النص المفهرس
صفحات 901-920
فيه ولو كان الكلام يسيراً لا يقدح. وأما الثالثة فنعم، ولكن الشعبي جيد المرسل، قال العجلى: ((لا يكاد الشعبي يرسل الا صحيحاً)). وقال الآجري عن أبي داود: (( مرسل الشعبي احب الى من مرسل النخعي )). والظاهر انه إن صح عن ابن مسعود شيء فهو ذكر القطع في المجن مطلقاً ، وأما التقويم فمن بعده أخذاً من حديث أنس عن ابي بكر وسيأتي، او يكون ابن مسعود إنما ذكر قطع أبي بكر. وروى الشافعي عن ابن عيينة عن حميد الطويل قال: (( سمعت قتادة يسأل انس ابن مالك عن القطع؟ فقال: حضرت أبا بكر قطع سارقاً في شيء ما يسوى ثلاثة دراهم. أو: ما يسرني انه لي بثلاثة دراهم)) وقد رواه أبو حاتم الرازي عن الأنصاري عن حميد وفيه: ((ما يسرني انه لي بثلاثة دراهم)) بدون شك. أخرجه البيهقي ولا يلزم من قول انس: ((ما يسرني ... )) ان تكون القيمة اقل من ثلاثة دراهم، فإن من لا يحتاج إلى سلعة لا يسره انها له بقيمة مثلها، وإنما يسره أن تكون بأقل من قيمتها ليبيعها فيربح فيها أو يدخرها لوقت الحاجة . وقد روى قتادة عن انس قصة اخرى، وهي انه قطع في مجن قيمته خمسة دراهم. رواه النسائي والبيهقي في (السنن) (ج ٨ ص ٢٥٩) من طريق الثوري عن شعبة عن قتادة. ورواه النسائي ايضا من طريق أبي داود الطيالسي قال: (( حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت انساً يقول: سرق رجل مجناً على عهد ابي بكر فقوم خمسة دراهم فقطع؛ ورواه أبو هلال محمد بن سليم عن قتادة فقال: ((عن أنس ان النبي ◌َّه ... )) وأبو هلال ليس بعمدة ولا سيما في قتادة. ورواه هشام عن قتادة فوافق أبا هلال، وسئل هشام مرة فقال: ((هو عن النبي ◌َّه، وإلا فهو عن أبي بكر))؛ ورواه عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة عن انس أن ابا بكر قطع في المصنف لم يراجع ((الميزان)) حين كتب الجواب، والا لكان يجد فيه رداً أقوى في قول الذهبي: ((حديثه صالح))، وذلك بين لا يخفى. والعصمة لله وحده . ن. ٩٠١ مجن قيمته خمسة دراهم، أو أربعة دراهم، شك سعيد؛ وصوب النسائي وغيره رواية شعبة وذلك واضح. ومن احب تتبع هذه الروايات فليراجع (سنن النسائي) و(سنن البيهقي) . وفي (مصنف ابن أبي شيبة) عن شريك عن عطية بن مقسم عن القاسم بن عبدالرحمن قال: أُتي عمر بسارق فأمر بقطعه، فقال عثمان: إن سرقته لا تساوي عشرة دراهم قال: فأمر به عمر فقومت ثمانية دراهم فلم يقطعه؛ القاسم لم يدرك عمر ولا كاد، وعطية مجهول الحال، وشريك سيء الحفظ ونسبه بعضهم الى التدليس كما مضى؛ ورواه الثوري عن عطية بن عبدالرحمن الثقفي عن القاسم قال: ((أتي عمر ابن الخطاب بسارق قد سرق ثوباً فقال لعثمان: قومه، فقومه ثمانية دراهم فلم يقطعه)). ويؤخذ من كلام البخاري وابي حاتم ان عطية هذا هو الذي روى عنه شريك، فإن صح هذا فهو مجهول الحال، والا فكلاهما مجهول. ولو صحت القصة، فلفظ الثوري اقرب، ويكون ترك القطع لمانع اخر كشبهة ظهرت، وسيأتي عن عثمان انه قطع في أترجة قومت ثلاثة دراهم، ومر عنه انه قطع في فخارة خسيسة . فكيف يقول ما وقع في لفظ شريك؟! وفي (نصب الراية) (ج ٣ ص ٣٦٣) ان في (مصنف عبدالرزاق): ((عن معمر عن عطاء الخراساني ان عمر بن الخطاب قال: ((من اخذ من الثمر شيئاً فليس عليه قطع حتى يأوي الجرين، فإن اخذ منه بعد ذلك ما يساوي ربع دينار قطع)) . عطاء الخراساني لم يدرك عمر، لكن هذا اقوى من رواية عطية. وفي (الفتح): ((أخرجه ابن المنذر عن عمر بسند منقطع أنه قال: اذا اخذ السارق ربع دينار قطع))؛ وفيه ان ابن المنذر اخرج من طريق منصور عن مجاهد عن ابن المسيب عن عمر: لا تقطع الخمس إلا في خمس)). ابن المسيب عن عمر منقطع، إلا انه جيد، لكن لا نعلم كيف السند الى منصور. وأخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) من طريق قتادة عن ابن المسيب، وقتادة مشهور بالتدليس . وروى مالك في (الموطأ) وابن عيينة كما في (مصنف ابن أبي شيبة) عن عبد الله ٩٠٢ ابن ابي بكر عن عمرة أن سارقاً سرق في زمن عثمان أترجة فأمر بها عثمان ان تقوم، فقومت ثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهما بدينار فقطع عثمان يده)). وعمرة يقال انها ماتت سنة ٩٨ وعمرها سبع وسبعون سنة؛ فعلى هذا يكون سنها لمقتل عثمان فوق اربع عشرة سنة؛ وقد جاء عن عثمان ما هو اشد من هذا كما تقدم . وروى حاتم بن إسماعيل كما في (مصنف ابن أبي شيبة)، وسليمان بن بلال كما في ( سنن البيهقي) عن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن ابي طالب عن ابيه عن على رضي الله عنه أنه قطع يد سارق في بيضة حديد ثمنها ربع دينار. وقال الشافعي في (الأم) (ج ٦ ص ١١٦): ((أخبرنا أصحاب جعفر عن جعفر عن ابيه أن علياً رضي اللّه عنه قال: ((القطع في ربع دينار)). محمد بن على لم يدرك علياً، لكن لم يعارض هذا عن على ما أقوى منه، وإنما ذكر البيهقي في (السنن) (ج ٨ ص ٢٦١) أثراً عن علي فيه: ((لا تقطع اليد الا في عشرة دراهم))، ثم قال: ((هذا إسناد يجمع مجهولين وضعفاء))(١). فقال ابن التركماني: ((قد جاء من وجه اخر ضعيف الا انه اجود من الرواية التي ذكرها البيهقي بلا شك؛ فروى عبدالرزاق عن الحسن ابن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار عن علي قال: لا تقطع اليد في أقل من دينار أو عشرة دراهم؛ فعدل البيهقي عن هذه الرواية الى تلك لزيادة التشنيع )) . أقول وهذه ليست مما يفرح به، الحسن بن عمارة طائح، قال شعبة: ((أفادني الحسن بن عمارة سبعين حديثاً عن الحكم فلم يكن لها أصل)). ونص شعبة على أمثله (١) قلت: بل هو ضعيف جداً، فإن من رواته جويبراً وهو ابن سعيد البلخي أورده الذهبي في ((الضعفاء)) وقال: ((متروك الحديث)). وقال الحافظ في ((التقريب)): ((ضعيف جداً)). قلت: ومع هذا فهو خير من الحسن بن عمارة الآتي روايته، فإنه لم ينسب إلى كذب أو وضع، بخلاف ابن عمارة، فإنه أشد ضعفاً منه، قد نسبوه إلى الوضع كما يأتي في الكتاب، وقال الامام أحمد: أحاديثه موضوعة . فهل خفي هذا على ابن التركماني حتى زعم أن روايته أجود من رواية جويبر ، أم هو التعصب للمذهب؟! ٩٠٣ منها، سئل الحكم عنها فلم يعرفها. قال شعبة: ((قال الحسن بن عمارة: حدثني الحكم عن يحيى بن الجزار عن على - سبعة احاديث، فسألت الحكم عنها فقال: ما سمعت منها شيئاً)) وقال ابن المديني في الحسن بن عمارة: ((كان يضع)). المسلك الثالث: لبعض مشاهير الحنفية في هذا العصر ؛ كان هذا الرجل مشهوراً بطول الباع وسعة الاطلاع والزهد والعبادة(١)، وكان يقرر أن أحاديث (الصحيحين) قطعية الثبوت. وكان مع ذلك غاية في الجمود على المذهب والتفاني في الدفاع عنه؛ وفي مسلكه هذا ما يظهر منه علو طبقته في ذلك؛ ذكر أن (١) هو العلامة الشيخ محمد أنور الكشميري، وكلامه الذي أشار إليه المؤلف مذكور في كتابه « فيض الباري على صحيح البخاري)) (٤٤٦/٤ - ٤٤٧)، وهو بحق كما وصفه المصنف في سعة العلم، ولكنه مع الأسف لم يستفد كثيراً من علمه، صده عن ذلك التقليد المتوارث مع أنه من أحق العلماء المتأخرين بالخلاص منه، والاستقلال في النظر والاختيار، فانظر إليه مثلا في موقفه من مسألة رفع اليدين في الركوع التي لا يمكن للباحث في أدلتها إلا أن يقول بمشروعيتها واستحبابها، ولو كان حنفياً غير متعصب مثل العلامة اللكنوي رحمه الله فإنه لم يسعه إلا القول بالاستحباب في بحث له جيد في ((التعليق الممجد))، أما الشيخ الكشميري فلم يستطع التصريح بالاستحباب، على الرغم من أن التحقيق الذي وصل إليه يلزمه ذلك، فهو يقول في الكتاب المذكور (٢٥٧/٢ - ٢٥٩): فقد ثبت الأمران عندي (الرفع والترك) ثبوتاً لا مرد له، ولا خلاف إلا في الاختيار، وليس في الجواز)). ثم نقل عبارة لأبي بكر الجصاص تؤيد ما ذكره من الجواز، ثم قال: ((فاسترحت حيث تخلصت رقبتي من الأحاديث الثابتة في الرفع))! كذا قال، وفي عبارته من الركة ما لا يخفى، وإذا قال بجواز الرفع وأراد الجواز الذي يستوي فيه الفعل والترك، فلم يأت بشيء جديد بإثباته الرفع، لأن القائلين به لا يقولون بوجوبه، وإن أراد به جوازاً مع استحباب فهلا صرح به؟ وغالب الظن أنه هو الذي أراده، وإلا كان الرفع عبثاً لا يقول به فقيه مثله، وإنما لم يصرح به، لأنه لم يجد في مذهبه من سبقه إلى ذلك! ثم إذا صح ظننا به، فهل كان يرفع يديه كسباً للثواب، بل وبياناً للجواز ولو بالمعنى الأول، علم ذلك عند أصحابه، وظني أنه لم يفعل، لغلبة العصبية المذهبية على من حوله. والله المستعان. ن. ٩٠٤ لأصحابه طرقاً في التملص من أحاديث (الصحيحين) في هذه المسألة، من ترجيح غيرها أو دعوى اضطرابها أو نسخها، وأنه لم يرتض شيئاً من ذلك، واختار طريقاً جديداً يجمع بين الأدلة في زعمه، وهو أن القطع أولاً كان في ثمن المجن كما في حديث (الصحيحين) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وكانت قيمة المجن أولاً قليلة، ثم أخذت تزيد بزيادة اتساع حال المسلمين حتى بلغت عشرة دراهم فأقر الأمر عليها، وترك اعتبار ثمن المجن، وذلك كما هو الحال عنده في الدية؛ قال: ((وعلى نحو هذا حملت حد الخمر ومقدار المهر)). أقول: لم أظفر بتطبيق الأخبار على هذا المسلك لكن قد يقال: كان المعيار الشرعي لما يجب فيه القطع هو قيمة المجن فكأنها كانت أولاً لا تزيد عن أقل ما يحق على آخذه اسم ((السارق)) وحينئذ أنزل الله عز وجل: ﴿والسّارقُ والسَّارِقَةُ فاقْطَعُوا أَيْدِيهما﴾، ثم كأنها ترقت قليلاً فصارت كقيمة الحبل والبيضة وحينئذ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده)» ثم ترقت فصارت ربع دينار وهو عند الحنفية درهمان ونصف، وحينئذ قال النبي عَ له: ((تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا)» ثم ترقت فصارت ثلاثة دراهم، وحينئذ قطع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مجن قيمته ثلاثة دراهم؛ ثم كأنها بقيت كذلك إلى أن قطع أبو بكر في شيء يقول أنس: ((ما يسرني أنه لي بثلاثة دراهم))؛ ثم كأنها ترقت فصارت دراهم، وحينئذ قطع أبو بكر في مجن قيمته خمسة دراهم؛ وكأنها بقيت على ذلك الى أوائل عهد عمر، وحينئذ قال - لو صح عنه -: لا تقطع الخمس إلا في خمس؛ ثم كأنها نقصت الى درهمين ونصف فحينئذ قال عمر - لو صح عنه - إذا أخذ السارق ربع دينار قطع؛ ثم كأنها ترقت فصارت عشرة دراهم وحينئذ امتنع - لو صح عنه - من القطع فيما قيمته ثمانية دراهم؛ ثم نقصت في عهد عثمان وحينئذ قطع في أترجة قيمتها ثلاثة دراهم، ثم ازدادت نقصاً وحينئذ قطع في فخارة خسيسة؛ ثم تحسنت الحال قليلاً في زمن على وحينئذ قطع في بيضة حديد قيمتها ربع دينار، وأفتت عائشة بالقطع في ربع ٩٠٥ دينار، ثم لا أدري متى عادت فترقت الى عشرة دراهم، وحينئذ بمقتضى هذا المسلك نزل الوحي بإلغاء اعتبار قيمة المجن، وأن يكون المعتبر هو العشرة الدراهم !! ولعمري لقد تكرر في الأخبار ذكر المجن، وإن بعض الألفاظ ليوهم اعتبار المجن، إلا أن الناس فهموا أن سبب التكرر هو أن أقل ما قطع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مجن، وحملوا ما يوهم اعتبار المجن على ما تقدم مفصلاً، ولم يعرج أحد منهم على هذا المسلك الطريف ولكن: لكل ساقطة في الأرض لاقطة وكل كاسدة يوماً لها سوق ومن العجيب أنه لم يرتض دعوى بعض أسلافه النسخ ثم وقع فيها، وأنه يقول: إن أحاديث (الصحيحين) قطعية الثبوت ثم يخالف صرائحها ويتشبث بما لم يثبت مما فيه ذكر العشرة . فأما حديث هشام عن أبيه عن عائشة فاختلف فيه الرواة عن هشام سنداً ومتناً . أما السند فمنهم من ذكر عائشة، ومنهم من لم يذكرها وجعله مرسلاً من قول عروة، نبه على ذلك البخاري في (الصحيح)، والصواب ذكر عائشة . وأما المتن فعلى ثلاثة أوجه: الأول: ما رواه البخاري عن عثمان بن أبي شيبة عن عبدة عن هشام عن أبيه عن عائشة ((أن يد السارق لم تقطع عل عهد النبي ◌َّه إلا في مجن حجفة أو ترس)). ثم روى البخاري عن عثمان أيضاً عن حميد ((ثنا هشام عن أبيه عن عائشة. مثله)). الثاني: ما رواه البخاري عن محمد بن مقاتل عن ابن المبارك عن هشام عن أبيه عن عائشة: (( لم تكن تقطع يد السارق في أدنى من حجفة أو ترس كل واحد منهما ذو ثمن)). الثالث: رواه البخاري (( حدثني يوسف بن موسى ثنا أبو أسامة قال: هشام بن ٩٠٦ عروة أخبرنا عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم تقطع يد سارق على عهد النبي ◌َّمه في أدنى من ثمن المجن ترس أو حجفة، وكان كل منهما ذا ثمن)). فالأول: مداره على عثمان بن أبي شيبة عن عبدة وعن حميد، وقد خولف عن كل منهما فرواه مسلم في (صحيحه) عن محمد بن عبد الله بن نُمير عن حميد بسنده: (( لم تقطع يد سارق في عهد النبي ◌ّ في أقل من ثمن المجن حجفة أو ترس وكلاهما ذو ثمن)) وهذا على الوجه الثالث كما ترى. ورواه البيهقي في (السنن) (ج ٨ ص٢٥٦) من طريق هارون بن إسحاق عن عبدة بسنده ((لم تكن يد تقطع على عهد رسول الله ظلم في أدنى من ثمن مجن حجفة أو ترس)). وهذا على الوجه الثاني كما ترى، وبهذا بان ضعف الوجه الأول، بل ظاهره باطل، لأنه يعطي أن القطع لم يقع في عهد النبي عَّه إلا مرة واحدة في ذاك المجن، وقد ثبت قطع سارق رداء صفوان الذي كانت قيمته ثلاثين درهماً. وثبت قطع يد المخزومية التي كانت تستعير الحلي ثم تجحده. وأما الوجه الثاني فقد اختلف على عبدة كما رأيت، وكذلك اختلف على ابن المبارك، رواه النسائي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن هشام عن أبيه عن عائشة: ((لم تقطع يد سارق في أدنى من حجفة أو ترس، وكل واحد منهما ذو ثمن)». وهذا على الوجه الثالث كما تری. فبان رجحان الوجه الثالث، لأنه رواه عن هشام أبو أسامة ولم يختلف عليه فيه، ورواه ابن نُمير عن حميد عن هشام، وابن نمير أثبت من عثمان بن أبي شيبة، ورواه سويد بن نصر عن ابن المبارك عن هشام. وقد رجح الشيخان والنسائي الوجه الثالث. أما البخاري فساقها على هذا الترتيب، ثم عقب بحديث ابن عمر، فأشار والله أعلم بالترتيب الى ترتيبها في القوة، فالثاني أقوى من الأول، والثالث أرجح منهما . ٩٠٧ 1 أو قل: أشار إلى أن الثاني يفسر الأول من وجه والثاني (١) يفسرهما جميعاً، وأشار بالتعقيب بحديث ابن عمر الى أن هذا الحديث وحديث ابن عمر عن واقعة واحدة، فعائشة حفظت أن أقل ما قطع فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو ذاك المجن ولم تذكر قيمته، وابن عمر حفظ قيمته ولم يذكر أنه أقل ما قطع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه . وأما مسلم فصدر بحديثه عن محمد بن عبد الله بن نمير وساقه بتمامه وهو على الوجه الثالث كما مر ثم قال: ((حدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا عبدة بن سليمان وحميد بن عبد الرحمن ح وثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبد الرحيم بن سليمان ح وثنا أبو كريب ثنا أبو أسامة كلهم عن هشام بهذا الإسناد نحو حديث ابن نمير عن حميد بن عبد الرحمن الرواس، وفي حديث عبد الرحيم وأبي أسامة: ((وهو يومئذ ذو ثمن)) فحمل سائر الروايات على حديث ابن نمير وهو على الوجه الثالث كما مر، ولم يعتد بمخالفة بعضها له في الأوجه المذكورة مع اعتداده بالاختلاف في قول ابن نمير ((وكلاهما ذو ثمن)) وقول عبد الرحيم وأبي اسامة ((وهو يومئذ ذو (٣) ثمن)) ثم عقب مسلم ذلك بحديث ابن عمر. وأما النسائي فإنه مع تصديه لجمع الروايات في ذكر المجن لم يسقْ من طرق حديث هشام المذكورة إلا رواية سويد بن نصر عن ابن المبارك عن هشام، وهي على الوجه الثالث. وصاحب هذا المسلك إنما يكون له متشبث ما في الوجه الثاني، وقد علمت أنه مرجوح من جهة الرواية؛ وهكذا هو مرجوح من جهة النظر لما يأتي، وعلى فرض أنه لا يتبين أنه مرجوح فلا يصح التمسك بما اختص به بعض الروايات وخالفها غيرها، لأن الاختلاف إنما جاء من جهة الرواية بالمعنى فلا يصح التشبث بواحدة منها حتى يترجح أنها باللفظ الأصلي أو موافقة له . (١) كذا الأصل والظاهر أنه خطأ، والصواب ((والثالث)). (٢) الأصل ((ذون)». ن. ٩٠٨ ومع هذا فاللفظ الواقع في الوجه الثاني لا يتعين حمله على ما زعمه صاحب هذا المسلك فإنه يحتمل أن يكون المراد أن السارق لم يكن يقطع فيما دون ثمن ذاك المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ ولا مانع أن تعرف عائشة هذا ولا تعرف قيمة ذاك المجن؛ وهذا المعنى أقرب وأولى مما زعمه صاحب هذا المسلك، فإنه يزعم أن المعنى أن اليد لم تكن تقطع إلا فيما يبلغ ثمن مجن من المجان أي مجن كان، وهذا بغاية البعد، فإن من المجان الردىء البالي المعيب الذي تكون قيمته درهماً واحداً أو دونه، ومنها ما يزيد على ذلك زيادة متفاوتة، ولم يعهد من حكمة الشارع وإيثاره الضبط، أن ينوط مثل هذا الحكم العظيم بمثل هذا الأمر الذي لا ينضبط . فإن قيل يختار مجن من أوسط الغالب على نحو ما قدمت أول المسألة. قلت: أوسط الغالب بعيد أيضاً عن الانضباط، والذي تقدم إنما هو من بعض من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، رأى أنه لا ينبغي القطع في أقل مما قطع فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعرف أنه ذاك المجن ولم يعرف ثمنه فاضطر الى الحدس، والشارع لا ضرورة تلجئه ولا حاجة تدعوه إلى مثل هذا، فلماذا يعدل عن سنته من إيثار الضبط وهو قادر على الضبط بالذهب أو الفضة، فيكون المناط ظاهراً منضبطاً سهل المعرفة جارياً على ما يعرفه الناس ويتعارفونه؟! فأما تقدير الدية بالإبل فذلك معروف متعارف من قبل الإسلام، وكان أغلب أموالهم الإبل ووصفها الشارع بصفات معروفة تقربها من الانضباط، ولا يخشى بعد ذلك التباس ولا مفسدة كما يخشى في نوط القطع بثمن مجن، فإن من وجبت عليه الدية لا يلزمه أن يدفع النفيسة، فلو كانت عنده نفيسة، وأراد أن يشتري بها عشراً كلهن على وصف الدية مكن من ذلك، فيشتري بتلك الناقة عشرا ويدفعها فتحسب له عشراً، واحتمال أن لا يتمكن من ذلك بعيد، فإن اتفق ذلك فللفقيه أن يقول هي بمنزلة المعدومة، ويعدل الى قيمة القدر الواجب من الغالب - كما قيل بنحو ذلك في الزكاة. فأما إذا طابت نفس صاحبها فدفعها فلا إشكال. والحنفية لم ٩٠٩ ينكروا وجوب الإبل، وإنما قالوا: إن الواجب هي أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم؛ وإن التعيين بالتراضي أو القضاء. وأقول أما التراضي فلا إشكال فيه، وكذلك القضاء إذا قضى القاضي بالإبل، أو بذاك المبلغ من الذهب أو الفضة وهو قيمة الإبل؛ وأما إذا لم يكن ذلك قيمتها ، فجعل الخيرة للقاضي مناف للعدل وفتح لباب اتباع القضاة للهوى، وأصول الشرع تأبى ذلك. والمقصود هنا أنه لا مفسدة في جعل الزكاة من الإبل، فإن الواجب الحقيقي هو أقل ما يتحقق به الصفة فالمستحق بين أن يحصل له حقه، وأن يحصل له دونه برضاه، وأن يحصل له فوقه برضا الدافع . وعلى فرض أن المقوم أخطأ في التقويم، فالخطب سهل، إنما هو خسارة مالية يجبرها الله عز وجل من فضله . وأما المجن فإن قيل: إنه يقطع في سرقته مطلقاً بأي صفة كان فلا يخفي ما فيه، وإن قيل: لا يقطع فيه إلا إذا كان بوصف مخصوص ، فما هو ذاك الوصف؟ وما الدليل على تعيينه؟ وإن قيل: لا يقطع فيه إلا اذا بلغت قيمته حداً معيناً فى يدل عليه قول أنس: ((سرق رجل مجناً على عهد أبي بكر فقوم خمسة دراهم فقطع)) فهذا قولنا وبطل هذا المسلك الطريف رأساً . وإذا كان المسروق ذهباً أو فضة، فعلى ذلك المسلك ينبغي أن ينظر هل هو قيمة مجن أولا؟ وهذا عكس المعروف المتعارف من اعتبار مقادير السلع بالذهب والفضة، وإذا كان المسروق سلعة أخرى احتيج إلى تقويمين، تقويم السلعة بالذهب أو الفضة، وتقويم المجن الذي لم تبين صفته بالذهب أو الفضة، واحتمال الخطأ في ذلك أشد من احتماله في تقويم واحد . فإن قيل: إنما كان ذلك في أول الأمر ثم استقر الحال على العشرة الدراهم. قلت: فهل كان الشارع يجهل عاقبة الأمر؛ وقد قال الشاعر: رأى الأمر يفضي الى آخر فصير آخره أولا ٩١٠ وإذا كان المجن لا يصلح أن يجعل معياراً مستمراً، فكذلك لا يصلح أن يكون معياراً موقتاً بلا ضرورة ولا حاجة . فإن قيل: قد يكون صاحب هذا المسلك إنما عنى ذاك المجن المعين الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم . قلت: فيلزم أن يكون ذاك المجن بقي محفوظاً في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم في بيوت الخلفاء، فكلما رفع سارق، قُوم المسروق ثم أخرج ذاك المجن فقوم بقيمة الوقت! وهذا باطل من وجوه: منها أنه لم ينقل، ولو كان لنقل لغرابته، ومنها أن النقل يأباه، ومنها أنه خلاف المعهود من براءة الشريعة عن مثل هذا التكلف الذي لا تبرره حكمة؛ وكثير مما تقدم يرد على هذا أيضاً؛ وأشد ذلك الداهية الدهياء وهي النسخ بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم . فإن قيل: لعل صاحب هذا المسلك إنما أراد أن ذلك التدرج واستقرار الأمر على عشرة الدراهم كان كله في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قلت: ظاهر صنيعه خلاف ذلك لتنظيره بحد الخمر، ولأنه لا يجهل أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيء في ذكر العشرة(١)، وإنما يصح إن صح شيء عمن بعده وبعد الخلفاء الراشدين، وهب أنه إنما أراد ما زعمت، فلم يأت عليه بشبهة فضلاً عن حجة، ويرد عليه أكثر ما تقدم، وكيف يقول: إن أحاديث (الصحيحين) قطعية الثبوت ثم ينسخها بما لم يثبت؟! وأما قضية المهر فلم يثبت تحديده، وإنما اقتسر الحنفية قياسه على ما يقطع فيه السارق، والأصل باطل، والقياس أبطل . وأما حد الخمر فالحق أنه أربعون، واستنبط الصحابة من تدريج الأمر في الخمر (١) قلت: في هذا نظر، فإن المومى اليه قد صرح بتصحيح حديث ابن عباس في العشرة! ٩١١ من حكم الى أشد منه رعايةً للحكمة جواز زيادة التشديد تعزيرا، واستأنسوا لتحديد الزيادة بقولهم: ((إنه إذا سكرهذى، وإذا هذى افترى))(١) مع علمهم بأنه لا يلزمه بمجرد الاحتمال حكم المرتد ولا حكم المطلق ولا غير ذلك مما يحتمل صدوره منه عند هذيانه، والسرقة لم يقع في تحريمها تدريج، لا من حال إلى أشد منها، ولا من حال الى أخف منها . فإن قيل قد يقال: إن للتدريج حكمة، وهي أن الناس كانوا في ضيق فكان المسروق منه يتضرر بأخذ اليسير من ماله، ثم اتسعوا فصار لا يتضرر إلا بأخذ أكثر من ذلك وهكذا . قلت: تعقّل الحكمة لا يثبت به الحكم، مع أن ما ذكرتم يعارضه أن المناسب في زمن الضيق أن يخفف على السارق لكثرة الحاجة، وقد شهدت الشريعة في الجملة لهذا المعنى دون الأول، وذلك يدرء الحد عن المضطر، وما يروى عن بعض السلف أنه لا قطع في زمن المجاعة (٢). فإن قيل: إن المقدار لم يتغير في المعنى، لأن السلع كلها أو غالبها تساير المجن، فالسلعة المسروقة التي تكون قيمتها خمسة حين بلغ ثمن المجن خمسة، كانت قيمتها ثلاثة حين كانت قيمة المجن ثلاثة، وهكذا الدراهم نفسها، فإن الثلاثة كانت أوّلاً تغني غناء لا تغنيه أخيراً إلا لخمسة مثلاً . قلت: هذا كله لا يغني فتيلاً فيما نحن بصدده، ثم هو غير مستقيم، فقد تغلو سلعة وترخص أخرى، ولا تزال تضطرب قيمتها ارتفاعاً وانخفاضاً الى يوم القيامة، ولماذا إذا كان لوحظ ذاك المعنى وقع التحديد أخيراً بالعشرة؟! وقد يزيد (١) هذا لم يصح، وهو معلل في إسناده ومتنه، وقد بينت ذلك في ((إرواء الغليل)) ( ٢٣٧٨ ). ن. (٢) قلت: يشير إلى ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ((لا قطع في غدق، ولا في عام سنة)). لكن في سنده جهالة كما بينته في المصدر السابق (٢٤٢٨). ٩١٢ الاتساع فتصير خمسة عشر لا تغني إلا غناء الثلاثة، وقد يعود الضيق ويشتد أشد مما كان أولاً، والمعروف إنما هو ضبط أثمان السلع بالدنانير والدراهم، لا ضبط الدنانير والدراهم بالسلع، فكيف بسلعة لا تنضبط ؟ وقد أطلت في رد هذا المسلك مع أنه لا يحتاج في رده الى هذا كله، ولكن دعا الى ذلك شهرة قائله . والله المستعان . ٠٠ ٩١٣ المسْألَة الخامسَة عَشْرَة القضاء بشاهد ويمين في الأموال قال الأستاذ (ص ١٨٥): ((وأما القضاء بشاهد ويمين فلم يرد فيه ما هو غير معلل عند أهل النقد، وحديث مسلم فيه انقطاعان مع عدم ظهور دلالته على التنازع فيه كما فصل في محله؛ والليث بن سعد رد على مالك رداً ناهضاً في رسالته إليه ... حتى أن يحيى الليثي راوية (الموطأ) وغيرهم من كبار المالكية خالفوا مالكاً في المسألة، وكم بين الشافعية من خالف الشافعي في المسألة، فسل قضاة العصر ماذا كانت تكون النتيجة في الحقوق لو حكموا للناس بما يطالبون به بدون تكامل نصاب الشهادة؟ فضلاً عن الضعف الظاهر فيما يحتجون به في الأخذ بشاهد ويمين)). أقول: حديث مسلم هو قوله في (صحيحه): ((حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نُمير قالا ثنا زيد - وهو ابن حباب - ثنى سيف بن سليمان أخبرني قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أن رسول الله مح له قضى بیمین وشاهد)». فأما الانقطاعان المزعومان فأحدهما بين عمرو وابن عباس. والآخر بين قيس وعمرو . أما الأول فقال ابن التركماني: «في (علل الترمذي): سألت محمداً (البخاري) عنه - أي هذا الحديث - فقال: عمرو بن دينار لم يسمع عندي هذا الحديث من ابن عباس)). ٩١٤ أقول: ليس لهذه العندية ما يسندها سوى أمرين: الأول: أن محمد بن مسلم بن سوسن الطائفي روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار، فقال بعض الرواة عنه: عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس. وبعضهم قال: عن عمرو عن جابر بن زيد عن ابن عباس . الثاني: استبعاد صحة الحديث لعدم اشتهاره عن ابن عباس ومخالفته لظاهر القرآن . فأما الأول فقد أجاب عنه البيهقي بأنه إنما جاء ذلك عن بعض الضعفاء، فأما الثقات فرووه عن الطائفي عن عمرو عن ابن عباس كما يأتي، ورواية الثقات لا تعلل برواية الضعفاء . أقول: ومع ذلك فلو صح الوجهان المذكوران أو أحدهما لصح الحديث أيضاً كما صحح الشيخان حديث حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر في لحوم الخيل، مع رواية ابن عيينة وغيره له عن عمرو عن جابر؛ (١) ولهذا نظائر . وأما الثاني: فالجواب عنه من وجهين : الأول: أن ذاك الاستبعاد إن كان له وجه فلا يزيله إلا دعوى أن بين عمرو وابن عباس واسطة ضعيفة، إذ لو كان بينه وبينه ثقة لصح الحديث أيضاً كما مر، وليس لأحد أن يفرض الواسطة الضعيفة هنا فإن عمراً لا يدلس مثل هذا التدليس، وإنما قد يرسل ما سمعه من ثقة متفق عليه كما أرسل عن جابر ما سمعه من محمد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب عنه، ومحمد إمام حجة، وقد تتبعت ما قيل إن عمراً ارسله مثل هذا الإرسال غير الحديث السابق، فلم أجد إلا حديثاً واحداً حاله كحال الحديث السابق، وذلك أن في (مسند أحمد) (ج ٣ ص ٣٦٨): (١) أنظر تخريجه في ((الإرواء)) (١٢٤٨٤). ٩١٥ ((ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن دينار عن جابر .... ، قلت لعمرو: أنت سمعته من جابر؟ قال: لا))؛ والحديث في (صحيح البخاري) من طريق ابن عيينة ((قال عمرو: أخبرني عطاء أنه سمع جابراً .... )) فبين عمرو وجابر في هذا عطاء ابن أبي رباح، وهو إمام حجة؛ ووجدت حديثين آخرين لم يتضح لي الإرسال فيهما، فإن صح فالواسطة في أحدهما عكرمة وطاوس أو أحدهما . وفي الثاني: ابن أبي مليكة، وهؤلاء كلهم ثقات أثبات. فإن ساغ أن يقال في حديث رواه عمرو عن ابن عباس: لعله لم يسمعه منه؛ فإنما يسوغ أن يفرض أن عمراً سمعه من ثقة حجة سمعه من ابن عباس؛ وفي ترجمة عمرو من (تهذيب التهذيب): قال الترمذي: قال البخاري: لم يسمع عمرو بن دينار من ابن عباس حديثه عن عمر في البكاء على الميت)). قال ابن حجر: ((قلت: ومقتضى ذلك أن یکون مدلساً)) . أقول: لم أظفر برواية عمرو ذاك الحديث عن ابن عباس، والقصة - وفيها الحديث - ثابتة في (صحيح مسلم) و(مسند الحميدي) من رواية عمرو عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس، فإن كان بعضهم روى الحديث عن عمرو عن ابن عباس فلا ندري من الراوي؟ فإن كان ثقة فالحال في هذا الحديث كما تقدم، حدث به عمرو مراراً عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس حتى عرف أن الناس قد عرفوا أنه لم يسمعه من ابن عباس، ثم قال مرة على سبيل الفتيا أو المذاكرة: ((قال ابن عباس)) وليس هذا بالتدليس، على أنه لا مانع من أن يسمع من ابن أبي مليكة عن ابن عباس القصة وفيها الحديث ويسمع من ابن عباس نفسه الحديث . ولا مانع من أن يسمع الرجل الحديث من رجل عن شيخ ثم يسمعه من ذلك الشيخ نفسه ثم يرويه تارة هكذا وتارة هكذا. وهذا النوع يسمى ((المزيد في متصل الأسانيد)) وقد عد بعضهم منه حديث عمرو في لحوم الخيل، وقد ذكر مسلم في مقدمة (صحيحه) أمثلة مما قد يقع من غير المدلس من إرسال ما لم يسمعه، وذكر ٩١٦ منها حديث عمرو بن دينار في لحوم الخيل وقد مر، وهذا حكم من مسلم بأن عمراً . غير مدلس، وأن ما قد يقع عن مثل ذاك الإرسال ليس بتدليس. واحتج الشيخان بكثير من أحاديث عمرو التي لم يصرح فيها بالسماع، واحتج مسلم بحديث في المخابرة رواه ابن عيينة عن عمرو عن جابر، مع انه قد ثبت عن ابن عيينة أن عمراً لم يصرح فيه بالسماع من جابر، وهذا الترمذي حاكي الحكايتين عن البخاري صحح في حديث لحوم الخيل رواية ابن عيينة التي فيها ((عمرو عن جابر)) وخطأ حماد بن زيد في قوله ((عمرو عن محمد بن علي عن جابر)) مع جلالة حماد وإتقانه، فلو كان عند الترمذي أن عمراً يدلس لما كان عنده بين الروايتين منافاة، والصحيح أنه لا منافاة ولا تدليس كما مر، فأما ما في (معرفة الحديث) للحاكم (ص ١١١) في صدد كلامه في التدليس: «فليعلم صاحب الحديث أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة .... وأن عامة حديث عمرو بن دينار عن الصحابة غير مسموعة)). فإنما قال ذلك في صدد من روى عمن لم يره قط ولا سمع منه شيئاً، فإن تلك العبارة هي في صدد قوله (ص١٠٩) ((الجنس السادس من التدليس قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط ... )). وحاصل ذلك أن عمراً يرسل عمن لم يره من الصحابة، وهذا على قلة ما قد يوجد عن عمرو فيه ليس بتدليس وإنما يسميه جماعة تدليساً إذا كان على وجه الإيهام، فأما أن يرسل المحدث عمن قد عرف الناس أنه لم يدركه أو لم یلقه فلا إيهام فيه فلا تدلیس . وعادة أئمة الحديث إذا كان الرجل ممن يكثر منه هذا الإرسال أن ينصوا على أسماء الذين روى عنهم ولم يسمع منهم، كما تراه في تراجم مكحول والحسن البصري وأبي قلابة عبد الله بن زيد وغيرهم، ولم نجد في ترجمة عمرو إلا قول ابن معين: ((لم يسمع من البراء بن عازب)) ولعله لم يرسل عن البراء إلا خبراً واحداً؛ وسماع عمرو من ابن عباس ثابت، والحكم عندهم فیمن ليس بمدلس ولكنه قد يرسل لا على سبيل الإيهام أن عنعنته محمولة على السماع إلا أن يتبين أنه لم يسمع، كالحديث الذي رواه شعبة عن عمرو عن جابر وقد تقدم. ووجه ذلك أنه لم يثبت ٩١٧ عليه إلا أنه قد يرسل لا على وجه الإيهام، ومعنى ذلك أنه لا يرسل إلا حيث يكون هناك دليل واضح على أنه لم يسمعه، فحيث وجدنا دليلاً واضحاً على عدم السماع فذاك، وحيث لم نجد كان الحكم هو السماع ألا ترى أن الثقة قد يخطىء، ومع ذلك فروايته محمولة على الصواب ما لم يقم دليل واضح على الخطأ، فأولى من ذلك أن يحكم بالاتصال في حديث من لم يعرف عنه إلا الارسال حيث لا إيهام، لأن المخطىء قد يخطىء حيث لا دليل على خطئه بخلاف المرسل؛ والحكم عندهم فيمن عرف بالتدليس وكثر منه إلا أنه لا يدلس إلا فيما سمعه من ثقة لا شك فيه أن عنعنته مقبولة، كما قالوه في ابن عيينة فما بالك بما نحن فيه؟ وأما عدم اشتهار الحديث عن ابن عباس فلا يضره بعد أن رواه عنه ثقة جليل فقيه وهو عمرو بن دينار، وكم من حديث صححه الشيخان وغيرهما مع احتمال أن يقال فيه مثل هذا أو أشد منه، هذا حديث ((إنما الأعمال بالنيات)) عظيم الأهمية عند أهل العلم حتى قالوا إنه نصف العلم. وهذا مما يقتضي اشتهاره، وفي روايته ما يشير إلى أن النبي عَ لَّم خطب به على المنبر، وهذا مما يقتضي اشتهاره، وذكر فيه أن عمر بن الخطاب رواه وهو يخطب على المنبر، وهذا مما يقتضي اشتهاره، ومع ذلك لم يروه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير عمر بن الخطاب، ولا رواه عن عمر غير علقمة بن وقاص، ولا رواه عن علقمة غير محمد بن ابراهيم التيمي، ولا رواه عن محمد غير يحيى بن سعيد الأنصاري، ومع ذلك صححه الشيخان وغيرهما وجعلوه أصلاً من أصول العلم، بل جعلوه نصف العلم كما مر. فإن قيل: لكن له شواهد . قلت: وحديث القضاء بالشاهد واليمين كذلك فقد جاء من رواية جماعة من ٩١٨ الصحابة بأسانيد جيدة قد صححوا نظائرها؛ وجاء من رواية آخرين بأسانيد تصلح للاستشهاد(١)، وجاء من مرسل عدة من التابعين، وكان عليه عمل أهل الحجاز لا یعرف عندهم خلافه . فإن قيل: فقد قلت في حديث ابن اسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس في قطع يد السارق في ثمن المجن ما قلت . قلت: ذاك خبر اضطرب فيه ابن اسحاق أشد اضطراب، وابن إسحاق في حفظه شيء، وجاءت أدلة تقضي بأنه من قول عطاء، لا من روايته عن ابن عباس كما تقدم تفصيله في المسألة السابقة، وليس الأمر ههنا كذلك، ولا قريباً من ذلك؛ وقد تجتمع عدة أمور يقدح مجموعها في صحة الحديث، ومنها ما لو انفرد لم يضر. وأما مخالفته لظاهر القرآن كما قد يشير إليه صنيع البخاري في (صحيحه) فكم من حديث صححه هو وغيره وهو مخالف لظاهر القرآن كحديث المنع من الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وحديث النهي عن أكل كل ذي ناب أو مخلب، وحديث النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وغير ذلك، وكم من دلالة ظاهرة من القرآن خالفها الحنفية أنفسهم، وقد تقدم شيء من ذلك في المسألة الثانية عشرة، وذكر ابن حجر في (الفتح) أمثلة من ذلك، وبسط الشافعي الكلام في (الأم) (ج ٧ ص ٦ - ٣١) ومع ذلك فمخالفة حديث القضاء بشاهد ويمين لظاهر القرآن مدفوعة كما ستراه . قال الله تبارك وتعالى: ﴿يا أيُّها الذين آمنُوا إذا تَدايَنْتُم بديْنِ الى أَجَلٍ مُسَمَى فَأَكْتُبُوْه﴾ (٢) إلى أن قال: ﴿واسْتَشْهدوا شَهِيدَيْن من رجالكُم فإِنْ لم يكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وأمْرأتان مِمَّن تَرْضَوْن من الشُّهداء أَنْ تَضِلِ إِحْدَاهُمًا فَتُذَكِّر (١) سيأتي ذكر بعض شواهده ص ٩٢٨. ن. (٢) البقرة (٢٨٢). ٩١٩ إِحْداهُما الأُخْرِى﴾ (١) الى أن قال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ الله وأَقْوَمُ لِلِشَّهادة وأَدْنِى أَلَآَ تَرْتَابُوا﴾ (٢) إلى أن قال: ﴿وإِنْ كُنْتُم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهانٌ (٣) مقبوضةٌ﴾ (٣). إِن قيل: أمر الله تعالى أن يستشهد عند المداينة رجلان فإِن لم يكونا فرجل وامرأتان، فدل ذلك على أنه لا يثبت الحق عند التّداعي عند الحاكم إِلا بذلك. فالجواب: إِن أردتم أنه لا يثبت مطلقاً إِلا بذلك فهذا باطل، إِذ قد يثبت الحق بالاعتراف، وبالنكول فقط عند الحنفية، ومع يمين المدعي عندنا. وإن أردتم أنه لا يثبت بشهادة إِلا كذلك فقط عند الحنفية، ومع يمين المدعي عندنا . وإن أردتم أنه لا يثبت بشهادة إلا كذلك فهذا لا يفيدكم، فإن الحديث إِنما أثبته بالشاهد واليمين لا بالشاهد وحده . فإن قيل: لو كان يثبت بشاهدٍ ويمين لما كان للأمر برجلين أو رجل وامرأتين فائدة . قلنا: بلى، له فوائد عظيمة، الأولى ما نصت عليه الآية: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ الله وَأَقْوَمُ لِلِشَّهادة وأَدْنى أَلَّ تَرْتابوا﴾، وهذا كما يحصل بالكتابة مع أن الحق لا يثبت بالكتاب وحده، فكذلك يحصل بالشهادة التامة، فإن القضاء بشهادة تامة أظهر في القسط والعدل من القضاء بشاهد ويمين، وأقوم للشهادة لأن كلا من الشاهدين يبالغ في التحفظ لئلا تخالف شهادته شهادة الآخر، وأبعد عن الريبة كما لا يخفى، وقد دل الإتيان بصيغة التفضيل على أن أصل القسط، وقيام الشهادة، والبعد عن الريبة، قد يحصل بما هو دون ما ذكر، فما هو؟ ليس إلا الشاهد واليمين، كما دل (١) البقرة (٢٨٢). (٢) البقرة (٢٨٢). (٣) البقرة (٢٨٣). ٩٢٠