقال: يا أبا
محمد: وقّع لهذا بخمسين ألف درهم من الستة الألف ألف درهم لا يختلس ناظري
قال: فلم تأت عليّ ليلتان حتى أخذت المال وفي رواية أخرى: العيشي، فالله أعلم.
أخْبَرَنا أبو الحسن علي بن أحمد، وأبو منصور بن خَيْرُون قالا: قال لنا أبو بكر

١٤٥
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
الخطيب(١): إسحاق بن إبراهيم بن ميمون، أبو محمد التّميمي المعروف والده
بالمَوْصلي يقال: إنه ولد في سنة خمسين ومائة، وقيل: ولد بعد ذلك، وكتب الحديث
عن سفيان بن عيينة، وهُشَيم بن بشير (٢)، وأبي معاوية الضرير، وطبقتهم. وأخذ الأدب
عن أبي سعيد الأصمعي، وأبي عبيدة، ونحوهما. وبرع في علم الغناء وغلب عليه
فنسب إليه، وكان حسن المعرفة، حلو النادرة، مليح المحاضرة، جيد الشعر مذكوراً
بالسخاء، معظّماً عند الخلفاء، وهو صاحب كتاب الأغاني الذي یرویه عنه ابنه حمّاد.
وقد روى عنه أيضاً الزبير بن بكار وأبو العيناء، وميمون بن هارون وغيرهم.
قرأت على عبد الكريم بن حمزة، عن أبي نصر بن ماكولا، قال(٣): وإسحاق بن
إبراهيم المَوْصلي المغني: شاعر متأدب فاضل له روايات كثيرة، وكتاب مصنّف في
الأغاني.
أخْبَرَنا أبو الحسن علي بن أحمد، نا وأبو منصور بن خَيْرُون، أنا أبو بكر
الخطيب(٤): حدّثني(٥) الحسن بن علي المُقَنَّعي(٦)، عن محمد بن موسى الكاتب،
أخبرني يوسف بن يحيى بن علي المُنَجّم، عن أبيه، عن جده، عن إسحاق قال: بقيت
دهراً من دهري أغلس في كل يوم إلى هُشَيم أو غيره من المحدّثين وأسمع منه، ثم أصير
إلى الكسائي أو الفراء أو ابن غَزَالة (٧) فأقرأ عليه جزءاً من القرآن، ثم آتي منصور زلزل
فيضاربني طريقتين (٨) أو ثلاثة(٩)، ثم آتي عاتكة بنت شُهْدة (١٠) فاخذ منها صوتاً أو
(١) تاريخ بغداد ٣٣٨/٦ وبغية الطلب ١٤١٤/٣ وباختلاف في الأغاني ٢٧١/٥ - ٢٧٢.
(٢) في تاريخ بغداد: ((بشر)) خطأ .
(٣) الإكمال لابن ماكولا ٢٧٦/٧.
(٤) تاريخ بغداد ٣٤٠/٦.
(٥) تاريخ بغداد: حدثنا.
(٦) ضبطت عن الأنساب بضم الميم وفتح القاف والنون وتشديدها، لم يذكر السمعاني إلى أي شيء هذه
النسبة. وذكره وترجم له.
(٧) كذا بالأصل وتاريخ بغداد والأغاني وفي تاج العروس (غزل): وعبد الرحمن بن أحمد بن غزال مقرىء ..
(٨) كذا بالأصل وم.
(٩) كذا بالأصل وفي تاريخ بغداد: ((طريقين)) وفي الأغاني: ((طرقين)) ولعله الصواب فالطرق بالفتح صوتٍ أو
نغمة بالعود ونحوه، يقال: تضرب الجارية كذا طرقاً.
(١٠) إحدى المغنيات، أمها جارية الوليد بن يزيد وكانت بدورها مغنية انظر الأغاني ٦/ ٥٧ ط بولاق.

١٤٦
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
صوتين، ثم آتي الأصمعي وأبا عبيدة فأناشدهما وأحدّثهما وأستفيد منهما ثم أصير إلى
أبي فأُعلمه ما صنعتُ، ومن لقيتُ وما(١) أخذت وأتغدى معه، فإذا كان العشي رحت إلى
أمیر المؤمنین الرشيد.
أخْبَرَنا أبو القاسم علي بن إبراهيم وأبو الوحش سُبَيع بن المُسَلّم، عن رشا بن
نظيف - ونقلته من خطه - أنا أبو الفتح إبراهيم بن علي بن سِيْبَخْت البغدادي، نا أبو بكر
محمد بن يحى الصولي، نا ثعلب، عن ابن الأعرابي، نا الأصمعي قال: سمعت
إسحاق بن إبراهيم يقول: مكثتُ أيامَ الرشيد أبكّر إلى هُشيمٍ ووُكيع فأسمع منهما ثم
أنصرف إلی عاتكة بنت شُهْدة وزلزل الضارب فتطارحني عاتکةُ صوتین ثم آخذ من زلزل
طريقتين، ثم أنصرف فأبعث إلى أبي عبيدة والأصمعي فيكونان عندي إلى بعد الظهر،
ثم أروح إلى أمير المؤمنين.
أخْبَرَنا أبو الحسن بن قُبَيس، نا وأبو منصور بن خَيْرُون، أنا أبو بكر
الخطيب (٢): أخبرني الحسين بن علي الصّيْمري(٣)، نا محمد بن عمران بن موسى
الكاتب أخبرني محمد بن يحيى، أخبرني عون بن محمد الكندي أن محمد بن عطية
العطوي (٤) الشاعر حدثه أنه کان عند یحیی بن أکثم في مجلس له يجتمع الناس فیه،
فوافاه إسحاق بن إبراهيم فأخذ يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم، ثم تكلم في الفقه
فأحسن، وقاس واحتج، وتكلّم في الشعر واللغة، ففاق من حضر، فأقبل على يحيى
فقال: أعزّ الله القاضي، أفي شيء مما ناظرت فيه وحكيته نقص أو مطعن؟ قال: لا،
قال: فما بالي أقوم بسائر هذه العلوم قيام أهلها وأنسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس
علیه؟
(١) عن تاريخ بغداد والأغاني وبالأصل ((ومن)).
(٢) تاریخ بغداد ٣٤٢/٦ - ٣٤٣.
(٣) ترجمته في سير الأعلام ٦١٥/١٦ (٤١٢).
(٤) هو محمد بن عبد الرحمن بن عطية العطوي مولى بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، من أهل البصرة،
كان يعد في متكلمي المعتزلة، ويذهب مذهب الحسين النجار في خلق الأفعال، له شعر يستحسن، ومن
ذلك قوله:
وهو رهن بأقرب الآجال
يأمل المرء أبعد الآمال وهو
(الأنساب: العطوي).

١٤٧
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
قال العطوي: فالتفت إليّ يحيى بن أكثم فقال: جوابه في هذا عليك. قال:
وكان العطوي من أهل الجدل فقلت: نعم أعزّ الله القاضي، الجواب عليّ: ثم أقبلت
على إسحاق فقلت: يا أبا محمد أنت كالفراء والأخفش في النحو؟ قال: لا، قلت:
أفأنت في اللغة وعلم الشعر كالأصمعي وأبي عبيدة؟ قال: لا، قلت: أفأنت في الأنساب
كالكلبي وأبي اليقظان؟ قال: لا، قلت: أفأنت في الكلام كأبي الهُذيل والنّظام؟ قال:
لا، قلت: أفأنت في الفقه كالقاضي؟ قال: لا، قلت: أفأنت في قول الشعر كأبي
العتاهية وأبي نواس؟ قال: لا، قلت: فمن ها هنا نسبت إلى ما نسبت إليه لأنه لا نظير
لك فيه ولا شبيه وأنت في غيره دون رؤساء أهله. فضحك وقام فانصرف، فقال لي
يحيى بن أكثم: لقد وفّيت الحجة حقّها، وفيها ظلم قليل لإسحاق. وإنه لممن يقلْ في
الزمان نظيره.
قال(١): وقرأت على الحسن بن علي الجوهري، عن أبي عبيد اللّه المَرْزُباني
قال: أخبرني محمد بن يحيى، نا محمد بن عبيد اللّه الحَزَنْبل قال: ما سمعت ابن
الأعرابي يصف أحداً بمثل ما يصف به إسحاق من العلم والصدق والحفظ وكان كثيراً
مما يقول: أسمعتم بأحسن من ابتدائه في قوله:
إن عهدي بالنوم عهدٌ طويلٌ؟
هل إلى أن تنام عيني سبيل
هل تعرفون من شكا نومه بمثل هذا اللفظ الحسن.
قال(١): وقال محمد بن يحيى سمعت إبراهيم بن إسحاق الحربي يقول: كان
إسحاق المَوْصلي ثقة صدوقاً عالماً، وما سمعت منه شيئاً، ولوددتُ أني سمعت وما كان
يفوتني منه شيء لو أردته. قال محمد: وسمعت أحمد بن يحيى النحوي يقول نحو هذا
القول.
قال الخطيب (٢): وحدثني علي بن المُحَسّن قال: وجدت في كتاب جدي علي بن
محمد بن أبي الفَهم التَّنُّوخي، نا الحَرَمَى بن أبي العلاء، نا أبو خالد يزيد بن محمد
المُهَلّبي قال: سمعت إسحاق المَوْصلي يقول: لما خرجنا مع الرشيد إلى الرَّقّة قال لي
(١) تاريخ بغداد ٦/ ٣٤٣.
(٢) تاريخ بغداد ٦/ ٣٤٠ ومختصراً في الأغاني ٣٠٢/٥.

١٤٨
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
الأصمعي: كم حملت معك من كتبك؟ قلت: تخفّفتُ فحملت ثمانية أحمال، ستة (١)
عشر صندوقاً؟ قال: فعجب فقلت: كم معك يا أبا سعيد؟ قال: ما معي إلّ صندوق
واحد قلت: ليس إلّ؟ قال: وتستقل صندوقاً من حقّ! قال أبو خالد: وسمعت
إسحاق بن إبراهيم المَوْصلي يقول: رأيت في منامي كأَن جريراً، ناولني كُبَّةً من شعر
فأدخلتها في فمي، فقال بعض المعبرين: هذا رجل يقول من الشعر ما شاء. قال: وجاء
مروان بن أبي حفصة يوماً إليّ فاستنشدني من شعري فأنشدته(٢):
ودافع ضيمي خازم (٣) وابن خازمٍ
إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي
يداي السماء (٤) قاعداً غير قائم
عطستُ بأنفٍ شامخ وتناولت
قال: فجعل مروان يستحسن ذلك ويقول: لأبي: إنك لا تدري ما يقول هذا
الغلام .
قال: وأخبرني أحمد بن محمد الكاتب حدّثني جدي محمد بن عبيد اللّه بن
قفرجل، نا محمد بن يحيى، نا محمد بن يزيد المُبَرّد، نا حمّاد بن إسحاق بن إبراهيم،
حدّثني أبي قال: عوتب أبو عبيدة فيما كان يعطيني من العلم، قال: وما ينفعه ما أعطيه،
إنما ألقيه في وعاء منخرق الأسفل، كلما ألقيت في أعلاه شيئاً خرج من أسفله، فلقيت
أبا عبيدة فقلت له: أنا عندك وعاء منخرق حتى قلت ما قلت؟ قال: وأنت لا ترضى أن
يأخذ الناس الكلام الذي لا يضرك وتأخذ أنت العلم وتسكت، ولا تجعل حجّةً عليّ.
أنبأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم وأبو الوحش سُبَيع بن المُسَلَّم، عن أبي الحسن
رشأ بن نظيف - ونقلته من خطه - أنا أبو الفتح إبراهيم بن علي البغدادي، نا محمد بن
يحيى، حدّثني عبد اللّه بن المُعْتَزّ حدّثني أبي، عن جده، أن الرشيد قال لإبراهيم
المَوْصلي: كيف تصوغ الألحان؟ فقال: يا أمير المؤمنين أُخرج الهمّ من قلبي وأمثل
الطرب بين عيني فتسرع إليّ مسالك الألحان، فأسلكها بدليلٍ من الإيقاع فلا أرجع
(١) في الأغاني: ثمانية عشر.
(٢) البيتان في تاريخ بغداد ٦/ ٣٤٠ وبغية الطلب ١٤١٦/٣ والأغاني ٢٧٨/٥.
(٣) الأصل والأغاني، وفي تاريخ بغداد: ((حازم وابن حازم)) بالحاء المهملة فيهما، والصواب بالخاء فيهما،
فهو في البيت يذكر ولاءه لخزيمة بن خازم، كان هو وأبوه من أشراف الدولة العباسية.
(٤) الأغاني: «أي الثريا)).

١٤٩
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
خائباً، قال له الرشيد: يحق لك يا إبراهيم أن تدرك ما طلبتَ.
أخْبَرَنا أبو الحسن بن قُبَيس، نا وأبو منصور بن خَيْرُون، أنا أبو بكر
الخطيب(١)، حدّثني الحسن بن علي المُقَنّعي، عن محمد بن موسى الكاتب أخبرني
الصولي حدّثني عبد اللّه بن المعتز، حدثني أبو عبد اللّه الهاشمي(٢) قال: اعتبر أهلنا
على إسحاق بأن دعوه ومدّوا ستارة وأقعدوا كاتبين ظابطين بحيث لا يراهما إسحاق
وقالوا: كلما غنَّتِ الستارة صوتاً فتكلم عليه إسحاق، فاكتبا الصوت، واكتبا لفظه فيه،
وجعل إسحاق كلما سمع صوتاً أخبرنا بالشعر لمن هو، ونسب الصوت وذكر جميع من
تغنى فيه، وخبراً إن كان له خبر حتى كتب ذلك كله وحُفظ، ثم دعوا إسحاق بعد مدّة
طويلة وضربوا ستارة وأمروا من خلفها أن يغنين بمثل ما كن غنين به ذلك اليوم، ففعلنَ
وابتدأ إسحاق يتكلم في الغناء بمثل ما كان تكلم به، ما خرم حرفاً. قال: فعلموا وعلم
الناس أنه لا يقول إلّ صواباً وحقاً، وعجبوا منه.
قال (٣): وقرأت على أبي محمد الجوهري، عن أبي عبيد اللّه المَرْزُباني أخبرني
يوسف بن يحيى بن علي المُنَجّم، عن أبيه: أخبرني أحمد بن القاسم الهاشمي، عن
إسحاق بن إبراهيم قال: دعاني المأمون وعنده إبراهيم بن المهدي وفي مجلسه عشرون
جارية قد أقعد عشراً عن يمينه، وعشراً عن يساره معهن (٤) العيدان يضربن بها، فلما
دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته، فقال المأمون: يا إسحاق أتسمع خطأ؟
قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال لإبراهيم بن المهدي: هل تسمع خطأ؟ قال: لا،
فأعاد عليّ السؤال، فقلت: بلى، والله يا أمير المؤمنين وإنه لفي الجانب الأيسر، فأعاد
إبراهيم سمعه إلى الناحية اليسرى فقال: لا، والله يا أمير المؤمنين ما في هذه الناحية
خطأ، فقلت: يا أمير المؤمنين مُر الجواري اللواتي على الميمنة أن يمسكن فأمرهن
فأمسكن ثم قلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ فتسمّع ثم قال: ما ها هنا خطأ، فقلت: يا
أمير المؤمنين يمسكن وتضرب الثامنة فأمسكن وضربت الثامنة فعرف إبراهيم الخطأ.
(١) تاريخ بغداد ٣٤٠/٦.
(٢) تاريخ بغداد: الهشامي.
(٣) تاريخ بغداد ٣٤٣/٦ - ٣٤٤ والخبر في الأغاني ٢٨٥/٥.
(٤) بالأصل وم ((معهم)) والمثبت عن تاريخ بغداد والأغاني.

١٥٠
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
فقال: نعم، يا أمير المؤمنين ها هنا خطأ فقال عند ذلك المأمون: يا إبراهيم لا تُمارِ
إسحاق بعد اليوم فإن رجلاً فهم الخطأ بين ثمانين وتراً وعشرين حلقاً لجديرٌ بأن لا
تماريه، فقال: صدقت يا أمير المؤمنين.
أُخْبَرَنا أبو العز بن كادش - فيما قرأ عليّ أسناده، وناولني إياه وقال: اروه عني -
أنا أبو علي الجَازِري، أنا المعافى بن زكريا(١)، نا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدّثني
أبو الفضل الرَّبَعي، حدّثني إسحاق بن إبراهيم المَوصلي قال: قال لي علي بن هشام(٢)
قد عزمت على الصبوح فاغد عليّ. فعاقني عائق فشغلني عن البكور إليه، فجئت في
وقت الظهر وعنده مُخارق فقال لي: يا إسحاق أين كنت؟ فقلت: شغلني - أعز الله
الأمير - ما لم أجد من القيام به بداً، ثم دعالي بطعام وجلسنا على شرابنا، فغنى مُخارق
صوتاً من الطويل شعر المؤمل والغناء لأبي سعید مولی فائد وهو:
أهيمُ بها أهل الصفاء فأكثروا
وقد لامني في حب مكنونة التي
جواباً سوى أن قلت: كيف التّصبّرُ
يقولون لي: مهلاً وصبراً فلم أجد
وواقعني(٣) منها الذي كنت أحذرُ
أأصبر عن نفسي وقد حيل دونها
فكيف تقر العين، أم كيف تحبَرُ(٤)
وفرق صرف الدهر بيني وبينها
فأخطأ فيه فقلت: أخطأت ويلك، ثم غنّى صوتاً من البسيط، شعره لحُمَيد بن
ثور، والغناء للهُذَلي وهو:
قد مُجْت لي سُقُماً يا موقد النارِ
يا موقد النار بالعلياء من إضَم
بالندّ والعنبر الهندي والغارِ
يا رُبّ نارٍ هدتني وهي(٥) موقدةً
من ثيّاتٍ مصوناتٍ وأبكارِ
تشبّها إذ خبتْ أيدٍ مخضّبةٍ
ينظرن من أين يأتي الطارقُ الساري(٦)
قلوبهن ولم تبرحن شاخصةً
(١) الخبر في الجليس الصالح الكافي ط بيروت ص ٢٢٨ وبغية الطلب ١٤٢٣/٣ والأغاني ٣٠٦/٥ برواية
أحمد بن يحيى المكي، وورد في آخر الخبر في الأغاني أنه يروي عن أبي الفضل الربعي.
(٢) في الأغاني أن الذي دعاه الفضل بن الربيع.
(٣) الجليس الصالح: ووافقني.
(٤) سقط البيت من الجليس الصالح.
(٥) عن الجليس الصالح وبالأصل ((وهو)).
(٦) الأبيات ليس في ديوانه.

١٥١
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
فأخطأ فيه فقلت: أخطأت ويلك. ثم تغنّى صوتاً ثالثاً من الكامل، شعره لكُثَيّر
والغناء لمَعْبَد وهو:
فإذا قرأت صحيفتي فتفهّم
إني استحيتك بأن أقول بحاجتي
أحداً ولا أظهرته بتكلمِ
وعليك عهد اللّه إن أنبأته
فأخطأ فيه. فقلت: أخطأت ويلك، فغضب وقال: يا إسحاق يأمرك الأمير
بالبُكور فتأتي ظهراً، وتغنّيت أصواتاً كلها يحبها ويطرب لها فخطّأتني فيها، وتزعم أنك
لا تضرب العود إلّا بين يدي خليفة أو ولي عهد. ولو قال لك بعض البرامكة مثل ذلك
لبكّرت وضربتَ وغّتَ فقلت: ما ظننتُ أن هذا يجترىء عليّ والله ما أبدي انتقاصاً
لمجلس الأمير أعزّه الله، ولكن اسمع يا جاهل ثم أقبلت على ابن هشام فقلت: دعاني
أصلح الله الأمير - يحيى بن خالد يوماً، وقال لي: بكّر فإني على الصبوح، وقد كنت
يومئذ في دار بأجرة، فجاءني من الليل صاحب الدار فأزعجني إزعاجاً شديداً فجرت مني
يمين غليظة إني لا أصبح حتى أتحوّل، فلما أصبحتُ خرجت أنا وغلماني حتى اكتريت
منزلاً وتحوّلتُ ثم صرت إلى يحيى وقت الظهر فقال لي: أين كنت إلى الساعة؟ فحدّثته
بقصتي، فقعدنا على شرابنا وأخذنا في غنائنا، فلم ألبث أن دعا يحيى بدواة وقرطاس
فوقّع شيئاً لم أدرِ ما هو ثم دفع الرقعة إلى جعفر، فوقّع فيها شيئاً ودفعها إليّ. فإني لأنظر
فيها ولم أدرِ ما تضمّنت، إذ أخذها الفضل من يدي فوقّع فيها شيئاً ودفعها إليّ، وإذا
يحيى قد كتب: يدفع إلى إسحاق ألف ألف درهم يبتاع بها منزلاً، وإذا جعفر قد وقّع
يدفع إلى إسحاق ألف ألف يبتاع بها أثاثاً، وإذا الفضل قد وقّع يدفع إلى إسحاق ألف
ألف درهم يصرفها في نفقاته ومؤونته، فقلت في نفسي هذا حُلم فلم ألبث أن جاء خادم
فأخذها من يدي، فلما كان وقت الانصراف استأذنتُ وخرجتُ فإذا أنا - والله - بالمال
وإذا بوكلاء ينتظروني حتى أقبض منهم. فَعَلَامَ يلومني هذا الجاهل؟ ثم قلت لمُخارق:
هات العود، فأخذته ورددت الأصوات التي أخطأ فيها وغنّيتُ صوتاً من الطويل بشعرٍ
لأبي(١) بشير، والغناء لي فيه وهو (٢):
(١) في الجليس الصالح والأغاني: لابن ياسين.
(٢) البيتان في الجليس الصالح ٢٣٠/٢ والأغاني ٣١١/٥ وبغية الطلب ١٤٢٥/٣.

١٥٢
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
وأنت على تغيير ذاك قديرُ
إلهي مَنَحْتَ الودّ مني بخيلةً(١)
وإنّ امرأً أخفى الهوى لصُبُورُ
شفاء الهوی بثُّ الجوی (٢) واشتكاؤُه
فطرب لذلك طرباً شديداً ثم قال: حُقّ لك، ثم أقبل على مُخارق فقال: يا فاسق ما
أنت والكلام، وأمر لي بمائة ألف درهم وخلعة، وأمر لمُخارق بعشرة آلاف درهم، فبلغ
ذلك إسحاق بن خلف فأنشأ یقول:
بَّتك (٣) راحتُه بالوبل والدّيَمِ
إن جئت ساحته تبغي سماحته
إن كان ذا رَحِمٍ أو غير ذي رَحِم
ماضر زائره الراجي لنائله
بقوله نعَم قَدلجّ في نِعَمِ
فعاله كرمٌ وقوله نعم
أخْبَرَنا أبو السعادات أحمد بن أحمد [بن عبد الواحد المتوكلي، أنا أبو بكر] (٤)
[الخطيب نا أبو عمر محمد بن العباس] (٥) بن زكريا بن حَيُّويه الخزاز، نا أبو بكر
محمد بن القاسم الأنباري، نا أحمد بن يحيى النحوي، نا حمّاد بن إسحاق بن
إبراهيم المَوصلي - واللفظ في الروايتين مختلط - قال: دخلت على هارون الرشيد فقال
لي: يا إسحاق أنشدني شيئاً من شعرك فأنشدته:
وآمِرَةٍ بالبُخْلِ قلت لها: اقصدي (٦) فذلك شيء ما إِليه سبيلُ
قال الخطيب: كذا رأيته بخط ابن حَيُّوية: أقصدي، بالدال.
بخيلاً له في العالمين خليلُ
أرى الناسَ خُلَّن الجَواد(٧) ولا أرى
فأكرمت نفسي أن يُقال بخيلٌ
وإني رأيت البخل يُزرِي بأهله
(١) بالأصل ((بحيلة)) والمثبت عن الجليس الصالح والأغاني.
(٢) عن الجليس الصالح وبالأصل ((الجوب))، وفي الأغاني: ((الهوى)).
(٣) في الجليس الصالح: تلقاك.
(٤) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك عن هامشه.
(٥) ما بين معكوفتين زيادة لازمة للإيضاح انظر الأنساب (الحيوبي - الخزاز - المتوكلي) وانظر بغية الطلب لابن
العدیم ١٤٢٩/٣ - ١٤٣٠.
(٦) الأغاني ٣٢٢/٥: ((اقصری)).
(٧) الأغاني: الكرام.

١٥٣
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
إذا نال شيئاً (١) أن يكونَ يُنِيلُ
ومن خَيْرٍ حالات الفَتَى لو علمْتِه
ومالي كما قد تعلمين قليلٌ
عطائي عطاءُ المكثرين تكرّماً
ورأيُ أميرِ المؤمنين جميلٌ
وكيف أخاف الفقرَ أو أُحرمُ الغِنى
فقال: لا، کیف إن شاء الله، یا فضل، أعطه مائة ألف درهم ثم قال: لله در أبيات
تأتينا بها يا إسحاق، ما أجود أصولها وأحسن فصولها. فقلت: يا أمير المؤمنين كلامُك
أحسنُ من شعري، فقال: يا فضل أعطه مائة ألف أخرى، قال إسحاق: فكان ذلك أول
مال اعتقدتُه.
أخْبَرَنا أبو الحسن بن قُبَيس، نا وأبو منصور بن خَيْرُون، أنا أبو بكر الخطيب (٢)،
أنا الحسن بن الحسين النعالي، نا أبو الفرج الأصبهاني قال: ذكر أحمد بن أبي طاهر،
عن عبد اللّه بن أبي سعد أن عبد الله بن سعيد بن زرارة حدثه عن محمد بن إبراهيم
البيساري(٣) قال: لما قدم العتابي مدينة السلام على المأمون أذن له، فدخل عليه وعنده
إسحاق المَوْصلي، وكان العتابي شيخاً جليلاً نبيلاً، فسلّم فردّ عليه وأدناه وقرّبه حتى
قرب منه، فقبّل يده ثم أمره بالجلوس فجلس، وأقبل عليه يُسائله عن حاله وهو يجيبه
بلسان طلق، فاستظرف المأمون ذلك منه، وأقبل عليه بالمداعبة والمزح، فظنّ الشيخُ أنه
استخفّ به فقال: يا أمير المؤمنين: الإيناس قبل الإبشاش(٤) فاشتبه على المأمون قوله:
فنظر إلى إسحاق مستفهماً فأومأ إليه بعينه وغمزه على معناه حتى فهمه ثم قال: نعم يا .
غلام ألف دينار فأتى بذلك فوضعه بين يدي العتابي، وأخذوا في الحديث، ثم غمز
المأمون إسحاق بن إبراهيم عليه، فجعل العتابي لا يأخذ في شيء إلّ عارضه فيه
إسحاق، فبقي العتابي متعجباً ثم قال: يا أمير المؤمنين أتأذن لي في مسألة هذا الشيخ
عن اسمه قال: نعم، سلهُ، فقال لإسحاق: يا شيخ من أنت؟ وما اسمك؟ قال: أنا من
الناس واسمي كل بَصَل، فتبسم العتابي ثم قال: أما النسب فمعروف وأما الاسم فمنکر،
فقال له إسحاق: ما أقلّ إنصافك أتنكر أن يكون اسمي كل بصل واسمك كُلْثوم، وما
(١) الأغاني: خيراً.
(٢) الخبر في تاريخ بغداد ٤٨٩/١٢ في ترجمة العتابي. واسمه كلثوم بن عمرو العتابي.
(٣) في تاريخ بغداد: السياري.
(٤) كذا وفي تاريخ بغداد وبغية الطلب: ((الإبساس)) وهو مثل. (انظر مجمع الأمثال للميداني - اللسان).

١٥٤
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
كُلْتُوم من الأسماء. أَوَ لَيس البصل أطيب من الثوم؟ فقال له العتابي: لله درك ما أحجّك!
أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أصله بما وصلتني به؟ فقال له المأمون: بل ذلك موفر
عليك، ونأمر له بمثله، فقال له إسحاق: أما إذا أقررت بهذه فتوهمني(١) تجدني، فقال
له: ما أظنك إلّ إسحاق المَوْصلي الذي يتناهى إلينا خبره، قال: أنا حيث ظننت فأقبل
عليه بالتحية والسلام، فقال المأمون - وقد طال الحديث بينهما -: أما إذ اتفقتما على
المودّة، فانصرفا فانصرف العتابي إلى منزل إسحاق فأقام عنده.
أخْبَرَنا أبو المعالي الحسين بن حمزة بن الحسين السّلمي، نا أحمد بن علي بن
ثابت الحافظ، أنا علي بن أبي علي البصري، حدّثني أبي، حدّثني أبو الفرج علي بن
الحسين المعروف بالأصبهاني (٢) - إملاء من حفظه وكتبته عنه في أصول سماعاتي منه،
ولم يحضرني كتابي فأنقله منه فأثبته من حفظي، توخيت ألفاظه بجهدي - قال أخبرني
محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، نا حماد بن إسحاق بن إبراهيم المَوْصلي، حدّثني أبي
قال: غدوت يوماً وأنا ضَجِرٌ من ملازمة دار الخلافة والخدمة فيها، فخرجتُ وركبتُ
بُكرةً وعزمتُ على أن أطوف الصحراء وأتفرّج: فقلت لغُلماني: إن جاء رسول الخليفة
أو غيرهُ فعرِّفوه أني بكّرتُ في مهم لي وإنكم لا تعرفون أين توجّهت قال: ومضيتَ
فطفتُ ما بدا لي، وعدتُ وقد حميَ النهارُ. فوقفتُ في شارع المخرَّم (٣) في فناءِ ثخين
الظل وجناحٍ خارج رحب على الطريق لأستريح. فلم ألبثْ أن جاء خادمٌ يقود حماراً
فارهاً عليه جارية راكبة، تحتها منديل دَبيقيّ (٤) وعليها من اللباس الفاخر ما لا غاية
وراءه. ورأيت لها قواماً حسناً وطرفاً فاتراً وشمائل ظريفة. فحدستُ (٥) أنها مغنية،
فدخلتِ الدارَ التي كنت واقفاً عليها. وعلقها قلبي في الوقت علوقاً شديداً لم أستطع معه
البراح، فلم ألبثْ إلّ يسيراً حتى أقبل رجلان شابان جميلان لهما هيئة تدل على
قدرهما. وهما راكبان فاستأذنا فأذن لهما. فحملني ما قد حصل في قلبي من حب
الجارية وإيثاري علم حالها والتوصل إليها على أن نزلت معهما ودخلت بدخولهما، فظنّا
(١) عن تاريخ بغداد وبغية الطلب وبالأصل ((فتوهمي)).
(٢) الأغاني ج ٤٢٣/٥.
(٣) محلة ببغداد بالجانب الشرقي. (معجم ما استعجم).
(٤) تقدمت قريباً (راجع معجم البلدان ((دبيق) والقاموس ((دبق))).
(٥) الأغاني: ((فخرصت)) يعني ظننت وخمنت.

١٥٥
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
أن صاحب البيت دعاني، وظن صاحبُ البيت أنني معهما، فجلسنا وأُتي بالطعام فأكلنا،
وبالشراب فوضع، وخرجت الجارية وفي يدها عودٌ. فرأيت جاريةً حسناء، وتمكّن ما
في قلبي منها فغنّت غناءً صالحاً وشربنا (١) وقمتُ قومةً للبول، فسأل صاحب المنزل عني
الفتيين (٢) فأخبراه أنهما لا يعرفاني(٣) فقال: هذا طفيلي ولكنه ظريف فأجملوا عشرته،
وجئت فجلست فغنّت الجارية في لحنٍ لي (٤):
ذكرتُكِ إن مرّتْ بنا أُمّ شادنٍ(٥) أمام المطايا تَشْرئتُ وتَسنَحُ
شُعاعُ الضّحى في متنها (٧) يتوضحُ
من المؤلفاتِ الرمل أدماءُ(٦) حُرٌّ
فأدّته أداءً صالحاً وشربت، ثم غنّت أصواتاً فيها من صنعتي :
فارقتها الأوانسُ
الظُّلُولُ الدوارسُ
فهي قَفْرٌ بَسَابِسُ (٨)
أو حشتْ بعد أهلِهَا
فكان أمرها فيه أصلح من الأول، ثم غنّت أصواتاً من القديم والمحدث، وغنّت
في أضعافهما من صنعتي من شعري:
ونأى عنكَ جانبا
قل لمن صدّ عاتباً
وإن كنتَ لاعبَا
قد بَلَغْتَ الذي أردت
وإنْ كنت كاذبا
واعْتَرَفْنا بما ادّعيت
فكان أصلح ما غنته، فاستعدته منها لأصحّحه، فأقبل عليّ رجل من الرجلين
فقال: ما رأيت طفيلياً أصفقَ وجهاً منك، لم ترضَ بالتطفيل حتى اقترحتَ، وهذا
تصديق المثل: ((طفيلي ويقترح)) فأطرقتُ ولم أجبه وجعل صاحبه يكفّه عني ولا يكفّ،
(١) سقطت من الأصل واستدركت على هامشه وبجانبها كلمة صح.
(٢) الأغاني: الرجلين.
(٣) رسمها ناقص بالأصل، والمثبت عن الأغاني.
(٤) البيتان لذي الرمة ديوانه ص ٨٠ والأغاني ٢٩٢/٥ و٤٢٤.
(٥) أم شادن كنية الظبية.
(٦) الأدماء: الظباء البيض تعلوهن جدد فيهن غبرة، والخالصة البياض يقال لها الارام.
(٧) عن الديوان والأغاني، وبالأصل ((منتھی)).
(٨) الشعر لابن ياسين كما في الأغاني ٤٢٦/٥.

١٥٦
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
ثم قاموا للصّلاة وتأخّرتُ، فأخذتُ عودَ الجارية وشددتُ طبقته وأصلحته إصلاحاً
محكماً وعدت إلى موضعي، فصَلّيت وعادوا، فأخذ ذلك الرجل في عَرْبدته عليّ، وأنا
صامت، ثم أخذت الجارية العودَ وجسته فأنكرت حاله، فقالت: من مسّ عودي؟
فقالوا: ما مسَّه أحدٌ فقالت: بلى، والله قد مسه حاذقٌ متقدّمٌ وشدّ طبقته وأصلحه إصلاح
متمكن في صناعته، فقلت لها: أنا أصلحته قالت: فبالله عليك خذه واضرب به، فأخذته
منها فضربتُ مبدأَ طريقٍ عجيبٍ صعبٍ (١)، فيه نقراتٌ محركةٌ فما بقي أحد منهم إلّ
وثب فجلس بين يدي، وقالوا: بالله يا سيدنا أتغنّي؟ قلت: نعم، وأعرّفُكم نفسي أيضاً،
أنا إسحاق بن إبراهيم المَوْصلي، ووالله إني لآتيه على الخليفة وأنتم تشتموني منذ
اليوم، لأنني تملّحت معكم بسبب هذه الجارية، ووالله لانطقتُ بحرفٍ ولا جلستُ
معكم، أَوْ تُخرجوا هذا المعربِدَ المقيتَ الغثَّ، ونهضتُ لأخرج فعلقوا بي فلم أعرج،
ولحقتني الجارية فعلقت بي فلنْتُ وقلتُ: ما أجلس إلّ أن تخرجوا هذا المعربِدَ
البغيضَ، فقال له صاحبه: من هذا وشبههِ حذرت عليك، فأخذ يعتذر، فقلتُ: اجلس
ولكن والله لا أنطق بحرفٍ وهو حاضر، فأخذوا بيده فأخرجوه، فتغنيتّ الأصواتَ التي
غنّتها الجاريةُ من صنعتي، فطرب صاحب البيت طرباً شديداً وقال: هل لك في أمر
أعرضه عليك؟ قلت: ما هو؟ قال: تقيم عندي شهراً والجارية والحمار لك مع ما عليه
من الحلية (٢)، وللجارية من كسوة؟ قلت: أفعل، فأقمت عنده ثلاثين يوماً، لا يعرف
أحداً أين أنا، والمأمون يطلبني في كل موضعٍ فلا يُعرف لي خبراً، فلما كان بعد ثلاثين
يوماً سلّم إليّ الجارية والحمار والخادم فجئت بذلك إلى منزلي، وهم في أقبح صورة
لفقدي، وركبتُ إلى المأمون من وقتي فلما رآني قال: إسحاق ويحك، أين تكون؟
فأخبرته بخبري، فقال: عليّ بالرجل الساعة، فدللتهم على بيته فأُحضر، فسأله المأمون
عن القصة فأخبره، فقال: أنت رجل ذو مروءة وسبيلُك أن تُعاوَنَ عليها، وأمر له بمائة
ألف درهم، وقال له: لا تعاشر ذلك المعربد النّذل، فقال: معاذ الله يا أمير المؤمنين،
وأمر لي بخمسين ألف درهم، وقال: أحضرني الجارية فأحضرته إياها فغنّته فقال لي:
قد جعلت عليها نوبة في كل يوم ثلثاء تغنّيني من وراء الستارة مع الجواري، وأمر لها
(١) الأغاني: وضربت به مبدأ صحيحاً ظريفاً عجيباً صعباً.
(٢) الأغاني: من حلي.

١٥٧
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
بخمسين ألف درهم، فربحتُ والله بتلك الركبة وأربحت.
أخْبَرَنا أبو السعود أحمد بن علي بن محمد بن المُجْلي(١)، أنا أبو منصور
محمد بن محمد بن أحمد العُكْبَري، أنا أبو القاسم آدم بن محمد بن آدم المُعَدّل، أنا أبو
الفرج علي بن الحسين بن محمد الأصبهاني (٢)، نا إبراهيم بن محمد [بن بركشة] (٣)
قال: سمعت شيخاً يحدّث أبي وأنا غلام، فحفظت عنه ما حدّثه به ولم أعرف اسمه قال:
حدثني إسحاق بن إبراهيم المَوْصلي قال: عملت في أيام الرشيد لحناً وهو هذا:
بعد الهدوءِ بِهَا قَرْعُ النواقيس
سقيّاً لأرضٍ إذا مانمتُ نبهني
(٤)
على الميادين أذناب الطواويس
كأن سَوْسَنها في كل شارقةٍ
فأعجبني ذلك، وعملت على أن أباكر به الرشيد، فلقيني في طريقي خادم
العُلَيّة بنت المهدي فقال: مولاتي تأمرك بدخول الدِّهليز لتسمع من بعض جواريها غناء
أخذته من أبيك، وتشكّ فيه الآن، فدخلت معه إلى حجرة قد أُفردت لي كأنها كانت
معدّة، فجلست وقُدّم إليّ طعام وشراب، فنلت حاجتي منها، ثم خرج إليّ خادم فقال:
تقول لك مولاتي أنا أعلم أنك قد غدوتَ إلى أمير المؤمنين بصوتٍ قد أعددته له
مُحدث، فأسمعنيه ولك جائزة سنية تتعجلها، ثم ما يأمر به لك بین یدیك ولعله لا یأمر
لك بشيء أو لا يقع الصوت منه بحيث ظننتَ(٥)، فيذهب سعيك باطلاً، فاندفعتُ
فغنّيتها إياه ولم تزل تستعيده مراراً، ثم أخرجت إليّ عشرين ألف درهم وعشرين ثوباً،
ثم قالت: هذه جائزتك ولم تزل تستعيده ثم قالت: اسمعه الآن، فغنّته غناءً ما خرق
سمعي مثله، ثم قالت: كيف تراه؟ قلت: أرى والله ما لم أرَ مثله، قالت: يا فلانة أعيدي
له مثل ما أخذ فأحضرتني عشرين ألفاً أخرى وعشرين ثوباً فقالت: هذا ثمنه، وأنا الآن
داخلة إلى أمير المؤمنين ولن أبدأ الغناء غيره، وأخبره أنه من صنعتي وأعطي الله عهداً
لئن نطقتَ بأن لك فيه صنعة لأقتلنّك، هذا إن نجوتَ منه إن علم بمصيرك إليّ، فخرجتُ
(١) ضبطت عن التبصير.
(٢) الأغاني ١٦٨/١٠ في أخبار علية بنت المهدي.
(٣) الزيادة عن الأغاني.
(٤) البيتان في الأغاني ١٦٨/١٠.
(٥) الأغاني: توخیت.

١٥٨
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
من عندها ووالله إني كالموقن(١) ما أكره من جائزتها أسفاً على الصوت، فما جسرتُ والله
بعد ذلك أن أتنغم به في نفسي فضلاً عن أن أظهره حتى ماتت، فدخلتُ على المأمون في
أول مجلس جلسه للّهو بعدها، فبدأت به في أول ما غنّيت، فتغيّر وجه المأمون وقال:
من أين لك ويلك هذا، قلت: ولي الأمان على الصّدق؟ قال: ذلك لك، فحدّثته
الحديث فقال: فما كان في هذا من النفاسة حتى شهرته، وذكرت هذا منه مع الذي أخذته
من العوض، وهجّنني فيه هُجْنةً وددت معها أني لم أذكره، وآليت ألا أغنّيه بعدها أبداً.
أخْبَرَنا أبو الحسن بن قُبَيس، نا وأبو منصور بن خَيْرُون، أنا أبو بكر الخطيب(٢)،
أخبرني أحمد بن محمد بن عبد الواحد المَرْورُّوذي، نا عبيد الله بن محمد بن أحمد
المقرىء، نا أبو بكر محمد بن يحيى النديم، نا الحسن بن يحيى الكاتب، نا إسحاق
المَوْصلي قال: أنشدت الأصمعي شعراً لي على أنه لشاعر قدیم:
يُرْوَ (٣) منها الصَّدى ويُشفَى (٤) الغليلُ
هل إلى نظرة إليك سبيلُ
وكثير(٥) من الحبيب القليلُ
إن ما قلّ منكِ يكثرُ عندي
فقال لي: هذا والله الديباج الخُسْرُواني(٦)، فقلت له: انه ابن ليلته، فقال: لا جرم
إنّ أثر التوليد فيه! فقلت له: لا جرم إن أثر الحسد فيك. قال أبو بكر وقد أعجب هذا
المعنى إسحاق فردده في شعره فقال(٧):
هل لنا منك مجيرُ
أيها الظبي الغرير
ـك وإنْ قلّ كثيرُ
إن ما تَوَّلْنَا من
(١) عن الأغاني وبالأصل كالموقر.
(٢) تاريخ بغداد ٣٤٢/٦ والأغاني ٣١٨/٥.
(٣) كذا بالأصل والمصدرين، وجزم الفعل لضرورة الشعر.
(٤) بالأصل: ((ويشفي العليل)) والمثبت عن الأغاني وتاريخ بغداد.
(٥) الأغاني:
وكثير ممن تحب القليل
(٦) ثياب منسوبة إلى خسروشاه من الأكاسرة.
(٧) البيتان في تاريخ بغداد ٣٤٢/٦ والأغاني ٣١٨/٥.

١٥٩
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
وكان إسحاق يظن أنه [ما](١) سبق إلى هذا المعنى. حتى أُنشِدُ لأعرابي [من بني
عقيل](٢):
فقد حان منا يا مُليحُ رحيلٌ
قفي ودعينا يا مُلَيح بنظرةٍ
إليكِ وكلٌّ ليس منك قليلٌ
أليسَ قليلاً(٣) نظرةٌ إن نظرتُها
قال فحلف إسحاق أنه ما کان سمعه.
أخبرنا أبو القاسم النسيب وأبو الوحش المقرىء، عن أبي الحسن رشا بن نظيف
- وقرأته من خط رشا - أنا إبراهيم بن علي بن إبراهيم البغدادي، نا محمد بن يحيى،
أنا أبو العيناء، قال: قال لي الأصمعي يوماً: لقيني إسحاق المَوْصلي فقال لي: ما تقول
في قول الشاعر:
هل إلى نظرةٍ إليكِ سبيلُ يُرْوَ منها الصَّدى ويُشْفى الغليلُ
وكثيرٌ من المحب القليلُ
إنّ ما قلّ منكِ يُكثرُ عندي
فقلت له: هذا والله الديباج الخُسْرُواني وأعجبت به، فقال لي: إنه ابن ليلته، أي
أنا قلته البارحة فحملت وقلت له: لا جرم إن أثر التوليد فيه قال: لا جَرَم إن أثر الحسد
فيه. وإنما سرق إسحاق هذا البيت من العباس بن قَطَن الهلالي حيث يقول:
قفي متّعينا يا مُلَيحُ بنظرةٍ فقد حان منا يا مُلَيحُ رحيلٌ
إليكِ وكلّ ليس منك قليلُ
أليس قليلاً نظرةٌ نظرتُها
اخْبَرَنا أبو علي بن نبهان، ثم حدثنا أبو الفضل بن ناصر، أنا أبو طاهر أحمد بن
الحسن، وأبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد البزاز، وأبو علي
محمد بن سعید بن نبهان ح.
وأخْبَرَنا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا أبو طاهر أحمد بن الحسن قالوا: أنا أبو
علي بن شاذان، أنا أبو بكر محمد بن الحسن بن مقسم المقرىء، أنشدنا أبو العباس
(١) زيادة عن تاريخ بغداد.
(٢) ما بين معكوفتين زيادة عن الأغاني ٣١٨/٥.
(٣) عن تاريخ بغداد والأغاني، وبالأصل ((قليل)).

١٦٠
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي المعروف أبوه بالموصلي
لأبي زياد في إسحاق بن إبراهيم المَوْصلي :
ونفعكُ يا ابن المَوْصلي قليلُ
نزورك يا ابن المَوْصلي لحاجةٍ
أنبأنا أبو الحسن بن قُبَيس، نا وأبو منصور بن خيرون، أنا أبو بكر الخطيب(١)،
أنا تركان بن الفرج البَاقِلاني، أنا أبو بكر محمد بن الحسن بن مقسم العطار - املاء - نا
أبو العباس - وهو أحمد بن يحيى ثعلب - قال: قال إسحاق بن إبراهيم المَوْصلي
استبطأني أبو زياد - يعني الكلابي - فقال:
نزورك يا ابن الموصلي لحاجةٍ
و
ونفعك يا ابن المَوْصلى
قليل
وفي غیر هذه الرواية بيت ثانٍ وهو هذا:
فما لك عندي من فعال أذمه وما لك ما يُثنى عليك جميلٌ
فأعتبته. قال: وأخبرني أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه، أنا إسماعيل بن
محمد بن إسماعيل الكاتب، أنشدنا أحمد بن سعيد - يعني الدمشقي - أنشدني الزبير
- وهو ابن بكار - أنشدني أبو سليمان إدريس بن أبي حَفْصة يمدح إسحاق بن إبراهيم
التّميمي المَوْصلي (٢):
كان بها ابنُ الموصليّ عالمًا
إذا الرجالُ جَهِلوا المكارمَا
لو كنت أدركتَ الجواد حاتما(٣)
أبقاك ذو العرش بقاءً دائما
فقد جُعِلتَ للكرام خاتما
كان نداه لنَداك خادمـا
وأنشدنا أيضاً في إسحاق يمدحه (٤):
لقد ذهبَ المعروفُ إلّ بقيةٌ
إذا ما كريمٌ غيّر الدّهرُ وُدَّه
بها أنت يا ابن الموصليّ تقومُ
فودك يا ابن الموصليّ يدومُ
من الناس فيها ما بقيتَ كريمُ
تطيبُ بك الدنيا وليس بزائل
(١) تاريخ بغداد ٣٤٤/٦.
(٢) الأبيات في تاريخ بغداد ٦/ ٣٤٤ والأغاني ٤١٠/٥.
(٣) مكانه في الأغاني:
إسحاق لو كنت لقيت حاتما
(٤) الأبيات في تاريخ بغداد ٣٤٥/٦.