النص المفهرس

صفحات 801-820

ذلك أن من فروع تلك القاعدة: صاع تمر ودرهم نقد بخمسة آصع من تمر نقداً،
يعتل الحنفية في إجازة ذلك بأنه في معنى بيعتين جائزتين صاع بصاع نقداً وأربعة
آصع بدرهم نقداً فيقال لهم: فكذلك صاع تمر ودرهم نقداً بخمسة آصع أحدها
نقد والباقي نسيئة، إذ يمكن أن يقال هو في معنى بيعتين جائزتين صاع بصاع نقداً
وأربعة آصع نسيئة بدرهم نقداً؛ فإن التزموا ذلك جاء ربا النسيئة، وإن قالوا لا
نجيزه إذ قد يقصدان الربا كأن يكون عند رجل تمر جيد وعن آخر صاع تمر رديء
لا يسد حاجته فيحتالان بتلك البيعة قاصدين صاعاً بدرهم نقداً وصاعاً نقداً بأربعة
آصع نسيئة؛ قلنا فكذلك النقد قد يقصدان صاعاً بدرهم نقداً وصاعاً بأربعة آصع
نقداً، فالأستاذ تبرأ من ربا فوقع في ربا . والحاصل أن هناك معنیین أحدهما ربا
قصداه وقام الدليل على قصدهما إياه، والآخر جائز حاولا أن يوهماه، أفلا يعاب
من أعرض عن الأول وبنى الحكم على الثاني؟ نعم إذا لم يعلم قصدهما واحتمل قريباً
أنهما إنما قصدا المعنى الجائز فقد يسوغ للعالم إذا لم يراع سد الذريعة أن يصحح
العقد إحساناً للظن بالمسلمين، ويكره لهم هذه المعاملة مطلقاً لأنها متهمة وذريعة إلى
الربا، وربما يمكن الحنفية تنزيل قول أبي حنيفة على هذا، وبذلك يدفعون المعرة
عن إمامهم وأنفسهم؛ والله الموفق .
٨٠١

المسْألَةِ السَابعَة
خيار المجلس
في (تاريخ بغداد) (٣٨٧/١٣) عن بشر بن المفضل قال: «قلت لأبي حنيفة:
نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا .
قال: هذا رجز)). قال الأستاذ (ص ٧٨): ((إذا حمل - يعني الحديث - على خيار
المجلس يكون مخالفاً لنص كتاب الله الذي يبيح التصرف لكل من المتعاقدين فيما
يخصه بمجرد تحقق ما يدل على التراضي قال الله تعالى: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا لا
تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنكُم بِالبَاطل إلاّ أَنَ تَكُونَ تجارةً عَنْ تراضٍ﴾(١) .
أقول: في (روح المعاني) (ج ٢ ص ٧٧): (( والمعنى: لا يأكل بعضهم أموال
بعض، والمراد بالباطل ما يخالف الشرع كالربا والقمار والبخس والظلم، قاله السُّدِّي
وهو المروي عن الباقر رضي الله عنه؛ وعن الحسن: هو ما كان بغير استحقاق من
طريق الأعواض. وأخرج عنه وعن عكرمة ابن جرير أنهما قالا: كان الرجل
يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بهذه الآية، فنسخ ذلك بالآية التي في سورة
النور ﴿وَلا على أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنَ بُيُوتِكُمْ﴾ (٢) الآية، والقول الأول أقوى
لأن ما أكل على وجه مكارم الأخلاق لا يكون أكلاً بالباطل، وقد أخرج ابن أبي
حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود أنه قال في الآية: إنها محكمة ما نسخت
(١) النساء (٢٩).
(٢) النور (٦١).
٨٠٢

ولا تنسخ إلى يوم القيامة )).
أقول: المعنى الأول مبني على أن الباء في قوله ((بالباطل)) للسببية، وأن الباطل
ما لا يعتد به الشرع سبباً للحل؛ والمعنى الثاني مبني على أن الباء للمقابلة وأن الباطل
ما لا تحقق له ونسبة المعنى الأول إلي السُّدِي لا أرها تصح، وإنما قال السدي كما
في (تفسير ابن جرير) (ج ٥ ص١٩) ((بالباطل: بالربا والقمار والبخس والظلم .
إلا أن تكون تجارة: ليربح في الدرهم ألفاً إن استطاع)) فأول عبارته يصلح
للمعنيين، وبيان صلاحيتها للثاني في القمار والبخس والظلم ظاهر، فأما الربا فإن من
أقرض مائة ليقضي مائة وعشرة يأكل العشرة بما لا تحقق له فإن غايته أن يقول: لو
لم أقرض المائة لعلي كنت أنجزت فيها فربحت، ولعل المستقرض أتجر فيها فربح.
فيقال له هذا لا تحقق له ولعلك لو لم تقرضها لسرقت منك، ولعلك لو أنجزت
فيها لخسرت مع ما يلحقك من التعب والعناء، ولعل المستقرض لم يتجر فيها، ولعله
أتجر فخسر أو ذهب منه رأس المال، فإن ربح فبتعبه؛ ولتمام هذا موضع آخر،
وإنما المقصود هنا أن ذكر السدي للربا لا يحتم أنه قائل بالمعنى الأول، وآخر عبارة
السدي ظاهر في المعنى الثاني وأنه رأى أن الغبن في البيع من الأخذ بالباطل المراد
في الآية ولكنه مستثنى استثناء متصلاً على ما هو الأصل في الاستثناء، ولنفرض
مثالاً يبين ذلك: ثوبان قيمة كل منهما بحسب الزمان والمكان عشرة، فقد يجهل
البائع ذلك ويظن قيمة كل منهما خمسة فقط فيبيعهما بعشرة، وقد يجهل المشتري
فيظن قيمة كل منهما عشرين فيشتريهما بأربعين فمن أخذهما بقيمة أحدهما فقد أخذ
أحدهما أو نصفيهما بما لا تحقق له، ومن باعهما بمثلي قيمتهما فقد أخذ نصف الثمن
بما لا تحقق له، هذا باعتبار قيمة الزمان والمكان، وهو المتعارف بين الناس، فإن
من باع أو اشترى بقيمة الزمان والمكان لا يعده الناس غابناً أو مغبوناً البتة، لكنك
إذا تعمقت قد تقول: إنما القيمة الحقيقية مقدار ما غرمه البائع على السلعة، أو
مقدار ما ينقصه فقدها، فيقال لك: هذا بالنظر إلى البائع، فأما بالنظر إلى المشتري
فقيمتهما مقدار ما تنفعه، وقد يتعارضان، كمن عنده ماء كثير فباع منه شربة
٨٠٣

المضطر، ويبقى النظر في الثمن ويخفى الأمر ويضطرب وتضيق المعاملة جداً؛ لا
جرم عدل الشرع إلى اعتبار قيمة الزمان والمكان في ضمان المتلفات وغير ذلك ما
عدا التجارة، ولما كان الاعتداد بذلك في التجارة يسد باب الربح فيرغب الناس عن
التجارة فتضيع المصالح عدل الشارع إلى اعتبار ما تراضى به المتبايعان، فما تراضيا
به فو القيمة التي يعتد بها الشرع في التجارة، لكن هذا لا يمنع أن يسمى الغبن أكلاً
بالباطل بالنظر إلى التحقق، وليس من لازم الباطل بهذا المعنى أن يكون محرماً في
الشرع، وفي الحديث: ((كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه
وملاعبته امرأته فإنهن من الحق)) (١) ومعلوم أن فيما يلهو به الرجل غير هذه الثلاث
ما هو مباح إجماعاً .
فأما ما أكل على وجه مكارم الأخلاق فإنه إذا عمل فيه بالمشروع لم يكن على
كلا المعنيين من الأكل بالباطل، وذلك أن الباذل قد يقصد مكافأة المبذول له على
إحسان سابق، وقد يرجو عوضاً مستقبلاً، إما مالاً وإما منفعة، وأقل ذلك الثناء،
والأكل في مقابل إحسان سابق أكل بأمر متحقق، والمشروع للمبذول له على رجاء
مستقبل أن يقبل عازماً على المكافأة فيكون بمنزلة من يقترض عازماً على أن يقضي،
وإنما كان بعض الصحابة أولاً يتورعون عن الأكل في بيوت أقاربهم وأصدقائهم
خشية أن لا يتيسر لهم المكافأة المرضية. فبين الله تعالى لهم في آية النور أنه لا حرج
في الأكل، يريد والله أعلم ما دام جارياً على المعروف، والمعروف أن الناس يكرم
بعضهم بعضاً ويكافيء بعضهم بعضاً بالمعروف، فمن أكل عازماً على المكافأة بحسب
ما هو معروف بين أهل المروءات فلم يأكل بما لا تحقق له، نعم لو فرضنا أن رجلاً
غنياً لئياً اعتاد أن يتردد على بيوت أقاربه وأصدقائه ليأكل عندهم غير عازم على
المكافأة المعروفة كان هذا والله أعلم داخلاً في الباطل على كلا المعنيين.
وإذا تدبرت علمت أنه على المعنى الثاني ليس هناك نسخ، وإنما هو بيان لدفع
ما توهمه أولئك المتحرجون، وقد عرف عن السلف أنهم ربما يطلقون النسخ على
(١) حديث صحيح، خرجته في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) رقم (٣١٥). ن.
٨٠٤

مطلق البيان، فهذا - والله أعلم - من ذاك؛ وبهذا كله اندفع ما رجح به المعنى الأول
وترجح المعنى الثاني فيكون الاستثناء متصلاً كما هو الأصل. والله أعلم .
وقوله تعالى: ﴿عن تراضٍ﴾، نص في اشتراط رضا كلٍ من المتبايعين،
والرضا معنى خفي، وسنة الشارع في مثله أن يضبطه بأمر ظاهر منضبط يشتمل على
المعنى الذي عليه مدار الحكمة كالرضا ههنا، فيكون مدار الحكم على ذاك الضابط
فما هو الضابط ههنا ؟
بنى الأستاذ على أنه الصيغة أي الايجاب والقبول كما في النكاح. وذلك مدفوع
بوجهين :
الأول: أن الصيغة قد علمت بقوله: ((تجارة)).
الثاني: أنها ليست بواضحة الدلالة على الرضا إذ قد تكون عن هزل أو سبق
لسان أو استعجال قبل تمكن الرضا من النفس، ويكثر وقوعه ويتكرر، ويكثر
التغابن لكثرة الجهل بقيمة المثل بخلاف النكاح فإنه قد لا يقع في العمر إلا مرة،
ويحتاط الناس له ما لا يحتاطون للبيع، والشارع يتشوف إلى تثبيت النكاح ما لا
يتشوف إلى تثبيت البيع، جاء في الحديث: ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق)) (١)
وجاء فيه: ((من أقال نادماً بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة))، ومبنى البيع على
المشاحة ومبنى النكاح على المكارمة، وأوضح من هذا كله أن في الحديث: ((ثلاث
جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة)) (٢) ففرق بين هذه الثلاث وبين
غيرها كالبيع، على أن تعيين الضابط إنما هو للشارع، فإذا لم يظهر من الكتاب
وجب الرجوع إلى السنة، فنجدها قد ضبطت التراضي بحصول أحد أمرين بعد
الايجاب والقبول، إما اختيار اللزوم، وإما أن يستمرا على ظاهر حالهما من التراضي
مدة اجتماعهما ويتفرقا على ذلك، ولا يخفى على المتدبر أن هذا بغاية المطابقة
(١) في إسناده مقال ذكرته في ((الارواء)). والحديث الذي بعده صحيح مخرج هناك. ن.
(٢) حديث حسن بمجموع طرقه، وقد خرجتها في المصدر السابق. ن.
٨٠٥

للحكمة، أما اختيار اللزوم فواضح أنه بيَّن في استحكام التراضي، وأما
الاستمرار على ظاهر الحال من التراضي والتفرق على ذلك فلأن الغالب أنه إذا كان
هناك هزل أو سبق لسان أو استعجال أن يتداركه صاحبه قبل التفرق ولا سيما إذا
علم أن التفرق يقطع الخيار، فبان بهذا أن الحديث مفسر للآية التفسير الواضح
المطابق للحكمة، لا مخالف لها كما زعم الكوثري، وراجع (تفسير ابن جرير)؛
ويؤكد هذا المعنى ما في (سنن أبي داود) وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب عن
أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: ((المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا، إلا
أن تكون صفقة خيار ، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله)).
والمراد والله أعلم أنه لا يحل لأحدهما أن يستغفل صاحبه فيفارقه وهو لا يشعر
إذ قد لا يكون استحكم رضاه وكان يريد الفسخ إلا أنه أمهل اعتماداً على أن ذلك
لا يفوت، حتى لو رآه يريد المفارقة لبادر بالفسخ، فأما ما جاء عن ابن عمر أنه
كان إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق صاحبه، فمحمول على مبادرته بالمفارقة وصاحبه
يراه، أو لا يكون وقف على هذه الزيادة، وقوله: (( حتى يستقيله))، لا يدل على
لزوم العقد، فإن الاستقالة بعد لزوم العقد لا تمنع فيها المفارقة. إذ قد يستقيله بعد
أن يفارقه ويمضي زمان، وإنما المراد والله أعلم أن صاحبه قد يندم في المجلس فلا
يبادر إلى الفسخ ويرى من حسن الأدب والعشرة أن يقول له: ((أقلني)) ليكون
الفسخ برضاهما فإنه أطيب للنفوس .
قال الكوثري: ((على أن الحديث إذا حمل على خيار الرجوع بمعنى أن البائع
والمشتري إذا أوجب فله حق الرجوع قبل قبول الآخر في المجلس فيزول خيار
الرجوع من الموجب بائعا كان أو مشترياً بقبول الآخر قبل انقطاع المجلس، فهذا
المعنى يكون غير مخالف لكتاب الله تعالى )).
أقول: قد علمت أن الحديث بالمعنى الواضح من إثبات خيار المجلس لكل من
المتبايعين بعد تبايعهما غير مخالف لكتاب الله تعالى، وأما هذا المعنى الذي ذكره
الكوثري فالحديث غير محتمل له كما يأتي، ولو احتمله وحمل عليه لبقي ما في
٨٠٦

القرآن في معنى المجمل لأن قول أحدهما ((بعت)) وقول الآخر فوراً: ((اشتريت))
لا يتضح به التراضي المشروط في القرآن لاحتمال الهزل وسبق اللسان والاستعجال
كما مر.
ثم حاول الأستاذ تقريب احتمال الحديث للمعنى الذي زعمه فقال: ((وعلى هذا
التقدير يكون لفظ ((المتبايعين)) حقيقة، إذ هذا اللفظ محمول على حالة العقد في
تقديرنا، وحمله على ما بعد صدور كلمتي المتعاقدين يجعله مجازاً كونياً، وفائدة
الحديث أن خيار الرجوع ثابت لهما ما دام أحدهما أوجب ولم يقبل الآخر في
المجلس لا كالخلع على مال والعتق على مال، لأنه ليس للزوج ولا المولى الرجوع
فيهما قبل قبول المرأة والعبد)) .
أقول: الملجيء إلى الفرار إلى هذا القول أن تأويل قدماء الحنفية ((المتبايعان))
بالمتساومين والتفرق بالايجاب والقبول أبطل بوجوه، منها أنه اخراج للَّفظ عن
حقيقته بلا حجة، ومنها أن الحديث يبقى بلا فائدة إذ لا يجهل أحد أن التساوم لا
يلزم به شيء، وستعلم أن هذا الفار كالمستجير من الرمضاء بالنار.
قوله: ((يجعله مجازاً كونياً)) تفسيره أن من الأصول المقررة أن المشتق يصدق على
الموصوف حقيقة حين وجود المعنى المشتق منه، فإن لم يمكن فآخر جزء منه، فأما
قبل حصوله فمجاز كوني أي باعتبار ما سيكون، واختلف فيما بعد زواله فقيل
حقيقة، وقيل مجاز كوني أي باعتبار ما كان. فأقول هذا الأصل يقضي بأنه لا
يصدق حقيقة على الإنسان لفظ ((بائع)) إلا حين وجود البيع حقيقة، وإنما يكون
ذلك عند آخر حرف من الصيغة المتأخرة، والحديث يثبت أن لكل منهما حينئذ
الخيار ويستمر إلى أن يتفرقا، وهذا قولنا، وأوضح من ذلك أن الذي في الحديث
((المتبايعان))، والتفاعل إنما يوجد عند وجود فعل الثاني، ألا تراك إذا ضربت
رجلاً أنه لا يصدق عليكما ((متضاربان)) ولا عليك أنك أحد المتضاربين، وإنما
يصدق ذلك إذا عقب ذلك ضربه لك فحينما تصيبك ضربته يوجد التضارب حقيقة
فيصدق عليكما أنكما متضاربان وأنك أحد المتضاربين؛ فإن قلت: کیف وقد زال
٨٠٧

فعلي؟ قلت: الزائل هو ضربك والفعل المشتق منه هنا هو التضارب وهو فعل
واحد ضربك جزء منه والجزء لا يشترط بقاؤه ولا يضر زواله، ألا ترى أنه يصدق
حقيقة على من يتكلم أنه ((متكلم)) عند آخر حرف من كلامه مع أن أكثر الحروف
قد زالت؟ فإنما يصدق حقيقة على المتبايعين أنهما ((متبايعان)) عند آخر حرف من
صيغة المتأخر منهما وحينئذ يثبت لهما بحكم الحديث الخيار مستمراً إلى أن يتفرقا،
وهذا قولنا .
ووجه ثالث وهو أن الحديث كما في (الموطأ) و (الصحیحین) یثبت أن ((لکل
واحد منهما الخيار حتی یتفرقا)» فهو ثابت للمتأخر قطعاً یثبت له عند آخر حرف
من صيغته مستمراً إلى أن يتفرقا، ولا قائل بأنه يثبت للمتأخر دون المتقدم فثبت
لكل واحد منهما عند آخر حرف من صيغة الثاني مستمراً إلى أن يتفرقا، وهو
قولنا. ولو قال المحتسب للعون وهو يرى رجلاً يضرب آخر: أمسك الضارب
حتى تحضره عند الحاكم لكانت كلمة ((الضارب)) حقيقة والحكم بالإمساك مستمراً
إلى غايته، وإن كان الضرب ينقطع قبلها، وهكذا في السارق والزاني وغير ذلك،
فقد اتضح أن قولنا مبني على الحقيقة، وضل سعي الأستاذ في زعم أنه يكون
مجازاً، فأما القول الذي اختاره فلا يحتمله الحديث حقيقة ولا مجازاً؛ فأما قوله:
((وفائدة الحديث ... )) فمبني على القول الذي قد فرغنا منه، ومع ذلك فالحديث
أثبت الخيار لكل واحدٍ من المتبايعين، وصيغة الموجب للبيع لا تتضمن ما لا يحتاج
إلى قبول بخلاف موجب الخلع أو العتق على مال فإن إيجابه يتضمن الطلاق أو
العتق، فإيجابه في معنى تعليق الطلاق أو العتق ولا رجوع في ذلك، فثبت أنه لا
يتوهم في الباديء بالصيغة من المتساومين أنه لا رجوع له، فحمل الحديث على هذا
المعنى الذي اختاره الأستاذ مثل حمله على المتساومين في أنه لا تكون له فائدة.
هذا ولم يظفر الأستاذ بعد الجهد بشبهة ما تجرئه على زعم أن كلمة ((يتفرقا)) في
الحديث إن حملت على قولنا كانت مجازاً، وإن حملت على قولهم كانت حقيقة،
فعدل إلى قوله: (( والتفرق بالأقوال شائع في الكتاب والسنة نحو قوله تعالى:
٨٠٨

﴿وَاعْتصِمُوا بحَبلِ اللهِ جَميعاً ولا تَفَرَّقُوا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ أَّذين
أُوتُوا الكِتابَ(٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَتَفَرَّقا يُغْنِ (٣) اللهُ كُلاّ مِنَ سَعَتِهِ﴾ (٤)
وفي الحديث (افترقت اليهود - الحديث)(٥) بل التفرق بالأبدان من شأنه إفساد
العقود في الشرع لا إتمامها كعقد الصرف قبل القبض، وعقد السلم قبل القبض
لرأس المال، والدين بالدين قبل تعيين أحدهما وفي حمل الحديث على التفرق
بالأبدان خروج عن الأصول، ومخالفة لكتاب الله تعالى، وأما حمله على التفرق
بالأقوال فليس فيه خروج عن الأصول ولا مخالفة لكتاب الله تعالى مع كونه أشهر
في الكتاب والسنة )).
(١) آل عمران (١٠٣).
(٢) البينة: (٤).
(٣) وقع في (التأنيب)(ص ٧٩)((إن تفرقا يغني)) واقتصر في صلاح الأغلاط (ص ١٩٠)
على إصلاح ((یغن))!
(٤) النساء (١٣٠).
(٥) قلت: وتمامه ((على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة،
وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)). هذا هو تمام الحديث اختصره الكوثري عمداً
ظناً منه أن في آخره: ((كلها في النار))، وهو يذهب إلى أنها ضعيفة بدعوى أنها من
رواية محمد بن عمرو ولا يحتج به عنده! والحقيقة أن الحديث المذكور وهو من حديث
أبي هريرة - هو من رواية ابن عمرو المذكور، وهو مع كونه حسن الحديث عند
المحققين، فليس في حديثه هذا الزيادة المذكورة خلافاً لدعوى الكوثري، ولكن
الزيادة صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق خرجتها في ((الأحاديث
الصحيحة)) رقم (٢٠٣)، ومن عجيب هوى الكوثري أنه في الوقت الذي يذهب إلى
تضعيف هذه الزيادة يميل إلى تقوية الحديث بزيادة ((كلها في الجنة إلا واحدة))، وهي
باطلة كما حققته في ((الأحاديث الضعيفة)) (١٠٣٥)، وكلام الكوثري فيما ذكرنا
تراه في مقدمته على ((التبصير في الدين)) لأبي المظفر الأسفرایني ص ٥ - ٩، وردنا
عليه في المصدرين السابقين . ن.
٨٠٩

أقول: التفرق فك الاجتماع، وهو حقيقة في التفرق بالأبدان بلا شبهة، وكثيراً
ما يأتي الإجتماع والتفرق مجازاً في الأمور المعنوية بحسب ما تدل عليه القرائن، ومن
ذلك الشواهد التي ساقها الأستاذ، ومجيء الكلمة في موضع أو ألف موضع أو أكثر
مجازاً بقرينته لا يسوغ حملها على المجاز حيث لا قرينة، وهذه كلمة ((أسد)) كثر
جداً استعمالها في الرجل الشجاع مع القرينة حتى لقد يكون ذاك أكثر من استعمالها
في معناها الحقيقي، ومع ذلك لا يقول عاقل أنه يسوغ حملها على المجاز حيث لا
قرينة،، وهذا أصل قطعي ينبغي استحضاره فقد كثر تغافل المتأولين عنه تلبيساً على
الناس، نعم إذا ثبت أن الشارع نقل الكلمة إلى معنى آخر صارت حقيقة شرعية في
المعنى الذي نقلت إليه، وهذا منتف هنا، إذ لا يدعي أحد أن الشارع نقل كلمة
((التفرق)) إلى معنى غير معناها اللغوي؛ وأما كثرة مجيئها في القرآن في الأمور
المعنوية فإنما ذلك لأن تلك الأمور مهمة في نظر الشارع فكثر ذكرها دون افتراق
الأبدان، ولها في ذلك أسوة بكلمات كثيرة كالرقبة والكظم والزيغ والحيف واللين
والغلظ وغير ذلك، ولا اختصاص للشواهد التي ذكرها الأستاذ بالقول بل كلها في
تفرق معنوي قد يقع بالقول وقد يقع بغيره، فالتفرق عن الاعتصام بحبل الله
يحصل بأن يكفر بعض، ويبتدع ويجاهر بالعصيان بعض، وكل من الكفر والابتداع
والعصيان قد يقع بالاعتقاد، وبالفعل، وبالقول، وتفرق أهل الكتاب بعد مجيء
الرسول هو بإيمان بعضهم، واشتداد كفر بعضهم، ولا اختصاص لذلك بالقول،
وتفرق الزوجين قد يكون بالفعل كإرضاعها ضرَّة لها صغيرة، وبالقول من جانب
وبالقول من الجانبين، وبينة الزوج القاطعة على قول مالك، وافتراق اليهود
باختلاف اعتقاداتهم وما يبنى عليها من الأفعال والأقوال.
ومع هذا فالتفرق في هذه الأمثلة إنما هو عن اجتماع سابق، وتعاقد المتساومين
أجدر بأن يسمى اجتماعاً بعد تفرق كما لا يخفى؛ لكنني أُرفد الأستاذ فأقول: إن
المتساومين يجتمعان بأبدانهما وتحملهما الرغبة في البيع على أن يبقيا مجتمعين ساعة، ثم
إذا تعاقدا زال سبب الاجتماع فيتفرقان بأبدانهما، فالتعاقد كأنه سبب للتفرق فقد
٨١٠

يسوغ إطلاق التفرق على التعاقد لذلك، لكن قد يقال: ليس التعاقد سبباً مباشراً،
ومثله في ذلك عدم الاتفاق على الثمن فإنهما إذا يئسا من الاتفاق زال سبب
الاجتماع، ثم إن ساغ ذاك الاطلاق فمجاز ضعيف لا دليل عليه ولا ملجيء إليه،
بل الحديث نص صريح في قولنا، ففي (الصحيحين) من حديث الإمام الليث بن
سعد عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً (( إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما
لم يتفرقا وكانا جميعاً ... وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد
وجب البيع)) .
قوله: ((بل التفرق بالأبدان من شأنه افساد العقود .... )).
أقول: فساد العقد في هذه المسائل ليس للتفرق من حيث هو تفرق بل من
جهة أخرى حصلت بالتفرق وهي صيرورته ربا في الأولى، وبيع دین بدين في
الأخريين، وتفرق المتعاقدين في شراء دارٍ أو فرس معينة بذهب أو فضة مثلاً لا
يحصل به شيء من ذلك ولا ما يشبهه، بل يحصل به ما يثبت العقد ويؤكده وهو
تبين صحة التراضي المشروط في كتاب الله عز وجل واستحكامه كما تقدم
إيضاحه؛ وكثيراً ما يناط بالأمر الواحد حكمان مختلفان من جهتين مختلفتين كإسلام
أحد الزوجين ينافي النكاح، إذا كان الآخر كافراً، ويثبته إذا أسلم الآخر أيضاً،
أو كان قد أسلم قبل ذلك على الخلاف، وكإسلام المرأة الأيم يُحِل نكاحها للمسلم
ويحرمه للكافر، ويمنع إرثها من أقاربها الكفار، ويثبته لها من أقاربها المسلمين .
وأمثال ذلك لا تحصى .
على أن الأثر الحاصل بالتفرق في مسألتنا ليس هو تصحيح العقد حتى تظهر
مخالفته لتلك الصور فان العقد قد صح بالإيجاب والقبول وإنما أثر التفرق قطع
الخيار، وإن شئت فقل إفساد الخيار.
قوله: ((خروج عن الأصول ومخالفة لكتاب الله تعالى)).
أقول: أما الخروج عن الأصول فالمراد به مخالفة القياس يسمونه خروجاً عن
٨١١

الأصول تمويهاً وتهويلاً وتستراً! وقد تقدم الجواب الواضح عما ذكره الأستاذ من
القياس؛ وبينما الأستاذ يتبجح في آخر (ص ١٦١) بقوله: ((أجمع فقهاء العراق على
أن الحديث الضعيف ((يرجح على القياس)) ويقول (ص ١٨١) في الحسن بن زياد:
((كان يأبى الخوض في القياس في مورد النص كما فعل مع بعض المشاغبين في
مسألة القهقهة في الصلاة)) يعيني ببعض المشاغبين الإمام الشافعي ورفيقاً له أورد على
الحسن بن زياد أنه يرى أن قذف المحصنات في الصلاة لا يبطل الوضوء فكيف
يرى أن القهقهة تبطله؟ فقام الحسن وذهب(١)، إذا بالاستاذ يرد أحاديث خيار
المجلس زاعماً أنها مخالفة للقياس، هذا مع ضعف حديث القهقهة ووضوح القياس
المخالف له وثبوت أحاديث الخيار ووهن القياس المخالف لها .
وأما المخالفة للكتاب فقد تقدم تفنيد زعمها، وبينما ترى الأستاذ يحاول التشبث
بدعوى مخالفة الكتاب هنا، إذا به يُعرض في مسألة القصاص في القتل بالمثقل
ومسألة مقدار ما يقطع سارقه عن الدلالات القرآنية الواضحة مع ما يوافقها من
الأحاديث الصحيحة وموافقة القياس الجلي في مسألة القصاص، إلى غير ذلك من
التناقض الذي يؤلف بينه أمر واحد هو الدب عن المذهب، والغلو في ذلك الى الحد
الذي يصعب معه تبرئة صاحبه من أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه، واتخذ الأحبار
والرهبان أرباباً من دون الله؛ والله المستعان.
قال الأستاذ: ((ولا نص فيما يروى عن ابن عمر من القيام من مجلس العقد على
أن خيار المجلس من مذهبه، بل قد يكون هذا منه لأجل أن يقطع على من بايعه
حق الرجوع لاحتمال أنه ممن يرى خيار المجلس، وقد خوصم ابن عمر الى عثمان في
البراءة من العيوب فحمله عثمان على خلاف رأيه فيها فأصبح يرعى الآراء في
عقوده )) .
أقول: قد روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحديث صريحاً في
(١) تقدمت القصة بتمامها في التعليق على الصفحة (٦٧٦). ن.
٨١٢

إثبات خيار المجلس كما تقدم، وفي (صحيح البخاري) من طريق يحيى بن سعيد
عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً ... الحديث، ثم قال نافع: (( وكان ابن عمر إذا
اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه)) وفي (صحيح البخاري) من طريق الزهري عن
سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ((بعتُ من أمير المؤمنين عثمان .... فلما تبايعنا
رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادني البيع، وكانت السنة أن
المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا .. فلما وجب بيعي وبيعه رأيت أني قد غبنته)).
فصراحة الحديث نفسه ثم جعله سبباً لمفارقة ابن عمر من يشتري منه ما يعجبه
وقوله: ((وكانت السنة ... )) وقوله: ((فلما وجب بيعي وبيعه ... )) بغاية الوضوح في
بطلان قول الأستاذ ((قد يكون هذا منه .... ))
قال الأستاذ: ((ولأصحابنا حجج ناهضة)).
أقول: بل شبه داحضة. قال: ((وعالم دار الهجرة مع أبي حنيفة وأصحابه في
هذه المسألة، ومن ظن وهناً بما اتفق عليه امام أهل العراق وإمام أهل الحجاز فقد
ظن سوءاً)) .
أقول: أما من اعتقد وهن قولهما المخالف لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم من رواية جماعة من الصحابة وعمل به وقضى به جماعة منهم بعد النبي صلى الله
عليه وآله وسلم ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة فإنما اعتقد ما يجب على كل مسلم أن
يعتقده، فمن زعم أن هذا المعتقد قد ظن سوءاً فقد شارف الخطر الأكبر أو وقع
فيه .
ثم ذكر الأستاذ كلمة ابن أبي ذئب وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، وقد
ذكرتها في ترجمته من قسم التراجم .
وفي (تاريخ بغداد) (٣٨٩/١٣) عن ابن عيينة قال: ((ما رأيت أجرأ على
الله من أبي حنيفة كان يضرب الأمثال لحديث النبي عَ لّه فيرده. بلغه أني أروي
٨١٣

(( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) فجعل يقول: أرأيت إن كانا في سفينة، أرأيت إن
كانا في سجن، أرأيت إن كانا في سفر كيف يفترقان؟!)) قال الأستاذ (ص ٨٢):
(( هكذا كان غوص أبي حنيفة على المعنى حتى اهتدى إلى أن المراد بالافتراق
الافتراق بالأقوال لا الأبدان)).
أقول: مغزى تلك العبارة أننا إذا قبلنا الحديث ورد علينا أنه قد يتفق أن لا
يتمكن المتبايعان من التفرق، والجواب أن الحديث قد فتح لهما باباً آخر يتمكنان به
من إبرام العقد وهو أن يختارا اللزوم فيلزم من غير تفرق، وإن أرادا أو أحدها
الفسخ فظاهر، وكأن أبا حنيفة لم تبلغه رواية مصرحة بذلك. فإن قيل قد يبادر
أحدهما فيختار اللزوم ويأبى الآخر أن يختار اللزوم أو يفسخ فيتضرر المبادر لأنه
لا يمكنه إبرام العقد ولا فسخه؛ قلت: هو المضيق على نفسه بمبادرته فلينتظر
التمكن من المفارقة بأن تصل السفينة إلى مرفأ، أو يطلقا أو أحدهما من السجن، أو
ينقل أحدهما الى سجن آخر، أو يبلغ المسافران حيث لا يخاف من الانفراد والتباعد
عن الرفقة، فإن قيل لكن المدة تطول مع جهالتها، قلت اتفاق أن يجتمع أن يبادر
أحدهما ويمتنع الآخر ويمتنع التفرق وتطول المدة وتفحش الجهالة، نادر جداً،
ويقع مثل ذلك كثيراً في خيار الرؤية، وكذلك في الصرف والسلم وغيرها مما لا
يستقر فيه العقد إلا بالقبض قبل التفرق، فمثل ذلك الاستبعاد إن ساغ أن يعتد به
ففي التوقف عن الأخذ بدليل في ثبوته أو في دلالته نظر، وليس الأمر ههنا
كذلك، فإن الحديث بغاية الصحة والشهرة ووضوح الدلالة، فهو في (الصحيحين)
وغيرهما من طرق عن ابن عمر، وصح عنه من قوله وفعله ما يوافقه، وهو في
(الصحيحين) وغيرهما من حديث حكيم بن حزام، وصح عن أبي برزة أنه رواه
وقضى به، وجاء من حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة وسمرة وغيرهم، وجاء
عن أمير المؤمنين علي القضاء به، ولا مخالف من الصحابة، وإنما جاء الخلاف فيه من
التابعين عن ربيعة بالمدينة وابراهيم النخعي بالكوفة، واشتد نكير ابن أبي ذئب إذ
قيل له: إن مالكاً لا يأخذ بهذا الحديث، فقال: ((يستتاب فإن تاب وإلا يقتل)»
٨١٤
د

ومالك إنما اعتذر في (الموطأ) بقوله بعد أن روى الحديث: (( ليس لهذا عندنا حد
معروف ولا أمر معمول به فيه))؛ وتعقبه الشافعي وغيره بأن الحد معروف نقلاً
ونظراً، فإنه معلوم أن التفرق حقيقة في التفرق بالأبدان، وحده معروف في
العرف، وقد اتفقوا على نظيره في الصرف والسلم، والعمل ثابت عن الصحابة وكثير
من أئمة التابعين بالمدينة وغيرها. وراجع كتاب (الأم) للشافعي أوائل المجلد
الثالث(١).
(١) الجزء الثالث الصفحة الرابعة، تحقيق الاخ الفاضل محمد زهري النجار، طبع
شركة الطباعة الفنية - زهير.
٨١٥

المسْألَة الثامنة
رجل خلا خلوة مريبة بامرأة أجنبية
يحل له أن يتزوجها فعثر عليهما
فقالا : نحن زوجان
تقدم في المسألة السادسة قول خالد بن يزيد بن أبي مالك: ((أحل أبو حنيفة
الزنا ... )) قال: ((وأما تحليل الزنا فقال: لو أن رجلاً وامرأة اجتمعا في بيت وهما
معروفا الأبوين فقالت المرأة: هو زوجي. وقال هو: هي امرأتي لم أعرض لهما)).
قال الأستاذ (ص ١٤٥): ((قال الملك المعظم في (السهم المصيب): إذا جاء واحد
إلى كل واحد من امرأةٍ ورجلٍ فقالا له: نحن زوجان، فبأي طريقة يفرق بينهما أو
يعترض عليهما لأن كل واحد منهما يدعي أمراً حلالاً، ولو فتح هذا الباب لكان
الانسان كل يوم بل كل ساعة يشهد على نفسه وعلى زوجه أنهما زوجان وهذا لم
يقل به أحد من الأئمة، وفيه من الحرج مالا يخفى على أحد)).
أقول: في كتب الحنفية: ((إن إقرار الرجل أنه زوجها وهي أنها زوجته يكون
إنكاحاً ويتضمن إقرارُهما ((الإِنشاء)) فهذه هي مسألة ابن أبي مالك استشنعها
الاستاذ نفسه وكذلك ملكه المعظم عنده ولذلك لجأ الى المغالطة؛ وحاصلها أننا إذا
عرفنا رجلاً وامرأة نعلم أنهما ليسا بزوجين ثم وجدناهما في خلوة مريبة فقال: هي
زوجتي، وقالت: هو زوجي، فأبو حنيفة يقول: يكون اعترافهما عقداً ينعقد به
النكاح فيصيران زوجين من حينئذ ولا يعرض لهما! ففي هذا ثلاثة أمور.
الأولى: أنه بلا ولي .
الثاني: أنه كيف يكون إنشاء وإن لم يقصداه.
٨١٦

الثالث: أنه كيف لا يعرض لهما بإنكار وتعزير على الأقل لأنهما قد ارتكبا
الحرام قطعاً وهو الخلوة لأنهما إن تلفظا بزواج قبل العثور عليهما فذاك باطل إذ لا
وليّ ولا شهود وإن لم يتلفظا إلا بدعواهما الزوجية، أو اعترافهما بها عند العثور
عليهما فالأمر أوضح، وأيضاً فالتعزير متجه من وجه آخر وذلك لئلا يكون هذا
تسهيلاً للفجور، يخلو الفاجر بالفاجرة آمنين مطمئنين قائلين: إن لم يطلع علينا
فذاك المقصود، وإن اطلع علينا قلنا: نحن زوجان ! .
٨١٧

المسْألَة التَّاسعَة
الطلاق قبل انكاح
في (تاريخ بغداد) (٤١١/١٣): عن أحمد بن حنبل أنه قيل له: قول أبي
حنيفة: الطلاق قبل النكاح؟ فقال: ((مسكين أبو حنيفة، كأنه لم يكن من العراق،
كأنه لم يكن من العلم بشيء، قد جاء فيه عن النبي عَ لّه، وعن الصحابة، وعن نيف
وعشرين من التابعين مثل سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس،
وعكرمة. كيف يجترىء أن يقول: تطلق؟)).
قال الأستاذ (ص ١٤٢): (( ... على أن مذهب أبي حنيفة أنه لا طلاق إلا في
ملك أو مضافاً إلى ملك أو علقة من علائق الملك، .... وقد أجمعت الأمة أنه لا
يقع طلاق قبل النكاح لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّها الذين آمَنُوا إِذا نَكَحْتُم المؤْمِنَاتِ ثُمْ
طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ (١) الآية، فمن علق الطلاق بالنكاح وقال: إن نكحت فلانة فهي
طالق. لا يعد هذا المعلق مطلقاً قبل النكاح ولا الطلاق واقعاً قبل النكاح، وإنما
يعد مطلقاً بعده حيث يقع الطلاق بعد عقد النكاح فيكون هذا خارجاً من متناول
الآية ومن متناول حديث: لا طلاق قبل النكاح، لأن الطلاق في تلك المسألة بعد
النكاح لا قبله؛ وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه الثلاثة وعثمان البتي. وهو قول
الثوري ومالك والنخعي ومجاهد والشعبي وعمر بن عبد العزيز فيما إذا خص .
والأحاديث في هذا الباب لا تخلو عن اضطراب، والخلاف طويل الذيل بين السلف
(١) الأحزاب: (٤٩).
٨١٨

فيما إذا عم أو خص. وقول عمر بن الخطاب صريح فيما ذهب إليه أبو حنيفة
وأصحابه، وتابع الشافعي ابن المسيب سواء عم أو خص، وإليه ذهب أحمد .
أقول: قال البخاري في (الصحيح): ((باب لا طلاق قبل نكاح وقول الله
تعالى: ﴿يَا أَيَّها الذين آمنُوا إِذا نَكَحْتُم المؤمناتِ ثم طَلَّقْتُمُوهُنَ مِنْ قَبْلِ أَنْ
تَمَتُّوهُنَّ فما لَكُمْ عَلَيْهْنَّ مِنْ عِدَة تَعْتَدُونها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً
جَمِيلاً﴾ . وقال ابن عباس: جعل الله الطلاق بعد النكاح، ويروى في ذلك عن علي
وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله
ابن عتبة، وأبان بن عثمان وعلي بن حسين وشريح وسعيد بن جبير والقاسم وسالم
وطاوس والحسن وعكرمة وعطاء وعامر بن سعد وجابر بن زيد ونافع بن جبير
ومحمد بن كعب وسليمان بن يسار ومجاهد والقاسم بن عبد الرحمن وعمرو بن هرم
والشعبي أنها لا تطلق)).
والآثار عن جماعة من هؤلاء صحيحة كما في (الفتح) ولم يصح عن عمر بن
الخطاب شيء في الباب، وجمهور السلف على عدم الوقوع مطلقاً، وروي عن ابن
مسعود أنه إذا خص وقع، وإذا عم كأن قال: ((كل امرأة .... )) لم يقع، وعن ابن
عباس أنه أنكر هذا فقال: (( ما قالها ابن مسعود، وإن يكن قالها فزلة من عالم ...
قال الله تعالى .... )) فتلا الآية، وممن نقل عنه هذا القول الشعبي وإبراهيم النخعي
وحماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، وهو المشهور عن مالك، وقيل عنه كالجمهور
أنه لا يقع مطلقاً وهذا مذهب الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: يقع مطلقاً؛ ولا
يعلم له سلف في ذلك.
فأما الآية فاحتج بها حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ثم زين
العابدين علي بن الحسين ثم البخاري على عدم الوقوع مطلقاً، وزعم بعضهم كالأستاذ
أنها لا تدل إلا على أنه لا يقع الطلاق على المرأة قبل نكاحها فأما من قال: ((إن
تزوجت فلانة فهي طالق)) فلا تدل الآية على عدم وقوعه لأنه إذا وقع فإنما يقع
٨١٩

بعد النكاح، وأقول: يقال: ((طلَقَتْ (بفتح اللام مخففة) فلانة أي انحلت عقدة
نكاحها بقول من الزوج، ويقال: ((طلَّق فلان امرأته)) أي جعلها تطلُق كما يقال
سرّحها أي جعلها تسرح، وسيَّرها جعلها تسير، وغير ذلك؛ فطلاق الرجل يتضمن
أمرين: الأول: قوله الخاص. الثاني: وقوع الأثر على المرأة فتنحل به عقدة
نكاحها. وإذا قيل: ((طلق فلان امرأته اليوم)) فالمتبادر أن قوله وانحلال العقدة
وقعا ذاك اليوم فهذا هو الحقيقة فمن قال لامرأته يوم السبت: إذا جاء يوم الجمعة
فأنت طالق لم يصدق على وجه الحقيقة أن يقال قبل يوم الجمعة: إنه طلق؛ ولا أن
يقال: طلق يوم السبت، ولا طلق قبل يوم الجمعة ولكنه يقال بعد مجيء يوم
الجمعة: إنه طلق. فإذا أُريد التفصيل قيل: علق طلاقها يوم السبت وطّلَقَتْ يوم
الجمعة، ونظير ذلك، إذا جرح رجل آخر يوم السبت جراحة مات منها يوم الجمعة
فلا يقال حقيقة قبل الموت أنه قتل، ولكن يقال بعد الموت أنه قتله، ولا يقال قتله
يوم السبت ولا يوم الجمعة بل يقال جرحه يوم السبت فمات يوم الجمعة . فقوله
تعالى في الآية: ﴿ثم طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ يقتضي تأخير الأمرين معاً: قول الرجل وانحلال
العقدة . ويؤيده أمران:
الأول: قوله: ﴿ثم طلقتموهن﴾ وكلمة ((ثم)) تقتضي المهلة، وإذا كان الطلاق
معلقاً بالنكاح، وقلنا إنه يقع وقع بلا مهلة .
الثاني: قوله: ﴿وسرحوهن سراحاً جميلاً﴾ والتسريح هنا إرجاعها الى أهلها
وإنما يكون ذلك إذا كانت قد زفت إليه، ومن كان معلوماً أنه بنكاحه يقع طلاقه
فمتى تزف إليه المرأة حتى يقال له: سرحها سراحاً جميلاً؟
وأما الحديث فاحتج به جماعة من المتقدمين على عدم الوقوع، وتأوله بعضهم بما
ذكر الأستاذ، وأقول: إن كان لفظ ((طلاق)) فيه اسماً من التطليق كالكلام من
التكليم سقط التأويل كما يعلم مما مر، وإن كان مصدر قولنا ((طَلَقَتِ المرأةُ)) كان
للتأويل مساغ، والأول هو الأكثر والأشهر في الاستعمال؛ وقد دفع التأويل بأنه لا
٨٢٠