النص المفهرس

صفحات 841-860

يرى معناه ما يزعمه الحنفية مما يخالف الكتاب أو السنة الصحيحة، ولو رأى أن
ذاك معناه لأنكره فرده بذلك وبذاك الاختلاف والاضطراب (١) . ومع ذلك فعقبة
ابن أوس المتفرد به غير مشهور، وإنما وثقه مَن مِن عادته توثيق المجاهيل وإن كانوا
مقلين إذا لم ير في حديثهم ما ينكره، وقد شرحت ذلك في الأمر الثامن من القاعدة
السادسة من قسم القواعد، ولو رأوا أن معنى هذا الحديث ما يزعمه الحنفية لما أثنوا
على عقبة، بل لعلهم يجرحونه بمقتضى قاعدتهم في جرح المتفرد بالمنكر، ولا سيما إذا
كان مقلاً غير مشهور، والحنفية يردون الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مطعن
في أسانيدها البتة بدعوى مخالفتها للقرآن حيث لا مخالفة كما مر في المسألة السابعة ،
وكما يأتي في المسألة الخامسة عشرة، فكيف يسوغ لهم أن يتشبثوا بهذا الحديث مع
ما في سنده من الاختلال ومع وضوح مخالفة معناه الذي يعتمدونه للقرآن، فإن
قيل: وهل يحتمل معنى آخر؟ قلت نعم، وبيان ذلك أن من القتل ما يتبين فيه أن
القاتل قصد القتل، كالصور التي تقدم التمثيل بها من فضخ الرأس وما معه ونحو
ذلك وما يقرب منه، ومنه ما يتردد فيه أقصد أم لم يقصد كمن أغضبه رفيقه وكان
(١) قلت: بل الحديث صحيح السند كما قال الكوثري، والاضطراب الذي ذكره المصنف
رحمه الله هو من الاضطراب الذي لا يؤثر في صحة الحديث، فقد ذكرت في
((الارواء)) رقم (٢١٩٧١) أشهر وجوه الاضطراب فيه، ثم قابلت بينهما على ما
يقتضيه علم المصطلح والجرح والتعديل، فتبين لي أنها غير متماثلة في القوة وعدد رواة
كل وجه، وأن أرجحها رواية من رواه عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن
عبد الله بن عمرو، وعلى ذلك حكمت عليه بالصحة، لأن رجاله كلهم ثقات، وعقبة
ابن أوس قد وثقه ابن سعدو العجلي وابن حبان، وهؤلاء وإن كانوا متساهلين في
التوثيق كما أشار إليه المصنف، فاتفاقهم عليه، مع عدم توجه أي انتقاد عليه، بل قبله
الحفاظ من بعدهم ولم يردوه، مثل الحافظ ابن حجر فقال في ((التقريب)): ((صدوق)).
زد على ذلك أن من جملة من خرج الحديث ابن الجارود في كتابه ((المنتقى)) رقم
(٧٧٣)، وذلك منه توثيق لرجاله كما لا يخفى. ولذلك فالاعتماد في الرد على الحنفية
في استدلالهم بهذا الحديث على ما زعموا، إنما هو على المعنى الآخر الذي أوضحه
المؤلف جزاه الله خيراً .
٨٤١

بيده فأس أو عصا كبيرة فضرب رأسه فقتله. ومنه ما يتبين أنه لم يقصد كمن
ضرب رجلاً ضربات يسيرة بسوط أو عصا خفيفة فمات فهذه ثلاثة أضرب. وقوله في
أول الحديث: ((ألا إن دية الخطأ شبه العمد)) مُخرِّجٌ للضرب الأول حتماً لأنه عمد
محض لا يعقل أن يسمى خطأً شبه العمد، فبقي الأخيران والظاهر أنه شامل لهما ، أما
الثالث فواضح وأما الثاني فلأنه إذا لم يتبين قصد القتل فالأصل عدمه، فقوله بعد
ذلك: ((ما كان بالسوط والعصا)) حقه أن يكون تقييداً ليخرج من الضرب الثاني ما
كان بسلاح لأن استعمال السلاح يدل على قصد القتل، وإن كانت قد تدافعه قرينة
أخرى فيقع التردد، ومن الحكمة في ذلك زجر الناس عن استعمال السلاح حيث لا
يحل لهم القتل، وفي (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة ((قال رسول الله عد له :
لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده
فيقع في حفرة من النار))، وفيه من حديثه أيضاً (( من أشار إلى أخيه بحديدة فإن
الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه)). وفي (المستدرك) (ج ٤ ص ٢٩٠)
من حديث جابر قال: ((نهى رسول الله عَ لمل أن يتعاطى السيف مسلولاً)) ومن
حديث أبي بكرة قال: ((مر رسول الله مَّه على قوم يتعاطون سيفاً مسلولاً، فقال
رسول الله عَظُله: لعن الله من فعل هذا، أو ليسَ قد نَهَيْتُ عن هذا؟ إذا سل أحدكم
سيفاً ينظر إليه فأراد أن يناوله أخاه فليغمده ثم ليناوله إياه)) وعلى ذاك المعنى
فكلمة ((ما)) من قوله: ((ما كان بالسوط والعصا)) إما موصولة بدل بعض من
(( الخطأ شبه العمد)) وإما مصدرية زمانية، أي: وقت كونه بالسيف والعصا، كما
قيل بكل من الوجهين فيما قصه الله تعالى عن شعيب: ﴿إن أُريدُ إلّ الإِصْلاح ما
استَطَعْتَ﴾ . هود: ٨٨ .
ويؤيد ذلك أن في بعض الروايات عند النسائي وغيره منها رواية أيوب عن
القاسم ورواية هشيم عن خالد الحذاء عن القاسم (( .... الخطأ شبه العمد بالسوط
والعصا ... )) ليس فيه ((ما كان))، والتقييد في هذا ظاهر، على أن الشارع وإن
قضى بأنه إذا كان القتل بسلاح ونحوه عمد حيث يتردد في القصد فإنه يبالغ في
حض ولي الدم على أن لا يقتص، أخرج أبو داود في (السنن) من حديث أبي
١٨٤٢

هريرة قال: ((قتل رجل على عهد النبي عَّله فرفع ذلك إلى النبي عَ اله فدفعه إلى
ولي المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله والله ما أردت قتله، قال: فقال رسول الله
عَ لَّمِ الولي: أما إنه إن كان صادقاً ثم قتلته لتدخلن النار، قال: فخلى سبيله)) ثم
أخرجه من حديث وائل بن حجر وفيه ((قال كيف قتلته؟ قال ضربت رأسه
بالفأس ولم أرد قتله .... قال الرجل: خذه فخرج به ليقتله فقال رسول الله عد له :
أما إنه إن قتله كان مثله .... )) وحديث وائل في (صحيح مسلم) وفيه (( کیف
قتلته؟ قال: كنت أنا وهو تختبط(١) من شجرة فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على
قرنه فقتلته .... )) وفي رواية ((فلما أدبر قال رسول الله عَ له: القاتل والمقتول في
النار ... )). وتأوله بعضهم على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان سأل الولي أن
يعفو فأبى. وهذا ضعيف من وجهين: الأول: أنه ليس في القصة من الأمر بالعفو
إلا ما وقع من بيان الإثم أو ما بعده. الثاني: أنه ليس من سنة النبي صلى الله عليه
وآله وسلم أن يأمر أحداً بترك حقه أمراً جازماً يأثم المأمور إن لم يمتثله وقد
رغب عّ لّه إلى بربرة لما عتقت أن لا تفسخ نكاح زوجها فقالت: أتأمرني يا رسول
الله؟ قال: لا، وإنما أنا أشفع. قالت: فلا حاجة لي فيه، ولم يعتب هو بأبي وامي
ولا أحد من أصحابه على بريرة. فالصواب ما دل عليه حديث أبي هريرة أن إثم
الولي إن قتل إنما هو مبني على قول القائل: لم أردْ قتله، مع قوة احتمال صدقه. وقد
ذكر الطحاوي في (مشكل الآثار) (ج ١ ص ٤٠٩) الحديث ثم قال: ((فكان معنى
ذلك والله أعلم أن البيئة التي كانت شهدت عليه بقتله لأخي خصمه شهدت بظاهر
فعله الذي كان عندنا أنه عمد له لا شك عندنا فيه، وكان المدعى عليه أعلم بنفسه
وأيما كان منه من ذلك فادعى باطناً كان منه في ذلك لا بحجة معه .... )).
۔
أقول: لم أر في شيء من الروايات إقامة بينة أي شهود بل في بعض الروايات
(١) الاختباط: هو ضرب الشجر ليتساقط ورقه فتأكله الغنم أو يُجمع ويحتفظ به علفاً
للماشية أيام الشتاء. ومن ذلك كلمة أبي الدرداء: ((كان الناس ورقاً لا شوك فيه
فأصبحوا شوكاً لا ورق فيه)) انظر كتاب تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب
للمرزباني بتحقيقي. زهير .
٨٤٣

أن الولي قال: ((أما إنه لو لم يعترف لأقمت عليه البينة))، فإنما كان في الواقعة
اعتراف الرجل بالضرب وبتعمده وبآلته وصفته، وضرب الرأس بالفأس يقتضي
قصد القتل، إلا أن هناك ما عارضه وهو أنه لم يسبق بينهما عداوة وكانت الفأس
بيد الجانى يختبط بها فثار غضبه بسبب السب فضرب بما كان في يده وادعى أنه لم
يرد القتل وأقسم على ذلك، فالحديث يدل أنه في مثل هذه الحال يُقضى بأن القتل
عمدّ تأكيداً للزجر عن القتل والتنفير عنه، ولا يمنع الولي من الاقتصاص ولكنه
يحرم عليه، فإن قيل: وكيف لا يمنع مما يحرم عليه؟ قلت: لأنه لو منع منه حكما
لفات المقصود من تأكيد الزجر عن القتل، ويشبه هذا ما ثبت أن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم كان يعطي الملحف في السؤال وإن كان غير مستحق، وفي (مسند
أحمد) و(المستدرك) وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قال: ((أما والله إن أحدكم ليخرج بمسألته من عندي يتأبطها وما هي الا
نار. قال عمر: لم تعطيها إياهم؟ قال: ما أصنع؟ يأبون إلا ذلك ويأبى الله لي
البخل )). وفي (صحيح مسلم) من حديث عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
((إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني، فلست بباخل)) (١) .
فإذا حمل ذاك الحديث على المعنى الذي ذكرناه لم يكن مخالفاً لكتاب الله عز
وجل ولا للسنة الصحيحة ولا للنظر المعقول، فلا يكون منكراً، وعلى هذا بنى من
قواه من المحدثين ووثق راويه المتفرد به مع ما فيه الخلل، فإن أبى الحنفية إلا
المعنى الذي يتشبثون به قلنا: فعلى ذلك يكون الحديث منكراً فيرد ويضعف راويه
اتفاقا .
خذ أنف هرشى أو قفاها فإنما كلا جانبي هرشى لهن طريق
على أنه سيأتي في الحديث الثاني التقييد بأن يكون القتل في مناوشة بين عشيرتين
بدون ضغينة ولا حمل سلاح فيقتل رجل لا يدرى من قاتله، وعلى هذا فلو صح
هذا الحديث وكان مطلقاً لوجب حمله على ذاك المقيد، ومقتضى الحديث أنه في
(١٠) وأخرجه ابن حبان في «صحيحه)) بنحو حديث أبي سعيد كما في ((الترغيب))
(١٥/٢)، وهو في ((موارد الظمآن)) رقم (٢٠٧٤) مختصراً، وإسناده حسن.
٨٤٤

تلك الصورة يقضى بأن القتل شبه عمد فينظر في العشيرتين المتناوشتين فأيتهما كان
المقتول منها كانت ديته مغلظة على الأخرى، لأن الظاهر أن القاتل منها وأنها.
عاقلته، فأما إذا كان هناك ضغينة وحمل سلاح فإنه يقضي بأن القتل عمد فيجعل
قسامة، وأما إذا عرف القاتل فله حكمه، والله أعلم .
قول الأستاذ: ((ومنها حديث ابن عباس عن النبي عَ له: شبه العمد قتيل الحجر
والعصا فيه الدية مغلظة . أخرجه ابن راهويه)).
أقول: ذكره الزيلعي في (نصب الراية) (ج ٤ ص ٣٣٢) وذكر أن ابن راهويه
رواه عن عيسى بن يونس عن إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن ابن عباس،
وأنه مختصر، وأحال بتمامه على ما تقدم له يعني (ج ٤ ص ٣٢٧) ومتن الحديث
هناك: ((العمد قود إلا أن يعفو ولي المقتول، والخطأ عقل لا قود فيه، وشبه العمد
قتيل العصا والحجر ورمي السهم فيه الدية مغلّظة من أسنان الابل)) نسبه إلى ابن
راهويه بالسند نفسه، والحديث في (سنن الدارقطني) (ص ٣٢٨) من طريق:
((يزيد بن هارون نا إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: قال
رسول الله عَ له : العمد قود اليد، والخطأ عقل لا قود فيه، ومن قتل في عمية بحجر
أو عصا أو بسوط فهو دية مغلظة في أسنان الابل)). وإسماعيل بن أمية ضعيف وقد
اضطرب كما رأيت وجعل فيه في رواية ابن راهويه رمي السهم وهو عمد عند
الحنفية، ورواه أبو داود وغيره من طريق سليمان بن كثير عن عمرو بن دينار عن
طاوس عن ابن عباس يرفعه (( من قتل في عميا أو رمياً تكون بينهم بحجر أو سوط
فعقله عقل خطأ، ومن قتل عمداً فقود يده)). سليمان متكلم فيه. ورواه الدارقطني
(ص ٣٢٨) من طريق الحسن بن عمارة عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس
مرفوعاً، والحسن بن عمارة ضعيف جداً، ورواه الدارقطني (ص ٣٢٧) من طريق
حماد بن زيد عن عمرو بن دينار بسنده. والصحيح عن حماد أنه رواه مرسلاً ، قال
أبو داود في باب ((عفو النساء عن الدم)): ((حدثنا محمد بن عبيد نا حماد، ح ونا ابن
السرح نا سفيان وهذا حديثه عن عمرو عن طاوس قال: من قتل. وقال ابن عبيد
قال: قال رسول الله عَ لّه: من قتل في عميا في رمي يكون بينهم بحجارة أو
٨٤٥

بالسياط أو ضرب بعصا فهو خطأ وعقله عقل الخطأ ومن قتل عمداً فهو قود،
وقال ابن عبيد: قود يد .... وحديث سفيان أتم))، ورواه ابن السرح عن سفيان بن
عيينة عن عمرو عن طاوس قوله كما مر عن أبي داود، ولكن رواه الشافعي كما في
(سنن البيهقي) (ج ٨ ص ٤٥) عن سفيان عن عمرو عن طاوس عن النبي عَ الم ،
ورواه البيهقي من طريق الوليد بن مسلم عن ابن جريج عن طاوس عن ابن عباس
مرفوعاً، والوليد شديد التدليس يدلس التسوية. وقد رواه الدارقطني (ص ٣٢٨)
من طريق: ((عبد الرزاق أنا ابن جريج أخبر عمرو بن دينار أنه سمع طاوساً يقول:
الرجل يصاب في الرمي في القتال بالعصا أو بالسياط أو بالترامي بالحجارة يودى
ولا يقتل به من أجل أنه لا يعلم من قاتله؟)) قال ابن جريج: ((وأقول: ألا ترى إلى
قضاء رسول اللّه عَ ◌ّله في الهذليتين: ضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها، إذ لم
يقتلها بها ووداها وجنينها . أخبرناه ابن طاوس عن أبيه لم يجاوز طاوس)).
أقول: قصة الهذليتين ستأتي .
وأخرج أيضاً من طريق: ((عبد الرزاق أنا ابن جريج أخبرني ابن طاوس عن
أبيه، قال(١): عقد أبي كتاب في ذكر العقول جاء به الوحي إلى النبينعَ له ... ففي
ذلك الكتاب وهو عن النبي عَ ◌ّه: قتل العمية دينه دية الخطأ، الحجر والعصا
والسوط ما لم يحمل سلاحاً)) ومن طريق: ((عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس
عن أبيه أنه قال: من قتل في عمية رمياً بحجر أو عصا أو سوط ففيه دية مغلظة)).
فالروايات الصحيحة تجعله عن طاوس من قوله أو عنه عن النبي عَ الم مرسلاً،
وتفسيره بما سمعت، وقد مر توجيه ذلك في آخر الكلام على الحديث السابق فلا
متشبث فيه للحنفية .
و (العميا) فسرها أهل الغريب كما في (النهاية) بقولهم: ((أن يوجد بينهم قتيل
یعمی أمره، ولا یتبین
تله)).
(١) يعني ابن طاوس واسمه عبد الله . ن.
٨٤٦

وأخرجه الدارقطني من طريق إدريس بن يحيى الخولاني: ((حدثني بكر بن مضر
حدثني حمزة النصيبي عن عمرو بن دينار حدثني طاوس عن أبي هريرة عن النبي عَ ◌ّه
قال: من قتل في عميا رمياً تكون بينهم ... )) ثم أخرجه من طريق عثمان بن صالح:
((أنا بكر بن مضر عن عمرو بن دينار ... )) ومن وجه آخر عن عثمان بن صالح:
((نا بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن عمرو بن دينار)).
حمزة النصيبي هالك، وعثمان بن صالح صالح في نفسه لكنه من الذين ابتلوا
بخالد بن نجيح، كانوا يسمعون معه فيملي عليهم ويخلط. وخالد هالك.
قول الأستاذ: ((ومنها حديث ابن عباس في دية القاتلة بمسطح - وهو عود من
أعواد الخباء - أخرجه عبد الرزاق)).
أقول: جاءت القصة من رواية جماعة من الصحابة:
الأول: زوج المرأتين حمل بن مالك بن النابغة ومنه سمعه ابن عباس، ففي
(مسند أحمد) (ج٤ ص ٨٠): ((ثنا عبد الرزاق قال: أنا ابن جريج قال: أنا
عمرو بن دينار أنه سمع طاوساً يخبر عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنه أنه نشد
قضاء رسول الله عَ له في ذلك، فجاء حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين
بيتي امرأتيَّ فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى النبي عَّه
في جنينها بغرة وأن تقتل بها، قلت لعمرو: لا، أخبرني عن أبيه بكذا وكذا . قال:
لقد شككتني))، ورواه أبو داود عن أبي عاصم عن ابن جريج بمعناه إلى قوله: (( أن
تقتل)) وبعده: ((قال أبو داود قال النضر بن شميل: المسطح وهو الصوبج. قال أبو
عبيد: المسطح عود من أعواد الخباء)).
ورواه البيهقي (ج٨ ص ٤٣) من طريق عبد الرزاق بنحوه وفيه من قول ابن
جريج: (( فقلت لعمرو: أخبرني ابن طاوس عن أبيه أنه قضى بديتها وبغرة عن
جنينها، قال: لقد شككتني: ورواه النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس وفيه:
((فرمت إحداهما الأخرى بحجر)). وروى الطبراني من طريق أبي المليح ابن أسامة
٨٤٧

الهذلي عن حمل بن مالك: (( أنه كان له امرأتين لحيانية ومعاوية ... فرفعت المعاوية
حجراً فرمت به اللحيانية وهي حبلى فألقت جنيناً، فقال حمل لعمران بن عويمر:
(أخي القاتلة) أدّ إليّ عقل امرأتي، فأبى فترافعا إلى النبي عَ له فقال: العقل على
العصبة)). ذكره ابن حجر في ترجمة عمران من (الإصابة).
الثاني: أخو المقتولة عويم، ويقال: عويمر الهذلي . في ترجمته من (الإصابة):
((أخرج ابن أبي خيثمة والهيثم بن كليب والطبراني وغيرهم من طريق محمد بن سليمان
ابن. سموأل أحد الضعفاء عن عمرو بن تميم بن عويم الهذلي عن أبيه عن جده قال:
كانت أختي مليكة وامرأة منا يقال لها: أم عفيف .... تحت رجل منا يقال له: حمل
ابن مالك ... فضربت أم عفيف أختي بمسطح بيتها ... )).
الثالث: أسامة بن عمير الهذلي، روى الطبراني من طريق أبي المليح بن أسامة
الهذلي عن أبيه قال: ((أتى النبي عَ لَّ بامرأتين كانتا عند رجل من هذيل يقال له
حمل بن مالك فضربت إحداهما الأخرى بعمود خباء فألقت جنينا ميتاً فأتى مع
الضاربة أخ لها يقال له: عمران بن عوم .... فقال عمران: يا نبي الله إن لها ابنين
هما سادة الحي وهم أحق أن يعقلوا عن أمهم. قال: أنت أحق أن تعقل عن
أختك .... )) ذكره ابن حجر في ترجمة عمران من (الاصابة)؛ وذكر في (الفتح)
أن الحارث بن أبي أسامة أخرجه من طريق أبي المليح وفيه ((فخذفت إحداهما
الأخری بحجر)) .
الرابع: المغيرة بن شعبة وحديثه في (صحيح مسلم) وغيره من طرق عن منصور
عن إبراهيم عن عبيد بن نَضْلة عن المغيرة وفيه ((بعمود فسطاط)) وفي رواية
للترمذي ((بحجر أو عود فسطاط))؛ وروى النسائي من طريق الأعمش عن إبراهيم
قال: ((ضربت امرأة ضرتها بحجر وهي حبلى فقتلتها بحجر ... )).
الخامس: أبو هريرة وحديثه في (الصحيحين) وغيرهما من طريق مالك عن ابن
شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة: ((أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى
٨٤٨

فطرحت جنينها .... )) وفي رواية أخرى في (الصحيحين) من طريق يونس عن
ابن شهاب بسنده وفيه: ((فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلها، وما في
بطنها .... )) وفي (صحيح البخاري) في ((باب الكهانة)) من ((كتاب الطب)) من
طريق عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب: (( ... فرمت إحداهما الأخرى بحجر
فأصاب بطنها وهي حامل فقتلت ولدها الذي في بطنها ... )) وفيه (( ثنا قتيبة عن
مالك عن ابن شهاب عن أبي هريرة أن أمرأتين رمت إحداهما الأخرى بحجر
فطرحت جنينها ... )).
السادس: بريدة الأسلمي أخرج أبو داوود والنسائي من طريق عبد الله بن بريدة
عن أبيه أن أمرأة حذفت، (أو خذفت) امرأة فأسقطت .... ونهى يومئذ عن
الخذف)».
هذا ما تيسر الإشارة إليه من طرق القصة؛ وقد رأيت الاختلاف في الفعل
أضرب هو أم رمي أم حذف أم خذف، وفي الآلة: مسطح - حجر - عمود
فسطاط، والطريق العلمية في مثل هذا أن يجمع فإن لم يكن فَالترجيح. فقد يقال
أما الفعل فحذف لأن الحذف هو الرمي عن جانب فکل حذف رمي، ولا عکس،
وإنما كان ذلك سبباً للنهي عن الخذف لأن كلاً منهما رمي بحجر ولتقاربهما لفظاً،
وقد يطلق على الرمي ضرب كما مر في بعض الروايات ((ضربت امرأة ضرتها
بحجر)) وأما الآله فقد يقال إنها حجر كان صويجاً وذلك أن في رواية زوج المرأة
((بمسطح)) وفي رواية عنه ((بحجر)) وفي رواية أخي المقتولة ((بمسطح)) والمسطح
كلمة مشتركة يطلق على الصوبج وهو ما يرقق به العجين ويخبز وقد يكون عند
أهل البادية حجراً، ويطلق على عمود الخباء والفساط ، فجاء في رواية منصور عن
إبراهيم عن عبيد عن المغيرة ((بعمود فسطاط)) وفي رواية (( بحجر أو عمود
فسطاط)) وفي رواية الأعمش عن إبراهيم ((بحجر)) فكأنه كان في أصل الرواية
((بمسطح)) فحمله بعضهم على أحد معنييه وبعضهم على الآخر، وشك بعضهم. وفي
رواية أبي المليح عن أبيه ((بعمود خباء)) وفي الأخرى منه ((بحجر)) فكأنه كان في
٨٤٩

الأصل ((بمسطح)) وفي رواية أبي هريرة في (الصحيحين) ((بحجر)) ولم يختلف
عليه، فإن اتجه ذاك التوجيه وإلا فما اتفق عليه الشيخان أرجح.
إذا تقرر هذا فنقول: إن حذف المرأة صاحبتها بحجر ليس مما يتبين به مطلقاً
قصد القتل. فإن قيل عدم استفصال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدل على أن
القتل بمثل ذلك شبه عمد على كل حال، قلت: لم يذكر في شيء من الروايات
اختلاف من الخصمين في القتل أعمد أم شبه العمد؟ ولا في موجبه بل تقدم في
رواية أبي المليح عن حمل ((فقال حمل لعمران بن عويمر (أخي القاتلة) أدّ إليّ عقل
امرأتي فأبى فترافعا)) وفي روايته عن أبيه ((فقال عمران يا نبي الله إن لها ابنين هما
سادة الخي وهم أحق أن يعقلوا عن أمهم)). فقد اتفق الخصمان قبل الترافع وبعده
علي أن في القتل دية على العاقلة، وإنما اختلفا في العاقلة التي تلزمها الدية في الواقعة
الأخ أم الابنان؟ ومعنى ذلك اتفاقهما على أن القتل شبه عمد؛ وافرض أن خصمين
ترافعا إلى قاضٍ فقال أحدهما إن أخت هذا قتلت أختي شبه عمد وهو عاقلتها
فأطالبه بالدية، فقال الآخر: قد صدق ولكن للقاتلة بنون وهم أحق أن يعقلوا عن
أمهم، ألا ترى أنه لا حاجة بالقاضي إلى السؤال عن صفة القتل، لتصادق الخصمين
عن أنه شبه عمد، وإنما اختلفا في غيره؟ .
قول الأستاذ: ((وقد أعلّ أبو حنيفة حديث الرضخ كما سيأتي)).
أقول في (تاريخ بغداد) (٣٨٧/١٣) من طريق ((بشر بن مفضل قال: قلت
لأبي حنيفة .... قتادة عن أنس أن يهودياً رضخ رأس جارية بين حجرين فرضخ
النبي ◌َِّ رأسه بين حجرين، قال هذيان)). فهل هذا إعلال؟! قال الأستاذ (ص
٨٠): وأما حديث الرضخ فمروي عن أنس بطريق هشام بن زيد، وأبي قلابة
عنعنة، وفيه القتل بقول المقتول من غير بينة، وهذا غير معروف في الشرع، وفي
رواية قتادة عن أنس إقرار القاتل لكن عنعنة قتادة متكلم فيها))؛ (١) ثم راح يتكلم
(١) قلت: قد صرح قتادة بالتحديث كما بينه المؤلف فيما يأتي، فهل جهل ذلك الكوثري أم =
٨٥٠

في أنس رضي الله عنه .
أقول: أما هشام فهو هشام بن زيد بن أنس بن مالك وحديثه هذا عن جده في
(الصحيحين) وغيرهما، وهشام غير مدلس وسماعه من جده أنس ثابت، ومع ذلك
فالراوي عنه شعبة ومن عادته التحفظ من رواية ما يخشى فيه التدليس، وحديثه هذا
في (الصحيحين) ومن عادتهما التحرز عما يخشى فيه التدليس فسماع هشام لهذا
الحديث من جده أنس بن مالك ثابت على كل حال، وأما أبو قلابة فهو عبد الله بن
زيد الجَرْمي وقد قال فيه أبو حاتم: ((لا يعرف له تدليس)) وذكر ابن حجر في
ترجمته من (التهذيب) ما يعلم منه أن معنى ذلك أن أبا قلابة لا يروي عمن قد
سمع منه إلا ما سمعه منه. وقد ثبت سماعه من أنس كما في قصة العرنيين وغيرها
وحديثه في (الصحيح) أيضاً، فالحكم في حديثه هذا أنه سمعه من أنس .
وأما قتادة فمدلس لكنه قد صرح بالسماع، قال البخاري في (الصحيح) في
( باب إذا أقر بالقتل مرة قتل به)): حدثني إسحاق أخبرنا حبان حدثنا همام حدثنا
قتادة حدثنا أنس بن مالك أن يهودياً رض رأس جارية بين حجرين .... فجيء
باليهودي فاعترف، فأمر به النبي عَ لّ فرض رأسه بالحجارة)). وقد قال همام : -
((بحجرين)) وفي (مسند أحمد) (٣٦ ص ٢٦٩): ((ثنا عفان قال ثنا همام قال: أنا
قتادة أن أنساً أخبره .... فأخذ اليهودي فجيء به فاعترف)) وتمام الكلام في
(الطليعة) (ص ١٠١ - ١٠٣) وترجمة أنس من قسم التراجم، وفي مقدمة
(التنكيل) أوائل الفصل الثالث وفي أثناء الفصل الخامس .
قال الأستاذ: (( ومن رأيه (يعني أبا حنيفة) أيضاً أن القود بالسيف فقط تحقيقاً
لعدم الخروج عن المماثلة المنصوص عليها في الكتاب)) !.
أقول: الخروج عن المماثلة كما يكون بالعدوان، فكذلك يكون بالنقصان، وكما
=
تجاهل؟ أغلب الظن الثاني، وعلى كل حال، فهو كما قال الشاعر:
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم .ن.
فان كنت لا تدري فتلك مصيبة
٨٥١

أن العدل يقتضي منع الولي من الاعتداء فكذلك يقتضي تمكينه من الاستيفاء، ومن
قتل إنساناً ظلماً يرضخ رأسه بالحجارة فالقصاص أن يقتل مثل تلك القتلة، فإن
قيل: ربما يقع في هذا زيادة ما في الإيلام؟ قلنا: وربما يقع نقص ما، فهذا بذاك،
على أنها إن وقعت زيادة فخيفة غير مقصودة ولا محققة ولا مانعة من أن يقال: إنه
قتل مثل قتلته، وفي تمكين الولي من ذلك شفاء لغيظه، وتطييب لنفسه، وزجر
للناس، وردع عن الجمع بين القتل ظلماً وإساءة القتلة، وقد شرع الله تبارك وتعالى
رجم الزاني المحصن إبلاغاً في الزجر، والقتل ظلماً أشد من الزنا؛ نعم قال الله
تبارك وتعالى ﴿وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلُها فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾(١) وكما أن
العفو قد يكون بترك المجازاة البتة فقد يكون بتخفيفها فغاية الأمر أن يكون
الاقتصاص بضرب العنق أولى، وعلى هذا يحمل ما ورد في ذلك على ضعفه
ومعارضة غيره له؛ والله الموفق .
(١) سورة الشورى: الآية ٤٠.
٨٥٢

المسْأَلَة الثالثة عَشَرَة
لا تعقل العاقلة عبداً
قال الأستاذ (ص ٢٤): ((قول صاحب القاموس (ع ق ل): وقول الشعبي لا
تعقل العاقلة عمداً ولا عبداً .... معناه أن يجنى على عبد ... قال الأصمعي:
كلمت أبا يوسف بحضرة الرشيد فلم يفرق بين عقلته وعقلت عنه حتى فهمته)) قال
الأستاذ: (( وعقلته يستعمل في معنى عقلت عنه، قال الأكمل في (العناية): وسباق
الحديث وهو: لا تعقل العاقلة عمداً. وسياقه وهو: ((ولا صلحاً ولا اعترافاً))
يدلان على ذلك لأن معناه: عمن عمد وعمن صالح وعمن اعترف، [ اهـ] ويؤيده
ما أخرجه أبو يوسف في (الآثار) عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال: لا
تعقل العاقلة العبد إذا قتل خطأ. وما أخرجه محمد بن الحسن في (الموطأ) عن عبد
الرحمن ابن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن
عباس قال: لا تعقل العاقلة عمداً ولا صلحاً ولا اعترافاً ولا ما جنى المملوك ....
اهـ. وماجنى المملوك نص على أن المراد بقوله: لا تعقل العاقلة عبداً ، أن العاقلة لا
تعقل عن العبد الجاني رغم كل متقول؛ وأخرج البيهقي بطريق الشعبي عن عمر:
العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة. ثم قال: هذا منقطع، والمحفوظ
أنه من قول الشعبي)) ثم حكى عبارة أبي عبيد وفي آخرها ((قال أبو عبيد فذاكرت
الأصمعي فقال: القول عندي ما قال ابن أبي ليلى وعليه كلام العرب، ولو كان
المعنى على ما قال أبو حنيفة لكان: لا تعقل العقالة عن عبد)) ثم قال الأستاذ: (( ...
ولا منافاة بين هذا وبين أن يأتي في لسان العرب: عقل عنه؛ بمعنى: ودى. بل:
٨٥٣

عقله؛ في هذا الباب بمعنى: عقل عنه؛ على الحذف والإيصال لأن أصل الكلام:
عقل فلان قوائم الجمال ليدفعها دية عن فلان؛ فاستغنى عن المفعول الصريح وأوصل
إلى المدفوع عنه بحذف - عن - وهذا من أسرار العربية، والقصد من الآثار المروية
عن عمر وابن عباس وإبراهيم النخعي والشعبي واحد .... )).
أقول: عاقلة الانسان عصبته على تفصيل معروف في كتب العلم، فإذا قتل حرّ
حراً خطأ محضاً أو شبه عمد وثبت القتل ببينة فالدية على عاقلة القاتل، ومن
الحكمة في ذلك أن أولياء المقتول يطلبون بثأره، ومن شأن عصبة القاتل أن تقوم
دونه وهم محقون في ذلك فيقال لهم: من شأنكم أن تقوموا دونه فاغرموا ما لزم
بفعله؛ وإن كان القتل عمداً أو لم يثبت إلا باعتراف القاتل لم يلزم العاقلة شيء
لأنهم قد يقولون في العمد: لو طلب دمه لم نقم دونه ولا يحل لنا ذلك وهو أوقع
نفسه باختياره. ويقولون في الاعتراف: هو جر البلاء باختياره وهكذا إذا لم يلزم
شيء إلا بمصالحته لأن ذلك كاعترافه .
وبقيت مسألتان:
الأولى: أن يقتل عبد حراً فليس في هذا شيء على عاقلة العبد ولا على عاقلة
سيده؛ أما عاقلة العبد فلأنه ما دام عبداً في معنى الأجنبي عنهم، وأما عاقلة سيده
فلأنهم يقولون: القاتل المطالب هو العبد ولا شأن لنا به ولا نقوم دونه .
الثانية، أن يقتل حر عبداً فقيل: إذا كان عمداً ثبت القود، وقيل لا قود بحال،
لأن هذا ليس من مظنة الفتنة، فإن سيد العبد لا يهمه أن يأخذ بثأر عبده وإنما يهمه
أن يأخذ مالاً يستعيض به منه؛ فأما إذا كان خطأ محضاً أو شبه عمد فلا قود اتفاقاً
وإنما يجب المال، واختلفوا في الواجب فقال قوم: الواجب قيمة العبد بالغة ما
بلغت، لأن سيده يستحق ما يعادل ما فاته ومقدار ذلك معروف وهو القيمة كما لو
كان المقتول فرساً، وإلى هذا رجع أبو يوسف وهو قول الشافعي وغيره؛ وقيل:
الواجب دية لكن مقدارها هو القيمة بشرط أن لا تساوي دية الحر ولا تزيد عليها
فإن ساوت أو زادت لم يجب إلا دون دية الحر بعشرة، وهذا قول أبي حنيفة ولا
٨٥٤

يخفى ما فيه؛ ثم اختلفوا في تغريم العاقلة، فقال قوم: ليس عليها شيء لأنه إِن كان
الواجب قيمة فكما لو كان المقتول فرساً، وإِن كان دية فليس من شأن سيد العبد
أن يطلب دم القاتل فيكون ذلك من مثار تعصب عاقلته؛ وقال أبو حنيفة: تلزم
العاقلة. احتج مخالفوه بما روي عن الشعبي: لا تعقل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا
صلحاً ولا اعترافاً؛ فقال أبو حنيفة: إِنما معنى هذا وارد في المسألة الأولى، وهي
أن يكون العبد هو القاتل فرده الأصمعي بما مر وأجاب الأستاذ بما سمعت.
وأقول: أما ما ذكر عن إبراهيم، فقوله: ((قتل)) لا أدري أبالبناء للفاعل أم
المفعول، فإن كان للمفعول وهو الظاهر فهو نص في خلاف قول أبي حنيفة؛ فإِن
قيل: رواية أبي حنيفة له تدل على أنه عنده بالبناء للفاعل، قلنا: بل رواية أبي
يوسف له تدل أنه عنده بالبناء للمفعول، والحق اطراح هذين فإن إبراهيم تابعي،
والعالم كأبي حنيفة وأبي يوسف قد يروي من أقوال التابعين ما لا يقول به، لكن
إذا ثبت أن المعروف في اللغة: عقلت القتيل. دون: عقلت القاتل، تبين أن الفعل.
في قول إبراهيم مبني للمفعول وهو الظاهر.
وأما الأثر عن ابن عباس فليس من الواجب مطابقته لما روي عن غيره، بل هي
خمس مسائل اتفق القولان على ثلاث، وانفرد كل منهما بواحدة، ويتعين الجزم بهذا
إذا كان المعروف في اللغة: عقلت القتيل، لا عقلت القاتل، فتبين أن المدار على
اللغة .
فأما ما ذكره صاحب (العناية) فليس بشيء، بل المعنى لا تعقل العاقلة دية عمد
ولا قيمة عبد ولا واجب صلح ولا واجب اعتراف؛ وأما تحقيق الاستاذ فيقال له:
العبارة التي زعمت أنها الاصل وهي ((عقل فلان قوائم الإبل ليدفعها دية عن فلان))
إنما تعطي بمقتضى العربية أن فلاناً الثاني هو القاتل فإننا نقول: ((دفعت عن فلان
الدين الذي عليه، وأديت عنه الدية التي لزمته)) ويصح أن يقال بهذا المعنى: ((وديت
عنه)) أي: أديت عن الدية التي لزمته، فأما المقتول فإنما يقال: ((وديته)) وقد يقال:
هذه دية من القتيل أي بدل عنه، قال الشاعر:
٨٥٥

عقلنا لها من زوجها عدد الحصى
قال ابن قتبية في ( كتاب المعاني): ((يقول قتلنا زوجها فلم تجعل عقله إلا
همها ... والمغموم يولع بلقط الحصى وعدّه)) و((مِن)) هذه هي البدلية مثلها في
قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بالْحياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخرةِ﴾ (١) وفي صغار كتب العربية أن
((عن)) للمجاوزة، وإذا أديت الدية فإنما جعلتها تجاوز ذمة القاتل كما تقول: أديت
عن فلان الدين الذي كان عليه، ولا معنى لمجاوزتها المقتول.
وبعد فلا ريب أن الأصل ((عقلت قوائم الإبل، لكن استغنوا عن القوائم على
كل حال فقالوا: ((اعقل ناقتك)) ثم كثر عقل الإبل في الدية فاستغنوا في ذكر الدية
عن لفظ الإِبل، يقول ولي المقتول أو المصلح: اعقلوا. ويقول أولياء القاتل:
سنعقل. وكثر ذلك حتى صار المتبادر من العقل في قضايا القتل معنى الدية
فاستعمل في معناها حتى جمع جمعها فقيل: ((عقول)) بمعنى ((ديات))؛ فإذا قيل في
قضايا القتل: عقلته. فمعناه: وديته؛ أي أديت ديته؛ وإذا قيل: عقلت منه،
فالمعنى: وديت عنه، أي أديت عنه الدية التي كانت مستقرة عليه فجعلتها تجاوزه؛
هذا هو المعروف في العربية .
(١) التوبة: (٣٨).
٨٥٦

المسْألَةِ الرَّابعَة عَشْرَة
تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً
في (تاريخ بغداد) (٣٩١/١٣) حكايتان عن أبي عوانة: (( كنت عند أبي
حنيفة جالساً فأتاه رسول من قبل السلطان ... فقال يقول الأمير: رجل سرق ودياً
فما ترى؟ فقال غير متعتع: إِن كانت قيمته عشرة دراهم فاقطعوه ... )) قال
الأستاذ (ص ٩٢): ((قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني في (الآثار): أخبرنا أبو
حنيفة عن حماد عن إبراهيم: لا يقطع السارق في أقل من ثمن المجن، وكان ثمنه
يومئذ عشرة دراهم ولا يقطع بأقل من ذلك ... قال الإمام محمد في (الموطأ): قد
اختلف الناس فيما تقطع فيه اليد فقال أهل المدينة ربع دينار ورووا أحاديث، وقال
أهل العراق: لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم ورووا ذلك عن النبي عَ له
وعن عمر وعن عثمان وعن علي وعن عبدالله بن مسعود وعن غير واحد فإذا جاء
الاختلاف في الحدود أخذ فيها بالثقة وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا؛ يعني
أن ربع الدينار نحو ثلاثة دراهم والحدود مما يدرأ بالشبهات فالأخذ برواية عشرة
دراهم في القطع أحوط فيؤخذ بها حيث لم يعلم الناسخ من المنسوخ من تلك الآثار
المختلفة )) .
أقول: رأيت للحنفية مسالك في محاولة التخلص من الأحاديث الصحيحة في
هذه المسألة نشطت للنظر فيها هنا.
المسلك الأول هذا الذي تقدم، وحاصله أن الدليلين إذا تعارضا عمل بالناسخ،
٨٥٧

فإِن لم يعلم فالبراجح. تعارضت الأدلة هنا ولم يعلم الناسخ فتعين العمل بالراجح،
ومن المرجحات نفي الحد ، أي أنه إذا كان أحد الدليلين المتعارضين مثبتاً لحدٍ والآخر
نافياً له، كان ذلك مما يقتضي ترجيح الثاني، فالأحاديث الموجبة للقطع في ربع
دينار مثبتة للحد في ما ساوى ذلك وما زاد عليه. والأحاديث الدالة على أنه لا قطع
في أقل من عشرة دراهم نافية للحد فيما دون ذلك، فجاء التعارض فيما يساوي ربع
دينار أو يزيد عليه ولكنه لا يبلغ العشرة، ولم يعلم الناسخ فترجح النافي .
والجواب عن هذا أن ما يذكر في أنه لا قطع فيما دون العشرة لا يثبت كما
ستراه مفصلاً فليس بدليل أصلاً، هبه ثبت فعدُّ نفي الحد من المرجحات فيه نظر،
وما يذكر فيه من السنة لا يثبت. هبه ثبت فلا حجة فيه للاتفاق على أن الحدّ يثبت
بخير الواحد ونحوه مما يقول الحنفية أنه دليل فيه شبهة، وإنما الشبهة التي يدرأ بها
الحد ما يقتضي عذراً ما للفاعل؛ كمن أخذ ما له فيه حق، فإِن له أن يقول: لم
أسرق وإِنما توصلت إلى أخذ حقي، وكالواطىء في نكاح بلاولي؛ فإن له أن يقول
لم أزن وإنما أتيت امرأتي، فأما من يقول سرقت عالماً بأن السرقة حرام، لكن قد
تعارضت الأدلة في أن سرقتي هذه توجب الحد، فلا عذر له، ولا يدرأ عنه الحد،
كما لا يدرأ عمن قال: ((سرقت عالماً)) بأن السرقة حرام، ولكن لم أعلم بأن حكم
الإِسلام قطع يد السارق. بل ذاك أولى فإنه إذا لم يعذر بجهل وجوب الحد من
أصله فكيف يعذر بالتردد فيه؟ هبه ثبت أن نفي الحد من مقتضيات الترجيح،
فللمثبت مرجحات أقوى من ذلك كما ستراه إن شاء الله.
المسلك الثاني للطحاوي، بدأ في كتابه (معاني الآثار) بذكر حديث ابن عمر
((أن رسول الله عَ له قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم)) وهو في (الموطأ)
و(الصحيحين) وغيرها، رواه مالك وجماعة عن نافع عن ابن عمر فهو في أعلى
درجات الصحة؛ ثم ذكر الطحاوي أنه لا حجة فيه على أنه لا يقطع فيما دون ذلك،
ثم روى من طريق أبي واقد صالح بن محمد بن زائدة عن عامر بن سعد بن أبي
وقاص عن أبيه رفعه ((لا يقطع السارق إلا في ثمن المجن))؛ قال الطحاوي: ((فعلمنا
٨٥٨

بهذا أن رسول الله عَ لّه وقفهم عند قطعه في المجن على أنه لا يقطع فيا قيمته أقل
من قيمة المجن)).
أقول: أبو واقد هذا ذكر بصلاح في نفسه وغزو: قال أحمد: ((ما أرى به
بأساً)) لكنهم ضعفوه في روايته، قال ابن معين: ((ضعيف الحديث)) وضعَّفه أيضاً
علي ابن المديني والعجلي وأبو زرعة وأبو داود والنسائي وأبو أحمد الحاكم وابن
عدي، وقال البخاري وأبو حاتم والساجي: ((منكر الحديث))؛ وقال ابن حبان:
(( كان ممن يقلب الأخبار والاسانيد ولا يعلم، ويسند المرسل ولا يفهم، فلما كثر
ذلك في حديثه وفحش استحق الترك)) ومما أنكروه عليه حديثه عن سالم عن أبيه
عن عمر رفعه: ((من وجدتموه قد غل فأحرقوا متاعه)) قال البخاري: ((هو حديث
باطل ليس له أصل)) وقد ذكر الطحاوي حديثه هذا عن سالم في (مشكل الآثار)
على ما في (المعتصر) (ج ٢ ص ٢٣٨)(١)، وفي (المعتصر) عن الطحاوي:
(( وكتاب الله يخالف ذلك، قال الله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيهما
جزاءً بما كَسَبًا﴾ (٢) فإذا لم يكن في سرقة مال ليس للسارق فيه شركة سوى قطع
اليد لا جزاء له غير ذلك فأحرى أن لا يجب عليه في غلول مال له فيه حظ إِحراق
رحله )).
أقول: دلالة الآية على أنه لا جزاء غير ذلك دلالة لا يقول بها الجمهور. وعلى
القول بها فإنما يتجه ما بناه الطحاوي عليها لو كان على الغال قطع إِذ يقال ليس
على السارق إلا القطع مع أنه لا شبهة له القطع وليس على الغال لشبهته قطع ولكن
عليه عقوبة دُون ذلك. فليس في هذا ما ينكر، كما أن على الزاني المحصن الرجم
فقط وليس على غير المحصن رجم ولكن عليه الجلد، وكما أن من ارتكب موجب
الحد يحد ولا يعزر ومن ارتكب ما دون ذلك لم يحد ولكنه يعزر.
رد الطحاوي حديث أبي واقد في الغال بدعوى مخالفة لا حقيقة لها، لدلالة لا
(١) الطبعة الثانية .
(٢) المائدة (٣٨).
٨٥٩

يقول بها الجمهور، ثم احتج بحديث أبي واقد نفسه هنا مع مخالفته مخالفة محققة
لدلالة متفق عليها من الآية نفسها، فإِن حديثه هنا ينفي القطع عن عدد كثير يحق
على كل منهم اسم ((السارق)) وهم كل من كان مسروقه أقل من قيمة المجن،
والآية توجب بعمومها قطع كل من يحق عليه اسم ((السارق)) ودلالة العموم متفق
عليها بل يقول الحنفية أنها قطعية، ثم يبالغ الطحاوي فيقول: ((فعلمنا بهذا ... ))
كأنه يرى أبا واقد معصوماً يوجب حديثه العلم، ويجعل ذلك أمراً مفروغاً منه،
وإنما الشأن في معرفة قيمة المجن!
ومع ذلك نجاري الطحاوي في النظر في قيمة المجن، ذكر الطحاوي أن بعض
أهل العلم يقول إنها ثلاثة دراهم بحديث ابن عمر السابق؛ قال: ((وخالفهم في ذلك
آخرون فقالوا: لا يقطع السارق إِلا فيما يساوي عشرة دراهم فصاعداً، واحتجوا
في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود (وهو ابراهيم بن سليمان بن داود الأسدي البرلسي)
و(أبو زرعة) عبدالرحمن بن عمرو الدمشقي قالا: ثنا أحمد بن خالد الوهبي قال:
ثنا محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال: كان قيمة
المجن الذي قطع فيه النبي مَّه عشرة دراهم)).
أقول: ابن إسحاق متكلم فيه وفي حفظه شيء كما في (الميزان)، وقد اضطرب
في الخبر كما يأتي، فخبره هذا غير صالح للحجة أصلاً فكيف يعارض به حديث
(الموطأ) و(الصحيحين) وغيرهما المتواتر عن نافع عن ابن عمر؟ مع هذا فالظاهر
أن هذا لفظ ابن أبي داود كما يشير إلى ذلك تقديم الطحاوي له، فأما الدمشقي فقال
الحاكم في (المستدرك) (ج ٤ ص ٣٧٨): (( حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب
(الأصم) ثنا أبو زرعة الدمشقي ثنا أحمد بن خالد الوهبي ثنا محمد بن إسحاق عن
أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله
عَّهِ يقوَّم عشرة دراهم))؛ وهذا هو الصواب من حديث الوهبي كذلك أخرجه
الدارقطني في (السنن) (ص ٣٦٩): ((نا محمد بن إسماعيل الفارسي نا أحمد بن عبد
الوهاب بن نجدة نا أحمد بن خالد الوهبي)) وكذلك أخرجه البيهقي في (السنن)
٨٦٠