النص المفهرس

صفحات 881-900

فإن قيل لعلها اخذت ذلك من واقعة أخرى غير هذه الثلاث .
قلت: لا يعرف ذلك، ولو كان ذاك عندها لما احتاجت ان تقول ما رواه هشام
عن أبيه عنها، بل كانت تذكر ذلك الشيء الآخر الذي عرفت قيمته فذلك أوفى
بمقصودها من ذكر مالم تعرف ولا عرفت قيمته .
فإن قيل قد قال النسائي: ((أخبرنا قتيبة ثنا جعفر بن سليمان عن حفص بن
حسان عن الزهري عن عروة عن عائشة: قطع النبي ◌َ ◌ّ في ربع دينار)).
قلت : جعفر فيه كلام، وحفص مجهول .
فإن قيل: فقد يعكس عليك الامر فيقال: لو كان عندها عن النبي ◌َّه قوله
(( تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً)) أو نحوه لما احتاجت أن تقول ما رواه
هشام عن أبيه عنها .
قلت : هناك مسألتان:
الأولى: هل یقطع في ربع دینار؟
الثانية: هل يقطع فيما دون ذلك؟
فحديثها مرفوعاً ((تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً)) يدل على المسألة
الاولى بمنطوقه، ولا يدل على الثانية إلا بمفهوم المخالفة، فكأنها لما أرادت
الاحتجاج على انه لا يقطع في الشيء التافه، استضعفت أن تخصص القرآن بمفهوم
المخالفة، فلم تحتج بهذا الحديث وعدلت إلى ما رواه هشام عن أبيه عنها وكأنها
كانت تجوّز ان تكون قيمة ذاك المجن كانت اقل من ربع دينار، فأخبرت بما
عندها، وهو أنه اقل ما يقطع فيه النبي ◌َ ◌ّه وتركت النظر لغيرها .
فإن قيل فقد جاء في بعض روايات حديث عمرة عنها أن النبي صلى اللّه عليه
وسلم قال: ((لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً)) وهذا واضح الدلالة على
٨٨١
٠

المسألة الثانية .
قلت: هذا اللفظ مرجوح، والمحفوظ ((تقطع يد السارق في ربع دينار
فصاعداً)) أو مافي معناه كما يأتي بيانه ان شاء اللّه، وكأن من روى بلفظ: ((لا
تقطع ... )) انما روى بالمعنى فصرح بمقتضى مفهوم المخالفة، اذا تقرر هذا فلو
صح عنها أنها قالت: ((كان رسول اللّه ◌َ ال يقطع اليد في ربع دينار)) لوجب حمله
على انها إنما أخذته من قول النبي عَ له: ((تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً))
بناء على ان من شأنه عَ لّ ان يوافق فعله قوله، فاذا قال: ((تقطع يد السارق في
ربع دينار فصاعداً)) علم منه انه كان إذا رفع اليه في سرقة ربع دينار قطع، فإن لم
يقع القطع بالفعل لعدم الرفع فهو واقع بالقوة .
والحق ان ذاك اللفظ: ((كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقطع في ربع دينار
فصاعداً)) لا يثبت عن عائشة، ولكن يمكن أن تكون تلك حال ابن عيينة سمع
الحديث بلفظ ((تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً)) فرواه تارة كذلك وذلك
حين اعتنى بالحديث عند تحديثه للحميدي كما مر، وتارة بلفظ ((القطع في ربع
دينار)) وتارة ((السارق إذا سرق ربع دينار قطع)) وتارة: ((قالت عائشة كان رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم يقطع في ربع دينار فصاعداً)) والثلاثة الاخيرة كلها من باب
الرواية بالمعنى، اما الثاني والثالث فظاهر، وأما الرابع فلما استقر في نفس ابن عيينة
ان النبي عَّ اذا قال شيئاً فقد عمل به أو كأنه قد عمل به، وقد ذكر الطحاوي
في (مشكل الآثار) (ج ٢ ص ٢٧٠) حديثاً من طريق شجاع بن الوليد عن ابن
شبرمة بسنده: قال رجل يا رسول اللّه اي الناس أحق مني بحسن الصحبة؟ قال:
امك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك - ثلاث مرات. قال: ثم
من؟ قال: أبوك. ثم رواه من طريق ابن عيينة وفيه ذكر الأم مرتين فقط ثم قال
الطحاوي: ((قد يحتمل ان يكون ابن عيينة ذهب عنه في ذلك ما حفظه شجاع لأن
ابن عيينة كان يحدث من كتابه)). وعَبَّرَ صاحب (المعتصر) (ج ٢ ص
٨٨٢

٢٨٦)(١) بعبارة منكرة، وفي (المعتصر) (ج٢ ص ٢٠٥) في الكلام على
حديث ((أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب)) ان ابن عيينة روى
((اخرجوا المشركين من جزيرة العرب)) ثم قال في (المعتصر): ((ففيه غلط من ابن
عيينة لانه كان يحدث من حفظه فيحتمل ان يكون جعل مكان اليهود والنصارى
المشركين إذ لم يكن عنده من الفقه ما يميز بين ذلك)) كذا في (المعتصر) قوله: ((إذ
لم يكن ... )) عبارة بشعة لا أرى الطحاوي يتفوه بها، وانما هي من تغيير المختصر
الذي ليس عنده من العلم ما يعرف به مقام ابن عيينة كما فعل المختصر في الموضع
السابق. والمقصود هنا انما هو ان ابن عيينة كان كثيراً ما يروي من حفظه ويروي
بالمعنى. هذا وصنيع مسلم في (صحيحه) يقتضي انه يرى انه لا فرق في المعنى،
فانه صرح اولا بلفظ ابن عيينةُ الأول: ((قالت عائشة كان رسول الله ... )) ثم ساق
الاسناد عن معمر وإبراهيم ابن سعد وسليمان بن كثير وقال: (( كلهم عن الزهري
بمثله)) مع ان لفظ معمر وابراهيم كلفظ الحميدي عن ابن عيينة ولفظ سليمان كلفظ
الشافعى عن ابن عيينة .
اما البخاري فأعرض عن رواية ابن عيينة البتة كأنه يقول: اختلفت الرواية
عنه، وفي رواية غيره الكفاية؛ والحق أن رواية الحميدي ومن وافقه هي أرجح
الروايتين عن ابن عيينة وانه لو لم يعرف أرجح الروايتين بصرف النظر عن رواية
غيره فإنه يعرف بالنظر في رواية غيره فيقول مثلا: يونس وابن عيينة من جانب،
وابن عيينة وحده من جانب أيهما أرجح؟ على أن مع يونس جماعة كما يأتي. وفي
(فتح الباري): ((وأما نقل الطحاوي عن المحدثين انهم يقدمون ابن عيينة في
الزهري على يونس، فليس متفقاً عليه عندهم، بل أكثرهم على العكس، وممن جزم
بتقديم يونس على سفيان في الزهري يحيى بن معين واحمد بن صالح المصري، وذكر
ان يونس صحب الزهري أربع عشرة سنة وكان يزامله في السفن وينزل عليه
الزهري اذا قدم أيلة، وكان يذكر أنه يسمع الحديث الواحد من الزهري مراراً،
(١) طبعة ثانية.
٨٨٣

وأما ابن عيينة فإنما سمع منه ثلاث وعشرين ومائة؛ ورجع الزهري فمات في التي
بعدها )) .
أقول: أما الحفظ فابن عيينة أحفظ، واضبط بلا شك ولا سيما فيما رواه قديماً الا
انه كثير الرواية بالمعنى، ويونس دونه في الحفظ ولكن كتابه صحيح كما شهد له
ابن المبارك وابن مهدي، وعلى كل حال فلا معنى للموازنة بينهما هنا، ولكن
الطحاوي لأمر ما ذكر رواية ابن عيينة المرجوحة وعقبها برواية يونس، ونصب
الخلاف بينهما، وقد علمت أن الواقع رواية ابن عيينة المرجوحة من جانب وروايته
الراجحة ويونس من جانب، فأي معنى للموازنة بين الرجلين؟
اما بقية الرواة عن الزهري فجماعة :
الأول: يونس بن يزيد، تقدمت رواية الطحاوي عن يونس بن عبد الأعلى عن
ابن وهب عنه، وبنحوه رواه البخاري في (الصحيح) عن ابن أبي اويس عن ابن
وهب، وكذلك رواه عن ابن الحارث بن مسكين عند النسائي، وابن السرح ووهب
ابن بيان وأحمد بن صالح عند أبي داود، ورواه مسلم عن حرملة والوليد بن شجاع
عن ابن وهب وقالا في المتن: ((لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً)) وهذه
رواية بالمعنى بالتصريح بمفهوم المخالفة، والأولون أكثر واثبت؛ وأخرج الامام
احمد في (المسند) (ج ٦ ص ٣١١) عن عتاب، وأخرج النسائي عن حبان بن
موسى كلاهما عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن عمرة عن عائشة مرفوعاً:
(( تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً))؛ وهذا أثبت مما تقدم لأن ابن المبارك اثبت
من ابن وهب وكان يقول: كتاب يونس صحيح؛ وكان من عادة ابن المبارك تتبع
أصول شيوخه، فالظاهر انه أخذ هذا عن يونس من اصل كتابه، ویشهد لذلك انه
لم يذكر عروة، وبقية الرواة عن الزهري غير يونس في رواية ابن وهب لا يذكرون
عروة، وحديث عروة عن عائشة ليس بهذا اللفظ، وفي (الفتح): ((يحتمل أن يكون
لفظ عروة هو الذي حفظه هشام عنه وحمل يونس حديث عروة على حديث عمرة
فساقه على لفظ عمرة، وهذا يقع لهم كثيراً)).
٨٨٤

أقول: وانما يتصرف يونس هذا التصرف إذا حدث من حفظه أو من فرع
خرجه من اصوله، فأما إذا حدث من اصله فانما يكون على الوجه، فبان بهذا ان
ابن المبارك اخذ الحديث عن يونس من اصل كتابه، ولقوة هذه الرواية ذكرها
الامام احمد عقب رواية ابن عيينة كأنه يشير إلى أن رواية يونس هذه هي
الصواب .
الثاني: إبراهيم بن سعد عند البخاري في (الصحيح) عن القعبني عن ابراهيم بمثل
رواية ابن المبارك عن يونس، وكذلك ذكره الطحاوي (( ثنا ربيع المؤذن ثنا اسد
ثنا إبراهيم)) واخرجه مسلم في (الصحيح) عن ابي بكر بن أبي شيبة (( ثنا يزيد بن
هارون اخبرناسليمان بن كثير وابراهيم ... )) ولم يسق المتن. وفي (مصنف ابن أبي
شيبة): ((القطع في ربع دينار فصاعداً)) وهذا لفظ سليمان.
الثالث: سليمان بن كثير تقدمت روايته قريباً .
الرابع والخامس والسادس: قال البخاري في (الصحيح) عقب رواية ابراهيم
((وتابعه عبدالرحمن بن خالد وابن أخي الزهري ومعمر)) وفي (الفتح): (( أما متابعة
عبدالرحمن .. فوصلها الذهلي في (الزهريات) عن عبدالله بن صالح عن الليث عنه
نحو رواية ابراهيم ... وأما متابعة ابن أخي الزهري ... فوصلها أبو عوانة في
(صحيحه) من طريق يعقوب بن ابراهيم بن سعد عن ابن أخي ابن شهاب عن
عمه ... وأما متابعة معمر فوصلها احمد عن عبدالرزاق عنه. وأخرجه مسلم من
رواية عبدالرزاق لكن لم يسق لفظه، وساقه النسائي ولفظه: تقطع يد السارق في
ربع دينار فصاعداً، ووصلها هو أيضاً وأبو عوانة من طريق سعيد بن ابي عروبة
عن معمر، وقال ابو عوانة في آخره: قال سعيد نبّلنا معمراً، رويناه عنه وهو
شاب ... وسعيد أكبر من معمر وقد شاركه في كثير من شيوخه. ورواه ابن
المبارك عن معمر لكن لم يرفعه، اخرجه النسائي)).
أقول: رواية أحمد في (المسند) (ج ٦ ص ١٦٣) ورواية مسلم هي عن
إسحاق بن ابراهيم وعبد بن حميد عن عبدالرزاق، ورواية النسائي هي عن اسحاق
٨٨٥

عن عبدالرزاق، وكذلك أخرجه البيهقي في (السنن) (ج ٨ ص ٢٥٤) من طريق
أحمد بن يوسف السلمي عن عبدالرزاق، ورواية سعيد بن أبي عروبة عند النسائي
هي عن عبدالوهاب الخفاف عنه، وقد عدوا عبدالوهاب من اثبت الناس عن ابن
أبي عروبة، لكن ذكر بعضهم انه سمع منه قبل الاختلاط وبعده، وهذا لا يضر هنا
فإن قول سعيد ((نبَّلنا معمراً، رويناه عنه وهو شاب)) يقضي بأن سعيداً روى هذا
قديماً، فإن معمراً ولد سنة ست أو سبع وتسعين، وسعيد بدأ به الاختلاط اواخر
سنة ١٤٣، واشتد به قليلاً سنة ١٤٥ واستحكم سنة ١٤٨؛ هذا هو الجامع
بين الحكايات المتصلة في ذلك فأما المنقطعة فلا عبرة بها؛ فأما رواية ابن
المبارك فهي عند النسائي عن سويد بن نصر عنه، وسويد مات سنة ٢٤٠ وعمره
٩١ سنة فقد أدركه الشيخان ولكنهما لم يخرجا عنه في (الصحيح) وانما روى له
النسائي والترمذي ووثقه النسائي ومسلمة بن قاسم وقال ابن حبان: ((كان متقناً))
فالله أعلم. وقد روى النسائي عنه عن ابن المبارك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن
عائشة قالت: يقطع في ربع دينار فصاعداً، واثبت الروايات عن يحيى ما رواه مالك
وابن عيينة عنه عن عمرة عن عائشة: (( ما طال علي ولا نسيت، القطع في ربع دينار
فصاعداً))؛ فإن لم يكن وهم في روايته عن ابن المبارك عن معمر فالتقصير من
معمر. وقد قال الإمام أحمد: (( حديث عبدالرزاق عن معمر أحب إلي من حديث
هؤلاء البصريين (عن معمر)، كان (معمر) يتعاهد كتبه وينظر فيها باليمن (حيث
سمع منه عبدالرزاق) وكان يحدثهم حفظاً بالبصرة))؛ وسعيد بن أبي عروبة أقدم
سماعاً، فإن لم يكن الوهم من سويد فكأن معمراً حدث بالحديث مرة من حفظه
حيث سمع منه ابن المبارك فشك في الرفع فقصر به كما كان يقع مثل هذا لحماد
ابن زيد، وقد حدث به معمر قبل ذلك حيث سمع منه ابن أبي عروبة فرفعه
وحدث به باليمن حيث كان يتعاهد كتبه فرفعه، والإمام أحمد (١) إنما سمع عن
(١) وانظر مصنف الامام عبد الرزاق السمعاني، طبع المجلس العلمي، توزيع المكتب
الاسلامي.
٨٨٦

عبدالرزاق من اصوله كما تراه في ترجمة عبدالرزاق من (التهذيب).
السابع: زمعة بن صالح. في (مسند ابي داود الطيالسي) (ص ٢٢٠): ( حدثنا
زمعة عن الزهري عن عمرة عن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: تقطع
يد السارق في ربع دينار فصاعداً)) .
فهؤلاء سبعة رووه عن الزهري كما رواه الحميدي والشافعي وغيرهما عن ابن
عيينة عن الزهري، وانما هناك اختلاف على ابن عيينة ومعمر، وأرجح الروايتين
عن كل منهما هي الموافقة للباقين. وهب ان الاختلاف عنهما ضارٌّ فبروايتهما فقط،
ويثبت الحديث برواية الباقين وليس وراء ذلك إلا اختلاف يسير في الالفاظ مع
اتحاد المعنى، فليس في حديث الزهري ما يسوغ أن يسمى اضطراباً، فضلا عن أن
يكون اضطراباً مسقطاً كما زعم الطحاوي بقلة مبالاة، مع تشبثه بحديث ابن
إسحاق الذي تقدم حاله!
وأما بقية الرواة عن عمرة فجماعة :
الأول: ابن ابن أخيها محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالرحمن بن سعدة بن
زرارة الانصاري. قال البخاري في (الصحيح): ((حدثنا عمران بن ميسرة ثنا
عبدالوارث حدثنا الحسين (المعلم) عن يحيى بن أبي كثير عن محمد الانصاري عن
عمرة بنت عبدالرحمن حدثته أن عائشة حدثتهم عن النبي عَ له قال: تقطع اليد في
ربع دينار))؛ ورواه عن عبد الوراث أيضاً ابنه عبد الصمد وصرح بسماع يحيي بن ابي
كثير، ورواه عن يحيى ايضاً حرب بن شداد وهمام بن يحيى كما في (الفتح) عن
الإسماعيلي، ورواية حرب في (مسند أحمد) (ج ٦ ص ٢٥٢) وكذلك رواه هقل
ابن زيادعن یحی کما في (الفتح) عن (مسند أبي يعلى)؛ وقال النسائي («أنا حميد بن
مسعدة ثنا عبدالوارث ثنا حسين عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبدالرحمن
الانصاري ثم ذكر كلمة معناها عن عمرة عن عائشة قالت: قال رسول اللّه عَ له: لا
تقطع اليد إلا في ربع دينار)). لم يتقن حميد بدليل قوله: ((فذكر كلمة معناها))
والصواب « تقطع اليا في ربع دینار)» کما مر.
٨٨٧

وروى النسائي من طريق إبراهيم بن عبدالملك ابي اسماعيل القناد عن يحيى بن ابي
كثير عن محمد بن عبدالرحمن ثوبان عن عمرة عن عائشة: ((كان النبي ◌َ ◌ّله يقطع
اليد في ربع دينار))،والقناد ليس بعمدة، وذكر الساجي أن ابن معين ضعفه، وقال
العقيلى: ((بهم في الحديث)) وقال ابن حبان في (الثقات) ((يخطيء)) فقد وهم في
السند بقوله: (( بن ثوبان)» ووهم في المتن كما رأيت.
الثاني: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم رواه عنه جماعة، منهم يزيد بن الهاد
عند مسلم في (صحيحه) من وجهين، وعند الطحاوي من وجهين آخرين، ومنهم
عبدالرحمن بن سلمان عند النسائي، ومنهم ابن إسحاق عند الطحاوي والبيهقي، وقال
في المتن المرفوع ((لا تقطع اليد إلا في ربع دينار)» وفي رواية البيهقي (ج ٨ ص
٢٥٥) من طريق ابن اسحاق عن ابي بكر ((اتيث بنبطي قد سرق فبعثت
إليّ عمرة بنت عبد الرحمن: أي بني إن لم يكن
بلغ ربع دينار فلا تقطعه، فإن عائشة حدثتني
انها سمعت رسول اللّه عَ لّه يقول: لا يقطع في دون ربع دينار)) وفي (مسند احمد)
(ج ٦ ص ٨٠) و(سنن البيهقي) (ج ٨ ص ٢٥٥) من طريق محمد بن راشد عن
يحي بن يحيى الغساني قال: ((قدمت المدينة فلقيت أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم
وهو عامل على المدينة فقال: أتيت بسارق (زاد البيهقي: من أهل بلادكم حوراني
قد سرق سرقة يسيرة. قال): فأرسلت إليّ خالتي عمرة بنت عبدالرحمن ان لا
تعجل ... قال: فأتتني فأخبرتني أنها سمعت عائشة تقول: قال رسول اللّه سج له:
اقطعوا في ربع الدينار ولا تقطوا فيما هو ادنى من ذلك)).
الأثبت عن عمرة لفظ ((تقطع الید في ربع دینار فصاعداً)) وقد دل حديث
عروة كما تقدم على ان هذا هو اللفظ الذي كان عند عائشة، فما وقع في هذه
الرواية (( لا تقطع اليد إلا ... )) ونحوه من الرواية بالمعنى؛ والمقتضى لذلك هنا واللّه
أعلم ان الحديث يدل على حكمين:
الأول: إثبات القطع في ربع دينار.
٨٨٨

الثاني : نفي القطع فيما دون ذلك.
فإذا كان الأول هو الأهم فحقه ان يقال مثلا: ((تقطع اليد في ربع دينار))؛
وإذا كان الثاني هو الأهم فحقه ان يقال مثلا: ((لا تقطع اليد إلا في ربع دينار)).
وإذا كانا سواء جمع بين اللفظين فلما كان الاهم في الواقعة التي ذكرها أبو بكر هو
الحكم الثاني وقع التعبير بما يوافقه. والأشبه أن التصرف من أبي بكر، سمع
الحديث في صدد بيان الحكم الثاني فثبت في ذهنه بالمعنى المقتضي للفظ الثاني فعبر
بذلك، ثم كأنه استشعر حيث اخبر الغساني أن اصل لفظ عمرة يقتضي المعنيين على
السواء فجمع بين اللفظين، وإنما كان لفظ الحديث يقنصي أهمية الاول، والمقام
يقتضي اهمية الثاني فتدبر.
الثالث: سليمان بن يسار. أخرجه مسلم في (الصحيح) من طريق ابن وهب عن
مخرمة ابن بكير بن الأشبح ((عن أبيه عن سليمان بن يسار عن عمرة أنها سمعت
عائشة تحدث أنها سمعت رسول اللّه مع اله يقول: لا تقطع اليد إلا في ربع دينار
فصاعداً))؛ وأخرجه الطحاوي عن يونس عن ابن وهب مثله إلا انه قال ((يد
السارق)).
قال الطحاوي: ((انتم تزعمون ان مخرمة لم يسمع من أبيه، حدثنا ابن أبي داود
قال: ثنا ابن ابي مريم عن خاله موسى بن سلمة قال سألت مخرمة بن بكير: هل
سمعت من أبيك شيئاً؟ فقال: ((لا)).
أقول قال أبو داود: ((لم يسمع من ابيه الا حديثاً واحداً وهو حديث الوتر))
فقد سمع من ابيه في الجملة، فإن كان أبوه أذن له ان يروي مافي كتابه ثبت
الاتصال وإلا فهي وجادة، فإن ثبت صحة ذاك الكتاب قوى الامر، ويدل على
صحة الكتاب أن مالكاً كان يعتد به، قال أحمد: ((أخذ مالك كتاب مخرمة فكل
شيء يقول: بلغني عن سليمان بن يسار فهو من كتاب مخرمة عن أبيه عن سليمان))؛
وربما يروي مالك عن الثقة عنده عن بكير بن الأشبح. وقد قال أبو حاتم: ((سألت
اسماعيل بن أبي أويس قلت: هذا هو الذي يقول مالك: حدثني الثقة - من هو؟
٨٨٩

قال: مخرمة بن بكير )) .
وأخرج النسائي من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن
الأشبح عن سليمان بن يسار عن عمرة انها سمعت عائشة تقول: قال رسول اللّه
عَّله: لا تقطع اليد إلا في ثمن المجن. قيل لعائشة: ما ثمن المجن)) قالت: ربع
دينار))؛ ومن طريق مخرمة عن أبيه ((سمعت عثمان بن الوليد الأخنسي يقول:
سمعت عروة بن الزبير يقول: كانت عائشة تحدث عن النبي ◌َّ ◌ُلّه انه قال: لا تقطع
اليد إلا في المجن أو ثمنه، وزعم أن عروة قال: المجن أربعة دراهم، وسمعت
سليمان بن يسار يزعم أنه سمع عمرة تقول: سمعت عائشة تحدث انها سمعت رسول
اللّه ◌ِ له يقول: لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فما فوقه)).
أقول: ابن إسحاق في حفظه شيء ويدلس، وكأنه أو مَنْ فوقه سمع الحديث
كما ذكره مخرمة عن ابيه فخلط الحديثين، والصواب حديث مخرمة، فذكر المجن
إنما هو من رواية بكير عن عثمان بن الوليد عن عروة، ورواية سليمان لا ذكر فيها
للمجن، وعثمان بن الوليد ذكره ابن حبان في (الثقات) وذاك لا يخرجه عن جهالة
الحال لما عرف من قاعدة ابن حبان، لكن ان صحت رواية بكير بن الأشبح فانها
تقويه، فقد قال احمد بن صالح: ((إذا رأيت بكير بن عبدالله (بن الأشج) روى
عن رجل فلا تسأل عنه فهو الثقة الذي لا شك فيه)). وهذه العبارة تحتمل وجهين:
الأول: أن يكون المراد بقوله: ((فلا تسأل عنه)). أي: عن ذاك المروي. أي:
لا تلتمس لبكير متابعا فإنه أي بكيراً الثقة الذي لا شك فيه ولا يحتاج إلى متابع .
الوجه الثاني: أن يكون المراد فلا تسأل عن ذاك الرجل فإنه الثقة، يعني أن
بكيراً لا يروي إلا عن ثقة لا شك فيه. والله اعلم .
وعلى كل حال فالصواب من حديث عروة مافي (الصحيحين) عن هشام بن
عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ((لم تقطع يد سارق على عهد النبي ◌َّه في أدنى
٨٩٠

من ثمن المجن ترس أو حجفة، وكان كل واحد منهما ذا ثمن)).
الرابع: أبو الرجال وهو محمد بن عبدالرحمن بن حارثة بن النعمان. قال النسائي:
(( أخبرني إبراهيم بن يعقوب قال: حدثنا عبدالله بن يوسف قال: حدثنا عبدالرحمن
ابن محمد بن عبد الرحمن، ابن أبي الرجال عن أبيه عن عمرة عن عائشة قالت : قال رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ((يقطع يد السارق في ثمن المجن، وثمن المجن ربع دينار))،
ذكر ابن حجر هذه الرواية في (الفتح) بقوله: ((أخرجه النسائي من رواية
عبد الرحمن بن أبي الرجال عن محمد بن عبدالرحمن عن أبيه عن عمرة، كذا وقع في
النسخة والصواب اسقاط كلمة ((عن)) الواقعة قبل ((محمد)).
هذا وأبو الرجال ثقة عندهم وعمرة أمه، وابنه عبدالرحمن وثقه احمد وابن معين
وغيرهما ، لكن ليّنه أبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود .
وقال ابن حبان في (الثقات): ((ربما اخطأه))، وأراه خلط حديثين فانه لا
يعرف عن عمرة ذكر المجن. وقد دل حديث (الصحيحين) عن عروة ان عائشة لم
تكن تحق ثمن المجن كما تقدم شرحه .
الخامس والسادس والسابع: قال الطحاوي: ((حدثنا علي بن شيبة قال: ثنا
عبد الله بن صالح. قال: ثنى يحيى بن أيوب عن جعفر بن ربيعة عن العلاء بن
الأسود بن جارية (ويقال: الأسود بن العلاء بن جارية) وأبي سلمة بن عبدالرحمن
وكثير بن خنيس انهم تنازعوا في القطع، فدخلوا على عمرة يسألونها فقالت: قالت
عائشة: قال رسول اللّه مَ له: لا يقطع إلا في ربع دينار)).
قال الطحاوي: ((اما أبو سلمة فلا نعلم لجعفر بن ربيعة عنه سماعاً، ولا نعلمه
لقیە أصلا )).
أقول: ذكروا أن جعفر بن ربيعة رأى عبدالله بن الحارث بن جزء، وعبدالله
توفي سنة ٨٦ على الراجح. وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها، وقيل بعدها
٨٩١

بسنتين فيشبه ان يكون مولد جعفر نحو سنة ٧٥ . وقد اختلف في وفاة أبي سلمة
فقيل سنة ٩٤ وقيل سنة ١٠٤ فاللقاء ممكن. والله أعلم.
وكان في المدينة ربيعة الرأي الفقيه وكان قوله: القطع في ما يبلغ درهما فكأن
هذا هو الباعث على ما وقع في بعض الروايات من التعبير عن الحديث بلفظ ((لا
تقطع اليد ... )) او نحو ذلك كما وقع في رواية سليمان بن يسار وغيرها .
الثامن: ابو النضر فيما رواه ابن لهيعة ((ثنا أبو النضر عن عمرة عن عائشة ان
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقطع يد السارق إلا في ثمن المجن فما فوقه؛
قالت عمرة بنت عبدالرحمن: قفلت لعائشة: ما ثمن المجن يومئذ؟ قالت: ربع
دينار)). أخرجه البيهقي (ج ٨ ص ٢٥٦) وابن لهيعة ضعيف.
التاسع: يحيى بن يحيى الغساني فيما أخرجه الطبراني في (المعجم الصغير)(ص ٣
وص ٨٩) عن أحمد بن انس بن مالك الدمشقي المقري وعن خالد بن ابي روح
الدمشقي كل منهما عن إبراهيم بن هشام بن يحي بن يحيى الغساني عن أبيه عن جده
عن عمرة عن عائشة قالت: ((قال النبي ◌َّ ◌ُله: ((القطع في ربع دينار فصاعداً)). قال
الطبراني: ((لم يروه عن يحيى بن يحيى إلا ولده))، زاد في الموضع الثاني: ((وهم
ثقات))، وابراهيم بن هشام ذكره ابن حبان في (الثقات)، وأخرج له في
(صحيحه)، لكن طعن فيه ابو حاتم وذكر قصة تدل على ان ابراهيم كان به غفلة .
والله أعلم .
العاشر: يحيى بن سعيد الانصاري. وهو من اجل من كثير من الذين تقدموا،
وانما أخرته لأن بعضهم نسب رواة هذا الحديث عنه إلى الخطأ كما يأتي. قال
النسائي. اخبرنا الحسن بن محمد (بن الصباح الزعفراني) قال: حدثنا عبدالوهاب
(ابن عطاء) عن سعيد (بن ابي عروبة) عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة عن
النبي عَ له: ((تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً)). اخبرني يزيد بن محمد بن
فضيل قال: انبأنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا أبان قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن
٨٩٢

عمرة عن عائشة أن النبي عَ لّم قال: ((تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً))
وقال الطحاوي: ((حدثنا محمد بن خزيمة ثنا مسلم بن إبراهيم ... )) فساقه مثله .
الحسن ثقة من رجال البخاري، وعبدالوهاب من رجال مسلم، وثقة جماعة مطلقاً
ولينه آخرون، وقدموه في روايته عن سعيد، قال الإمام احمد: ((كان عالماً
بسعيد)). وسئل أبو داود عنه وعن السهمي في حديث ابن ابي عَروبَة؟ فقال:
عبدالوهاب أقدم. فقيل له: عبدالوهاب سمع زمن الاختلاط (يعني اختلاط
سعيد) فقال: من قال هذا؟ سمعت أحمد يقول: عبدالوهاب أقدم)). وقال ابن
سعد: ((لزم سعيد بن أبي عروبة، وعرف بصحبته، وكتب كتبه ... )). وقال
البخاري: ((يكتب حديثه)) قيل له: يحتج به؟ قال: (( أرجو إلا انه كان يدلس عن
ثور وأقوام أحاديث مناكير))، وسعيد ثقة جليل الا انه اختلط بأخرة، وسماع
عبدالوهاب منه قديم .
وأما السند الثاني فشيخ النسائي لم يوثق لكن قد تابعه محمد بن خزيمة كما رأيت،
ومسلم ثقة متفق عليه. وأبان من رجال مسلم، وأخرج ه البخاري في (الصحيح)
بلفظ: ((قال لنا مسلم بن ابراهيم ثنا أبان ... )) وبالجملة فمجموع السندين صالح
للحجة حتماً، لكن أعله بعضهم بأن مالكا وابن عيينة رويا عن يحيى عن عمرة: قالت
عائشة: ((ما نسيت ولا طال علي، القطع في ربع دينار)) وبنحوه رواه جماعة عن
يحيى، وروى أخوه عبد ربه وعبدالله بن أبي بكر ورزيق بن حكيم عن عمرة: قالت
عائشة: ((القطع في ربع دينار)). بل حاول الطحاوي اعلال الحديث من أصله،
وأجاب البيهقي وغيره بأنه لا منافاة بين ان يكون الحديث عند عائشة فتخبر به
تارة وتُستفتى فتفتي بمضمونه أخرى. وفي (الموطأ) عن عبدالله بن أبي بكر عن
عمرة قالت: خرجت عائشة ... إلى مكة ومعها مولاتان لها ... فسئل العبد عن
ذلك فاعترف، فأمرت به عائشة ... فقطعت يده وقالت عائشة: القطع في ربع
دينار فصاعداً)). ويؤيد الجمع أن لفظ المرفوع في أثبت الطرق وأكثرها: ((تقطع
اليد في ربع دينار فصاعداً)). ولفظ الموقوف في جميع طرقه إلا ما شذ: ((القطع في
٨٩٣

ربع دينار فصاعداً )» وزاد يحيى قبله: (( ما طال علي ولا نسيت)).
والمدار في هذا الباب على غلبة الظن، ولا ريب أن من تدبر الروايات غلب على
ظنه غلبة واضحة صحة كل من الخبرين وانه لا تعارض بينهما، وعلم ان الحمل على
الخطأ بعيد جداً. هذا وقد قال ابن التركماني: ((قال الطحاوي: حدثني غير واحد
من أصحابنا من أهل العلم عن أحمد بن شيبان الرملي ثنا مؤمل بن اسماعيل الرملي
( كذا) عن حماد بن زيد عن أيوب عن عبدالرحمن بن القاسم عن عمرة عن عائشة
قالت: يقطع السارق في ربع دينار فصاعداً . قال ايوب: وحدث يحيى عن عمرة عن
عائشة ورفعه، فقال له عبدالرحمن: إنها كانت لا ترفعه فترك يحيى رفعه)). وبمثل
هذا السند لا يثبت هذا الخبر عن حماد بن زيد(١) لكن يظهر أن له أصلاً، فقد
تقدم رواية سعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد عن يحيى عن عمرة عن عائشة مرفوعاً
باللفظ الذي رواه الأثبات الذين رفعوا الحديث ((تقطع يد السارق في ربع دينار
فصاعداً)). وروى مالك وابن عيينة عن يحيى عن عمرة أن عائشة قالت: ما طال علي
ولا نسيت، القطع في ربع دينار. وقوله: ((القطع في ربع دينار)) هو اللفظ الذي
رواه الواقفون فهذا يدل أنه كان عند يحيى كلا الخبرين، فكان يحدث بالمرفوع
فأنكر عليه بعض من لم يسمعه وسمع الموقوف، فأعرض يحيى عن رواية المرفوع
صوتاً لنفسه عن أن يتهمه من لا يعلم حقيقة الحال بالاصرار على الخطأ .
هذا، وقد ذكر ابن عيينة رواية عبدالله بن ابي بكر وعبدربه ورزيق(٢) ثم
قال: إلا أن في حديث يحيى ما قد دل على الرفع: ما نسيت ولا طال علي، القطع
(١) قلت: يعني لأن مؤمل بن اسماعيل سيء الحفظ كما سبق في ترجمته من الكتاب برقم
(٢٥٢) وهو بصري نزيل مكة، فالظاهر أن الذي عند الطحاوي (الرملي) صوابه:
(المكي). والله أعلم. ن .
(٢) بالراء ثم الزاي مصغراً، ويقال فيه بتقديم الزاي، وهكذا وقع عند الطحاوي وقد
أخرجه (٩٤/٢) من طريق الحميدي عن سفيان وهو ابن عيينة، وقد مضى في
الكتاب قريباً ص ٨٧٩ . ن.
٨٩٤

في ربع دينار))؛ اعترف به الطحاوي بقوله: ((قد يجوز ان يكون معناها في ذلك
ما طال على ولا نسيت ما قطع فيه الرسول عَ لمل مما كانت قيمته عندها ربع
دینار)» .
أقول: ((قد مرَّ دفع الاحتمال وبيان انه لا يعرف فيما قطع فيه النبي صلى الله
عليه وآله وسلم ما هو قليل الا المجن، وقد دل حديث (الصحيحين) عن هشام بن
عروة عن أبيه عن عائشة على انها لم تكن تعرف المجن ولا قيمته؛ وبهذا يتبين ان
رواية عبدالله بن أبي بكر وعبد ربه ورُزيق تدل ايضا على الرفع، فإن التقدير بربع
دينار ليس مما يقال بالرأي، ولا يعرف ما تأخذ عائشة منه ذلك إلا ما ثبت عنها
عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من قوله؛ والحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات.
ثم جعجع الطحاوي بما علم رده مما تقدم ثم قال: (( فلما اضطرب حديث الزهري
على ما ذكرنا، واختلف على غيره عن عمرة كما وصفنا، ارتفع ذلك كله فلم تجب
الحجة بشيء منه إذ كان بعضه ينقض بعضاً)).
كذا قال، وقد اقمنا الحجة الواضحة على انه لا اضطراب ولا تناقض (١) ثم
(١) قلت: ومما يسهل على القاريء المنصف تبين سقوط كلام الطحاوي أنه لو سلمنا جدلا
بصحة ما ادعاه من الاضطراب في الحديث فهي محصورة في الطرق التي ساقها هو الى
الزهري، ومن تابعه في روايته عن عمرة، ولكن الطحاوي لم يستوعب الطرق كلها أو
جلها اليه واليها، كما فعل المصنف جزاه الله خيراً فقد ذكر متابعة عشرة من الثقات
الزهري عن عمرة عن عائشة. وكلهم اتفقوا على رفعه، إلا يحيي بن سعيد في إحدى
الروايات عنه، وهي في حقيقتها لا تخالف الروايات الأخرى المرفوعة، وهب أن
الرواية عند يحيى مضطربة أيضاً. ففي الروايات التسع ما يكفي ويشفي، وكلها متفقة
على الرفع، وبأقل من ذلك يثبت الرفع كما لا يخفى على المنصف، وهي وإن اختلفت
في ضبط المتن، هل هو ((تقطع اليد ..... )) أو ((لا تقطع ..... )) والمؤلف رجح
الأول، وقد يمكن ترجيح الآخر بقاعدة ((زيادة الثقة مقبولة))، وسواء كان هذا أو
ذاك، فالحجة في الحديث قائمة على أن اليد تقطع في ربع دينار، وذلك ما لا يقوله
الطحاوي تبعاً لمذهبه. والله المستعان . ن .
٨٩٥

قال: ((ورجعنا إلى ان الله عز وجل قال في كتابه: ﴿والسّارقُ والسّارقَةُ فَأَقْطَعُوا
أيْديهما﴾(١): فأجمعوا ان اللّه عز وجل لم يعن بذلك كل سارق وإنما عنى به
خاصا ... فلا يدخل إلا ما قد اجمعوا أن اللّه تعالى عناه، وقد اجمعوا ان اللّه تعالى
عنى سارق العشرة الدراهم)).
اقول: عليه في هذا أمور:
الأول: دعواه الاجماع غير مقبولة وفي (الفتح) في تعداد المذاهب: ((الاول
يقطع في كل قليل وكثير تافهاً كان أو غير تافه، نقل عن أهل الظاهر والخوارج
ونقل عن الحسن البصري، وبه قال أبو عبدالرحمن ابن بنت الشافعي ... الثالث مثل
الأول إلا إن كان المسروق شيئا تافها لحديث عروة الماضي، لم يكن القطع في شيء
من التافه، ولأن عثمان قطع في فخارة خسيسة وقال لمن يسرق السياط لئن عدتم
لاقطعن فيه، وقطع ابن الزبير في نعلين. أخرجهما ابن أبي شيبة، وعن عمر بن
عبدالعزيز انه قطع في مُدَّ أو مدين، الرابع: تقطع في درهم فصاعداً وهو قول
عثمان البتي ... من فقهاء البصرة وربيعة من فقهاء المدينة ... ))
وأقول: لا أرى هذه المذاهب الثلاثة إلا متفقة على إبقاء الآية على عمومها،
وانما المدار على تحقق اسم ((السارق)) فإنه لا ريب أن عمومها إنما يتناول من يحق
عليه اسم ((السارق)) ولا ريب أن من اخذ لوزة أو تمرة أو نحو ذلك لا يتبين انه
يحق عليه اسم ((السارق)) وهذا لازم للمذهب الاول، إذ يمتنع ان يقول عالم أن من
اخذ حبة بُر مثلاً حق عليه اسم ((السارق)). وأما المذهب الثالث فلعل قائله نحا هذا
المنحى اي ان الشيء التافه الذي لا يتبين انه يحق على آخذه اسم ((السارق)) لا يتبين
دخوله في الآية، والقطع إنما هو على من يتبين دخوله فيها، وأما المذهب الرابع
فالبتي وربيعة الرأي كانا ممن يتفقه ويتعانى الرأي والنظر، فكأنهما رأيا أن التفاهة
التي لا يتبين بها الدخول في الآية معنى غير منضبط فرأيا ضبطها بالدراهم .
(١) المائدة (٣٨).
٨٩٦

الأمر الثاني: هب انه سُلم للطحاوي ما ادعاه من الإجماع، فقد علمنا أن ظاهر
القرآن وجوب القطع على كل سارق، وظاهر القرآن حجة قطعاً، ويوافقه حديث
(الصحيحين): ((لعن اللّه السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع
يده، وهذه الحجة لا يجوز الخروج عنها إلا بحجة، فإن لم يثبت من السنة ما يوجب
اخراج شيء من ذاك العموم رجعنا إلى الاجماع فإن كان هناك اجماع على خروج
شيء خرج ذاك الشيء، فأما ، اختلف فيه فقيل بخروجه وقيل ببقائه فهو باق على
ظاهر القرآن، لأن القائلين بخروجه بعض الأمة، وليس في قول بعض الأمة حجة
يترك بها ظاهر القرآن .
فإن قيل: فقد اختلف النظار في العام الذي قد خص، فقال بعضهم: إنه لا
يبقى حجة في الباقي .
قلت: هذا قول مخالف لإجماع السلف، وقد رغب عنه الحنفية أنفسهم، وتمام
الكلام في رده في أصول الفقه .
الأمر الثالث: هب انه قويت دعوى الاجماع، وقوى ما يترتب على ذلك من
دعوى أن الآية صارت مجملة، ففي السنة الثابتة ما يكفي، فقد صح حديث ابن
عمر، واندفع ما عورض به، وصح حديث عائشة، وبطلت دعوى اضطرابه، فثبت
القطع في ثلاثة دراهم وفي ربع دينار، وبقي النظر فيما هو أقل من ذلك، وليس
هذا موضع البحث فيه .
ثم ذكر الطحاوي خبر المسعودي عن القاسم عن ابن مسعود: (( لا تقطع اليد إلا
في دينار أو عشرة دراهم)) ورواه بعضهم عن المسعودي عن القاسم عن أبيه
والمسعودي اختلط، ثم هو منقطع لأن القاسم لم يدرك ابن مسعود، وكذلك أبوه
عبدالرحمن نفى جماعة سماعه من ابن مسعود، وأثبت بعضهم سماعه منه لأحرف
معدودة ذكرها ابن حجر في (طبقات المدلسين) (ص ١٣) ثم قال: ((فعلى هذا
يكون الذي صرح فيه بالسماع من ابيه ( ابن مسعود) اربعة احدها ، موقوف وحديثه
٨٩٧

عنه كثير ... معظمها بالعنعنة وهذا هو التدليس)).
أقول: وليس هذا الخبر من تلك الاربعة .
وروى الثوري عن ((حماد بن ابي سليمان عن إبراهيم قال: قال عبدالله: لا تقطع
اليد الا في ترس أو حجفة. قلت لابراهيم: كم قيمته؟ قال: دينار)). والثوري
يدلس، وحماد سيء الحفظ، حتى قال حبيب بن ابي ثابت: (( وكان حماد يقول: قال
ابراهيم: فقلت والله انك لتكذب أو ان ابراهيم ليخطىء)). وقد قال حماد نفسه لما
قيل له: قد سمعت من ابراهيم؟: ((إن العهد قد طال بابراهيم)). وابراهيم عن
عبد الله منقطع، وما روي عنه(١) انه قال: إذا قلت: قال عبد الله، فهو من غير
واحد عن عبدالله، لا يدفع الانقطاع لاحتمال أن يسمع ابراهيم عن غير واحد ممن لم
يلق عبدالله، أو ممن لقيه وليس بثقة (٢) واحتمال ان يغفل إبراهيم عن قاعدته،
(١) قلت: تصدير المصنف رحمه الله لقول إبراهيم المذكور بقوله ((روي)) مما يشعر
اصطلاحاً بأنه لم يثبت عنده، ولعل عذره في ذلك أنه لم يقف على إسناده، وإلا لجزم
بصحته، فقد أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (١٩٠/٦): أخبرنا عمرو بن الهيثم
أبو قطن قال: حدثنا شعبة عن الأعمش قال: قلت: لابراهيم: إذا حدثني عن عبد الله
فأسند، قال: إذا قلت: قال عبد الله، فقد سمعته من غير واحد من أصحابه، وإذا
قلت: حدثني فلان، فحدثني فلان)). وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقد أخرجه
أبو زرعة الدمشقي في ((تاريخ دمشق)) (ق ٢/١٣١): حدثنا أحمد بن سبويه قال:
حدثنا عمرو بن الهيثم به، إلا أنه قال: (( فحدثني وحده)).
أقول: وإذا تأمل الباحث في قول إبراهيم ((من غير واحد من أصحابه)) يتبين له
ضعف بعض الاحتمالات التي أوردها المصنف على ثبوت رواية إبراهيم إذا قال: قال
ابن مسعود، فان قول: ((من أصحابه)) يبطل قول المصنف ((أن يسمع إبراهيم من غير
واحد ممن لم يلق عبد الله))، كما هو ظاهر. وعذره في ذلك، أنه نقل قول ابراهيم هذا
من ((التهذيب))، ولم يقع فيه قوله: ((من أصحابه)) الذي هو نص في الاتصال. ن.
(٢) قلت: هذا فيه بعد. فاننا لا نعلم في أصحاب ابن مسعود المعروفين من ليس بثقة، ثم
إن عبارته المتقدمة منا آنفاً صريحة في أنه لا يسقط الواسطة بينه وبين ابن مسعود إلا =
٨٩٨

واحتمال أن تكون قاعدته خاصة بهذا اللفظ ((قال عبدالله))، ثم يحكي عن عبدالله
بغير هذا اللفظ ما سمعه من واحد ضعيف فلا يتنبه من بعده للفرق، فيرويه عنه
بلفظ ((قال عبدالله)) ولا سيما إذا كان فيمن بعده هو سيء الحفظ كحماد. وفي
(معرفة علوم الحديث) للحاكم (ص ١٠٨) من طرق ((خلف بن سالم قال: سمعت
عدة من مشايخ أصحابنا تذاكروا كثرة التدليس والمدلسين، فأخذنا في تمييز
اخبارهم، فاشتبه علينا تدليس الحسن بن أبي الحسن، وإبراهيم يزيد النخعي ...
وابراهيم أيضاً يدخل بينه وبين أصحاب عبد الله مثل هني بن نوبرة، وسهم بن
منجاب، وخزامة الطائي، وربما دلس عنهم)).
وقد ذكر الاستاذ (ص ٥٦) قول يحيى الحماني: ((سمعت عشرة كلهم ثقات
يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق)) فقال الاستاذ: ((قول الراوي
سمعت الثقة يعد كرواية عن مجهول، وكذا الثقات))(١) وما روي عن أبي حنيفة
عن حماد عن ابراهيم: ((لا تقطع اليد في أقل من ثمن الحجفة، وكان ثمنها عشرة
دراهم)) قول ابراهيم، وقد يكون إنما أخذ من عمرو بن شعيب او مما روى عن
مجاهد وعطاء وقد تقدم ما فيه .
وقد روى الثوري ايضاً عن عيسى بن أبي عزة عن الشعبي عن ابن مسعود أن
النبي عَ له قطع في مجن ثمنه خمسة دراهم. قال ابن التركماني: ((فيه ثلاث علل،
الثوري مدلس وقد عنعن، وابن ابي عزة ضعفه القطان وذكره الذهبي في كتابه في
(الضعفاء) والشعبي عن ابن مسعود منقطع)).
أقول: أما الأولى فنعم، وأما الثانية فإنما حكى ذلك العقيلي، وهو لم يدرك
اذا كان الذي حدثه عنه أكثر من واحد من أصحابه. فكون الأكثر منهم - لا الواحد
=
- غير ثقة بعيد جداً. لا سيما وابراهيم انما يروي كذلك مشيراً الى صحة الرواية عن
ابن مسعود. والله أعلم .
(١) قلت: لنا على هذا العطف نظر سبق بيانه في التعليق على الصفحة (٤٨٨١).
٨٩٩

القطان(١)، ومع ذلك فهو جرح غير مفسر، وابن أبي عزة وثقة أحمد وابن معين
وابن سعد، فأما الذهبي فمعلوم ان قاعدته ان يذكر في (الميزان)(٢) كل من تكلم
(١) كذا قال المصنف رحمه الله، وعمدته في ذلك قول الحافظ في ((التهذيب)): وذكره
العقيلي في ((الضعفاء)) وقال: ضعف حديثه يحيى بن سعيد القطان)): فان ظاهره أن
العقيلي حكى التضعيف ولم يروه بسنده كما هو الغالب عليه وعلى أئمة الجرح والتعديل،
ولكن الواقع خلاف ذلك، فقد قال العقيلي في كتابه المذكور: ((حدثنا محمدٍ بن
عيسى، قال حدثنا صالح بن أحمد، قال: حدثنا علي قال سألت يحيى عن حديث عيسى
ابن أبي عزة (قلت: فذكره وقال:) فضعف الحديث)).
وعلي هو ابن المديني الحافظ، وقد تقدمت ترجمته برقم ( ١٦٢).
(٢) قلت: ((الميزان)) غير ((الضعفاء))، وهذا هو الذي عزى إليه ابن التركماني تضعيف
القطان. وجواب المصنف يشعر بأنه هو ((الميزان)) نفسه، وليس كذلك، فانهما
كتابان، قاعدته في الأول منهما كما ذكره المصنف، وقاعدته في الآخر كما نص عليه
هو في مقدمته: (( فهذا ديوان أسماء الضعفاء والمتروكين، وخلق من المجهولين، وأناس
ثقات فيهم لين)). ونحن الآن في صدد تحقيقه، يسر الله إتمامه، وطريقته فيه، إما أن
يذكر رأيه في المترجم، كأن يقول فيه ((ضعيف)) أو ((متروك)) أو ((متهم)) ونحوه،
كما هو أسلوب الحافظ ابن حجر في ((التقريب)). وإما أن ينقل الجرح عن بعض
الأئمة، كأن يقول: ((ضعفه الدارقطني)) أو ((قال النسائي: ليس بقوي)). أو قال أبو
حاتم: ((لا يحتج به)) وهكذا، فكل من يورده فيه ضعيف الا أفراداً قليلين يصرح
بتوثيقهم، اما تمييزاً واما لدفع التهمة عنه، فمن الأول قوله: ((ابراهيم بن نافع
الحلاب البصري قال أبو حاتم: كان يكذب، أما ابراهيم بن نافع عن عطاء المكي
فثقة)). ومن الآخر قوله: ((أحمد بن الحسن بن خيرون، ثقة حافظ تكلم فيه ابن طاهر
بعلاك بارد، وهو أوثق من ابن طاهر بكثير))، وقد لاحظنا أنه كثيراً ما يختلف
اجتهاده في هذا الكتاب، عنه في ((الميزان))، ومن الأمثلة القريبة على ذلك، عيسى بن
أبي عزة هذا، فانه حكى فيه تضعيف القطان له، ثم توثيق جماعة من الأئمة له، ثم ختم
ذلك برأيه فيه فقال: ((حديثه صالح)). وهذا معناه أنه مقبول عنده، ومع ذلك أورده
في ديوانه ((الضعفاء)) وضعفه بقوله: ((قال القطان: حديثه ضعيف)). والظاهر أن =
٩٠٠