النص المفهرس
صفحات 821-840
يجهل أحد أن المرأة لا تطلق ممن ليس لها بزوج فحمل الحديث على هذا النفي يجعله خلوا عن الفائدة . وأما النظر فلا ريب أن الله تبارك وتعالى إنما شرع النكاح والطلاق لمقاصد عظيمة، وأن مثل ذلك الطلاق لا يحتمل أن يحصل به مقصد شرعي، وهو مضاد لشرع النكاح. وبعد فإذا لم يثبت عن السلف قبل أبي حنيفة إلا قولان، وأحدهما تدفعه الأدلة المذكورة وهو ضعيف في القياس، تعين القول الآخر وهو مذهب علي وابن عباس ثم مذهب الشافعي وأحمد . والله الموفق(١) . (١) قلت: بقي على المؤلف رحمه الله شيء مما زعمه الكوثري لم يتعقبه، وهو حقيق بذلك وهو قوله: ((إن الأحاديث في هذا الباب لا تخلو عن اضطراب)). فهذا القول على إطلاقه باطل، ما أظن يخفى بطلانه حتى على الكوثري نفسه! فإن في الباب أحاديث كثيرة ثلاثة منها خالية عن أي اضطراب أو علة قادحة، أحدها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، من طرق عنه عند أبي داود والترمذي وحسنه. والثاني: عن جابر عند الطيالسي والحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وهو كما قالا . والثالث: عن المسور بن مخرمة، أخرجه ابن ماجه بسند حسن كما قال الحافظ ابن حجر، والحافظ البوصيري. وهذه الأحاديث وغيرها مخرجة في ((إرواء الغليل)) رقم ( ٢٠٦٨ ) . ن. ٨٢١ المسْألَة العاشرة العقيقة مشروعة في (تاريخ بغداد) (٤١١/١٣) عن أحمد بن حنبل ((في العقيقة عن النبي عَ لّه أحاديث مسندة وعن أصحابه وعن التابعين، وقال أبو حنيفة: هو من عمل الجاهلية)). قال الأستاذ (ص ١٤٢): ((نعم كان أهل الجاهلية يرون وجوب العقيقة وأبيحت في الإسلام من غير وجوب في رأي أبي حنيفة وأصحابه، قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني في (الآثار): أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن ابراهيم قال: كانت العقيقة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام رفضت. قال محمد: وأخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا رجل عن محمد ابن الحنفية أن العقيقة: كانت في الجاهلية فلما جاء الإسلام رفضت))؛ ثم قال الأستاذ: ((يرى أبو حنيفة أن ما كان من عمل أهل الجاهلية معتبرين وجوبه عليهم إذا عمل به في الإسلام لا يدل هذا العمل إلا على الإباحة لا على إبقاء الوجوب المعتبر في الجاهلية ... )) أقول: قول القائل: ((من عمل الجاهلية)) ظاهر في أنها محظورة، وكلمة ((عمل)) تدل أن كلامه في العقيقة نفسها لا في اعتقاد وجوبها فقط، وقول القائل ((فلما جاء الإسلام رفضت)) ظاهر في أنها غير مشروعة البتة فيكون اعتقاد مشروعيتها ضلالاً كبيراً وتديناً بما لم ينزل الله به سلطاناً، فأما محمد ابن الحنفية فلا يصح الأثر عنه، إذ لا يدرى من شيخ أبي حنيفة أثقة أم لا؟ وأما ابراهيم فناف، والمثبت مقدم عليه . وقد ورد في مشروعيتها أحاديث قولية منها حديثان في (صحيح البخاري) ذكرهما البيهقي في (السنن) (ج٩ ص٢٩٨) فاعترضه ابن التركماني قائلاً: ٨٢٢ ((ظاهرهما دليل على وجوبها فهما غير مطابقين لمدعاه)). والقول بالوجوب منقول عن الظاهرية، واحتج من يقول بالندب بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: ((من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك، عن الغلام شاتان .. )). وهذا الحديث أيضاً يدل على مشروعيتها فإن النسك عبادة إذا لم تكن واجبة كانت مندوبة ولا بد، وسواء أكان أهل الجاهلية يعتقدون وجوبها أم لا ، فإنها لم ترفض في الإسلام بل هي مشروعة فيه (١) . (١) قلت: ليس في السنة ما يشهد لقول الكوثري أن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون وجوبها، فهذه كتب السنة ليس فيها شيء من ذاك، وإنما هي مجرد دعوى منه، ليبني عليها ذلك التأويل الذي بين المؤلف رحمه الله بطلانه بالدليل القاطع. ومما يؤكد بطلان ذلك التأويل ويدل أن أبا حنيفة نفسه كان لا يقول به قول الإمام محمد في ((موطأه)) (ص ٢٨٦): ((أما العقيقة فبلغنا أنها كانت في الجاهلية وقد فعلت في أول الاسلام، ثم نسخ الأضحى كل ذبح كان قبله ... )) قلت: هذا نص منه بنسخ مشروعية العقيقة، فهل يجوز العمل بالمنسوخ؟! ولو كان عند الكوثري شيء من الانصاف لاعتذر عن أبي حنيفة بأي عذر مقبول، ولانتصر للسنة على الأقل مثلما. ينتصر لامامه، ولغار عليها أن تعطل عن العمل بها يجعلها أمراً مباحاً فحسب كأي ذبيحة يذبحها الإنسان ليأكل من لحمها في غير مناسبة مشروعة! لو كان الكوثري منصفاً لقال كما قال العلامة أبو الحسنات اللكنوي - وهو حنفي مثله، ولكن شتان ما بينهما ! - قال في تعليقه على كلمة الامام محمد المتقدمة: ((وإن أريد أنها كانت في الجاهلية مستحبة أو مشروعة، فلما جاء الاسلام رفض استحبابها وشرعيتها فهو غير مسلم، فهذه كتب الحديث المعتبرة مملوءة من أحاديث شرعية العقيقة واستحبابها .... )). قلت: ثم إن حديث عمرو بن شعيب ... ((فأحب أن ينسك ... )) لا يصلح دليلا على صرف الأمر إلى الندب فإنه كقوله صلى الله عليه وسلم: ((من أراد الحج فليتعجل))، فهل هذا يدل على أن الأمر بالحج ليس للوجوب؟ ولذلك فالقواعد الأصولية توجب إبقاء الأمر على ظاهره، وذلك يقتضي وجوب العقيقة وبه قال الحسن البصري والإمام الليث بن سعد كما في «الفتح» (٥٨٢/٩) قال: ((وقد جاء الوجوب أيضاً عن أبي الزناد، وهي رواية عن أحمد)). ٨٢٣ المسْألَةِ الحَادِيَة عَشْرَة للراجل سهم من الغنيمة وللفارس ثلاثة: سهم له وسهمان لفرسه في (تاريخ بغداد) (٣٩٠/١٣) عن يوسف بن أسباط (( .... قال رسول الله عَ له: للفرس سهمان وللرجل سهم. قال أبو حنيفة: أنا لا أجعل سهم بهمية أكثر من سهم المؤمن)) قال الأستاذ (ص ٨٦): فقوله (للفرس سهمان وللرجل سهم) هكذا في بعض الروايات وفي بعضها (للفارس سهمان وللراجل سهم) وهو الذي اختاره أبو حنيفة وهو الذي وقع في لفظ مجمع بن جارية المخرج في (سنن أبي داود) ... فأبو حنيفة لما رأى اختلاف ألفاظ الرواة .... نظر فوجد أن الشرع لا يرى تمليك الرجل من غلط الراوي، حيث كانت الألف تُحذف من الوسط في خط الأقدمين في غير الأعلام أيضاً ، فقرأ هذا الغالط (فرساً) و(رجلاً) ما تجب قراءته (فارساً) و(راجلاً) فتتابعت رواته على الغلط، قاصدين باللفظين المذكورين الخيل والإنسان مع إمكان إرادتهم الفارس من الفرس كما يراد بالخيل الخيالة عند قيام القرينة جمعاً بين الروايتين، ومضى آخرون على رواية الحديث على الصحة. فرد أبو حنيفة على الغالطين بقوله: إني لا أفضل بهمية على مؤمن؛ ليفهمهم أنه لا تمليك في الشرع للبهائم، والمجاز خلاف الأصل، وإنما تكلم عن التفضيل مع أنه أيضاً لا يقول بمساواة البهمية لمؤمن لأن الكلام في الحديث المغلوط فيه ... وقول ابي يوسف في الخراج بعد وفاة أبي حنيفة ومتابعة الشافعي له في (الأم) مع زيادة تشنيع بعيدان عن مغزى فقيه الملة ... وأما ما ورد في مضاعفة سهم الفارس في بعض الحروب فقد حمله أبو حنيفة على التنفيل جمعاً بين الأدلة، لأن الحاجة الى ٨٢٤ الفرسان تختلف باختلاف الحروب. أبهذا يكون أبو حنيفة رد على رسول الله عِ لمه ؟ حاشاه)). أقول: لا يخفى ما في التوجيه من التعسف. وقد كثرت الحكايات عن أبي حنيفة في مجابهة من يعترض عليه بالكلمات الموحشة، فقد يقال: إنه كان يتبرم بالمعترضين، ولا يراهم أهلاً للمناظرة، فكان يدفعهم بتلك الكلمات لئلا يعودوا الى التعرض، غير مبال بما يترتب على ذلك من اعتقادهم، فهل جرى على هذا الطريقة مع أصحابه حتى ان أخصَّهم به وآثرهم عنده وأعلمهم بمقاصده - وهو أبو يوسف - لم يتفطن لما تفطن له الأستاذ؟ فأما حذف الألف في كتابة المتقدمين فيقع في ثلاثة مواضع الأول: حيث يؤمن اللبس إما لعدم ما يلتبس به مثل: القاسم بن فلان؛ سليمان بن فلان؛ إسحاق بن فلان؛ فإن هذه الأعلام إذا كتبت بلا ألف لا يوجد ما يلتبس بها؛ وإما في كتابة القرآن الذي من شأنه أن يؤخذ بالتلقي والتلقين وتعم معرفته بحيث إذا أخطأ مخطىء لم يلبث أن ينبه. وإما فيما يصح على كلا الوجهين مثل جبريل و﴿ملك يوم الدين﴾، وليس قوله في الحديث ((للفرس، للرجل)). في شيء من هذا، اللهم إلا أن يخطىء الكاتب يسمع ((للفارس. للراجل)) فيحسب ذلك مما يجوز تخفيفه في الكتابة فيكتب ((للفرس، للرجل)) لكنه كما قد يحتمل هذا فكذلك قد يحتمل أن يخطىء القارىء بأن يكون الكاتب سمع ((للفرس، للرجل)) فكتبها كذلك، ثم توهم القارىء أن الأصل ((للفارس، للراجل)) وإنما حذف الألف تخفيفاً في الكتابة فيقرؤها ((للفارس، للراجل)) ويرويها كذلك. وأما تقديم الحقيقة على المجاز، فالذي في الرواية: ((جعل للفرس سهمين وللرجل سهماً)) ولا يتجه في قوله: ((للفرس)) مجاز، بل اللام لام التعليل، أى جعل لأجل الفرس. فإن قيل: بل اللام لشبه التمليك، قلنا فما الحجة على أن لام شبه التمليك مجاز؟ فإن كانت هناك حجة فجعلها للتعليل أولى تقديماً للحقيقة على المجاز، وكذلك لو ساغ أن يطلق ((الفرس)) ويراد ((الفارس)) كما زعم الأستاذ. ٨٢٥ على أن سواغ ذلك غير مسلم فإنه غير معروف ولا قرينة عليه، فأما إطلاق (( الخيل)) وإرادة ((الفرسان)) فمستفيض، وإنما يسوغ بقرينة، وإنما جاء حيث يكون المقام ذكر الجيش حيث لا تكون الخيل إلا مع فرسانها فيكون بينهما ضرب من التلازم. هب أنه اتجه المجاز فتقديم الحقيقة على المجاز في الكلمة الواحدة يجب حملها على معناها الحقيقي ولا يجوز حملها على معنى مجازي بلا حجة كما ارتكبه الأستاذ في غير موضع؛ فأما روايتان مختلفتان متنافيتان والكلام في إحداهما حقيقة وفي الأخرى مجاز صحيح بقرينته فلا يتجه تقديم الأولى لأن المتكلم كما يتكلم بالحقيقة فكذلك يتكلم بالمجاز، والمخطىء كما يخطىء من الحقيقة الى المجاز، فكذلك عكسه، بل احتماله أقرب، لأن أغلب ما يكون الخطأ بالحمل على المألوف، وغالب ما يقع من التصحيف كذلك، فقد رأيت مالا أحصيه اسم ((زَبّر)) مصحفاً الى ((أنس)) واسم ((سعر)) مصحفاً الى ((سعد)) ولا أذكر أنني رأيت عكس هذا؛ وقال الشاعر: من الفتيان أيام الخُنان فمن يك سائلاً عني فإني وقال الآخر: كساك ولم تستكسه فحمدته أخ لك يعطيك الجزيل وياصر فصحف الناس قافيتي هذين البيتين الى ((الختان. ناصر)) وأمثال هذا كثيرة لا تخفى على من له إلمام. وهكذا الخطأ في الأسانيد أغلب ما يقع بسلوك الجادة، فهشام بن عروة غالب روايته عن أبيه عن عائشة، وقد يروي عن وهب بن كيسان عن عبيد بن عمير ، فقد يسمع رجل من هشام خبراً بالسند الثاني ثم يمضي على السامع زمان فيشتبه عليه فيتوهم أنه سمع ذاك الخبر من هشام بالسند الأول على ما هو الغالب المألوف، ولذلك تجد أئمة الحديث إذا وجدوا راويين اختلفا بأن رويا عن هشام خبراً واحداً جعله أحدهما عن هشام عن وهب عن عبيد، وجعله الآخر عن هشام عن أبيه عن ٨٢٦ عائشة، فالغالب أن يقدموا الأول ويخطؤوا الثاني، هذا مثال ومن راجع كتب علل الحديث وجد من هذا ما لا يحصى . هب أن الحقيقة تقدم على المجاز في الروايتين المتنافيتين فإنما لا يبعد ذلك جداً حيث لا يوجد للرواية الأخرى مرجح قوي، وليس الأمر ها هنا كذلك بل من تتبع الروايات وجد الأمر بغاية الوضوح، وشرح ذلك أن الحنفية يتشبثون بأربعة أشياء : أولها: حديث مجمع، والجواب عنه أنه من رواية مجمع بن يعقوب بن مجمع عن أبيه بسنده وفي (سنن البيهقي) (ج ٦ ص ٣٢٥) أن الشافعي قال: ((مجمع بن يعقوب شیخ لا يعرف)). أقول: أما مجمع فمعروف لا بأس به، فلعل الشافعي أراد أباه يعقوب بن مجمع ففي (نصب الراية) عن ابن القطان ((علة هذا الحديث الجهل بحال يعقوب بن مجمع ولا يعرف روى عنه غير ابنه))، وذكر المزي راويين آخرين ولكنهما ضعيفان، ولم يوثق يعقوب أحد، فأما ذكر ابن حبان له في (الثقات) فلا يجدي شيئاً لما عرف من قاعدة ابن حبان من ذكر المجاهيل في (الثقات)، وقد ذكر الأستاذ ذلك في غير موضع، وشرحته في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد، وفي ترجمة ابن حبان من قسم التراجم، وفي الحديث وهم آخر فإن فيه أن فرسان المسلمين يوم خيبر كانوا ثلثمائة، والمعروف أنهم مائتين، وأبو داود وإن أخرج الحديث في (سننه) فقد تعقبه كما في (نصب الراية) بقوله: ((هذا وهم إنما كانوا مائتي فارس فأعطى الفرس سهمين وأعطى صاحبه سهما)) وأخرج جماعة منهم الحاكم في (المستدرك) (ج ٢ ص ٣٢٦) عن ابن عباس: ((أن رسول الله عَ له قسم لمائتي فرس يوم خيبر سهمين سهمين)) وفي (مصنف ابن أبي شيبة) عن أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن صالح بن كيسان أن النبي ◌َّ أسهم يوم خيبر لمائتي فرس لكل منهم سهمين؛ وهؤلاء كلهم ثقات متفق عليهم وصالح من أفاضل التابعين. وفي (سنن البيهقي) (ج ٦ ص٣٢٦) بسند (السيرة) عن ابن إسحاق ٨٢٧ (( حدثني ابن لمحمد بن مسلمة عمن أدركه من أهله، وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قالا: كانت المقاسم على أموال خيبر على ألف وثمانمائة سهم، الرجال ألف وأربعمائة والخيل مائتي فرس، فكان للفرس سهمان، ولصاحبه سهم، وللراجل سهم)) وأكثر الروايات وأثبتها في عدد الجيش أنهم ألف وأربعمائة، وفي بعض الروايات ((ألف وخمسمائة)) وجمع أهل العلم بين ذلك بأن عدد المقاتلة المستحقين للسهم كانوا ألفاً وأربعمائة، ومعهم نحو مائة ممن لا يستحق سهماً من العبيد والنساء والصبيان؛ وجاء عن بشير بن يسار قال: ((شهدها مائة فرس وجعل للفرس سهمين)). وهذا محمول على خيل الأنصار، فأما مجموع الخيل فكانت مائتين . الثاني: حديث عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري عن نافع عن ابن عمر: ((أن رسول الله عَّه كان يسهم للفارس سهمين وللراجل سهماً)) أخرجه الدارقطني ثم قال: ((ورواه القعنبي عن العمري بالشك في الفارس والفرس ثنا أبو بكر ثنا محمد بن علي الوراق نا القعنبي عنه)) فقد شك العمري وهو مع ذلك كثير الخطأ حتى قال البخاري: ((ذاهب لا أروي عنه شيئاً)) ومن أثنى عليه فلصلاحه وصدقه، وأنه ليس بالساقط . الثالث: ما وقع في رواية بعضهم عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم وسيأتي ذلك في الكلام على حديثه . الرابع: قال ابن أبي شيبة في (المصنف): ((غندر عن شعبة عن أبي إسحاق عن هانىء عن علي قال: للفارس سهمان قال شعبة: وجدته مكتوباً عند (بياض))) وقال قبل ذلك: ((معاذ ثنا حبيب بن شهاب عن أبيه عن أبي موسى أنه أسهم للفارس سهمين والراجل سهما)). أما الأثر عن علي فقول شعبة: ((وجدته ... )) عبارة مشككة. وقد روى الشافعي كما في (سنن البيهقي) (ج٦ ص٣٢٧): ((عن شاذان (الأسود بن عامر) عن زهير عن أبي إسحاق قال: غزوت مع سعيد بن عثمان فأسهم لفرسي سهمين ولي ٨٢٨ سهما . قال أبو إسحاق: وكذلك حدثني هانىء بن هانىء عن علي، و کذلك حدثني حارثة بن مضرب عن عمر)) وفي (مصنف ابن أبي شيبة): ((وكيع ثنا سفيان وإسراءيل عن أبي إسحاق قال: شهدنا غزوة مع سعيد بن عثمان، ومعي هانىء بن هانىء ومعي فرسان ومع هانىء فرسان، فأسهم لي ولفرسي خمسة أسهم، وأسهم لهانىء ولفرسيه خمسة أسهم))؛ وهذا غير مخالف لرواية زهير لأنه إذا أسهم للفرسين أربعة أسهم ولصاحبهما سهما فقد أسهم للفرس سهمين، ولصاحبه سهما . وهذا بلا شك أثبت مما ذكره شعبة؛ ومع هذا فهانىء بن هانىء لم يرو عنه إلا أبو إسحاق وحده قال ابن المديني؛ ((مجهول)) وقال النسائي: ((ليس به بأس))؛ ومن عادة النسائي توثيق بعض المجاهيل كما شرحته في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد . وأما الأثر عن أبي موسى فسنده جيد وقد تأوله بعضهم بأن معناه للفارس من حيث هو ذو فرس وذلك لا ينافي أن يكون له سهم ثابت من حيث هو رجل وفي هذا تعسف؛ وقد ذكر ابن التركماني أن ابن جرير ذكر في (تهذيبه) أن هذا كان في واقعة (تستر)، فكأن هذا رأي لأبي موسى فيما إذا كانت الوقعة قتال حصن يضعف غناء الخيل فيه، وقد جاء عن جماعة من التابعين أنهم كانوا ينقصون سهام الخيل في قتال الحصون أو لا يسهمون لها شيئاً، ذكر ذلك ابن أبي شيبة وغيره، وذكر إنكار عمر بن عبد العزيز ذلك، وإنكار مكحول له واحتجاجه بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسهم في غنائم خيبر للفرس سهمين ولصاحبه سهما مع أن خيبر كانت حصناً؛ ولعل أبا موسى اعتذر عن هذا بأن مغانم خيبر قسمت على أصحاب الحديبية ولم تكن الحديبية حصناً. ولعل ابن جرير قد ذكر هذا المعنى في (التهذیب) فليراجعه من تيسر له ذلك . [ حديث عُبَيْد الله بن عمر بن حَفْص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب] عبيد الله هذا ثقة جليل أثبت من أخيه عبد الله بما لا يحصى بل جاء عن يحيى بن ٨٢٩ سعيد القطان والإمام أحمد وأحمد بن صالح أن عبيد الله أثبت أصحاب نافع، وفيهم مالك وغيره، وقد وقعت على جماعة ممن روى عنه هذا الحديث. الأول: الإمام المضروب به المثل في الحفظ والإتقان والفقه والزهد والعبادة والسنة أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري، قال الإمام أحمد في (المسند) (ج ٢ ص ١٥٢): ((ثنا عبد الرزاق أنا سفيان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي ◌َِّ جعل للفرس سهمين وللرجل سهما)) ورواه الدارقطني في (السنن) (ص ٤٦٧) من طريق عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان - بسنده - (١): ((أن رسول الله ◌َ ◌ّه أسهم للرجل ثلاثة أسهم، للرجل سهم وللفرس سهمان)). الثاني: الحافظ المقدم هُشيم بن بشير الواسطي رواه عنه الامام أحمد في (المسند) (ج ٢ ص ٢) وهو أول حديث في (مسند ابن عمر) ولفظه: ((أن رسول الله عَ لّه جعل يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهماً)). الثالث: أبو معاوية محمد بن خازم الضرير رواه عنه الامام أحمد في (المسند) (ج ٢ ص ٢) ولفظه: ((أن رسول الله عَ ليه أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهماً له، وسهمين لفرسه))، ورواه أبو داود في (السنن) عن أحمد، وقد رواه عن أبي معاوية أيضاً علي بن محمد بن أبي الشوارب عند ابن ماجه، والحسن بن محمد الزعفراني عند الدارقطني (ص ٤٦٧)، وسعدان بن نصر عند البيهقي (ج ٦ ص ٣٢٥). الرابع: إسحاق الأزرق عند الشافعي كما في (مسنده) بهامش ((الأم)) (ج٦ ص ٢٥٠): (( ... أن رسول الله ◌َّهِ ضرب للفرس بسهمين، وللفارس بسهم)). الخامس: سليم بن أخضر رواه مسلم في (صحيحه) عن يحيى بن يحيى وأبي كامل عنه: (( ... أن رسول الله عَّه قسم في النفل للفرس سهمين، وللرجل سهماً)) وقع (١) وقع في النسخة ((عن عبد الله)) والصواب ((عن عبيد الله)). ٨٣٠ عند بعض رواة الصحيح: ((للراجل)) وقد رواه عن سليم أيضاً عبد الرحمن بن مهدي (مسند أحمد) (ج٢ ص ٦٢)، وعفان (مسند أحمد) (ج ٢ ص ٧٢)، وأحمد بن عبدة وحميد بن مسعدة عند الترمذي وفي روايتهم جميعاً: ((للرجل)). السادس: أبو أسامة رواه عنه عبيد بن إسماعيل عند البخاري في (صحيحه) في ((كتاب الجهاد)): (( ... أن رسول الله عَّه جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهماً)) وكذلك رواه عن أبي أسامة محمد بن عثمان بن كرامة عند الدارقطني (ص ٤٦٧)، وأبو الأزهر عند البيهقي (ج ٦ ص٣٢٤)، ورواه ابن أبي شيبة في (المصنف) عن أبي أسامة وعبد الله بن نمير وسيأتي . السابع: عبد الله بن نمير رواه عنه الامام أحمد في (المسند) (ج ٢ ص ١٤٣): (( ... أن رسول الله عَظُلّ قسم للفرس سهمين وللرجل سهماً)) وكذلك رواه الدارقطني (ص ٤٦٧) من طريق أحمد، ورواه مسلم في (الصحيح) عن محمد بن عبد الله بن نُمير عن أبيه، وأحال على متن سليم بن أخضر قال: ((مثله ولم يذكر: في النفل)) ورواه الدارقطني أيضاً من طريق عبد الرحمن بن بشر بن الحكم عن عبد الله ابن نُمير. وفي (مصنف ابن أبي شيبة) باب ((في الفارس كم يقسم له؟ من قال: ثلاثة أسهم)). حدثنا أبو أسامة وعبد الله بن نُمير قالا: ثنا عبيد الله بن عمر ... أن رسول الله عَّه جعل للفرس سهمين وللرجل سهماً))، وذكره ابن حجر في (الفتح) عن (مصنف ابن أبي شيبة)، وذكر أن ابن أبي عاصم رواه في (( كتاب الجهاد)) له عن ابن أبي شيبة كذلك. وقال الدارقطني (ص ٤٦٩): ((حدثنا أبو بكر النيسابوري نا أحمد بن منصور (الرمادي) نا أبو بكر بن أبي شيبة نا أبو أسامة وابن نمير ... أن رسول الله عَ لّه جعل للفارس سهمين، وللراجل سهماً. قال الرمادي: كذا يقول ابن نمير. قال لنا النيسابوري: هذا عندي وهم من ابن أبي شيبة أو من الرمادي، لأن أحمد ابن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن نمير خلاف هذا، وقد تقدم ذكره عنهما، ورواه ابن كرامة وغيره عن أبي أسامة خلاف هذا أيضاً وقد تقدم)). ٨٣١ أقول: الوهم من الرمادي فقد تقدم عن (مصنف ابن أبي شيبة): (( للفرس، للرجل)) وكذلك نقله ابن حجر عن (المصنف) وكذلك رواه ابن أبي عاصم عن ابن أبي شيبة كما مر، ويؤكد ذلك أن ابن أبي شيبة صدر بهذا الحديث الباب الذي قال في عنوانه: ((من قال ثلاثة أسهم)) كما مر، ثم ذكر باباً آخر عنوانه: ((من قال: للفارس سهمان؟)» فذكر فيه حديث مجمع وأثري علي وأبي موسى فلو كان عنده أن لفظ ابن نمير كما زعم الرمادي أو لفظ أبي أسامة أو كليهما: ((للفارس. للراجل)) لوضع الحديث في الباب الثاني . فإن قيل: لعله تأول التأويل الذي تقدمت الإشارة إليه في الكلام على أثر أبي موسى . قلت: يمنع من ذلك أمور: الأول: بعد ذلك التأويل . الثاني: تصديره باب ((من قال: ثلاثة أسهم)) بهذا الحديث. الثالث: أن ذاك التأويل يحتمله أثرا علي وأبي موسى ولم يدرجهما في هذا الباب، بل جعلهما في باب ((من قال: للفارس سهمان)) . فإن قيل: فقد قال ابن التركماني في (الجوهر النقي): ((وفي (الأحكام) لعبد الحق: وقد روي عن ابن عمر أنه عليه السلام جعل للفارس سهمين والراجل سهماً . ذكره أبو بكر ابن أبي شيبة ونميره)) ونقل الزيلعي في (نصب الراية) (ج ٣ ص ٤١٧) حديث ابن أبي شيبة وفيه: ((للفارس. للراجل))، ثم قال: ((ومن طريق ابن أبي شيبة رواه الدارقطني في (سننه) وقال: قال أبو بكر النيسابوري ... )). أقول: أما عبد الحق فلا أراه إلا اعتمد على رواية الرمادي، وأما ابن التركماني فالمعتبة عليه فإنه ينقل كثيراً عن (مصنف ابن أبي شيبة) نفسه، بل نقل عنه بعد أسطر أثر علي، فما باله أعرض هنا عن النقل عنه، وتناوله من بعيد من (أحكام ٨٣٢ عبد الحق)؟! وأما الزيلعي فلا أراه إلا اعتمد على رواية الدارقطني عن النيسابوري عن الرمادي، فإما أن لا يكون راجع (المصنّف) لظنه موافقته لما رواه الرمادي، وإما أن يكون حمل الخطأ على النسخة التي وقف عليها من (المصنف) ولم يتنبه لتراجم الأبواب، وإما - وهو أبعد الاحتمالات - أن يكون وقع في نسخته في (المصنف) خطأ كما قاله الرمادي . والله المستعان . الثامن: زائدة بن قدامة عند البخاري في (صحيحه) في ((غزوة خيبر)) رواه البخاري عن الحسن بن اسحاق عن محمد بن سابق عن زائدة (( .... قسم رسول الله عَ ◌ّه يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهماً؛ فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم فإن لم يكن له فرس فله سهم)) وهذا التفسير يدل أن الصواب في المتن ((للرجل)) لكن وقع في نسخ (الصحيح) كما رأيت، وزائدة متقن لكن شيخ البخاري ليس بالمشهور، ومحمد بن سابق، قال ابن حجر في ترجمته من الفصل التاسع من (مقدمة الفتح): (( وثقه العجلي وقواه أحمد بن حنبل، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة وليس ممن يوصف بالضبط. وقال النسائي: لا بأس به، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. قلت: ليس له في البخاري سوى حديث واحد في ((الوصايا)) ... وقد تابعه عليه عبيد الله بن موسى)). كذا قال وفاته هذا الحديث، وعذر البخاري أنه رأى أن الوهم في هذا الحديث يسير يجبره التفسير. ومع ذلك فلم يذكره في ((باب سهمان الخيل)) وإنما ذكره في ((غزوة خيبر)) . التاسع: ابن المبارك رواه عنه علي بن الحسن بن شقيق كما في (فتح الباري)، ذكر رواية الرمادي عن نعيم عن ابن المبارك الآتية ولفظها (( ... عن النبي معد له أنه أسهم للفارس سهمين وللراجل سهماً، ثم قال: ((وقد رواه علي بن الحسن بن شقيق - وهو أثبت من نعيم - عن ابن المبارك بلفظ: أسهم للفرس)) ولم يذكر بقيته لأنه إنما اعتنى بلفظ الفارس والفرس وقد قال قبل ذلك: (( ... فيما رواه أحمد بن منصور الرمادي عن أبي بكر بن أبي شيبة ... بلفظ: أسهم للفارس سهمين ٨٣٣ قال الدارقطني ... )). فأما ما رواه الدارقطني (ص ٤٦٩) ((حدثنا أبو بكر النيسابوري نا أحمد بن منصور (الرمادي) نا نعيم بن حماد نا ابن المبارك .... عن النبي ◌َّ المِ أنه أسهم للفارس سهمين وللراجل سهماً. قال أحمد كذا لفظ نعيم عن - ابن المبارك، والناس يخالفونه. قال النيسابوري: ولعل الوهم من نعيم لأن ابن المبارك من أثبت الناس)). أقول: نعيم كثير الوهم، وكلام الحنفية فيه شديد جداً كما في ترجمته من قسم التراجم، ولكني أخشى أن يكون الوهم من الرمادي كما وهم على أبي بكر أبي شيبة. ولا أدري ما بليته في هذا الحديث مع أنهم وثقوه؛ وقال ابن التركماني: ((رواه ابن المبارك عن عبيد الله بإسناده فقال فيه: للفارس سهمين وللراجل سهماً ذكره صاحب (التمهيد))) ... أقول: وهذه معتبة أخرى على ابن التركماني، إذ لم يذكر أن صاحب (التمهيد) إنما رواه من طريق الرمادي عن نعيم! والله المستعان . العاشر: حماد بن سلمة. قال الدارقطني (ص ٤٦٨) ((حدثنا أبو بكر النيسابوري نا أحمد بن يوسف السلمي نا النضر بن محمد بن موسى اليمامي نا حماد بن سلمة ... أن رسول الله عَ لّم أسهم للفارس سهماً وللفرس سهمين؛ خالفه حجاج ابن المنهال عن حماد فقال: للفارس سهمين وللراجل سهماً)). أقول: جماد كثير الخطأ إنما ثبتوه فيما يرويه عن ثابت وحميد، وكلام الحنفية فيه شديد كما تراه في ترجمته من قسم التراجم، وأولى روايتيه بالصحة ما وافق فيه الثقات الأثبات . وفي الباب مما يدل على أن للفرس سهمين ولصاحبه سهماً . في (نصب الراية) (ج ٣ ص ٤١٦) عن الطبراني في (الأوسط): (( ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا هشام بن يونس عن أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع ٨٣٤ عن ابن عمر عن عمر أن النبي ◌َّ أسهم له يوم خيبر ثلاثة أسهم سهماً له، وسهمين لفرسه))، قال الطبراني: ((ورواه الناس عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ◌َ ◌ِّ. وهذا تفرد به هشام ابن يونس عن أبي معاوية)). أقول: وقد رواه جماعة عن أبي معاوية فلم يقولوا ((عن عمر)) وقالوا: ((أسهم للرجل)) نعم وقع في (سنن أبي داود) عن أحمد عن أبي معاوية ((أسهم لرجل)) وهذا كأنه يشد من رواية هشام، وهشام ثقة، ولا يبعد أن يكون الحديث عند عبيد الله عن نافع من الوجهين، ولكن الناس أعرضوا عن هذا لخصوصه بعمر، وعنوا بالآخر لعمومه . وروى سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عند النسائي، ومحاضر بن المورع عند الدارقطني (ص ٤٧١): ((عن هشام بن عروة عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن جده أنه كان يقول: ضرب رسول الله عَ ظِّمِ عام خيبر للزبير بن العوام أربعة أسهم سهماً للزبير وسهماً لذي القربى لصفية بنت عبد المطلب أم الزبير وسهمين للفرس)) سعيد ومحاضر من رجال مسلم وفي كل منهما مقال، واقتصر النسائي في ((باب سهمان الخيل)) على هذا الحديث، ولم يتعقبه بشيء، وذاك يشعر بأنه صحيح عنده لا يضره الخلاف. وقد رواه عيسى بن يونس عند ابن أبي شيبة، ومحمد بن بشر العبدي عند الدارقطني (ص ٤٧١)، وابن عيينة عند الشافعي كما في (مسنده) بهامش (الأم) (ج٦ ص ٢٥٠) ثلاثتهم عن هشام عن يحيى مرسلاً، ولفظ ابن عيينة ((أن الزبير بن العوام كان يضرب في المغنم بأربعة أسهم، سهم له، وسهمين لفرسه، وسهم في ذوي القربى)). وعند الدارقطني (ص ٤٧١) عن إسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة روايتان إحداهما عن ابيه عن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال: ((أعطاني رسول الله عَ لّه يوم بدر أربعة أسهم .... )) والأخرى: عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن الزبير .. )) بمعناه، وإسماعيل يخلط فيما يرويه من غير الشاميين. وفي (مسند أحمد) (ج١ ص١٦٦) (( ثنا عتاب ثنا عبد الله ثنا فليح بن محمد عن المنذر بن الزبير عن أبيه أن النبي ◌َّ لم أعطى الزبير ٨٣٥ سهماً وأمه سهماً وفرسه سهمين)) ذكره أحمد في ((مسند الزبير)) وليس من عادة أحمد في (المسند) إخراج المراسيل؛ وعتاب هو ابن زياد المروزي وثقه أبو حاتم وغيره ولم يغمزه أحد، وعبد الله هو ابن المبارك وقد تصحفت على بعضهم كلمة ((بن)) بين محمد والمنذر، فجرى البخاري في تاريخه ومن تبعه على ذلك كما في ترجمة فليح في (تعجيل المنفعة). ولم يذكر البخاري من رواه كذلك عن ابن المبارك، فالصواب إن شاء الله رواية أحمد. أما فليح فغير مشهور لكن رواية ابن المبارك عنه تقویه . وفي الباب من حديث أبي عمرة عند أحمد في (المسند) (ج ٤ ص ١٣٨)، وأبي داود في (السنن)، والدارقطني (ص٤٦٨)، وابن منده كما في ترجمة أبي عمرة (من الإصابة). ومن حديث ابن عباس والمقداد وأبي رهم وأبي كبشة وجابر وأبي هريرة، تراها عند الدارقطني غيره، كلها متفقة على أن للفرس سهمين ولصاحبه سهما . وفي (مصنف ابن أبي شيبة) مراسيل عن مجاهد وخالد بن معدان ومكحول وغيرهم وقد تقدم بعضها، كمرسل صالح بن كيسان ومرسل بشير بن يسار، وفي (المصنف): ((ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث بن سوار عن الحسن وابن سيرين قالا: كانوا إذا غزوا فأصابوا الغنائم قسموا للفارس من الغنيمة حين تقسم ثلاثة أسهم سهمين له، وسهماً لفرسه؛ وسهماً للراجل)) وفيه (( حدثنا جعفر بن عون عن سفيان عن سلمة بن كهيل: ثنا أصحابنا عن أصحاب محمد عَ لِ أنهم قالوا: للفرس سهمان وللرجل سهم)) وفيه حدثنا محاضر قال: ثنا مجالد عن عامر (الشعبي) قال: لما فتح سعد بن أبي وقاص (جلولا)(١)أصاب المسلمون ثلاثين ألف ألف مثقال فقسم (١) جَلُولاء: الظاهر انها كورة بين العراق وخراسان، وقال عنها ياقوت في معجمه: ((هو نهر عظيم يمتد إلى ( بعقوبًا) ويجري بين منازل أهل (بعقوبا) ويحمل السفن إلى (باجسرا)، وبها كانت الوقعة المشهورة على الفرس للمسلمين سنة ١٦ هـ (٦٣٧ م) . = ٨٣٦ للفارس ثلاثة آلاف، وللراجل ألف مثقال)) وفيه ((حدثنا وكيع قال: ثنا سفيان عن هشام عن الحسين قال: لا يسهم لأكثر من فرسين فإن كان مع الرجل فرسان أسهم له خمسة أسهم أربعة لفرسيه وسهم له)) وفي (نصب الراية) (ج٣ ص٤١٩): ((قال سعيد بن منصور ثنا فرج بن فضالة ثنا محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري أن عمر بن الخطاب كتب الى أبي عبيدة بن الجراح أن أسهم للفرس سهمين وللفرسين أربعة أسهم ولصاحبها سهماً فذلك خمسة أسهم وما كان فوق الفرسین فهو جنائب)»(١) . وفي (سنن الدارقطني) (ص ٤٧٠) عن خالد الحذاء (وقد رأى أنساً) قال: ((لا يختلف فيه عن النبي ◌َ ◌ّم قال: للفارس ثلاثة وللراجل سهم))؛ وذكر الأستاذ (ص ٨٧) عن كتاب (اختلاف الفقهاء) لابن جرير عن مالك قال: ((إني لم أزل أسمع أن للفرس سهمين وللرجل سهماً)). = وقيل إنها سميت ( جلولاء) من كثرة القتلى الذين جللوا يومها، وهو رواية عن سيف بن عمر، وهو كذاب. وأقول ان النهر الذي يمر (ببعقوبا) يسمى الآن نهر (ديالة). وممن اشتهر يوم (جلولاء) القعقاع بن عمرو وقال فيها ومهران، إذ عزّت عليه المذاهبُ ونحن قتلنا في جلولا أثابراً. ويومَ جلولاء الوقيعة أَفْنيتْ بنو فارس، لَا حوَتها الكتائبُ ويلاحظ انه مدها مرة وقصرها اخرى - زهير. (١) الجنائب هي الابل والخيل التي ترافق الفارس لحمل اثقاله أو الاستعانة بها عند اصابة فرسه أو ناقته، وعادة تسير على جانب الراكب من اليمين أو اليسار. ٨٣٧ المسْألَة الثانية عَشَرَة أما على القاتل بالمثقل قصاص ؟ في (تاريخ بغداد) (٣٣٢/١٣) عن إبراهيم الحربي قال: ((كان أبو حنيفة طلب النحو .. فتركه ووقع في الفقه فكان يقيس ولم يكن له علم بالنحو فسأله رجل بمكة فقال له: رجل شجّ رجلاً بحجر؟ فقال: هذا خطأ ليس عليه شيء لو أنه حتى يرميه بأبا قبيس لم يكن عليه شيء)). قال الأستاذ (ص ٢٣): ((وأدلة أبي حنيفة في حكم القتل بالمثقل مبسوطة في كتب المذهب ... وقد صحت أحاديث وآثار عند النسائي وابي داود وابن ماجه وابن حبان وأحمد وابن راهويه وابن أبي شيبة وغيرهم يؤيد ظاهرها هذا المذهب، وقد أعلّ أبو حنيفة حديث الرضخ كما سيأتي)) وعلق على قوله: ((وقد صحت أحاديث ... )) قوله: منها حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ◌َّ ◌ُله: ألا إن دية الخطأ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل؛ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان بسند صحيح؛ ومنها حديث ابن عباس عن النبي عَّ المِ: شبه العمد قتيل الحجر والعصا فيه الدية مغلظة؛ أخرجه ابن راهويه؛ ومنها حديث ابن عباس في دية القاتلة بمسطح - وهو عود من أعواد الخباء - أخرجه عبد الرزاق؛ الى غير ذلك من الأحاديث)). أقول: في هذه القضية آيات من كتاب الله عز وجل أعرض عنها الأستاذ !. الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وما كان لمُؤْمِنِ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إلا خَطَأْ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَّ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ﴾ الى قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُل ٨٣٨ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤه جَهَنَّم﴾ (١) الآية. من المعلوم في العربية ان عمد القتل وتعمده هو قصده، وأن وقوعه خطأ هو أن يقع بلا قصد. ولا ريب أنه إذا كان هناك قتل يوصف بأنه خطأ شبيه بالعمد فإنما هو أن يتعمد سبب القتل كالضرب مثلاً ولا يقصد القتل، وإنما يقصد الإيلام بلا قتل، فهذا القتل خطأ لأنه لم يقصد ولكنه شبيه بالعمد من جهة أن سببه متعمد. ولا يشك عاقل أن من عمد الى طفل أو أو ضعيف فوضع رأسه على صخرة وجاء بأخرى فضرب بها رأسه حتى فضخه، أو وضع حبلاً في عنقه ثم شد طرفه بشجرة ثم جذب طرفه الآخر جذباً شديداً بطيئاً حتى مات، أو غمسه في ماء كثير وحبسه فيه مدة طويلة حتى مات، أو أخذ هراوة فضربه بها ضرباً شديداً رأسه وعنقه وصدره وظهره حتى مات فقد قتله عمداً؛ وأن من زعم أن القتل في هذه الصور وما في معناها ليس عمداً وإنما هو خطأ شبه العمد فقد خرج عن لغة العرب . الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصاصُ في الْقَتْلِ﴾ الآية - البقرة: ١٧٨. نصت الآية على وجوب القصاص في كل قتيل يتأتى فيه، والقصاص يدل على المماثلة، والمقصود المماثلة في المعاني التي يعقل لها دخل في الحكم، فلا تتناول القتيل بحق لأن قتل قاتله يكون بغير حق، ولا القتيل خطأ محضاً لأن قتل قاتله إنما يكون عمداً، ولا القتيل الذي دلت شواهد الحال على أنه قصد إيلامه لا قتله كالمضروب ضربات يسيرة بسوط أو عصا خفيفة لأن قتل قاتله يكون مقصوداً . وتتناول الآية القتلى في الصور المتقدمة سابقاً وهي فضخ الرأس وما معه ونحوها إذا كان بغير حق، لأنه قصد فيها سبب القتل وقصد فيها القتل، وقتل القاتل يقتضي مثل ذلك بدون زيادة فهو قصاص، فالآية تنص على وجوب القصاص في تلك الصور ونحوها حتماً . (١) سورة النساء (٩٢ - ٩٣). ٨٣٩ الآية الثالثة: قوله عز وجلا ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلُطْاناً فلا يُسْرف في الْقَتْلِ إِنَّه كانَ مَنْصُوراً﴾ (الإسراء - ٣٣)، والإِسراف هو تعدي المماثلة التي تقدم بيانها، أو قل: تعدي القصاص، فمن قُتل بحق فلم يقتل مظلوماً، ولا يكون قتل قاتله إلا إسرافاً، وبقية الكلام كما في الآية السابقة، وقتل القاتل في تلك الصور التي منها فضخ الرأس وما معه وما في معناها لا يتعدى المماثلة المعتبرة فلا إِسراف فيه فقد جعل الله تعالى للولي سلطاناً عليه، وذلك شرع القصاص. الآية الرابعة: قوله سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حياةٌ يا أَولى الأَلَبَابِ لَعَلَّكم تَقَّقُون﴾ (البقرة - ١٧٩). ولا ريب أنه إذا لم يكن في القتل بالمثقل قصاص لم يتقه الناس، فيتحرون القتل بالمثقل عدواناً وانتقاماً فيفوت المقصود من شرع القصاص. الآية الخامسة قوله تعالى: ﴿وإن عاقَبْتُم فعاقِبُوا بِمِثْل ما عُوقِيْتُم به﴾ (النحل - ١٢٦). الآية السادسة: قوله سبحانه ﴿وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغيَ عَلَيْه لِيَنْصَرَنَهُ الله﴾ (الحج - ٦٠). الآية السابعة: قوله تعالى ﴿فَمَنِ اعْتَدِى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْل ما اعْتَدي عَلَيْكُم واتَّقُوا الله﴾ (البقرة - ١٩٤). الآية الثامنة: قوله تبارك وتعالى ﴿وجزاءُ سَيّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ (الشورى - ٤٠). وأما الأحاديث التي ذكرها الأستاذ فحديث ((ألا إن دية الخطأ شبه العمد ... )) مختلف في إسناده، فقيل عن القاسم بن ربيعة مرسلاً، وقيل عنه عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً، وقيل عنه عن عقبة بن أوس مرسلاً، وقيل عنه عن عقبة عن رجل من الصحابة، وقيل غير ذلك، وقد ساق النسائي أكثر تلك الوجوه، وذلك الاختلاف والاضطراب قد يتسامح فيه إذا لم يكن المتن منكراً، ومن قواه من المحدثين لا ٨٤٠