النص المفهرس

صفحات 921-940

عليه الحديث، فالآية تدل على صحة الحديث، لأنه لو لم يكن صحيحاً لما كان
هناك ما يحصل به ما اقتضته الآية .
الفائدة الثانية: أن ذلك أحوط للحق، إِذ لو استشهد رجل واحد فقط فقد
يموت قبل أداء الشهادة، أو يعرض له ما تفوت به شهادته، كالجنون أو النسيان أو
الفسق أو الغيبة، فإذا كانا اثنين فالغالب أنه لا يعرض لهما ذلك معا، وهذه أدنى
درجات الاحتياط نبهت عليها الآية، ولم تمنع مما فوقها، بل في هذا إِشارة الى أنه
إذا اقتضت الحال ينبغي مظاهرة الاحتياط، وذلك كأن تكون مدة الدين طويلة
كخمس عشرة سنة، ووجد شاهدان شيخين كبيرين فينبغي الزيادة في عدد الشهود
بحيث يغلب أنهم لا يموتون جميعاً قبل حلول الدين، أو يعرض لهم جميعاً ما تفوت
به شهادتهم .
الفائدة الثالثة : أن الشاهد الواحد لا يثبت به الحق بل لا بد معه من الیمین، وقد
يكبر على المدعي أن يحلف خشية أن يتهمه بعض الناس، أو لأنه قد نسي القضية أو
صفتها، أو لأنه لم يحضرها وإنما حضرها مورثه الذي قد مات. وقد يجن الدائن أو
يموت ويكون وارثه صبياً أو مجنوناً فتتعذر اليمين وقت المطالبة فيتأخر القضاء
بالحق الى أن يكمل صاحبه أو يموت .
فإن قيل: ذكر البخاري في (الصحيح) عن ابن شبرمة أنه احتج على أبي الزناد
بالآية وذكر قول تعالى: ﴿أَنْ تِضَلَّ إِحْداهما فَتُذَكَّرِ إِحْداهما اْلأُخْرِى﴾ قال:
(( قلت: إذا كان يُكتفى بشهادة شاهد ويين المدعي فما يحتاج أن تذكر إحداهما
الأخرى؟ ما كان يصنع بذكر هذه الأخرى؟))
قلت: قد تقدم ما يعلم منه الجواب، ولا بأس بإيضاحه فأقول: يصنع بذكر
الأخرى أنه إذا كان الرجل باقياً حاضراً جائز الشهادة أن تتم الشهادة فيكون ذلك
أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأبعد عن الارتياب. ولا يتوقف ثبوت الحق على
يمين المدعي وقد تكبر عليه أو تتعذر منه فيضيع الحق، أو يتأخر كما تقدم، وإن
٩٢١

كان الرجل قد مات أو عرض له مافوّت شهادته، شهدت المرأتان وحلف المدعي
معهما وثبت الحق كما هو مذهب مالك، والظاهر أنه كان مذهب أبي الزناد، وهو
مذهب قوي فإِن الآية أقامت المرأتين مقام رجل، وفي (الصحيحين) من حديث
أبي سعيد الخدري في قصة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم العيد ومروره
على النساء وموعظته لهن ((قال أليس شهادةُ المرأة مثلَ نصف شهادة الرجل؟ قلن:
بلى)) وهذا قاض بأن شهادة المرأتين فيما تقبل فيه شهادتهن مثل شهادة رجل، فأما
اشتراط الآية لاستشهاد المرأتين أن لا يكون رجل فإنما هو والله أعلم لأن المطلوب
في حق النساء الستر والصيانة، والشهادة تستدعي البروز وحضور مجالس الحكام
والتعرض لطعن المشهود عليه .
فقد اتضح بحمد الله تبارك وتعالى أنه ليس في الآية ما يتجه معه أن يقال إن
الحديث مخالف لظاهر القرآن، بل ثبت أن فيها ما يشهد له الصحة .
وأما المخالفة لبعض الأحاديث الصحيحة فذكروا ها هنا ما جاء في قصة
الأشعث بن قيس أنه ادعى على رجل فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
(( شاهداك أو يمينه)). وحديث (الصحيحين) عن ابن عباس مرفوعاً: ((لو يُعطى
الناس بدعواهم لادعى ناسّ دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه))
لفظ مسلم .
والجواب عن الحديث الأول: أنه في (الصحيحين) وغيرهما من طريق أبي وائل
شقيق ابن سلمة عن الأشعث بن قيس، واختلفت ألفاظ الرواة في ما قاله النبي صلى
الله عليه وآله وسلم، ففي رواية ((شاهداك أو يمينه))، وفي أخرى ((بيِّنتك أو يمينه))
وفي ثالثة أنه بدأ فقال للأشعث: ((ألك بينة؟)) قال الأشعث: قلت: لا، ((قال
فليحلف)) هكذا في (صحيح البخاري) في ((كتاب الأحكام)» في «باب الحكم في
البئر)) من طريق سفيان الثوري عن منصور والأعمش عن أبي وائل، وهكذا رواه
أبو معاوية عن الأعمش إلا أنه قال: ((فقال اليهودي: احلف)). أخرجه البخاري
في ((كتاب الشهادات)) من (صحيحه)، ((باب سؤال الحاكم المدعي: ألك بينة؟)).
٩٢٢

ونحوه في (صحيح مسلم) و(مسند أحمد) (ج ٥ ص ٢١١) من طريق أبي معاوية
ووكيع عن الأعمش - الى غير ذلك فلا ندري ما هو اللفظ الذي نطق به النبي
صلى الله عليه وآله وسلم، لكن أجل من روى الحديث عن أبي وائل منصور
والأعمش وأجل من رواه عنهما سفيان الثوري وهو إِمام في الاتقان والفقه،
وروايته هي الأشبه بآداب القضاء أن يبدأ القاضي فيسأل المدعي أله بينة؟ فإن لم
يكن له بينة وجه اليمين على المدعى عليه . والبينة كل ما بين الحقَّ، فتصدق على
البينة التامة وهي ما لا يحتاج معها إلى يمين، وبالبينة الناقصة وهي ما يحتاج معها الى
يمين؛ على أنه لو ثبت أن لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((شاهداك أو يمينه))
فدلالة هذا على نفى القضاء بشاهد ويمين ليست بالقوية، ودلالة أحاديث القضاء
بالشاهد واليمين واضحة .
فإن قيل يقوي هذه أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة .
قلت: فإن ظاهرها يقتضى أن لا تقبل شهادة رجل وامرأتين .
فإن قيل: يجوز أن يكون الأشعث قد علم قبول رجل وامرأتين .
قلت: ويجوز أن يكون قد علم قبول شاهد ويمين؛ والحق أنه يجوز أن لا يكون
قد علم ذا ولا ذاك، وليس هناك محذور، لأن من شأن المدعي أن يكون حريصاً
على إظهار كل ما يؤمل أن ينفعه، فلو كان له شاهد وامرأتان أو شاهد فقط أو
امرأة واحدة وقيل له: ((شاهداك أو يمينه)) لقال لا أجد شاهدين ولكني أجد
كذا، وقد نازع في تحليف المدعى عليه كما في بقية القصة فإن فيها (( قلت يا رسول
الله ما لي بيمينه؟ وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري، إن خصمي امرؤ فاجر)) أفتراه
ينازع في هذا ويأخذ بما يشعر به قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن كان ما قاله
« شاهداك)) فلا يقول: لي شاهد واحد، إن كان له؟
وأما الحديث الثاني فأوله يبين آخره، ويدل على أن محل قوله ((اليمين على
المدعى عليه)) حيث لا يكون للمدعي إلا دعواه فقط، وكما أنه لا يتناول من له
شاهدان لأنه لم يعط بمجرد دعواه، وإنما أعطي بدعواه مع شهادة الشاهدين فكذلك
لا يتناول من له شاهد، لأنه إن أعطِي فلم يُعطَ بمجرد دعواه .
٩٢٣

وأما ما يقال: إن اختصاص المدعى عليه باليمين أصل من الأصول، فحديث
القضاء بشاهد ويمين المدعي مخالف للأصول، فتهويل، ويمكن دفعه بأن المدعي لما
أقام شاهداً عدلاً صار الظاهر بيده، فإذا أصر المدعى عليه على الإنكار فهو مدع
لبطلان ذاك الظهور، فقد صار المدعي في معنى المدعى عليه وصار المدعى عليه في
معنى المدعي، ويمكن معارضته بأصل آخر، وهو: أنه لا يحلف المدعى عليه مع
وجود بينة للمدعى .
فإن قيل: ذاك إذا كانت بينة تامة .
قلت: لنا أن نمنع هذا. ويتحصل من ذلك أن المتفق عليه أنه لا يمين للمدعي
حيث لا شاهد له، ولا يمين للمدعى عليه مع وجود بينة تامة، ويبقى ما إذا كان
للمدعي شاهد واحد متردداً بين هذين الأصلين، فيؤخذ فيه بالدليل الخاص به،
وقد ثبت الحديث بتحليف المدعي، فإن حلف صارت البيئة في معنى التامة، وإن
أبي صار في معنى من لا شاهد له أصلاً، والله الموفق .
وأما الانقطاع الثاني وهو بين قيس وعمرو فلا وجه له، ولم يقله من يعتد به،
وقد تقدم أن البخاري کأنه استبعد صحة الحديث، ثم لم یکن عنده إلا أنه حدس
أن عمراً لم يسمعه من ابن عباس، وقد تقدم الكلام معه في ذلك، وهو الذي يشدد
في اشتراط العلم باللقاء، فلو كان هناك مجال للشك في سماع قيس من عمرو لما
تركه البخاري والتجأ الى ذاك الحدس الضعيف الذي لا يجدي. وقيس ولد بعد
عمرو ومات قبله، وكان معه بمكة وسمع كل منهما من عطاء وطاوس وسعيد بن
جيبر ومجاهد وغيرهم، وكان عمرو لا يدع الخروج الى المسجد الحرام والقعود فيه
الى أن مات، كما تراه في ترجمته من (طبقات ابن سعد)، وكان قيس قد خلف
عطاء في مجلسه كما ذكره ابن سعد وسمع عمرو من ابن عباس وجابر وابن عمر
وغيرهم ولم يدركهم قيس، فهل يظن بقيس أنه لم يلق عمراً وهو معه بمكة منذ ولد
قيس الى أن مات؟ أو لم يكونا يصليان معاً في المسجد الحرام
الجمعة والجماعة؟ أو لم يكونا يجتمعان في حلقة عطاء وغيره في المسجد
ثم كان لكل منهما حلقة في المسجد قد لا تبعد إحدى الحلقتين
عن الأخرى إلا بضعة أذرع. أو يظن بقيس أنه استنكف من السماع من عمرو لأنه
قد شاركه في صغار مشايخه ثم يرسل عنه إرسالاً؟ وقد قاتل الأستاذ أشد القتال
٩٢٤

لمحاولة دفع قولهم إن أبا حنيفة الذي ولد سنة ثمانين بالكوفة ونشأ بها، معرضاً عن
سماع الحديث لم يسمع من أنس الذي عاش بالبصرة وتوفي بها سنة إحدى وتسعين
وقيل بعدها بسنة أو سنتين، وليس بيده إلا أنه قد قيل: إن أبا حنيفة رأى أنساً!
وقد تعرضت لذلك في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت من قسم التراجم، ثم ترى
الأستاذ هنا يجاري أصحابه في توهمهم الباطل مع وضوح الحال .
وسبب الوهم في هذا أن الطحاوي ذكر هذا الحديث فقال: (( وأما حديث ابن
عباس فمنكر لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء)) فتوهم
جماعة من آخرهم الأستاذ الكوثري أن الطحاوي قصد بهذا أن قيساً عن عمرو
منقطع لعدم ثبوت اللقاء بناء على القول باشتراط العلم به، القول الذي رده مسلم في
مقدمة ( صحيحه)، ونقل إجماع أهل العلم على خلافه .
وعبارة الطحاوي لا تعطي ما توهموه، فإنه ادعى أن الحديث منكر، ثم وجه
ذلك بقوله: ((لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء))؛ ولم
يتعرض لسماعه منه ولقائه له بنفي ولا إِثبات، ولا ملازمة بين عدم التحديث وعدم
اللقاء أو السماع، فإن كثيراً من الرواة لقوا جماعة من المشايخ وسمعوا منهم ثم لم
يحدثوا عنهم بشيء .
فإن قيل: إنما ذلك لاعتقادهم ضعف أولئك المشايخ، وعمرو لم يستضعفه
أحد .
قلت : بل قد يكون لسبب آخر، كما امتنع ابن وهب من الرواية عن
المفضل بن فضالة القِتباني لأنه قضى عليه بقضية، وامتنع مسلم من الرواية عن محمد
ابن يحيى الذهلي لما جرى له معه في شأن إختلافه مع البخاري، فكأن الطحاوي رأى
أن قيساً لو كان يروي عن عمر لجاء من روايته عنه عدة أحاديث لأن عمراً كان
أقدم وأكبر وأجل، وقد سمع من الصحابة وحديثه کثیر مرغوب فيه، و کان قیس
معه بمكة منذ ولد، فَحدَسَ الطحاوي أن قيساً كان ممتنعاً من الرواية عن عمرو،
فلما جاء هذا الحديث استنكره كما قد نستنكر أن نرى حديثاً من رواية ابن وهب
عن المفضل، أو من رواية مسلم عن محمد بن يحيى. فإن قيل فقد يكون لاستنكاره
خشي انقطاعه .
قلت: كيف يبنى على ظن امتناع قيس من الرواية عن عمرو نفسه أن يحمل هذا
٩٢٥

الحديث على أنه أرسله عنه؟ بل المعقول أنه إذا امتنع من الرواية عنه نفسه كان
أشد امتناعا من أن يروي عن رجل عنه فضلاً عن أن يرسل عنه - أو بعبارة
أخرى - يدلس، وقيس غير مدلس .
فإن قيل : فعلى ماذا يحمل؟
قلت: أما الطحاوي فكأنه خشي ان يكون سيف - وهو راوي الحديث عن
قيس - أخطأ في روايته عن قيس عن عمرو .
فإن قيل : فهل تقبلون هذا من الطحاوي ؟
قلت: لا، فإن أئمة الحديث لم يعرجوا عليه، هذا البخاري مع استبعاده لصحة
الحديث فيما يظهر إنما حدس أن عمراً لم يسمعه من ابن عباس، وذلك يقضي أن
الحديث عنده ثابت عن عمرو، وهذا مسلم أخرج الحديث في (صحيحه)، وثبته
النسائي وغيره، وليس هناك مظنة للخطأ، وسيف ثقة ثبت لو جاء عن مثله عن ابن
وهب عن المفضل بن فضالة، أو عن مسلم عن محمد بن يحيى لوجب قبوله، لأن
المحدث قد يمتنع عن الرواية عن شيخ ثم يضطر الى بعض حديثه، هذا على فرض
ثبوت الامتناع، فكيف وهو غير ثابت هنا؟ بل قد جاء عن قيس عن عمرو حديث
آخر، روى وهب بن جرير عن أبيه قال: سمعت قيس بن سعد يحدث عن عمرو بن
دينار ... )) ووهب وأبوه من الثقات الأثبات .
ذكر البيهقي ذلك في الخلافيات ثم قال: (( ولا يبعد أن يكون له عن عمرو غير
هذا)) نقله ابن التركماني في (الجوهر النقي)، ثم راح يناقش البيهقي بناء على ما
توهموه أن مقصود الطحاوي الانقطاع ودعوى أنه لم يثبت لقيس لقاء عمرو، وقد
مر إبطال هذا الوهم، والطحاوي أعرف من أن يدعي ذلك لظهور بطلانه، مع ما
يلزمه من اتهام قيس بالتدليس الشديد الموهم للقاء والسماع على فرض أن هناك
مجالاً للشك في اللقاء، وقد بينا أن الطحاوي إنما حام حول الامتناع، والحق أنه لا
امتناع، ولكن قيساً عاجله الموت، ولما كان يحدث في حلقته في المسجد الحرام كان
عمرو حياً في المسجد نفسه، ولعل حلقته كانت بالقرب من حلقة عمرو فكان
قيس يرى أن الناس في غنى عن السماع منه عن عمرو لأن عمراً معهم بالمسجد ،
٩٢٦

فكان قيس يحدث بما سمعه من أكابر شيوخه، فإن احتاج الى شيء من حديث
عمرو في فتوى أو مذاكرة فذكره، قام السامعون أو بعضهم فسألوا عمراً عن ذاك
الحديث فحدثهم به فرووه عنه ولم يحتاجوا الى ذكر قيس، واستغنى سيف في هذا
الحديث، وجرير في الحديث الآخر بالسماع من قيس لأنه ثقة ثبت؛ ولعله عرض لهما
عائق عن سؤال عمرو .
هذا وقد تابع قيساً على رواية هذا الحديث عن عمرو بن دينار محمد بن مسلم بن
سوسن الطائفي، ذكر أبو داود في (السنن) حديث سيف ثم قال: ((حدثنا محمد بن
يحيى وسلمة بن شبيب قالا: ثنا عبد الرزاق نا محمد بن مسلم عن عمرو بن
دينار - بإسناده ومعناه، قال سلمة في حديثه قال عمرو: في الحقوق، وأخرجه
البيهقي في (السنن) (ج ١٠ ص١٦٨) من طريق عبد الرزاق ومن طريق أبي
حذيفة - كلاهما عن الطائفي. والطائفي استشهد به صاحبا (الصحيح)، ووثقه
ابن معين وأبو داود والعجلى ويعقوب بن سفيان وغيرهم، وقال ابن معين مرة:
((ثقة لا بأس به وابن عيينة أثبت منه، وكان إذا حدث من حفظه يخطىء وإذا
حدث من كتابه فليس به بأس، وابن عيينة أوثق منه في عمرو بن دينار، ومحمد بن
مسلم أحب إلي من داود العطار في عمرو))؛ وداود العطار هذا هو داود بن عبد
الرحمن ثقة متفق عليه وثقه ابن معين وغيره .
وقال عبد الرزاق ((ما كان أعجب محمد بن مسلم الى الثوري))؛ وقال البخاري
عن ابن مهدي ((كتبه صحاح))؛ وقال ابن عدي: ((لم أر له حديثاً منكراً))؛
وضعفه أحمد، ولم يبين وجه ذلك، فهو محمول على أنه يخطىء فيما يحدث به من
حفظه .
فأما قول الميموني: ((ضعفه أحمد على كل حال من كتاب وغير كتاب))، فهذا
ظن الميموني، سمع أحمد يطلق التضعيف فحمل ذلك على ظاهره، وقد دل كلام
غيره من الأئمة على التفصيل، ولا يظهر في هذا الحديث مظنة للخطأ وقد اندفع
احتماله بمتابعة سيف(١).
(١) كذا في الأصل، وهو سبق قلم من المؤلف، والصواب: ((قيس)) فهو المتابع للطائفي
كما هو ظاهر. ن.
٩٢٧

هذا، وللحديث شواهد منها حديث ربيعة الرأي عن سهيل بن أبي صالح عن
أبيه عن أبي هريرة ((أن رسول الله عَ ل قضى باليمين مع الشاهد)) كان سهيل
أصيب بما أنساه بعض حديثه ومن ذلك هذا الحديث، فكان سهيل بعد ذلك يرويه
عن ربيعة ويقول: ((أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أني حدثته إياه - ولا أحفظه))؛
والنسيان علة غير قادحة، وقد رواه يعقوب ابن حميد عن محمد بن عبد الله العامري
((أنه سمع سهيل بن أبي صالح يحدث عن أبيه - فذكره)) وذكر ابن التركماني أنه
اختلف على سهيل، رواه عثمان بن الحكم عن زهير بن محمد عن سهيل عن أبيه عن
زید بن ثابت .
قلت: إن كان هذا مخالفاً لذاك فذاك أثبت (١)، عثمان مصري، قال فيه أبو
حاتم: ((ليس بالمتين)) وزهير أنكروا [عليه] الأحاديث التي يرويها عنه غير
العراقيين. وروى المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي
هريرة ((أن النبي ◌َّ قضى باليمين مع الشاهد))، قال ابن التركماني: ((مغيرة قال
فیه ابن معين: ليس بشيء)) .
أقول: هذا حكاه عباس عن ابن معين، وقد قال الآجري: (( قلت لأبي داود:
إن عباساً حكى عن ابن معين أنه ضعف مغيرة بن عبد الرحمن الحزامي ووثق
(مغيرة بن عبد الرحمن) المخزومي؛ فقال: غلط عباس)) والحزامي احتج به الشيخان
وبقية الستة، وقال أبو زرعة: ((هو أحب إلي من أبي الزناد وشعيب))، يعني في
حديث أبي الزناد. كما في (التهذيب). وشعيب هو ابن أبي حمزة ثقة متفق عليه .
قال أبو زرعة: ((شعيب أشبه حديثاً وأصح من ابن أبي الزناد)). وابن أبي الزناد
تقدم ذكره في المسألة الثانية، وقد حكى الساجي عن ابن معين أنه قال: ((عبد
الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة حجة))، وحكى البيهقي عن
الامام أحمد أنه قال: (( ليس في هذا الباب حديث أصح من هذا)).
قال ابن التركماني: ((قال صاحب (التمهيد): أصح إسنادٍ لهذا الحديث حديث
(١) قلت: قد صحح الطريقين عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، وعن سهيل عن أبيه عن
زيد بن ثابت؛ الإمامان: أبو حاتم وأبو زرعة الرازي، كما بينته في ((الإرواء))، فإشارة
ابن التر كماني الى إعلاله انتصاراً لمذهبه لا قيمة له . ن.
٩٢٨

ابن عباس. وهذا بخلاف ما قال ابن حنبل)).
أقول: كلاهما صحيح، ولا يفيد الحنفية الاختلاف في أيهما أصح.
وذكر ابن عدي أن ابن عجلان وغيره رووا عن أبي الزناد عن ابن أبي صفية عن
شريح قوله(١) . وهذا لا يوهن رواية المغيرة، إذ لا يمتنع ان يكون الحديث عند أبي
الزناد من الوجهين، وإنما كان يكثر من ذكر المروي عن شريح لأن شريحاً عراقي،
والخلاف في المسألة مع العراقيين، ومن عادتهم أنهم يخضعون للمقاطيع عن أهل
بلدهم، ويردون الأحاديث المرفوعة من حديث الحجازيين، ولذلك جاء عن محمد بن
على بن الحسين أنهم سألوه: أقضى النبي عَ ◌ِّ باليمين مع الشاهد؟ قال: ((نعم،
وقضى به علي رضي الله عنه بين أظهركم)). ذكره البيهقي (ج ١٠ ص ١٧٣).
وذكر البخاري عن زكريا بن عدي أن ابن المبارك ناظر الكوفيين في النبيذ
((فجعل ابن المبارك يحتج بأحاديث رسول الله عَ لَّه وأصحاب النبي معد له
والمهاجرين والأنصار من أهل المدينة، قالوا: لا، ولكن من حديثنا! قال ابن
المبارك ... عن ابراهيم قال: كانوا يقولون: إذا سكر من شراب لا يحل له ان
يعود فيه أبداً. فنكسوا رؤوسهم؛ فقال ابن المبارك الذي يليه: رأيتَ أعجبَ من
هؤلاء؟ أحدثهم عن رسول الله مح لاه وعن أصحابه والتابعين فلم يعبأوا به، وأذكر
عن ابراهيم فنكسوا رؤوسهم!)) حكاه البيهقي في (السنن) (ج ٨ ص٢٩٨).
وروى عبد الوهاب الثقفي وهو ثقة عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن
عبد الله أن رسول الله عَ لَّهِ قضى باليمين مع الشاهد)). أعله جماعة بأن جماعة رووه
عن جعفر عن أبيه مرسلاً . ونازع في ذلك الدارقطني ثم البيهقي (١).
(١) قلت: عزو هذا لابن عدي فيه نظر، فإنه ليس عنده في ترجمة المغيرة من ((الكامل))
(ق ١/٣٨٦-٢)، والمصنف أخذه من ((التهذيب))، ولكن هذا لم يصرح بعزوه الى
ابن عدي وانما هو من قول الذهبي في ((الميزان)) مصرحاً به أنه من قوله . ن .
(٢) قلت: وهب أن الراجح أنه مرسل. فهو مرسل صحيح الإسناد، وهو حجة عند
الحنفية، لا سيما وله شواهد موصولة كما تقدم، فالحديث صحيح حجة عند الجميع
لولا العصبية المذهبية عفانا الله منها . وقد خرجت كثيراً من الشواهد لهذا الحديث عن
جماعة من الصحابة في ((إرواء الغليل)).
٩٢٩

وفي الباب أحاديث أخرى ومراسيل ومقاطيع عند الدارقطني والبيهقي وغيرهما ،
والحديث أشهر من كثير من الأحاديث التي يدعي لها الحنفية الشهرة، ويحتجون بها
على خلاف القرآن والسنن المتواترة .
وأما قول الأستاذ: ((مع عدم ظهور دلالته على التنازع فيه))؛ فيشير به الى
تأويلات أصحابه، فمنها زعم بعضهم في حديث مسلم: ((قضى بيمين وشاهد)) أن
المعنى قضى بيمين حيث لا شاهدين، وقضى بشاهد حيث وجد الشهود، والمراد
بـ (( شاهد)) الجنس وهذا التأويل كما ترى!
أولاً : لأنه خلاف الظاهر .
ثانياً: لأنه يجعل الكلام لا فائدة له، فإنه لا يخفى على أحد أنه يقضى باليمين
حيث لا بينة، ويقضى بالشاهدين حيث وجدا .
ثالثاً: حمل شاهد على الجنس ثم إِخراج الواحد منه لا يخفى حاله .
رابعاً: هذا اللفظ رواية زيد بن الحباب عن سيف. وقد رواه عبد الله بن
الحارث بن عبد الملك المخزومي عن سيف، فقال: ((قضى باليمين مع الشاهد)).
رواه الإمامان الشافعي وأحمد عن عبد الله بن الحارث كما في (الأم) (ج ٦
ص٢٧٣) و(مسند أحمد) (ج١ ص٣٢٣) وزاد في رواية الشافعي: ((قال
عمرو: في الأموال)). وفي رواية أحمد: ((قال عمرو: إنما ذاك في الأموال))؛
وعبد الله بن الحارث كأنه أثبت من زيد بن الحباب، فإن زيداً قد وصف بأنه
يخطىء، ولم يوصف بذلك عبد الله، وكلاهما ثقتان من رجال مسلم. وهكذا رواه
محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو إلا أنه قال: ((قال عمرو: في الحقوق))، فقوله:
((قضى باليمين مع الشاهد))؛ لا يمكن ولو على بعد بعيد إجراء تأويلهم المذكور
فيه، وراويه عن ابن عباس - وهو عمرو بن دينار ثقة جليل فقيه - أقره على
المعنى الذي نقول به ولهذا خصَّه بالأموال، والقضاء باليمين حيث لا شهود قد
يكون في غير الأموال، وكذلك القضاء بالشاهدين .
وهكذا جاء لفظ هذا الحديث ((قضى باليمين مع الشاهد)) في حديث أبي هريرة
وحديث جابر وغيرهما؛ وفي بعض الشواهد والمراسيل والمقاطيع التصريح الواضح.
٩٣٠

ومن التأويلات قول بعضهم في لفظ ((قضى باليمين مع الشاهد)) أن المعنى قضى
بيمين المدعى عليه مع وجود شاهد واحد للمدعي، وردّ بأوجه: منها أنه خلاف
الظاهر، فإن الظاهر أن المعية بين اليمين والشاهد وأنه قضى بهما معاً، ومنها أن
الرواية الأولى ترد هذا التأويل، ومنها أن راويه عن ابن عباس وهو ثقة جليل فقيه
أقره على ظاهره كما سلف، ومنها ما ورد في بعض الشواهد والمراسيل والمقاطيع
من التصريح الواضح .
وفي (الفتح) عن ابن العربي أن بعضهم حمله على صورة خاصة، وهي أن رجلاً
اشترى من آخر عبداً مثلاً فادعى المشتري أن به عيباً، وأقام شاهداً واحداً، فقال
البائع: بعته بالبراءة، فيحلف المشتري أنه ما اشترى بالبراءة، ويرد العبد .
أقول: حاصل هذا التأويل أن البائع أنكر أولاً العيب، فأقام المدعي وهو
المشتري شاهداً واحداً، فاعترف المدعى عليه وهو البائع، ولكنه ادعى دعوى
أخرى وهي أنه باع بالبراءة فأنكر المشتري، ولم يكن للبائع بينة فيحلف المشتري،
وأنت خبير أن هذه قضيتان قضى في الأولى بالاعتراف، وفي الثانية باليمين وذهب
الشاهد لغواً، فكيف يعبر الصحابة عن هذا بلفظ ((قضى باليمين مع الشاهد))
و((قضى بيمين وشاهد)»؟ فإن كلا من هاتين العبارتين تعطي أن القضاء وقع باليمين
والشاهد معاً .
فإن قيل: قد يقال: لم يعترف البائع بل قال لا عيب، فإن كان فلا يلزمني لأنني
بعت بالبراءة.
قلت: فعلى هذا إن حلف المشتري على وجود العيب وعدم البراءة فقد قضى له
في القضية الثانية بيمينه فقط وفي الأولى بشاهده ويمينه وهو الذي تفرون منه . وإن
حلف على عدم البراءة فقط ومع ذلك قضى له برد العبد فقد قضى له في الثانية
بيمينه فقط، وفي الأولى بشاهد واحد بلا يمين، وهو أشد مما تفرون منه . على أن
الذي ينبغي في هذه الصورة أن لا يقبل قول البائع ((لا عيب ... )) بل يقال له: إما
أن تعترف بوجود العيب، وإما أن تصر على إِنكارك، فإن اعترف فقد تقدم، وإن
أصر إنكاره، قيل للمشتري ألك شاهد آخر؟ فإن قال: لا، فعلى قولكم يقال
البائع: احلف، فإن حلف قضي له يمينه وذهب الشاهد لغوا، ولم يحتج الى دعوى
٩٣١

البراءة. وإن أبى قضي بوجود العيب لنكول المدعى عليه وذهب الشاهد لغوا وتمت
القضية الأولى، ثم ينظر في القضية الثانية .
وعلى قولنا يقال للمشتري احلف مع شاهدك، فان حلف ثبت العيب بشاهده
ويمينه، ثم ينظر في القضية الأخرى، وإن أبى قيل للبائع احلف أنه لا عيب، فإن
حلف قضى له بيمينه واستغنى عن الدعوى الثانية وذهب الشاهد لغوا . وإن أبى
قيل للمشتري احلف على وجود العيب (وهذه يمين مردودة ليست هي التي تكون
مع الشاهد) فإن حلف قضى له بيمينه مع نكول البائع واستغنى عن الشاهد، ثم
ينظر في القضية الثانية، وإن أبى سقط حقه واستغنى عن القضية الثانية .
فإن قال قائل: أنا أخالفكم في رد اليمين وفي القضاء بالشاهد واليمين إلا في
صورة واحدة وهي ما إذا كان للمدعي شاهد واحد ونكل المدعى عليه عن اليمين
فيحلف المدعي ويستحق، ففي هذه يقضى له بشاهده مع يمينه. قلنا: فأنت تقضي
للمدعي الذي لا شاهد له بمجرد نكول خصمه ولا تقضي للمدعي الذي له شاهد
بمجرد نكول خصمه بل تكلفه اليمين فوق ذلك فكأن وجود شاهد للمدعي يوهن
جانب المدعي حتى لو لم يكن له شاهد لكان جانبه أقوى، فهل يقول هذا أحد ؟!
وأما قول الأستاذ: (( ولليث بن سعد رد على مالك رداً ناهضاً في رسالته إليه)).
فهذه الرسالة في (إعلام الموقعين) (ج ٣ ص ٨٢) وهي تفيد أن مالكاً كتب الى
الليث يعاتبه في إفتائه بأشياء على خلاف ما عليه جماعة أهل المدينة فأجابه الليث
بهذه الرسالة، فذكر أولاً أنه قد كان في الأقطار الأخرى جماعة من الصحابة،
وكان الخلفاء يكتبون إليهم قال: (( ومن ذلك القضاء بشاهد ويمين صاحب الحق وقد
عرفت أنه لم يزل يقضى بالمدينة به ولم يقض به أصحاب رسول اللّه مح له بالشام ولا
بحمص ولا بمصر ولا بالعراق ولم يكتب به إليهم الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر
وعثمان وعلى، ثم ولي عمر بن عبد العزيز وكان كما قد علمت في إحياء السنن والجد
في إقامة الدين والإصابة في الرأي والعلم بما قد مضى من أمر الناس، فكتب إليه
رزيق ... إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة الشاهد الواحد ويمين صاحب الحق.
فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: إنا كنا نقضي بذلك بالمدينة فوجدنا أهل الشام
على غير ذلك، فلا نقضي إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين)).
٩٣٢

مقصود الليث فيما يظهر أن الأحكام على ضربين، منها ما لا يسع فيه الاختلاف
ومنها دون ذلك، وأن الخلفاء كانوا يكتبون إلى من بالأقطار الأخرى من الصحابة
في الضرب الأول كيلا يخالفوا فيه، وإذا وقع منهم فيه خلاف كتب إليهم الخلفاء
ينهونهم عنه، وأما الضرب الثاني فكانوا يقرون فيه كل مجتهد على اجتهاده؛ وأن
هذه القضية من الضرب الثاني كان الخلفاء في المدينة يقضون بالشاهد واليمين وكان
من بالأقطار التي سماها الليث من الصحابة لا يقضون بذلك فيما يعلمه الليث ولم
يكتب إليهم الخلفاء يأمرونهم بالقضاء به، فدل ذلك أنها عندهم من الضرب الثاني،
واستشهد لذلك بما ذكره عن عمر بن عبد العزيز، وأنه لما كان بالمدينة كأن فقهاءها
ناظروه فقوي عنده قولهم فكان يقضي به، ثم لما صار بالشام كأن فقهاءها ناظروه
فقوي عنده قولهم فصار إليه. فيرى الليث أن ما كان من الضرب الثاني فليس
لمالك أن يجعل عمل أهل المدينة فيه حجة على الناس كلهم، ولا أن ينكر على من
يخالفه فيه .
أقول: فهذا معنى معقول مقبول في الجملة، والمدار على الحجة، وإن حمل كلام
الليث على غير هذا المعنى صار زللاً داحضاً لا رداً ناهضاً .
ونحن لم ندع أن القضاء بالشاهد الواحد مع يمين صاحب الحق من الضرب الأول
الذي لا يسع خلافه وينقض قضاء القاضي بخلافه، وإنما ادعينا أنه ثابت بالحجة،
وأن المخالف له مخطىء. وليس في رسالة الليث ما يدفع هذا .
وأما قول الأستاذ: ((حتى أن يحيى الليثي .... )) فمخالفة بعض المالكية
والشافعية للإمامين إنما تدل أنه قوي عند المخالفين أنه لا يقضى بذلك، وقوته
عندهم لا تستلزم قوته في نفس الأمر، والمدار على الحجة وقد أقمناها .
وأما قول الأستاذ: ((فسل قضاة العصر ... )) فجوابه أنها إذا روعيت العدالة
الشرعية كما يجب لم يكن هناك اختلال يعتد به، وقد قضى أهل العلم بذلك
ويقضون به الى اليوم في بعض الاقطار، ولا يدرك اختلال، وإنما الاختلال في
جواز القضاء بشهادة فاسقين على ما يقوله الحنفية، أو رأيت لو قال قضاة العصر
قد فسد الزمان فلا يقضى بأقل من ثلاثة شهود على شرط أن تكون القرائن مساعدة
لشهادتهم؟ وكما أن الفساد يخشى من ادعاء الباطل، فإن أشد منه يخشى من جحد الحق.
٩٣٣

فإن شددت في الشهادة دفعاً لما يخشى من ظلم المدعي للمدعى عليه، فقد سهلت
بذلك ظلم المدعى عليه للمدعي، وهذا أشد، فإن الغالب أن يكون المطالب عند
الحاكم هو الضعيف الذي لا يمكنه استيفاء الحق من المدعى عليه فكيف أن يظلمه؟
فالقسطاس المستقيم هو اتباع الشريعة، والله عز وجل متكفل بحفظها، وضامن
بقدره أن يسدد المتبع لها، ويسد ما قد يقع من الخلل في تطبيق العمل بشرعه على
حكمته في نفس الأمر أو يَجبُرُه، وهو سبحانه اللطيف الخبير، على كل شيء
قدیر .
تَتمّة
يعلم من مناظرة الشافعي لمحمد بن الحسن في هذه المسألة أن محمداً مع إنكاره أن
يقضي بشاهد ويمين ورده الأحاديث في ذلك وزعمه أن ذلك خلاف ظاهر القرآن
كان يقول: إن نسب الطفل إلى المرأة وبالتالي إلى صاحب الفراش مع ما يتبع ذلك
من أحكام الرق والحرية والتناكح والتوارث واستحقاق الخلافة وغير ذلك يثبت
بشهادة القابلة وحدها، فاعترضه الشافعي بأن عمدته في ذلك أثر ((رواه عن على
رضي الله عنه رجل مجهول يقال له: عبد الله بن نجي، ورواه عنه جابر الجعفي
و كان يؤمن بالرجعة )).
فحاول الأستاذ الجواب عن ذلك بوجوه:
الأول: أن قبول شهادة القابلة إنما هو في استهلال المولود ليصَّلى عليه أو لا يصلى.
الثاني: أن ابن نجي غير مجهول فقد روى عنه عدة، ووثقه النسائي وابن حبان.
الثالث: أن جابر الجعفي روى عنه شعبة مع تشدده، ووثقه الثوري .
الرابع: أنه قد تابعه عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن علي.
الخامس: أنه قد روى عبد الرزاقِ بسنده إلى عمر قبول شهادة القابلة،
والأسلمي الذي في السند مرضي عند الشافعي.
٩٣٤

السادس: قال الأستاذ: ((محمد بن الحسن استنبط قبول قول المرأة فيما يخصها
معرفته من قوله تعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ في أَرْحَامِهِنَّ﴾ (١)،
ووجه دلالته أن الاستهلال مما تشهده النساء دون الرجال عادة فإبطال شهادتهن ينافي
قبول قول المرأة فيما تخصها معرفته كما هو المستفاد من الآية)).
أقول: أما الأول فالموجود في كتب الحنفية أنه يثبت النسب بشهادة القابلة عند
أبي حنيفة وصاحبيه في بعض الصور، وعندهما في صور أخرى، فمن شاء فليراجع
كتبهم، وليقل معي: أحسن الله عزاء المسلمين في علم الأستاذ محمد زاهد الكوثري!
فأما القبول في الاستهلال ليصلى عليه أو لا يصلى فهذا يوافق عليه الشافعي وغيره
وليس بشهادة، وإنما هو خبر لا يترتب عليه أمر له خطر.
وأما الثاني: فابن نجي كان مجهول الحال عند الشافعي .
وقال البخاري: ((فيه نظر)). وهذه الكلمة من أشد الجرح عند البخاري كما
ذكره الأستاذ في كلامه في إسحاق بن إبراهيم الحنيني وتراه في ترجمة إسحاق من
قسم التراجم، فأما توثيق ابن حبان فقاعدته توثيق المجاهيل كما ذكره الأستاذ غير
مرة، ومرت الإشارة إليها في القواعد، وفي ترجمة ابن حبان من قسم التراجم؛ (٢)
وتوثيق النسائي معارض بطعن البخاري، على أن النسائي يتوسع في توثيق المجاهيل
كما تقدم في القواعد .
وأما الثالث: فجابر الجعفي استقر الأمر على توهينه، ثم هو معروف بتدليس
الأباطيل ولم يصرح بالسماع.
وأما الرابع: فذاك الخبر تفرد به سويد بن سعيد وهو إنما يصلح للاعتبار فيما
صرح فيه بالسماع وحدث به قبل عماه، أو بعده وروجع فيه فثبت. وهب أنه يصلح
(١) البقرة (٢٢٨).
(٢) قلت: هذا مثال آخر لاعتداد الكوثري بتوثيق ابن حبان إذا وافق مذهبه وهواه،
وراجع تعليقنا في المكان الذي أشار إليه المصنف . ن.
٩٣٥

للاعتبار في هذا فأي فائدة في ذلك وخبر الجعفي طائح؟!
وأما الخامس: فالأسلمي هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى هالك، وارتضاء
الشافعي له إنما هو فيما سمعه عنه إما لأنه سمع منه من أصوله، وإما لأنه كان
متماسكاً ثم فسد بعد ذلك(١) وهذا الخبر لم يسمعه منه الشافعي، ومع ذلك فشيخه
فيه إسحاق بن عبد الله الفروي وهو هالك باتفاقهم؛ والزهري عن عمر منقطع .
ثم إن كان المراد بالقبول على الاستهلال القبول لأجل الصلاة على المولود فليس
هذا محل النزاع كما سلف.
وأما السادس: فقوله تعالى ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ في
أَرْحَامِهِنَّ﴾ الكلام فيه على التوزيع، أي: لا يحل للمرأة أن تكتم ما خلق الله في
رحمها، والنهي عن الكتمان يقتضي أنه مظنة أن يقع، وإنما يظن بالمرأة أن تكتم حيث
كان لها غرض فمآل النهي عن الكتمان إلى الأمر بالاعتراف، فغاية ما في الدلالة على
أنه يقبل منها الاعتراف، فإذا ذكرت أنها قد تمت أقراؤها كان هذا اعترافاً بأنه لا
نفقة لها، وادعاء لأنه لا رجعة للزوج عليها فيقبل منها الاعتراف وينظر في
الإدعاء، فإن قُبل منها الادعاء أيضاً فهل تجعلون الولادة من هذا القبيل ؟
فإن قلتم: نعم !.
لزمكم أن تقبلوا قول الأم نفسها: هذا ابني من فلان، وتثبتوا بذلك نسبه
ومیراثه وغير ذلك .
فإن قلتم: إنما موضع الاستنباط أن الآية أشعرت بأنه يقبل قول المرأة في
الحيض والحمل وأن علة ذلك هو أنه يتعسر العلم بذلك إلا من جهتها فقلنا:
(١) قلت: وإما لأنه لم يتبين له حاله، ولم يعرفه كما عرفه غيره من الأئمة كمالك وأحمد
وغيرهما. قال ابن أبي حاتم في ((آداب الشافعي ومناقبه)) (ص ٢٢٣) بعد أن روى
عن الشافعي أنه كان يقول: فيه كان قدرياً: ((لم يبن له أنه كان يكذب، وكان يحسب
أنه طعن الناس عليه من أجل مذهبه في القدر)». ن.
٩٣٦

والولادة يعسر العلم بها إلا من جهة النساء فأخذنا من ذلك قبول شهادتين فيها .
قلنا: أما قبول قولها وحدها في حيضها وحملها، فهذا مما تختص هي بمعرفته
دون غيرها، والولادة ليست كذلك بل يطلع عليها غيرها من النساء، أفرأيتم إذا
أخذتم من ذلك قبول شهادة النساء على الولادة فمن أين أخذتم أنها تكفي امرأة
واحدة؟ فقد تحضر عدة قوابل وقد تحضر مع القابلة عدة نساء وقد يحيط رجال
بالخيمة مثلاً بعد كشفها، والعلم بأنه ليس فيها إلا المرأة الحامل، ثم يحرسون الخيمة
إلى أن تكشف فلا يكون فيها إلا المرأة وطفل معها فيشهد لرجال شهادة محققة أنها
ولدت ذاك الطفل، دع قضية الرجال فإنها نادرة، ولكن هل قلتم دلت هذه الآية
على قبول شهادة النساء في الولادة، ودلت آية الدين على اشتراط العدد ، فيؤخذ من
الآيتين قبول شهادة أربع نسوة كما يقول الشافعي؟ أو ليس إذا قبلتم شهادة امرأة
واحدة فيما يختص به النساء لزمكم قبول رجل واحد فيما يختص به الرجال كما يتفق
في الجامع يوم الجمعة؟ بل في كل شيء إلا أنه إذا كفت امرأة واحدة فيما يختص
به النساء ورجل فيما يختص به الرجال؛ فما لا يختص لا يتجه فيه إلا أحد أمرين: إما
أن يكفي الواحد رجلاً كان أو امرأة، وإما أن يشترط رجل أو امرأتان، فقد
دلت السنة على هذا فيما يتعلق بالأموال وزادتكم يميناً .
فإن قلتم لكن الشافعي لا يقول بقبول شهادة المرأتين مع اليمين .
قلنا: قد قال بذلك استاذه مالك وهو مذهب قوي كما سلف؛ والله الموفق .
٩٣٧

المسْألَة السَادسَة عَشْرَة
نكاح الشاهد امرأة شهد زوراً بطلاقها
في (تاريخ بغداد) (٣٧١/١٣) من طريق الحارث بن عمير قال: ((سمعت أبا
حنيفة يقول .... ، قال الحارث بن عمير وسمعته يقول: لو أن شاهدين شهدا عند
قاض أن فلان بن فلان طلق امرأته وعلما جميعاً أنهما شهدا بالزور ففرق القاضي
بينهما، ثم لقيها أحد الشاهدين فله أن يتزوج بها؟ قال: نعم. قال: ثم علم القاضي
بعد، أله أن يفرق بينهما ؟ قال: لا )) .
قال الأستاذ (ص ٣٧): (( مسألة نفاذ حكم القاضي ظاهراً وباطناً هو مقتضى
الأدلة وإن كان شاهد الزور يأثم إثماً عظيماً لكن لا يحول ذلك دون نفاذ حكم
القاضي ظاهراً وباطناً وإلا لزم إباحة وطئها للزوج الأول في السر فيما بينه وبين الله
وإباحة وطئها للزوج الجديد بحكم الحاكم، وأي قول يكون أقبح وأشنع من هذا؟
يكون لامرأة واحدة زوجان في حالة واحدة أحدهما يجامعها في السر والآخر في
العلانية، ونعترف أن أبا حنيفة لا يمكنه أن يرى مثل هذا الرأي رغم كل تشنيع،
بل التشنيع يرتد على مخالفيه ومشنعيه كما صورناه، وأبو حنيفة من أبرأ الناس من
أن يحدث الفوضى في الأحكام، وأما عدم تفريق القاضي بينهما بعد علمه بحال
الشاهدين فليس من مسائل أبي حنيفة وإنما مذهبه التروي في الحكم مطلقاً ».
أقول: يتفوه الأستاذ بالقبح والشناعة وينسى ما في صنيعه هذا منهما، أما
إباحتها لزوجها الحقيقي فذلك حكم الله تبارك وتعالى من فوق سبع سموات! وأما
إباحتها لذلك الشاهد الفاجر فإنما يقول بها أبو حنيفة، فأما مخالفوه ومنهم أصحابه
أبو يوسف ومحمد وزفر فإنهم قائلون بحرمتها عليه أشد التحريم .
٩٣٨

والحاصل أن أبا حنيفة يقول هي حرام في حكم الله تعالى على زوجها، مباحة
في حكم الله تعالى للشاهد الفاجر! ومخالفوه يقولون بعكس هذا. غاية الأمر أن
القاضي لجهله بما في نفس الأمر يحول بينها وبين زوجها ويسلط الشاهد الفاجر
عليها، ولا قبح في هذا ولا شناعة، أرأيت إذا ادعى رجل على امرأة أنها زوجته
فحكم القاضي بذلك، وكانت المرأة في نفس الأمر أم المدعي أو أخته أو بنته
والقاضي لا يعلم، أليس يسلطه عليها في قول أبي حنيفة وغيره؟ ونظير مسألتنا ما
إذا كان لزيد أمة فادعى بكر أنها أمته وأقام شاهدي زور فقضى له القاضي، فأبو
حنيفة يوافق في هذه أن الأمة لا تزال في ملك زيد حلالاً له وحراما على بكر،
وإن كان القاضي يحول بينها وبين زيد ويسلط عليها بكراً . وليت الأستاذ كان ذكر
الأدلة التي زعم أن نفاذ حكم القاضي ظاهراً وباطناً هو مقتضاها فكنت أنظر فيها ،
وعسى أن تكون في ذلك فائدة، ولكن الأستاذ عدل عنها إلى سلاحه الوحيد من
المغالطة والتهويل على عادته - ومن العجيب قوله: (( وأما عدم تفريق القاضي بينهما
بعد علمه .... )) أليس من المعلوم أنه في قول أبي حنيفة إذا علم حقيقة الحال قضى
بأنها امرأة ذلك الشاهد الفاجر حلال له ظاهراً وباطناً؟ أو ليس إذا كان هذا
قضاءه لم يكن هناك وجه عنده للتفريق بينهما ؟ .
٩٣٩

المسْألَة السَابعَةِ عَشْرَةٍ
القرعة المشروعة
في (تاريخ بغداد) (٣٩٠/١٣) من طريق يوسف بن أسباط قال: ((وكان
النبي ◌َ ◌ّ يقرع بين نسائه إذا أراد أن يخرج في سفر، وأقرع أصحابه، وقال أبو
حنيفة: القرعة قمار، قال الأستاذ (ص ٨٧) ((وأما مسألة القرعة فقد قصرها أبو
حنيفة على موردها وقال: إنما يجري الإقراع عند إرادة السفر بين النساء، وعند
القسمة التي ليس فيها إبطال حق ثابت، باعتبار أن القرعة وردت في ذلك على
خلاف القياس )) .
أقول: الذي في كتب الحنفية عن أبي حنيفة أنه لا حكم للقرعة، وإنما تستحب
تطبيباً للنفس ثم لا يلزم العمل بها، فللزوج أن يخرج بأي أزواجه شاء حتى لو أقرع
فخرج سهم إحداهن فله الخروج بغيرها؛ وهكذا في القسمة يكون حق التعيين
للقاضي. وقد بقيت للقرعة موارد أخرى. ودعوى أنها خلاف القياس كأنه أريد
بها أنها في الأصل قمار؛ وسنوضح بعون الله عز وجل بطلان ذلك ونثبت أن
القرعة في بابها قياس من أعدل الأقيسة وأقومها وأوفقها بالأصول، وأن جعل
التعيين إلى الزوج والقاضي في الفرعين السابقين هو المخالف للأصول.
اعلم أن صورة القرعة قد تستعمل في أربعة أبواب:
الباب الأول: أن يقصد بها إبطال حق صاحب الحق وجعله لمن لا حق له، كأن
يقول الرجل لصاحبه ألق خاتمك وألقي خاتمي ونفترع عليهما فأينا خرج سهمه
استحق الخاتمين. أو يقول أحدهما: أقارعك على خاتمي هذا فإن خرج سهمك
٩٤٠