النص المفهرس

صفحات 161-180

إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب ١٦١
أمعر(١) عليه أقبية ديباج ومنطقة (٢) وسيف محلّيان بالذهب، فدخل عليّ إلى دار معاوية
وكنت جالساً في صحنها، فسلّم من دون البساط، فأمرته بالتقدم والجلوس، فجلس
على الأرض ولم يرتفع إلى البساط، فقلت له: ارتفع أيها الرجل، فقال أيها الأمير، إن
للبساط ذماماً أتخوّف أن يلزمني جلوسي عليه، ولست أدري ماذا يسومني عليه، وإذا
اتفقنا على أمرٍ قبلتُ التكرمةَ وجلست حيث تجلسني، فقلت له ما الذي تحب؟ قال:
أنت والأمير، وأنا كالأسير، وأنت أحقّ أن تخبرني بما تريد مني، فاعلمته أني أريد منه
أن يُسلمَ ويسمعَ ويُطيعَ، فيكون له ما لي وعليه ما عليّ فقال: أما السمع والطاعة فأرجو
أن لا أخالف فيهما، وأما الدخول في الإسلام فهو ما لا سبيل لي إليه، فأعلمني أيها
الأمير بما لي عندك إذا لم أدخل معك في دينك فأعلمته أنه لا بد له من آداء الجزية إليّ
وأنه إذا فعل ذلك ولم يخف السبيل ولم يتعدّ ما لا يجب لأهل الذمة كانت له عندي
[الحياطة والعناية بمصالح أموره، فقال: يعفيني الأمير من آداء الجزية، فإني أجيب إلى
جميع الخصال إن أعفاني] (٣) من هذه الخصلة الواحدة، فأعلمته أنه لا سبيل إليها. قال:
فأنا منصرف على أماني، فأمرته بالانصراف وتقدّمت إلى الحاجب أن يحضر إناءً فيه ماء
فيوقف عليه فرسه، فإذا خرج من عندي ليركب دابته رآها تشرب من الإناء فلما خرج
بصر بدابته دعا بداية شاکریه فركبها ولم يركب دابته فقال له الحاجب: خذ دابتك فقال:
ما كنت لآخذ معي شيئاً قد ارتفق منكم بمرفق فأحاربكم عنه (٤)، فاستحسنت (٥) ذلك منه
وأمرتُ بردّه عليّ، فلما دخل قلت: الحمد لله الذي أظفرني بك بلا عندٍ ولا عهدٍ فقال:
وكيف ذاك؟ قلت: لأنك قد انصرفت من عندي ثم عدت إليّ، فقال: شرطك لي أن
تصرفني إلى مأمني، فإن كانت دارك مأمني فلست بخائف شيئاً، وإن كان مأمني داري
فردّني إلى البلقاء فجهدت به أن يجيبني إلى آداء الجزية لرأسه دينارين على أن أوصل إليه
في كل سنة به ألفي دينار فلم يفعل، فأذنت له في الرجوع إلى مأمنه، فرجع فأسعر الدنيا
(١) الأمعر: الذاهب شعر الناصية، والأمعر من الشعر: المتساقط (القاموس).
(٢) المنطقة كمكنسة شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها فترسل الأعلى على الأسفل إلى الأرض والأسفل ينجر
على الأرض ليس لها حجزة ولا نيفق ولا ساقان، يقال: انتطقت: لبستها، وانتطق الرجل: شد وسطه
بمنطقة (القاموس).
٠
(٣) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك على هامشه وبجانب العبارة كلمتا صح صح.
(٤) في السير: عليه.
(٥) في السير: فاستحييت وطلبته.

١٦٢ إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب
شرّاً ثم حَمل إليّ عبيد اللّه بن المهدي مالاً [من مالٍ](١) مصر فخرج اليهودي متعرضاً
له، وكتب إليّ النعمان مولى بني أمية يعلمني إجماع اليهودي على التعرض للمال،
وقطع الطريق عليه، وسألني عن رأيي في محاربته أو الإمساك عنه، فكتبت إلى النعمان
ألزمه بذرقة ذلك المال، وأمرته بمحاربة اليهودي إن عرض له فخرج النعمان ملتقياً
للمال، ووافاه اليهودي ومع كل واحد منهما جماعة من الرجال، فسأل النعمانُ اليهودي
الانصرافَ عن المال فأعلمه أنه لا يفعل وأظهر له بغياً شديداً، وقال له: إن شئتَ خرجتُ
إليك وحدي وأنت في جماعة أصحابك، وإن شئت توافق أصحابي وأصحابك وتبارزنا
جميعاً، وإن ظفرتَ بك انصرف أصحابك إليّ وكانوا شركائي في الغنيمة، وإن ظفرت
بي صار أصحابي إليك وانصرفوا عني، فقال له: ويحك يا يحيى أنت حدث وقد بليتَ
بالعجب، ولو كنت من أنفس قريش لما أمكنك مغازة (٢) السلطان وهذا الأمير هو أخو
الخليفة، وإنا وإن فرّق بيننا الدين أحبّ أن لا يجري على يدي قتل فارس من الفرسان في
بلد الإسلام لأن كل ما نقص من فرسان الإسلام سرّ أعداءهم فإن كنت لا تحب ما أحب
من السلامة لي ولك وكان أصحابك مطيعين لك وأصحابي مطيعين لي، فاخرج إليّ حتى
أخرج إلیك ولا يُبتلى بي وبك من يسؤونا قتله.
قال: فخرجا جميعاً وكان ذلك بعد وقت صلاة العصر فلم يزالا في مبارزة يريد
كل منهما صاحبه إلى أن اختلط عليهما الظلام فوقف كل واحد منهما على فرسه واتّكأ
على رمحه، إلى أن غلبت النعمان عيناه فنام، فطعنه اليهودي فوقع سِنَانه في بشيزكة
مِنْطَقة النعمان فدارت المِنْطَقة، وصار السنان يدور بدوران البشيزكة إلى الظهر واعتنقه
النعمان، وقال له: أغدراً يا ابن اليهودية؟ فقال له: أَوَ محاربٌ ينام يا ابن الأَمَة؟ واتكأ
عليه النعمان عند معانقته إياه وسقط فوقه وكان النعمان ذا جثة عظيمة، وکان اليهودي
ضَرْباً(٣) خفيف اللحم فصار النعمان فوقه فذبحه وأنفذه إليّ مذبوحاً رأسه على بدنه،
وأنفذ المال مسلماً.
قال إبراهيم: فلم يختلف عليّ في البلد أحدٌ قال: ثم وليّ البلد بعدي سليمان بن
(١) سقطت من الأصل واستدركت عن هامشه، وفي السير: وحمل مال من مصر.
(٢) في السير: معارّة.
(٣) الضرب: الخفيف اللحم (القاموس).

إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ١٦٣
المنصور بن المهدي فكانت على رأسه الفتنة العظمى، ثم لم يرد القوم طاعة بعد ذلك
إلى أن افتتح دمشق عبد اللّه بن طاهر في سنة عشر ومائتين.
وحدثني إبراهيم أن السبب كان في صرفه عن دمشق المرة الأولى أنه اشتهى
الاصطباح في دار معاوية، فأمر بمنع الناس من دخول الدار هرباً من ظهور أصوات
القيان، فأُغلقت الأبواب، قال: وحضر الكاتب وكان يتولى مع كتابتي القَهْرُمة(١) فوقف
بالباب وصار إليه بعض الحشم فسأله أن يكتب له إلى صاحب النزل ببعض ما يحتاج إليه
فلم يمكن إخراج دواة الكاتب من الدار؛ واستعجله الغلام فأخذ فحمةً فكتب له إلى
صاحب النزل في خرقة بحاجته ورمى بالفحمة فأخذها سليم حاجبي، فكتب على ملبن
باب دار الإمارة كاتب يكتب بالفحم في الخرق وحاجب لا يصل، ووافى صاحب البريد
الباب فقرأ ما كتب به سليم، فكتب بذلك إلى الرشيد وأنفذ الكتاب في خريطة بندارية
مخلقة فوافت الرّة يوم الرابع وأمير المؤمنين الرشيد بها، فساعة نظر في الكتاب وقّع
بصرفي، فوصل الكتاب إليّ بالصرف عن دمشق في آخر اليوم الثامن، فخرجت عن
دمشق إلى الرّقّة وبها الرشيد فحبسني مائة يوم لم يطلق لي دخول داره وحلف على
جعفر بن يحيى بن برمك أن لا يجري له عنده ذكراً سنة كاملة، ثم إنه رضي بعد السنة
وما زلت أدخل عليه وأنا عنده بالمنزلة التي أريد ورجع إلى ما أريد إلى انقضاء سنتين من
عزلي عن دمشق، ثم أنه قال لي في كلام جرى بيني وبينه بحقّي عليك لما تخيرت ولاية
أوليكها، فقلت له: إن كانت ولاية أخرج إليها فدمشق، وإن كانت مما أوجه فيه خليفة
اخترت لنفسي، فسألني عن سبب اختياري ولاية دمشق، فأخبرته باستطابتي هواها
واستمرائي ماءها واستحساني مسجدها وغوطتها، فقال لي قدرك اليوم عندي يتجاوز
ولاية دمشق ولكن إذا كانت محبتك لها هذه المحبة فإني أجمع لك مع ولاية الصلاة
والمعاون ولاية الخراج، فعقد لي على دمشق وأمر بإنشاء عهدي وكتبي على الخراج
ففعل ذلك، ثم نفذت إلى دمشق فأقمت بها نحواً من أربع سنين.
وحدثني إبراهيم: أن أمير المؤمنين الرشيد ولّه الموسم سنة ست وثمانين
(١) القهرمان فارسي معرب، هو كالخازن والوكيل الحافظ لما تحت يده والقائم بأمور الرجل بلغة الفرس. قال
ابن بري: القهرمان من أمناء الملك وخاصته. (اللسان).

١٦٤ إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب
ومائة(١)، وأنفذ إليه عهده إلى دمشق وأمره بالاستخلاف على عمله، والخروج إلى مكة
لیحج بالناس، ثم يرجع إلى عمله من جند دمشق، قال إبراهيم: فخرجت من دمشق أريد
الحجاز، فلما قطعت وادي القرى وافيت جبلاً يسير الناس في سفحه، وفي الجبل
صخرة عظيمة لا يأمن السائر تحتها سقوطها عليه، وليس للمجتاز بذلك طريق إلّ تحت
تلك الصخرة، فدخلتني روعة من السير تحتها ثم دعوت بفرس جواد فركبته وركضت
حتى جزت عنها، فكتب بذلك صاحب خبر الناحية إلى صاحب البريد، وكتب به
صاحب البريد إلى الرشيد، فلما ورد عليه الخبر غضب عليّ، وقال: ابن المهدي جبان،
وأمر بصرفي عن دمشق وتولية العباس بن محمد بن إبراهيم الإمام ما كنت أتولى من
الصلاة بأهل جند دمشق والمعونة على ذلك الجند.
قال إبراهيم: واجتاز تحت تلك الصخرة بعد أن جزتها جماعة كثيرة من حجّاج
أهل الشام فسقطت الصخرة عليهم فقتلت عالماً من الناس، وكتب صاحب الخبر بذلك
فتأدى الخبر إلى الرشيد، فأمر بإبطال أمر العباس بن محمد وبالكتاب إليّ باستصواب
رأيي وبحمدي على ما كان مني، ووصلني بثلاثين ألف دينار من مال دمشق فقبضتها بعد
رجوعي إليها .
أخبرنا أبو الحسن بن قُبَيْس وأبو منصور بن خَيْرُون، قالا: قال لنا أبو بكر
الخطيب(٢): إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن
عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أبو إسحاق، ويعرف بابن شَكْلة. بويع له بالخلافة
ببغداد في أيام المأمون، وقاتل الحسن بن سهل، وكان الحسن أميراً من قبل المأمون
فهزمه إبراهيم، فتوجه نحوه حُمَيد الطوسي فقاتله، فهزمه حُمَيد، واستخفى إبراهيم مدة
طويلة حتى ظفر به المأمون فعفا عنه، وكان أسود حالك اللون، عظيم الجثة، ولم يُرَ في
أولاد الخلفاء قبله أفصح منه لساناً، ولا أجود شعراً.
قال(٣): وكان إبراهيم وافر الفضل غزير الأدب، واسع النفس، سخي الكفّ،
(١) كذا، وفي مروج الذهب ٤/ ٤٥٥ حج بالناس هارون الرشيد سنة ١٨٦ وفي المعارف ص ٣٨١ آخر حجة
حجها هارون ((سنة ست وثمانين ومئة)) وفي مروج الذهب أن إبراهيم بن المهدي حج بالناس سنة ١٨٤ .
(٢) تاريخ بغداد ٦/ ١٤٢.
(٣) القائل: أبو بكر الخطيب، الخبر في تاريخ بغداد ٦/ ١٤٤.

إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ١٦٥
وكان معروفاً بصنعة الغناء، حاذقاً بها، وله يقول دعبل بن علي يتقرب بذلك إلى
المأمون(١):
فهفا إليه كلُّ أطلسَ (٣) مائقِ
نفر (٢) ابنُ شَكْلَة بِالعراقِ وأهلِها
فَلْتَصْلُحَنْ من بعدِهِ لمُخارقِ (٤)
إن كان إبراهيمُ مضطلعاً بها
قرأت علي أبي محمد السُّلَمي، عن أبي نصر بن ماكولا، قال (٥): أما التِنِين - أوله
تاء معجمة باثنتين من فوقها وبعدها نون مشددة مكسورة - فهو إبراهيم بن المهدي بن
المنصور أمير المؤمنين، كنيته أبو إسحاق، أمه شَكْلَة نُسب إليها، وكانت سوداء، وكان
شديد السواد عظيم الجسم فلقب التّنِّين لذلك، ولد في سنة اثنتين وستين ومائة، وتوفي
سنة أربع وعشرين ومائتين، وقيل في سنة ثلاث وعشرين بسُرّ من رأى، كان من أحسن
الناس غناء وأعلمهم به، وهو شاعر مطبوع مكثر قال ذلك كله المَرْزُباني، أخبرني به
السلمي عنه.
أخبرنا أبو غالب المَاوَزْدي، أنا أبو الحسن السّيرافي، أنا أحمد بن إسحاق
النَّهاوندي، نا أحمد بن عَمْران الأشناني، نا موسى بن زكريا، نا خليفة بن خيّاط، قال:
سنة أربع وثمانين ومائة أقام الحجّ إبراهيم بن المهدي(٦).
أخبرنا أبو القاسم بن السمر قندي، أنا أبو بكر بن الطبري، أنا أبو الحسين بن
الفضل، أنا عبد الله بن جعفر، نا يعقوب بن سفيان، قال: في سنة أربع وثمانين ومائة
حجّ بالناس إبراهيم بن المهدي.
أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم الحسيني(٧)، أنا أبو محمد عبيد الله بن
(١) البيتان من سبعة أبيات في ديوانه ط بيروت ص ٢٤٤ وانظر تحريجهما فيه.
(٢) الديوان: نعر، يقال نعر فلان في الفتنة إذا قام فيها .
(٣) في أشعار أولاد الخلفاء كل أطيش، بالشين.
(٤) مخارق، مولى مملوك، مغنٍ، وهو مخارق بن يحيى بن ناوس الجزار.
(٥) الإكمال لابن ماكولا ٥١٨/١.
(٦) تاريخ خليفة ص ٤٥٧ وانظر مروج الذهب ٤٥٥/٤.
(٧) بالأصل ((الحسني)) خطأ والصواب ما أثبت عن م، وقياساً إلى سند مماثل، وانظر فهارس شيوخ ابن عساكر
(المجلدة السابعة).

١٦٦ إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب
عبد الواحد بن محمد بن أبي الحديد ح.
وأخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد، وعلي بن المُسَلّم الفقيهان قالا: أنا
أحمد بن عبد الواحد بن أبي الحديد، أنا جدي أبو بكر، أنا أبو بكر محمد بن جعفر بن
محمد السَّامري، نا العباس بن الفضل الرَّبَعي، قال: كتب طاهر بن الحسين إلى
إبراهيم بن المهدي في الأخذ بالحزم، وإبراهيم في ناحية المخلوع، وطاهر يحاربه(١):
حفظك الله وعافاك الله، أما بعد فإنه كان عزيزاً عليّ أن أكتب إلى أحدٍ من أهل بيت
الخلافة بغير التأمیر (٢)، إلّ أني حُدّثت عنك وتُوهمت عليك أنّك مائل بالرأي والهوى
إلى الناكث المخلوع، فإن كان ما بلغني حقاً فقليل ما كتبت به إليك وكتب في آخر
الكتاب:
جَهلٌ ورأيُك بالإِقحام تغريرُ
ركوبُك الهولَ ما لم تلقَ (٣) فُرصتَهُ
حظ المصيبين والمغرورُ مغرورُ
أعظمْ بدنيا ينال (٤) المخطئون بها
فلن يُذَمَّ لأهل الحزم تدبيرُ
ازرع (٥) صواباً وحبلُ الحزمِ مُوتَرَةٌ
فأنت عند ذوي الألباب معذورُ
فإنْ ظفرت مُصيباً أو هلكَتَ به
قالوا: جهولٌ أعانته المقاديرُ
وإِنْ ظفرتَ على جهلٍ وفُزتَ به
كذا رواها الخرائطي ها هنا ورواها في موضع آخر بإسناد آخر.
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد، وعلي بن المسلم الفقيهان، وأبو المعالي
الحسين بن حمزة السّلمي قالوا: أنا أبو الحسن بن أبي الحديد، أنا جدي أبو بكر، أنا
أبو بكر الخرائطي، نا العباس بن عبد اللّه التُّرْقُفي، نا إسحاق بن الفضل الهَاشِمي، أو
غيره، قال: كتب طاهر بن الحسين إلى إبراهيم بن المهدي وهو يحاربه في ترك التقحّم
والأخذِ بالحَزمِ وإبراهيم في طاعة محمد بن زبيدة.
(١) الخبر والكتاب في العقد الفريد ٢٤١/٤ ومختصر ابن منظور ١٣١/٤.
(٢) العقد الفريد: بغير كلام الإمرة وسلامها.
(٣) العقد الفريد: تُلف.
(٤) في العقد الفريد: أهونْ بدنيا يصيب ...
(٥) صدره في العقد الفريد:
فازرع صواباً وخذ بالحزم حيطته

إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ١٦٧
بسم الله الرَّحمن الرحيم، حفظك الله وعافاك، أما بعد: فإنه كان عزيزاً عليّ أن
أكتب إلى رجل من أهل بيت الخلافة بغير التأمير، لكن بلغني عنك أنك مائلٌ بالرأي
والهوى إلى الناكث المخلوع، فإنْ يكُ ما بلغني حقّاً، فقليلُ ما (١) كتبتُ به إليكَ
كثيرٌ(١)، وإنْ يكُ باطلاً فالسَّلام عليك أيُّها الأمير ورحمةُ الله وبركاته.
و کتب في أسفل کتابه:
جهلٌ ورأيك في الإِقحام تغريرُ
ركوبُك الهولَ ما لم تلقَ فرصتَهُ
حظّ المصيبين والمغرورُ مغرورُ
أعظمْ بدنيا ينال المخطئون بها
فلن يُرَدّ لأهلِ الحَزمِ تدبيرُ
ازرع صواباً وحبلُ الحزم مُوترةٌ
فأنت عند ذوي الألبابِ معذورُ
فإنْ ظفرت مصيباً أو هلكتَ به
قالوا: جَهولٌ أعانته المقاديرُ
وإنْ ظفرتَ على جهلٍ وفُزْتَ به
أخبرنا أبو الحسن بن قُبَيْس، نا وأبو منصور بن خَيْرُون، أنا أبو بكر الخطيب (٢):
أخبرني أبو القاسم الأزهري، نا أحمد بن إبراهيم، نا إبراهيم بن محمد بن عَرَفة قال:
بعث المأمون إلى علي بن موسى الرضا فحمله وبايع له بولاية العهد، فغضب من ذاك
بنو العباس وقالوا: لا نُخرج الأمرَ عن أيدينا، وبايعوا إبراهيم بن المهدي، فخرج إلى
الحسن بن سهل فهزمه وألحقه بواسط(٣)، وأقام إبراهيم بن المهدي بالمدائن، ثم وجّه
الحسن عليَّ بن هشام وحُميد الطوسي فاقتتلوا، فهزمهم حُمَيد واستخفى إبراهيم، فلم
يُعرف خبرُهُ حتى قَدِم المأمونُ فأخذَهُ.
أخبرنا أبو غالب بن البنا، أنا محمد بن أحمد بن الآبنوسي، أنا عبيد الله بن
عثمان بن يحيى، نا إسماعيل بن علي بن إسماعيل قال (٤): وبايع أهل بغداد
لإبراهيم بن المهدي بالخلافة ببغداد في داره المنسوبة إليه في ناحية سوق العطش (٥)،
وسَقُّوه المبارك، وقيل: سَمُّوه المَرْضِيّ وذلك يوم الجمعة لخمسٍ خَلون من المحرم
(١) في العقد الفريد: ((فكثير ... فقليل)).
(٢) تاريخ بغداد ٦/ ١٤٢.
(٣) واسط: مدينة متوسطة بين البصرة والكوفة، تبعد عن كلّ منهما خمسين فرسخاً. (معجم البلدان).
(٤) تاريخ بغداد ١٤٢/٦ - ١٤٣.
(٥) سوق العطش من أكبر محالّ بغداد بالجانب الشرقي بين الرصافة ونهر المعلى (معجم البلدان).

--
١٦٨ إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب
سنة اثنتين ومائتين، فغلب على الكوفة والسواد، وخُطب له على المنابر، وعسكر
بالمدائن ثم رجع إلى بغداد، فأقام بها، والحسن بن سهل مقيماً في حدود واسط خليفةً
للمأمون. والمأمون ببلاد خراسان فلم يزل إبراهيم مقيماً ببغداد على أمره يُدعى بإِمرة
المؤمنين، ويُخطب له على منبر (١) بغداد، وما غلب عليه من السواد والكوفة، ثم
رحل(٢) المأمون متوجهاً إلى العراق وقد توفي علي بن موسى الرضا، فلما أشرف
المأمون على العراق وقَرُب من بغداد ضَعُفَ أمر إبراهيم بن المهدي وقصرت يده،
وتفرّق الناس عنه، فلم يزل على ذلك إلى أن حضر الأضحى من سنة ثلاث ومائتين
فركب إبراهيم بن المهدي في زي الخلافة إلى المُصلّى فصَلّى بالناس صلاة الأضحى
وهو ينظر إلى عسكر علي بن هشام مقدمةً للمأمون، ثم انصرف من الصّلاة فنزل قصر
الرصافة وغدا الناس فيه، ومضى من يومه إلى داره المعروفة به، فلم يزل فيها إلى آخر
النهار، ثم خرج منها بالليل فاستتر وانقضى أمره.
فكانت مدته منذ بويع له بمدينة السلام إلى يوم استتاره سنة وأحد عشر شهراً
وخمسة أيام، وكان سنّه [يوم](٣) بويع له تسع وثلاثون سنة وشهرين وخمسة أيام، لأن
مولده غرة ذي القعدة من سنة اثنتين وستين ومائة، واستتر وسنّه إحدى وأربعون (٤) سنة
وأيام، وأقام في استتاره ست سنين وأربعة أشهر وعشرة أيام، وظفر به المأمون لثلاث
عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة عشر ومائتين، فعفا عنه واستبقاه فلم يزل حياً طاهراً
مكرماً (٥) إلى أن توفي في خلافة المعتصم بالله، وكان واسع الأدب كثير الشعر.
أخبرنا أبو الحسن بن قُبَيْس، نا وأبو منصور بن خَيْرُون، أنا أبو بكر الخطيب(٦)،
أنا محمد بن أحمد بن رزق، أنا عثمان بن أحمد الدقاق، نا محمد بن أحمد بن البراء،
قال: وفي سنة اثنتين ومائتين خالف إبراهيم بن المهدي وبايع لنفسه، وفي سنة ثلاث
خلع إبراهيم، وقدم المأمون بغداد في سنة أربع في صفر، وأخذ إبراهيم في سنة عشر.
(١) عن تاريخ بغداد وبالأصل ((منبري)).
(٢) في تاريخ بغداد: ((دخل)) تحريف.
(٣) زیادة عن تاريخ بغداد.
(٤) بالأصل ((وأربعين)) والصواب عن تاريخ بغداد.
(٥) في تاريخ بغداد: ظاهراً.
(٦) تاريخ بغداد ١٤٣/٦ .
۔۔

١٦٩
إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب
أخبرنا أبو غالب المَاوَرْدي، أنا أبو الحسن السّيرافي، أنا أحمد بن إسحاق
النَّهَاوندي، نا أحمد بن عَمْران، نا موسى بن زكريا، ناخليفة بن خياط، قال(١): وفيها
- يعني سنة إحدى ومائتين - أُخرج الحسن بن سهل من بغداد وبويع إبراهيم بن
المهدي - وأمه شَكْلة - ببغداد، وأخذت له الكوفة وعامّة السواد.
أخبرنا أبو العز بن كادش - فيما ناولني إياه وقرأ عليَّ إسناده، وقال: أروه عني -
أنا أبو علي الجازِريح.
وأخبرنا أبو الحسن بن قُبَيس، نا وأبو منصور بن خَيْرُون، أنا أبو بكر
الخطيب(٢)، أنا أحمد بن عمر بن رَوحِ النَّهْرَواني(٣)، قالا: أنا المعافی بن زکریا، نا
أحمد بن إبراهيم الطبري، نا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: وجدت في كتاب أبي
بخطه، قال: لما بويع إبراهيم بن المهدي ببغداد قلّ المال عنده، وكان قد لجأ إليه
أعرابٌ من أعراب السواد وغيرهم، فاحتبس عليهم العطاء، فجعل إبراهيم يسوّفهم
بالمال ولا يرون لذلك حقيقة، إلى أن اجتمعوا يوماً فخرج رسول إبراهيم إليهم فصرّح
لهم أنه لا مال عنده، فقال قوم من غوغاء أهل بغداد: فإذا (٤) لم يكن المال فأخرجوا
إلينا خليفتنا فليغنّ لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، ولأهل ذلك الجانب ثلاثة أصوات،
فيكون ذلك عطاءهم. قال أبي: فأنشدني دعبل في ذلك (٥):
وارضوا عطاياكم ولا تسخطوا (٦)
يا معشر الأعراب لا تغلطوا
فسوف يعطيكم حنينية (٧) لا تدخل الكيس ولا تربطُ(٨)
(١) تاریخ خليفة بن خياط ص ٤٧٠ .
(٢) تاريخ بغداد ١٤٤/٦.
(٣) ضبطت عن الأنساب، هذه النسبة إلى النهروان بليدة قديمة على أربعة فراسخ من الدجلة، وترجم له ترجمة
قصيرة.
(٤) تاريخ بغداد: فإن.
(٥) الأبيات في ديوانه ط بيروت ص ٢١٩ وانظر تخريجها فيه.
(٦) البيت في ديوانه:
يا معشر الأجناد لا تقنطوا
وارضوا بما كان ولا تسخطوا
(٧) كذا بالأصل والديوان، وفي تاريخ بغداد: ((خنينية)) وعلى هامشه: كذا بالأصل.
وقوله: حنينية نسبة إلى حنين الحيري المغني، يعني ألحاناً حنينية.
(٨) عجزه في الديوان:
يلتذها الأمرد والأشمط
والعجز المثبت بالأصل ورد في الديوان عجزاً لصدر البيت التالي.

١٧٠ إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المتصور بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب
وما بهذا أحدٌ يغبطُ
والمعبديات (١)لقوّادكم
خليفة مصحفه البَربطُ (٣)
فهكذا يرزق أجناده(٢).
زاد الجازري قال القاضي: البربط العود، وأصله بالفارسية، والعرب تسميه
المزهر، وقال النهرواني: خذوا عطاياكم، وقال: يرزق أصحابه.
أخبرنا أبو الحسن بن قُبَيس، نا وأبو منصور بن خَيْرُون، أنا أبو بكر الخطيب (٤)،
أنا محمد بن عبد الواحد الأكبر، نا محمد بن العباس الخَزّاز، نا أحمد بن محمد بن
عيسى المكي، نا محمد بن القاسم بن خَلّد، قال: لما طال على إبراهيم بن شَكْلة
الاختفاء وضجر، كتب إلى المأمون: وليّ الثأر محكّمٌ في القَصاص، والعفو أقرب إلى
التقوى، ومن تناوله الاغترار بما مدّ له من أسباب الرجاء أمن(٥) عادية (٦) الدهر على
نفسه، وقد جعل الله أمير المؤمنين فوق کلّ ذي عفوٍ، کما جعل كلّ ذي ذنب دونه، فإن
عفا فبفضله، وإن عاقب فبحقه. فوقَّع المأمون في قصته أمانه. وقال فيها: القدرة تذهب
الحفيظة، وكفى بالندم إنابة، وعفو الله أوسع من كل شيء، ولما دخل إبراهيم على
المأمون قال :
إن أكن مذنباً فحظّي أخطأ تُ فدغْ عنك كثرة التأنيب
- لمّا أتوه ــ: لا تثريب
قلْ كما قال يوسف لبني يعقوب
فقال: ﴿لا تثريب﴾ (٧) .
أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن، أنا محمد بن علي بن أحمد، أنا أحمد بن
إسحاق، نا أحمد بن عمران، نا موسى بن زكريا، نا خليفة بن خياط قال (٨) : وفيها
- يعني سنة عشر ومائتين - ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي فعفا عنه.
(١) المعبديات نسبة إلى معبد المغني.
(٢) الديوان: أصحابه.
(٣) البربط عود الطرب (معرب).
(٤) تاريخ بغداد ٦/ ١٤٤ - ١٤٥.
(٥) عن تاريخ بغداد وبالأصل ((من).
(٦) في تاريخ بغداد: غادية.
(٧) من الآية ٩٣ من سورة يوسف.
(٨) تاريخ خليفة ص ٤٧٣ .

١٧١
إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب
أخبرنا أبو الحسن بن قُبَيس، نا وأبو منصور بن خَيْرُون، أنا أبو بكر
الخطيب (١)، نا أبو نُعيم الحافظ - إملاءً - نا أحمد بن محمد بن مقسم، نا محمد بن
يحيى [حدثنا] (٢) المُبَرّد، عن أبي محلم قال: قال إبراهيم بن المهدي لأمير المؤمنين
المأمون لمّا أُخذَ: ذنبي أعظم من أن يحيط به عذر، وعفوك أعظم من أن يتعاظمه ذنب.
فقال المأمون: حسبك، فإنا إن قتلناك فلله، وإن عفونا عنك فلله عز وجل.
قال: (٣): وأنا أحمد بن أبي جعفر، أنا محمد بن العباس الخَزّاز، نا أبو أيوب
سليمان بن إسحاق الجَلّب، قال: قال إبراهيم الحربي: نادى المأمون سنة ثمان
ومائتين ببغداد: إن أمير المؤمنين قد عفا عن عمه إبراهيم بن المهدي، وكان إبراهيم
حسن الوجه، حسن الغناء، حسن المجلس، وكان حبسه عند ابن أبي خالد (٤) قبل ذلك
سنة. قال إبراهيم: وقال المأمون: إيش ترون فيه؟ قال: فقالوا: ما رأينا خليفتين حيّين.
قال: فقال إن كان الله عز وجل فضل أمير المؤمنين بذلك؟ قال إبراهيم: وكنت مع
القواريري أمشي، فرآني إبراهيم بن المهدي، فتركني وذهب حتى سلّم عليه وقبّل
فخذه، وكان تحته حمار. [فبلغ](٥) القواريري منه فخذه.
أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم الحُسَيني (٦) وأبو الوحش سُبَيع بن المعلم
المقرىء في كتابيهما عن أبي الحسن رشأ بن نظيف - ونقلته من خطه - أنا أبو الفتح
إبراهيم بن علي بن سِيْبَخْت البغدادي، نا أبو بكر محمد بن يحيى الصولي(٧)، نا
أحمد بن إسماعيل الخصيبي، حدثني أبي، نا داود (٨) بن سليمان الأنباري، نا ثُمامة بن
أشرس(٩) قال: قال لي المأمون قد عزمت غداً على تقريع إبراهيم بن المهدي فاحضر
مبكراً وليقُرْب مجلسُك مني، فحضرت وقام السَّماط فبينا نحن كذلك إذ سمعتُ صلصلة
(١) تاريخ بغداد ١٤٥/٦ - ١٤٦.
(٢) الزيادة عن تاريخ بغداد.
(٣) القائل أبو بكر الخطيب، تاريخ بغداد ٦/ ١٤٦ .
(٤) عن تاريخ بغداد وبالأصل: ذئب.
(٥) بیاض بالأصل، والمثبت عن تاريخ بغداد.
(٦) بالأصل ((الحسني)) والصواب ما أثبت قياساً إلى سند سابق.
(٧) ضبطت عن تبصير المنتبه .
(٨) الأغاني ١١٦/١٠ وأشعار أولاد الخلفاء للصولي ص ١٨ .
(٩) من معتزلة البصرة، ورد بغداد واتصل بهارون الرشيد، صاحب أخبار ونوادر (انظر تاريخ بغداد ٧/ ١٤٥).

١٧٢ إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب
الحديد، فرفعت نظري فإذا إبراهيم بن المهدي موقوف على البساط ممسوك بضَبُعيه،
مغلولة يده إلى عنقه، قد تهدّل شعره على عينيه، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين
ورحمة الله وبركاته، فقال المأمون: لا سلَّم الله عليك ولا حياك ولا رعاك ولا كلَّك.
أكفرٌ يا إبراهيم بالنعمة بغير شكرٍ، وخروجٌ على أمير المؤمنين بغير عهدٍ ولا عقدٍ. فقال
إبراهيم: يا أمير المؤمنين إن القدرة تُذهب الحفيظة، ومن مُدَّ له في الاغترار هجمت به
الأناة علی التَّلَف، وقد رفعك الله فوق کلّ ذي ذنبٍ، کما وضع کلّ ذي ذنبٍ دونك، فإن
تعاقبْ فبحقك. وإن تعفُ (١) فبفضلك.
فقال المأمون: إن هذين قد أشارا عليّ بقتلك - وأومأ إلى المعتصم والعباس ابنه -
فقال: أشارا عليك يا أمير المؤمنين فما يشار به على مثلك في مثلي من حسن السّياسة
والتدبير، وإنّ الملكَ عقيمٌ ولكنك تأبى أن تستجلبَ نصراً إلّ من حيث عوّدك الله عز
وجل، وأنا عمّك، والعمُّ صِنوُ الأبِ، وبكى فتغرغرت(٢) عينا المأمون ثم قال: يا
ثُمامة؛ فوثبتُ قائماً، فقال: إنّ [من](٣) الكلام كلامٌ كالدرّ، يا غلمان: حلّوا عن عمّي
وغيّروا من حالته في أسرع وقتٍ، وجيئوني بَه، فأحضره مجلسَه ونادَمَه، وسأله أن
يغنّي، فأبى، وقال: نذرت - يا سيدي - لله عند خلاصي تركه، فعزم عليه، وأمر أن
یوضع العود في حجره، فسمعته يغنّي:
هذا مقام مشرّدٍ
نَمَّت عليه عداتُهُ
خربت منازلُهُ ودُورة
كذِباً فعاقبه أميرة
ثم ثنى بشعر آخر:
ذهبتُ من الدّنيا وقد ذَهَبَتْ منّي
فإنْ أبكِ نفسي أَبْكِ نفساً عزيزةً (٥)
وإني وإن كنت المسيء بعيبه (٦)
"لوی(٤) الدهرُ بي عنها وَوَلَّى بها عنِّي
وإنْ احتقرْها احتقرها على ضنِّ
بربِّي تعالى جدّه حَسَنُ الظَّنّ
(١) في الصولي: تغفر.
(٢) عن سير أعلام النبلاء وبالأصل ((فتغرغت)).
(٣) زيادة عن الأغاني.
(٤) في أشعار أولاد الخلفاء ص ٢٢ ((هوى الشيب)) وفي الأغاني: هوى الدهر.
(٥) في الأغاني والصولي: نفساً نفيسة وإن أحتسبها أحتسبها.
(٦) في مختصر ابن منظور: بعينه.

إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب ١٧٣
عدوتُ على نفسي فعادَ بعفوِهِ عليّ فعادَ العفوُ منّا على منٌّ
فقال المأمون: أحسنتَ والله يا أمير المؤمنين حقاً؛ فرمى بالعُود من حجره ووثب
قائماً فزعاً من هذا الكلام؛ فقال له المأمون: اقعد واسكن، فوحياتك ما كان ذلك لشيء
تتوهمه، ووالله لا رأيت منّي طول أيامي شيئاً تكرهه وتغتمّ به.
ثم أمر بكل ما قبض له من الأموال والدُّور والعَقار والدَّوابّ والضّياع - يعني أن
تُرَدّ عليه - وأعاد مرتبته وأمر له في تلك الساعة بعشرة آلاف دينار وانصرف مكرماً
مخلوعاً عليه على خيل [و](١) رجل أمير المؤمنين، واشتهر في الخاصّة والعامّة عفو أمير
المؤمنين عن عمّه، فحسُن موقع ذلك منهم، واستوسقوا على الطّاعة والمُوالاة والشّكر
والدُّعاء.
فقيل لثُمامة: أي شيءٍ كان جرمه؟ قال بويع له بالخلافة بعد محمد بن هارون،
والمأمون بخُرَاسان، فلما دخل المأمون اختفى وأهدر المأمون دمَهُ، ونادى عليه فجاء
من غير أن يجيء به أحدٌ، فأمكن من نفسه، فحبسه ستة أشهر، وأخرجه، وعفا عنه.
أنبأنا أبو سعد بن الطَّيُّوري، عن أبي عبد اللّه الصُّوري.
ثم حدثني أبو المعمر المبارك بن أحمد الأنصاري، أنا أبو الحسين المبارك بن
عبد الجبّار، نا أبو عبد الله محمد بن علي الصُّوري - لفظاً - قال: قرأت على أبي
الحسن عُبيد اللّه بن القاسم بن علي القاضي، نا أبو الحسن محمد بن أحمد بن طالب
البغدادي، نا أبو علي الكوكبي، نا أحمد بن عُبيد(٢) - أبو عصيدة - نا الفضل بن العباس
الهاشمي، قال بعث المأمون إلی إبراهیم عمّه - بعدما حبسه - رجلاً يثق به، فقال: تعرف
ما یعمل عمي وما یقول، قال: ففعل، ثم رجع إليه فقال: رأيته یبکي وقد وضع إحدى
رجليه على الأخرى وهو يتغنى:
يُرى مُعشباً لاخضرَّ خدّي فأَعشبا
فلو أنّ خدّاً من وُكوفٍ مدامعٍ
بما انهلّ منها من حَياً وتصبَّيا
كأَن ربيعَ الزَّهر بين مدامعي
بقيَّة نفس وذَّعَتني لتذهبا
ولو أنني لم أبكِ إلّ مودّعاً
(١) زيادة لازمة.
(٢) ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٩٣/١٣ (١١٠).

١٧٤ إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب
وقد قلتُ لَمَّا لم أجدْلي حيلةً من الموت - لَما حلَّ - أهلاً ومرحبا
قال: فیکی المأمون ثم أمر بالتخفيف عنه.
أخبرنا أبو منصور بن خَيْرُون، أنا أبو بكر الخطيب (١)، أنا ابن رَوْحِ النَهْرَواني،
أنا المعافى بن زكريا، نا الحسين بن القاسم الكوكبي، نا ابن عجلان، حدّثني حمّاد بن
إسحاق عن أبيه قال: دخلت على ابن شَكْلة في بقايا غضب المأمون فقلت:
فاصبرْ فليس لها صبرٌ علی حالٍ
هي المقاديرُ تجري في أَعنَّتها
إلى السَّماءِ ويوماً تخفضُ العالي
يوماً تريشُ خسيسَ الحالِ ترفعه
فأطرق ثم قال:
عيبُ الأَناةِ وإن سَرَّت عواقبُها أن لا خُلودَ وأَنْ ليس الفتى حجرا
فما مضى ذلك اليوم حتى بعث إليه المأمونُ بالرضا، ودعاه للمنادمة، والتقيتُ
معه في مجلس المأمون، فقلت: ليهنك الرّضا، فقال ليهنك مثله من مُتَيَّم، وكانت
جارية أهواها فحسُنَ موقع ذلك عندي فقلت:
ومن لي بأن تَرضى وقد صحَّ عندها وُلوعي بأخرى من بناتِ الأعاجمِ؟
حدثني أبو بكر يحيى بن إبراهيم بن أحمد السَّلَمَاسي، عن محمد بن فتوح
الأزدي، أنا منصور بن النعمان الصَيْمَري(٢)، أنا محمد بن عبيد اللّه، عن أبي العباس
عبد الله بن عبيد اللّه الصقري، عن أبي بكر الصنوبري(٣)، أنا علي بن سليمان الأخفش
قال: قال محمد بن یزید المُبَرّد: وقع إبراهيم بن المهدي في رقعة کاتب له - ورآه قد
تتبع الغريب والوحشي من الكلام - إيّاك والتتبُّعَ لوحشيّ الكلام طمعاً في نيل البلاغة،
فإن هذا العِيُّ الأكبرُ، وعليك بما سَهُل من الكلام، مع التّحفّظ لألفاظ السَّفَل.
أَخْبَرَنا أبو العز بن كادش - فيما ناولني إياه وقرأ عليَّ إسناده وقال: اروه عني - أنا
أبو علي محمد بن الحسين الجَازِري، أنا المعافى بن زكريا، نا محمد بن يحيى
(١) تاريخ بغداد ١٤٦/٦ .
(٢) ضبطت عن الأنساب، وهذه النسبة إلى موضعين (انظر الأنساب - ومعجم البلدان).
(٣) هذه النسبة إلى الصنوبر، قال في اللباب: وهو شجر معروف.

إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب ١٧٥
الصولي(١)، نا أحمد بن يزيد المُهَلّبي، قال: سمعت هبة الله بن إبراهيم بن المهدي
يقول: كتب أبي إلى بعض من عتب عليه في شيء: لو عَرفت(٢) الحُسْنَ لتجنبت القبيحَ،
ولو استحليتَ الحلمَ لاستمررت الخرق وأنا وأنت كما قال زهير(٣) :
مصيب فما يَلْمُمْ بِهِ فهُوَ قائلُهْ (٥)
وذي خَطَلٍ في القولِ تحسب (٤) أَنَّه
وأعرضْتُ عنه وهو بَادِ مقاتلُه
عَبَأْتُ لهُ حِلْمِي وأكرمتُ غيرَهُ
وإنّ من إحسان الله إلينا أنّا أمسكنا عما نعلم، وقلتَ ما لا تعلم، وتركنا المُمكنَ،
وقلتَ المعجز(٦).
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن منصور، وعلي بن الحسن بن سعيد، قالا :
نا وأبو النجم بدر بن عبد اللّه الشّيْحي(٧)، أنا أبو بكر الخطيب (٨)، أنا علي بن أبي
علي، نا الحسين بن محمد بن سليمان الكاتب، حدثني أبو محمد عبد الله بن محمد
- المعروف بابن السّقاء الواسطي بها - حدثني جَحْظَة (٩) قال: قال لي خالد الكاتب:
أضقت حتى عدمت القوت أياماً، فلما كان في بعض الأيام بين المغرب وعشاء الآخرة
فإذا بابي يدق، فقلت من هذا؟ فقال: من إذا خرجت إليه رأيته، فخرجت فرأيت رجلاً
راكباً على حمارٍ عليه طيلسان أسود، وعلى رأسه قلنسوة طويلة، ومعه خادم فقال لي
أنت الذي تقول:
(١) أشعار أولاد الخلفاء ص ٣٦ للصولي.
(٢) في الصولي: فضل الحسن.
(٣) ديوانه شرح ثعلب ص ١٣٩ .
(٤) الديوان: يحسب.
(٥) الخطل: كثرة الكلام وخطؤه، فما يلمم به فهو قائله: أي ما حضره من شيء فهو قائله.
(٦) العبارة في الصولي: وإن من إحسان الله إلينا وإساءتك إلى نفسك، أنّا صفحنا عما أمكننا، وتناولت ما
أعجزك، فله الحمد كما هو أهله.
(٧) بالأصل ((الشحمي)) تحريف والصواب ما أثبت، ترجمته في الأنساب، وهذه النسبة إلى شيحة وهي قرية من
قری حلب .
(٨) تاريخ بغداد ٢١٣/٨ في ترجمة خالد بن یزید.
(٩) بالأصل ((جحطة)) خطأ، والصواب ما أثبت واسمه أحمد بن جعفر بن موسى، أبو الحسن البرمكي البغدادي
الشاعر، ترجمته في سير أعلام النبلاء ٢٢١/١٥ (٨٤).

١٧٦ إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب
حبّاً لشيء يكون من سببك
أقول للسقم عُدْ إلى جسدي(١) ..
قال: قلت نعم، قال: أحب أن تنزل لي عنه، فقلت: وهل ينزل الرجل عن ولده؟
فتبسّم وقال: يا غلام، أعطِهِ ما معك، وأومأ إليّ بصرّةٍ في ديباجة سوداء مختومة فقلت:
إني لا أقبل عطاء من لا أعرفه، فمن أنت؟ قال: أنا إبراهيم بن المهدي.
قال (٢): وأخبرني علي بن أيوب القُمِّي، أنا محمد بن عمران المَرْزُباني، أخبرني
محمد بن یحیی، حدثني الحسین بن إسحاق، حدثني أبو الهيثم خالد بن یزید الکاتب
الشاعر قال: لما بويع إبراهيم بن المهدي بالخلافة طلبني وقد كان يعرفني وكنت متصلاً
ببعض أسبابه، فأُدخلت إليه، فقال لي: يا خالد أنشدني من شعرك فقلت يا أمير المؤمنين
ليس شعري من الشعر الذي قال فيه رسول الله وَله: ((إنّ من الشعر حكماً)) [١٩٠٨] وإنما
أمزح وأهزل، وليس مما يُنشد أميرَ المؤمنين، فقال: لا تقلْ هذا يا خالد، فإنّ جد
الأدب وهزله جد، أنشدني فأنشدته:
والضنا إنْ لم تصلني واصلي
عش فحبيك سريعاً قاتلي
فيك والسقم بجسم ناحلٍ
ظفر الشوق بقلب كمد
تركاني كالقضيب الذابل
فهما [بين] اكتئاب وبلّى
فبكائي لبكاء العاذلِ(٣)
وبكى العاذل لي من رحمةٍ
فاستملح ذلك، ووصلني.
أخبرنا أبو العز بن كادش - فيما قرأ عليّ إسناده وناولني إياه وقال: اروه عني - أنا
أبو علي الجَازري ح.
وأخبرنا أبو الحسن بن قُبَيْس، نا وأبو منصور بن خَيْرُون، أنا أبو بكر
الخطيب(٤)، أنا أحمد بن عمر بن روح، أنا المعافى بن زكريا، نا أحمد بن جعفر بن
موسى البَرْمَكي قال: قال لي خالد الكاتب: وقف عليَّ رجلٌ بعد العشاء متلفع برداء
(١) تاريخ بغداد: بدني.
(٢) تاريخ بغداد ٨/ ٢١٣ في ترجمة خالد بن یزید.
(٣) الأبيات في تاريخ بغداد ٢١٤/٨.
(٤) تاريخ بغداد ١٤٦/٦ - ١٤٧.

إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب ١٧٧
عَدَنيَّ (١) أسود - وقال الجَازِري: مقنّع برداءٍ عدني - وقالا: ومعه غلام معه صرّة فقال
لي: أنت خالد؟ قلت: نعم، قال: أنت الذي تقول:
قد بكى العاذلُ لي من رحمتي فبكائي لبكاءِ العاذلِ
قلت: نعم، قال: يا غلام، ادفع إليه الذي معك، فقلت: وما هذا؟ قال: ثلاثمائة
دينار، قلت: والله لا أقبلها أو أعرفك قال: أنا إبراهيم بن المهدي.
أخبرنا أبو العز - فيما قرأ عليَّ إسناده، وناولني إياه، وأذن لي في روايته - أنا أبو
علي الجَازِري، أنا المعافى بن زكريا، نا الحسين بن القاسم الكوكبي، نا أحمد بن أبي
طاهر، نا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، عن جده قال(٢): استزار إبراهيمُ بن المهدي
الرشيدَ بالرَّقَّة وأَن الرشيد كان لا يأكل الطعام الحارّ قبل البارد، وأَنّه لما وضعت البوارد
على المائدة رأى فيما قَرُبَ منه جامٌ قريسَ (٣) السّمك فاستصغر القطع، فقال لإبراهيم:
لم يُصغّرْ طبّاخك قِطَعِ السّمك؟ فقال: لم يصغّرْ طباخي القِطَع، وإنما هذه ألسنة
السّمك، فقال يشبه أن يكون في هذا الجام مائة لسان، فقال له مراقبٌ خادمُ إبراهيم
- وكان يتولّى قهرمة إبراهيم - فيه - يا أمير المؤمنين - أكثر من مائة(٤) لسان، فاستحلفه
على مبلغ ثمن السمك، فأخبره أنه ألف (٥) درهم، فرفع هارون يده عن الطعام، وحلف
أن لا يطعم شيئاً دون أن يُحضرَ مراقبٌ ألفََ دينارٍ (٦)، فأمر أن يتصدق بها، وقال
لإبراهيم: أرجو أن تكون هذه كفَّارة لسَرَفِكَ، على جامِ سمكِ ألفَ درهم، ثم أخذ الجامَ
بیده ودفعه إلى بعض خَدَمه، وقال: اخرج به من دار أخي، ثم انظر أول سائل تراه فادفعه
إليه.
قال إبراهيم: وكان شراء الجام عليَّ مائتين وسبعين ديناراً، فغمزت خدمي أن
(١) عن تاریخ بغداد وبالأصل ((عونیا)).
(٢) الخبر في مروج الذهب ط بيروت ح ٤٤٥/٣ .
(٣) في مروج الذهب: قريص بالصاد. والسمك القريس: الذي طبخ وعمل فيه صباغ وترك حتى جمد، والصاد
لغة فيه (القاموس).
(٤) مروج الذهب: أكثر من مائة وخمسين.
(٥) مروج الذهب: أكثر من ألف درهم.
(٦) مروج الذهب: ألف درهم.

١٧٨ إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب
يخرجوا مع الجام فيبتاعوه ممن يدفع إليه، فكأنّ الرشيد فهم ذلك مني، فهتف بالخادم
فقال: إذا دفعت الجام إلى السائل فقل له يقول لك أمير المؤمنين احذر أن تبيع الجامَ
بأقل من مئتي دينار، فإنه خيرٌ منها، ففعل خادمه ما أمره به، فوالله ما أمكن خادمي أن
يخلّصَ الجام إلّ بمنتي دینار.
أخبرنا أبو السعود أحمد بن علي بن المُجْلي (١)، أنا أبو منصور محمد بن
محمد بن أحمد العُكْبَرِي، أنا أبو القاسم آدم بن محمد بن آدم الشِّلْحي (٢) المُعَدِّل، أنا
أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الأصبهاني، أخبرني محمد بن يحيى، حدثني
عون بن محمد الكِنْدي قال: سمعت عبد اللّه بن العباس بن الفضل بن الربيع يقول: ما .
اجتمع أخٌّ وأختٌ أحسن غناء من إبراهيم بن المهدي وأخته عُلَيّة وكانت تُقَدَّمُ عليه .
أخبرنا أبو المعالي الحسين بن حمزة بن الحسين بن الشَّعِيري، نا أبو بكر
أحمد بن علي الحافظ حدثني محمد بن علي بن عبد الله الصُّوري، أنا عبد الرَّحمن بن
عمر التُّجيبي بمصر، أنا أبو هريرة أحمد بن عبد اللّه بن الحسن بن أبي العصام
العَدَوي، نا أبو العباس عيسى بن عبد الرحيم، حدثني علي بن محمد - هو ابن حُّون -
حدثني محمد بن أحمد الكوفي، حدثني الحسين بن عبد الرَّحمن الحلبي عن أبيه،
قال(٣): أمر المأمون أن يُحمل إليه عشرةٌ من الزنادقة(٤) سُقُوا له من أهل البصرة،
فجُمعوا وأبصرهم طَفيليٍّ، فقال: ما اجتمع هؤلاء إلّ لصنيع، فانسلّ فدخل [في]
وسطهم، ومضى بهم المُؤَكَّلون حتى انتهوا بهم إلى زَورقَ قد أُعدَّ لهم، فدخلوا
الزورق، فقال الطُّفيليُّ: هي نُزهة فدخل معهم الزورق، فلم يك بأسرع بأَن قُيِّد القومُ
وقُيِّدَ معهم الطفيليّ، فقال الطفيلي: بلغ [أمر] تطفيلي إلى القيود، ثم سُيِّر بهم إلى
بغداد، فدخلوا على المأمون فجعل يدعو بأسمائهم رجلاً رجلاً فيأمر بضرب رقابهم،
حتى وصل إلى الطُّفيليّ، وقد استوفوا عدة القوم، فقال للمُوَكّلين بهم: ما هذا؟ فقالوا:
والله ما ندري غير أنّا وجدناه مع القوم فجئنا به، فقال المأمون: ما قصَّتُك ويلكَ؟ فقال:
(١) ضبطت عن التبصير ٤/ ١٢٤٤ .
(٢) ضبطت عن الأنساب وهذه النسبة إلى شلح وهي قرية من قرى عكبرا من نواحي بغداد.
(٣) مروج الذهب ٤/ ١٠ - ١١ نقلاً عن ثمامة بن أشرس. والزيادة عن المسعودي.
(٤) زيد في المسعودي: ممن يذهب إلى قول ماني، ويقول بالنور والظلمة.

إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ١٧٩
يا أمير المؤمنين امرأتُه طالقٌ إن كان يعرف (١) من أقوالهم شيئاً، ولا يعرف إلّ الله ومحمد
النبيِ وَ ﴾، وإنما أنا رجلٌ رأيتهم مجتمعين، فظننت صنيعاً يغدون إليه، فضحك
المأمون، وقال: يؤدّب(٢).
وكان إبراهيم بن المهدي قائماً على رأس المأمون فقال: يا أمير المؤمنين هب لي
أدبه(٣)، أُحدّثك بحديث عجيب عن نفسي، فقال: قلْ يا إبراهيم، قال: يا أمير المؤمنين
خرجتُ من عندك يوماً في سكك بغداد متطرّباً، حتى انتهيت إلى موضع - سمّاه ـ
فشممتُ يا أمير المؤمنين من جناحٍ أبا زير قدورٍ قد فاح طيبُها، فتاقت نفسي إليها وإلى
طيب ريحها، فوقفت على خيّاط، وقلت له لمن هذه الدار؟ فقال: لرجل من التجار من
البزازين؛ فقلت: ما اسمه؟ قال: فلان بن فلان، فرميت بطرفي إلى الجناح فإذا في
بعضه شباك، فأُنظر إلى كفّ قد خرج من الشباك قابضاً على بعضه، فشغلني - يا أمير
المؤمنين - حسنُ الكفّ والمعصم عن رائحة القدورِ، فبقيت ها هنا ساعة ثم أدركني
ذهني، فقلت للخياط: هل هو ممن يشربُ النبيذَ؟ قال: نعم، وأحسب عنده اليوم
دعوة، ولیس ینادم إلّ تجاراً مثله مستورین.
فإني كذلك إذ أقبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الدرب، فقال الخياط هؤلاء
منادموه، فقلت: ما أسماؤهما وما كناهما؟ فقال: فلان وفلان، وأخبرني بکناهما،
فحركت دابّتي وداخلتهما وقلت جعلت فداكما قد استبطأكما أبو فلان أعزّه الله
وسايرتهما حتى أتينا إلى الباب فأجلّاني وقدّماني فدخلتُ ودخلا، فلما رآني معهما
صاحب المنزل لم يشكّ أني منهما بسبيل، أو قادمٌ قدمت عليهما من موضع، فرحَّبَ
وأجلسني في أفضل المواضع، فجيء - يا أمير المؤمنين - بالمائدة وعليها خبز نظيف،
وأُتّينا بتلك الألوان، فكان طعمُها أطيب من ريحها؛ فقلت في نفسي: هذه الألوان قد
أكلتُها، بقيت الكفّ أصلُ إلى صاحبتها، ثم رفع الطعام وجيء بالوضوء، ثم صرنا إلى
منزل المنادمة، فإذا أشكل منزلٍ يا أمير المؤمنين، وجعل صاحبُ المنزل يُلطفني،
(١) مطموسة بالأصل، والمثبت عن م وانظر مروج الذهب.
(٢) زيد عند المسعودي: على فرط تطفله ومخاطرته بنفسه.
(٣) مروج الذهب: ذنبه.

١٨٠ إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب
ويقبل عليّ بالحديث، وجعلوا(١) لا يشكّون أن ذلك منه لي عن معرفةٍ متقدمةٍ، وإنما
ذلك الفعلُ كان منه لما ظن أني منهما بسبيل، حتى إذا شربنا أقداحاً خرجت علينا جارية
- يا أمير المؤمنين - كأنها غصن بانٍ تتثنى، فأقبلت تمشي، فسلَّمتْ غير خجلة، وثُنيت
لها وسادةٌ فجلست وأُتي بعودٍ فوُضع في حجرها، فجسَّتْه، فاستنباتُ في جَسِّها حِذْقها ثم
اندفعت تغنّ وتقول(٢):
وفيه مكان الوهم من نظري أُثْرُ
توهَّمَها طَرْفِي فَأَصبحَ خَذُّها(٣)
فمن مسّ قلبي في أناملها عُقْرُ(٤)
وصافَحَها قلبي فالم كَفَّها
فهُيِّجتُ - يا أمير المؤمنين - بلابلي، وطربتُ بحسنِ شِعرها وحِذقها، ثم اندفعت
تغنّي :
فردّت بطرف العين: إني على العهدِ
أشرت إليها: هل عرفت مودّتي؟
وحادَت عن الإِظهار أيضاً على عَمْدِ (٥)
فحدتُ عن الإظهار عمداً لسرِّها
فصحتُ: السلامة، يا أمير المؤمنين، وجاءني من الطّرب ما لم أملك نفسي، ثم
اندفعت تغنّي الصوت الثالث:
وإيّاك لا نخلو ولا نتكلمُ
أليس عجيباً أن بيتاً يضمّني
وتقطيع(٦) أنفاس على الناي تضرمُ
سوی أعین تشکو الهوی بجفونها
وتكسير أجفّانِ وكفِّ تُسلّمُ
إشارةُ أفواهِ وغمزُ حواجبٍ
فحسدتها يا أمير المؤمنين على حذقها وإصابتها معنى الشعر، أنها لم تخرج من
(١) عند المسعودي: والرجلان لا يشكان.
(٢) الأبيات لأبي نواس ديوانه ص ٧٣٠ والأغاني ٢٢٨/٥ ومروج الذهب ١٣/٤.
(٣) صدره في الديوان:
توهمه قلبي فأصبح خده
(٤) في الديوان:
وصافحه قلبي فالم كفه
وقبله في الديوان:
فمن غمز قلبي في أناملـ عقـ
ومرّ بفكري خاطراً فجرحته ولم أر جسماً قط يجرحه الفكر
(٥) مروج الذهب ٤/ ١٣ .
(٦) في مروج الذهب: وترجيع أحشاءٍ على النار تضرم.