النص المفهرس
صفحات 781-800
العلم عنه بأنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يصرح بقرآنيتهما ولا تواتر ذلك عنده مع أن من المقطوع به تواتر ذلك عند غيره، فلا يخدش في تواتر الرفع مخالفة بعض التابعين من الكوفيين إذ لا يلزم من تواتره عند غيرهم تواتره عندهم بل عرضت لأولهم شبهة الترك فتوهموا أو بعضهم أنه غير مشروع، كما توهم غيرهم من ترك عثمان وغيره تكبيرات الخفض والرفع أو الجهر بها أن ذلك غير مشروع، حتى أنكروه على أبي هريرة كما تقدم، ثم جاء بعدهم من الكوفيين من بلغته الأحاديث والآثار ولعلها تواترت عنده فلم تطب نفسه بترك ما ألفه واعتاده وفر الى احتمال النسخ ورأى أن الترك أحوط له وأطيب لنفسه(١). وقد اعترف الكوثري بتواتر الرفع عن جماعة من الصحابة وذلك لا يستلزم تواتره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه فعل تعبدي في الصلاة، لو لم يعلموا أنه مشروع وفعلوه، فإن فعلوه لا على وجه التعبد كان تلاعباً بالصلاة وإيهاماً المشروعية ما لم يشرعه الله وذلك كذب على الله ورسوله ودينه، وإن فعلوه على وجه التعبد فذلك صريح البدعة الضلالة والكذب على الله والتكذيب بآياته . فبهذا يثبت قطعاً أنهم كانوا يعتقدون أنه مشروع ويمتنع اعتقادهم ذلك من جهة الرأي إذ لا مجال للرأي فيه، على أن الرأي إنما يصار إليه في اثبات الفعل إذا لم يعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تركه تركاً مستمراً مع قيام السبب وانتفاء المانع، ويمتنع على الذين تواتر عنهم الرفع أن يجهلوا جميعاً أكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرفع أم لا بعد أن طالت صحبتهم له ومراقبتهم لصلاته كما أمروا به . وأما الأمر السادس وهو قول الأستاذ: ((المتواتر أن جماعة من الصحابة كانوا لا يرفعون وجماعة منهم كانوا يرفعون)) فالشطر الثاني وهو تواتر الرفع حق، وأما الشطر الأول فلا، وهذا إمام النقل أبو عبد الله البخاري يقول كما تقدم ((لم يثبت عن أحد منهم تركه وإنما نقل الترك نقلاً فيه قوة ما عن ابن مسعود وقد مر النظر (١) وابعد بعضهم النجعة فزعم أن كل آية أو حديث ليس عليه مذهبهم؟؟؟ فهي منسوخة أو مؤولة، ونعوذ بالله من التعصب المقيت - زهبر. ٧٨١ فيه؛ وروي أيضاً عن عمر وعلي، فأما عمر فقد جاء عنه الرفع من روايته ومن فعله، وروى حسن بن عياش عن عبد الملك بن أبجر عن الزبير بن عدي عن ابراهيم عن الأسود قال: ((صليت مع عمر فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا في افتتاح الصلاة)) وأُعِلّ هذا بثلاثة أوجه: الأول: أن حسن بن عياش لينه بعضهم، قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ((ثقة وأخوه أبو بكر ثقة)) قال عثمان ((ليسا بذاك وهما من أهل الصدق والأمانة)) واتفقوا على تليين أبي بكر في حفظه حتى قال يحيى القطان: ((لو كان أبو بكر بن عياش حاضراً ما سألته عن شيء)) وكان إذا ذكر عنده كلح وجهه، وقال أبو نعيم الفضل بن دكين ((لم يكن في شيوخنا أحد أکثر غلطاً منه))؛ وقد روى الثوري عن الزبير بن عدي عن ابراهيم عن الأسود (( أن عمر كان يرفع يديه في الصلاة حذو منكبيه)) لم يذكر ما في رواية الحسن بن عياش عن ابن أبجر عن الزبير بن عدي، وكان الثوري لا يرفع، فلو كان في القصة ماذكره الحسن لما أغفله الثوري، والخطأ في مثل هذا قريب فإنه كان عند ابراهيم حكايات عن أهل الكوفة في عدم الرفع فيقوى احتمال دخول الاشتباه على الحسن . الوجه الثاني: أن ابراهيم ربما دلس. وفي (معرفة علوم الحديث) للحاكم (ص١٠٨) من طريق (( خلف بن سالم قال: سمعت عدة من مشايخ أصحابنا تذاكروا كثرة التدليس والمدلسين فأخذنا في تمييز أخبارهم فاشتبه علينا تدليس الحسن بن أبي الحسن وابراهيم بن يزيد النخعي .... وابراهيم أيضاً يدخل بينه وبين أصحاب عبد الله مثل هني بن نويرة وسهم بن منجاب وخزامة الطائي وربما دلس عنهم)). الثالث: أنه روي عن عمر الرفع من روايته ومن فعله، ويكفي في ذلك ما تواتر عن ابنه عبد الله مع أنه كان ملازماً لأبيه متحرياً الاقتداء به قال زيد بن أسلم عن أبيه: ((ما وجد قاصد لباب المسجد داخل أو خارج بأقصد من عبد الله لعمل أبيه)) رواه ابن سعد، وقد جاء عن ابراهيم أنهذكر له حديث ابن وائل بن حجر عن أبيه في الرفع فقال ابراهيم: ((ما أرى أباه رأى رسول الله عَ ◌ّه إلا ذاك اليوم ٧٨٢ الواحد (١). فحفظ ذلك وعبد الله [بن مسعود] لم يحفظ عنه؟!)) فيقال لإبراهيم: إن صح عنه ما رواه الحسن بن عياش: ما نرى الأسود رأى عمر إلا ذاك اليوم الواحد أفيكون أعلم به من ابنه عبد الله بن عمر؟ ورواية وائل مثبتة محققة تثبت رفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المواضع، ومعلوم أن الرفع لا يكون إلا تعبداً إذ ليس هنا داع طبيعي الى فعله مكررا في المواضع، وإذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة واحدة ثبتت مشروعيته في الصلاة مطلقاً كما هو الشأن في غيره من أعمال الصلاة، إلا ما يثبت اختصاصه، وقد قدمنا أن ما يثبت أو يقوى عن ابن مسعود لا يتحقق فيه منافاة لذلك، فأما ما في الرواية عن الأسود إن صحت إليه فمن الجائز أن يكون عمر كان إمام الأسود غير قريب منه فرفع عمر أول الصلاة رفعاً تاماً رآه الأسود ثم رفع عمر عند الركوع وما بعده رفعاً تجوز فيه كما تقدم عن ابن عمر - فلم يره الأسود فظن أنه لم يرفع أصلاً . وأما علي فروى أبو بكر النهشلي عن عاصم بن كليب عن أبيه عن علي رضي الله عنه «أنه كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى من الصلاة ثم لا يرفع في شيء منها)) وروى ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان إذ اقام إلى الصلاة رفع يديه حذو منكبيه ويصنع ذلك أيضاً إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعها إذا رفع رأسه من الركوع ... وإذا قام من سجدتين (١) قلت: هذا مجرد رأي، ومع ذلك فقد صح ما يبطله، وهو أخرجه أبو داود وغيره عن كليب عن وائل أنه قال: ((لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي ..... )). قلت: فذكر الحديث وفيه رفع اليدين عند الركوع والرفع منه وقال فيه: (( ثم جئت بعد ذلك في زمان فيه برد شديد فرأيت الناس عليهم جل الثياب تحرك أيديهم تحت الثياب)). وأخرجه أحمد (٣١٨/٤). وله عنده (٣١٩/٤) طريق أخرى عن عبد الجبار عن بعض أهله أن وائلا قال: (( أتيته مرة أخرى وعلى الناس ثياب فيها البرانس وفيها الأكسية فرأيتهم يقولون هكذا تحت الثياب)). ٧٨٣ رفع يديه كذلك .... )) في (نصب الراية) وغيرها عن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن حديث ابن أبي الزناد هذا؟ فقال ((صحيح)) وذكر البخاري في (جزء القراءة) أثر النهشلي ثم ذكر حديث ابن أبي الزناد وقال ((وهذا أصح)) أخرج الترمذي حديث ابن أبي الزناد في ((كتاب الدعوات)) من (جامعه)، وقال: (( هذا حديث حسن صحيح)) وصححه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان، وفي (سنن البيهقي) (ج ٢ ص ٨٠) عن عثمان بن سعيد الدرامي ذكر أثر النهشلي وقال: ((فهذا قد روي من هذا الطريق الواهي عن علي، وقد روى عبد الرحمن عن هرمز الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي أنه رأى النبي سَ لّه يرفعهما عند الركوع وبعدما يرفع رأسه من الركوع، فليس الظن بعلي رضي الله عنه أن يختار فعله على فعل النبي مَّ اله ، ولكن ليس أبو بكر النهشلي ممن يحتج بروايته أو تثبت به سنة لم يأت بها غيره))، اعترضه ابن التركماني فقال: ((بل الذي روي من الطريق الواهي هو ما رواه ابن أبي رافع عن علي لأن في سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد))، ثم ذكر قول الدارمي: فليس الظن .. الخ. فقال: ((لخصمه أن يعكسه فيجعله بعد النبي عليه السلام دليلاً على نسخ ما تقدم)) . أقول: إذا صرفنا النظر عن النهشلي وابن أبي الزناد فسند المرفوع أثبت، لأن رجاله كلهم ثقات أثبات احتج بهم الجماعة. وسند الموقوف فيه مقال، عاصم وإن أخرج له مسلم ووثقه جماعة فلم يخرج له البخاري، وقال ابن المديني: ((لا يحتج به إذا انفرد))، وأبوه وإن وثقه ابن سعد وأبو زرعة فلم يخرج له البخاري ولا مسلم، وقال النسائي: (( لا نعلم أحداً روى عنه غير ابنه وغير ابراهيم بن مهاجر، وابراهيم ليس بقوي في الحديث))؛ فأما النهشلي وابن أبي الزناد فلا شك أننا إذا وازنا بينهما إجمالاً فالنهشلي أثبت أخرج له مسلم ووثقه ابن مهدي وأحمد وابن معين وأبو داود والعجلي وقال أبو حاتم: «شیخ صالح یکتب حديثه وهو عندي خير من أبي بكر الهذلي)) والهذلي ضعيف جداً، وقال ابن سعد في النهشلي: ((كان مرجئاً، وكان عابداً ناسكاً وله أحاديث ومنهم من يستضعفه)). وأما ابن أبي الزناد فلم يحتج به ٧٨٤ : صاحبا (الصحيح) وإنما علق عنه البخاري وأخرج له مسلم في المقدمة، ووثقه جماعة وضعفه بعضهم وفصل الأكثرون؛ وههنا أمران الأول أن أئمة الحديث قد يتبين لهم في حديث من رواية الثقة الثبت المتفق عليه أنه ضعيف، وفي حديثٍ من رواية من هو ضعيف عندهم أنه صحيح، والواجب على من دونهم التسليم لهم، وأولى من ذلك إذا كان الراوي وسطاً كالنهشلي وابن أبي الزناد. وقد صحح الأئمة حديث ابن أبي الزناد المذكور وابن البخاري والدرامي أثر النهشلي كما مر. الأمر الثاني: إذا اختلفوا في راوٍ فوثقه بعضهم ولينه بعضهم ولم يأت في حقه تفصيل فالظاهر أنه وسط فيه لين مطلقاً وهذه حال النهشلي، وإذا فصلوا؛ أو أكثرهم؛ الكلام في راو فثبتوه في حال وضعفوه في أخرى فالواجب أن لا يؤخذ حكم ذاك الراوي إجمالاً إلا في حديث لم يتبين من أي الضربين هو، فأما إذا تبين فالواجب معاملته بحسب حاله، فمن كان ثقة ثبتا ثم اختلط كسعيد بن أبي عروبة إذا نظرنا في حديث من روايته فإن تبين أنه رواه قبل الاختلاط فهو غاية في الصحة، أو بعده فضعيف، وابن أبي الزناد من هذا القبيل فإن أكثر الأئمة فصلوا الكلام فيه، قال موسى بن سلمة (( قدمت المدينة فأتيت مالك بن أنس فقلت له إني قدمت إليك لأسمع العلم وأسمع ممن تأمرني به، فقال: عليك بابن أبي الزناد)» ومالك مشهور بالتحري لا يرضى هذا الرضا إلا عن ثقة لا شك فيه، ولذلك عد الذهبي هذا توثيقاً، بل قال في (الميزان): (( وثقه مالك قال سعيد بن أبي مريم قال لي خالي موسى بن سلمة: قلت لمالك: دلني على رجل ثقة، قال: عليك بعبد الرحمن ابن أبي الزناد)) وقال صالح بن محمد: ((تكلم فيه مالك لروايته عن أبيه كتاب السبعة - يعني الفقهاء - وقال أين كنا عن هذا؟)) وإنما روى هذا بعد أن انتقل إلى العراق كما يأتي عن ابن المديني. وقال عبد الله بن علي ابن المديني عن أبيه ((ما حدث بالمدينة فهو صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون، ورأيت عبد الرحمن بن مهدي يخط على أحاديثه، و کان یقول في حديثه عن مشیختهم فلان وفلان وفلان، قال ولقنه البغداديون عن فقهائهم)) يعني الرواية عن أبيه عن المشيخة بالمدينة أو الفقهاء بها، وهذا هو الذي حكى صالح بن محمد أن مالكاً أنكره، تبين أن ابن أبي ٧٨٥ الزناد إنما وقع منه ذلك بالعراق، وابن مهدي إنما كان عنده عن ابن أبي الزناد مما حدث به بالعراق كما يدل عليه كلام ابن المديني ويأتي نحوه عن عمرو بن علي وقال يعقوب بن شيبة: ((ثقة صدوق وفي حديثه ضعف، سمعت علي ابن المديني يقول: حديثه بالمدينة مقارب وما حدث به بالعراق فهو مضطرب. قال علي: وقد نظرت فيما روى عنه سليمان بن داود الهاشمي فرأيتها مقاربة)) وقال عمرو بن علي: (( فيه ضعف فما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد كان عبد الرحمن يخط على حديثه)). وقال الساجي: ((فيه ضعف وما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد)). وقال أبو داود عن ابن معين: ((أثبت الناس في هشام بن عروة عبد الرحمن بن أبي الزناد)) هذا مع أنه قد روى عن هشام مالك والكبار)). وفيما حكاه الساجي عن ابن معين ((عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة حجة)). وقال معاوية بن صالح وغيره عن ابن معين ((ضعيف)) وفيما حكاه الساجي عن أحمد: ((أحاديثه صحاح)) وقال أبو طالب عن أحمد: ((يُروى عنه)) قال أبو طالب: ((قلت: يُحتمل؟ قال: نعم)) وقال صالح بن أحمد عن أبيه: ((مضطرب الحديث)). وقال العجلي: ((ثقة)). وقال الترمذي في ((اللباس)) من (جامعه): (( ثقة حافظ ))، وصحح عدة من أحاديثه. وأخرج له في ((المسح على الخفين)) حديثه عن أبيه عن عروة بن الزبير عن المغيرة: رأيت النبي ◌َّ له يمسح على الخفين على ظاهرها. ثم قال: ((حديث المغيرة حديث حسن صحيح وهو حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد .... ولا نعلم أحداً يذكر عن عروة عن المغيرة: رأيت النبي ◌َّه يسمح على الخفين على ظاهرها. ثم قال: ((حديث المغيرة حديث حسن صحيح وهو حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد .... ولا نعلم أحداً يذكر عن عروة عن المغيرة ((على ظاهرهما)) - غيره ... قال محمد - يعني البخاري - وكان مالك يشير بعبد الرحمن بن أبي الزناد)). فإذا تدبرنا ما تقدم تبين لنا أن لابن أبي الزناد أحوالاً : الأولى: حاله فيما يرويه عن هشام بن عروة، قال ابن معين إنه أثبت الناس فيه، فهو في هذه الحال في الدرجة العليا من الثقة . ٧٨٦ الحال الثانية: حاله فيما يرويه عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة، ذكر الساجي عن ابن معين أنه حجة. وهذا قريب من الأول، وظاهر الاطلاق أنه سواء في هاتين الحالين ما حدث به بالمدينة وما حدث به ببغداد، وهذا ممكن بأن يكون أتقن ما يرويه من هذين الوجهين حفظاً فلم يؤثر فيه تلقين البغداديين، وإنما أثر فيه فيما لم یکن یتقن حفظه فاضطرب فيه واشتبه عليه . الثالثة: حاله فيما رواه من غير الوجهين المذكورين بالمدينة فهو في قول عمرو بن علي والساجي أصح مما حدث به ببغداد، ونحو ذلك قول علي ابن المديني على ما حكاه يعقوب وصرح ابن المديني في حكاية ابنه أنه صحيح. ويوافقه ما روي عن مالك من توثيقه إذ كان بالمدينة والإرشاد إلى السماع منه مخصصاً له من بين محدثي المدينة، ويلتحق بذلك ما رواه بالعراق قبل أن يلقنوه ويشبهوا عليه، أو بعد ذلك ولكن من أصل كتابه، وعلى ذلك تحمل أحاديث الهاشمي عنه لثناء ابن المديني عليها، بل الأقرب أن سماع الهاشمي منه من أصل كتابه، فعلى هذا تكون أحاديثه عنه أصح مما حدث به بالمدينة من حفظه . الرابعة: بقية حديثه ببغداد ففيه ضعف، إلا أن يعلم في حديثٍ من ذلك أنه كان يتقن حفظه مثل اتقانه لما يرويه عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة، فإنه يكون صحيحاً وعلى هذا يدل صنيع الترمذي في انتقائه من حديثه وتصحيحه لعدة أحاديث منه، وقد دل كلام الإمام أحمد أن التلقين إنما أوقعه في الاضطراب؛ فعلى هذا إذا جاء الحديث من غير وجه عنه على وتيرة واحدة دل ذلك على أنه من صحيح حديثه، فابن أبي الزناد في الحالين الأوليين وما يلتحق بهما أثبت من النهشلي بكثير، وفي الحال الثالثة إن لم يكن فوقه فليس بدونه، وفي الرابعة دونه، وهذا الحديث مما حدث به بالمدينة فان ممن رواه عنه عبد الله بن وهب كما في (سنن البيهقي) (ج ٢ ص ٣٣) بسند صحيح، وهو من أحاديث الهاشمي عنه كما في (سنن أبي داود) و (الترمذي) وغيرهما وجاء من غير وجه عنه على وتيرة واحدة وصححه من تقدم من الأئمة، فحاله فيه فوق حال النهشلي، وتأكد ذلك برجحان ٧٨٧ سنده على سند النهشلي كما مر، وبموافقته للأحاديث الثابتة عن جماعة من الصحابة ومخالفة أثر النهشلى لمقتضي تلك الأحاديث ومقتضى الآثار المتواترة عن الصحابة . على أبي أقول: لا مانع من صحة أثر النهشلي في الجملة وبيان ذلك أننا إذا علمنا الاختلاف في مسألة الرفع ثم رأينا عالماً لم نعرف مذهبه في ذلك، وأردنا أن نعرفه فرقبناه في بعض صلاته فلم نره رفع فإنه يقع في ظننا أن مذهبه عدم الرفع وأن ذلك شأنه، فإذا مضت على ذلك مدة ومات ذاك العالم ثم بدا لنا أن نذكر حاله في الرفع فقد نبني على ما تقدم فنقول: لم يكن يرفع. فمن الجائز أن يكون اتفق الكليب أنه رقب علياً في بعض صلاته ليرى أمن مذهبه الرفع أم لا؟ فاتفق أن رفع علي عند الإفتتاح رفعاً تاماً رآه كليب، ثم تجوز علي في الرفع عند الركوع فما بعده فلم يره كليب، فظن أنه لم يرفع، وأن مذهبه عدم الرفع، فذهب يحكي عنه بحسب ذلك . فإن قيل: لكن هذا الاحتمال لا يخلو عن بعد . قلت: لكنه أقرب الاحتمالات . فإن قيل: قد روي عن أبي إسحاق السبيعي أنه قال: ((كان أصحاب عبد الله وأصحاب علي لا يرفعون أيديهم إلا في افتتاح الصلاة)). قلت: إنما أراد الذين صحبوا عبد الله ثم صحبوا علياً ولذلك قدم ذكر عبد الله مع أن علياً أفضل، وكان أبو إسحاق يتشيع وأصحاب عبد الله هم كانوا بعده المقتدى بهم من أصحاب علي، وفي مقدمة (صحيح مسلم) عن المغيرة بن مقسم قال: ((لم يكن يصدق على عليّ في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود)). وكان أصحاب عبد الله يلزمون ما أخذوه عنه، وإن رأوا علياً يخالفه كما لزموا التطبيق وغيره؛ وقد تقدم الكلام على أخذهم عن عبد الله ترك الرفع فلا تغفل فإن قيل: ولماذا لم ينكر عليهم علي؟ قلت: لعله لم يقف على ذلك من حالهم، أو أنكر عليهم فلم يقنعوا كما يحتمل ذلك في قضية التطبيق . بقي قول ابن التركماني: (( لخصمه أن يعكسه فيجعل فعل علي بعد النبي عليه ٧٨٨ السلام دليلاً على نسخ ما تقدم)) . فأقول: ليس هذا بشيء فقد تقرر في الأصول أن الحكم إذا اثبت فادعى بعض الصحابة نسخه وخالفه غيره منهم، لم یثبت النسخ بتلك الدعوى إذ قد یکون استند صاحبها إلى ما لا يوافقه غيره على أنه دليل يوجب النسخ. وقد اختلف الصحابة في عدة أحكام ذهب بعضهم إلى أنه منسوخة، وخالفه غيره، ولم ير المخالف في قول صاحبه: هذا منسوخ حجة، ولا رأي القائل قوله ذلك كافياً في إثبات النسخ، فكيف يظن بعلي أن يكون يرى أن الرفع منسوخ ثم يخبر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرفع، ويعلم أن غيره من الصحابة يخبرون بذلك ويعملون به عملاً شائعاً ذائعاً ثم لا يتبع على إخباره بذلك ببيان الحجة على نسخه ويعلن ذلك؟ بل يقتصر على ما ليس بدليل على النسخ ولا صريح في دعواه ولا ظاهر فيها وهو الترك، إذ قد لا يرقبه الناس في صلاته، فإن رقبه بعضهم فقد يقول لعله ترك لبيان الجواز، أو لعذر، أو سها، أو ترخص كما ترخص عثمان وغيره في ترك التكبيرات أو الجهر بها كما تقدم؛ هذا ما لا يكون . فالحق ما تقدم من وهن أثر النهشلي أو وهم كليب، وتحقق ما قاله البخاري أنه لا يثبت عن أحد من الصحابة ترك الرفع إلا أن يكون بعضهم تركه في وقت ما لبيان الجواز أو غيره مما تقدم؛ والله أعلم . وأما الأمر السابع وهو قول الكوثري: ((فيدل ذلك على التخيير الأصلي)) فإن أراد بالتخيير الأصلي أن أحد الأمرين مندوب والآخر جائز فهذا وجيه ويتعين أن يكون المندوب هو الرفع فيكون تركه تركاً لمندوب وهو جائز في الجملة، ولا يصح عكسه فإن من يرفع إنما يرفع على وجه التعبد كما لا يخفى ولو كان الرفع غير مشروع فكان فعله على وجه التعبد بدعة وكذباً على الله تعالى وتكذيباً بآياته فكيف يقال إنه جائز؟ وإن أريد أن كلا الأمرين مندوب، فندب الرفع حق ثابت معقول، ولا دليل على ندب الترك مطلقاً، ولا هو مع ندب الفعل بمعقول، فإن ترك المندوب حيث ندب إنما يكون مكروهاً أو خلاف الأولى، والتخيير بين ٧٨٩ مندوبين إنما يكون بين فعلين كالأذكار المأثورة في افتتاح الصلاة، إذا ثبت منها اثنان مثلاً فيقال أيهما أتى به المصلي فقد أحسن، وإذا أتى بأحدهما لم يكن تركه للآخر مكروهاً ولا خلاف الأولى، لأنه إنما تركه إلى آخر يقوم مقامه . فإن قيل: فههنا أيضاً أمران: الرفع والسكون، فمن ترك الرفع فقد أتى بالسكون وهو مندوب . قلت: السكون ترك وإنما شرع السكون في الصلاة عن الحركات التي لم تشرع فيها كما في (صحيح مسلم) وغيره من حديث جابر بن سمرة قال: ((صليت مع رسول الله عَ لِّ فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم، السلام عليكم، فنظر إلينا رسول الله مَ ◌ّه فقال: ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يوميء بيده)) وفي رواية ((فقال: مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟! اسكنوا في الصلاة)) فأمرهم بالسكون عن تلك الحركة وهي رفع الأيدي عند السلام، والإشارة بها يمنة ويسرة وأمرهم بالالتفات وهو حركة أيضاً، وإنما الفرق أن الحركة الأولى غير مشروعة، والثانية مشروعة، فعلى هذا يجري الأمر في سائر الحركات في الصلاة. فما كان واجباً لم يعقل أن يكون السكون منه جائزاً، وما كان مندوباً لم يعقل أن يكون السكون عنه إلا مكروهاً أو خلاف الأولى، وما كان مباحاً فالسكون عنه مباح. والله الموفق(١) . (١) ومما يؤكد ما قاله المصنف رحمه الله على مذهب الحنفية، أنهم يرون مشروعية رفع اليدين في تكبيرات الزوائد في صلاة العيدين، وكذا في تكبيرات الجنازة في اختيار مشايخ بلخ، كما في ((شرح الكنز)) وغيره من كتبهم. فلو كان الحديث المذكور ((اسكنوا في الصلاة)) يشمل الرفع في التكبير، لكان مذهبهم هذا مخالفاً له! مع العلم بأن الرفع في الزوائد لا يصح حديثه الذي استدلوا به، والرفع في الجنازة لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اما عدا الرفع في تكبيرة الاحرام، كما كنت بينته في كتابي ((أحكام الجنائز وبدعها)، وقد طبع مرات في المكتب الاسلامي والحمد لله. فاعجب لقوم هذا= ٧٩٠ وأما الأمر الثامن وهو قول الكوثري: ((وإنما خلافهم فيما هو الأفضل)» فوجيه في الجملة. فإن منهم من عرف أن الرفع سنة باقية، وفعل السنة أفضل من تركها، ومن التابعين فمن بعدهم من لم تبلغه هذه السنة من وجه يثبت أو بلغته ولكن غلبت عليه شبهة ترجح بها عنده أنها منسوخة فيكون عنده أن الرفع بدعة، وترك البدعة أفضل من فعلها، وكذلك من التبس عليه الحال فإن ما يحتمل أن يكون سنة وإن يكون بدعة فتركه أفضل، فأما من أعرض عن الحجج واسترسل مع الشبهات إيثاراً لهواه، فله حكم آخر. والله المستعان . مذهبهم، يستدلون بالحديث السابق على كراهة رفع اليدين في تكبيرات الانتقال مع = تواتره عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لا يستدلون به على كراهة الرفع في الجنازة والعيدين مع عدم ثبوته عنه صلى الله عليه وسلم. زد على ذلك أنه هو اللائق والمناسب أتم المناسبة لقول أبي حنيفة: ((يريد أن يطير فيرفع يديه)) لأن الرفع في الصلاتين المذكورتين وخصوصاً صلاة العيد أقرب الى هذا القول لتتابع الرفع فيه !! وقد سلم الكوثري بصحته عنه بسكوته عنه وتأويله إياه بأن أبا حنيفة قاله لابن المبارك ممازحة! وهل الممازحة جائزة إلى هذا الحد في مذهب الكوثري! فاللهم هداك . ن. ٧٩١ المسْألَة الثالثة أفطر الحاجم والمحجوم في ( تاريخ بغداد) (٣٨٨/١٣) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه: ((قال: ذكر لأبي حنيفة قول النبي ◌َّه: أفطر الحاجم والمحجوم. فقال: هذا سجع)). قال الأستاذ (ص ٨١): ((حديث: أفطر الحاجم والمحجوم لم يثبته كثير من أهل الحديث منهم ابن معين ... ومَن أثبته يرى الحديث منسوخاً باحتجام النبي عَّ ◌ُله وهو صائم، وإما مؤولاً بمعنى أنهما عرضة للافطار ... )). قلت: ممن صحح الحديث من وجه أو أكثر الإمام أحمد وابن المديني وإسحاق ابن راهويه والبخاري وأبو زرعة وعثمان بن سعيد الدرامي وابن خزيمة وغيرهم، فأما ابن معين ففي (الفتح): ((قال المروذي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين قال: ليس فيه شيء يثبت، فقال: هذا مجازفة)). وزعم الأستاذ أن مَن أثبته يراه منسوخاً أو مؤولاً، ليس كما قال، فإنه ترك القسم الثالث، قال ابن حجر في (فتح الباري): ((وعن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد واسحاق وأبي ثور يفطر الحاجم والمحجوم، وأوجبوا عليهما القضاء، وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضاً، وقال بقول أحمد من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وأبو الوليد النيسابوري وابن حبان ... وبذلك قال الداودي من المالكية)). فأما دعوى النسخ بحديث أن النبي ◌َِّ احتجم وهو صائم. فالحديث رواه عبد الوارث عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: ((احتجم النبي عَظُّهُ وهو صائم))، ٧٩٢ ورواه وهيب عن أيوب بسنده: ((أن النبي عَ لِّ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم)). وفي (الفتح): ((ورواه ابن علية ومعمر عن أيوب عن عكرمة مرسلاً، واختلف على حماد بن زيد في وصله وإرساله)). وجاء عن مقسم عن ابن عباس: ((احتجم رسول الله عَ لّله بين مكة والمدينة وهو صائم محرم)). وذكر البيهقي (ج ٤ ص٢٦٣) وقال: ((ورواه أيضاً ميمون بن مهران عن ابن عباس))، وكذلك في رواية لابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كما في (الفتح)، وفي رواية عن عكرمة عن ابن عباس عند أحمد (ج١ ص ٣٠٥) ذكر قصة اليهودية التي وضعت السم في طعام النبي ◌َِّ ثم قال: ((كان رسول الله عَ لَّ إذا وجد من ذلك شيئاً احتجم، قال: فسافر مرة فلما أحرم وجد من ذلك شيئاً فاحتجم))، وقد أجاب ابن خزيمة عن هذا الحديث بأن للمسافر إذا أصبح صائماً ثم بدا له أثناء النهار أن يفطر، وحاصل الجواب أنه عَ لِّ أصبح في سفره صائماً ثم لما هاج به الوجع فأفطر، وكأن ابن عباس لم يكن قد بلغه أن الحجامة تفطر الصائم، وعلن أن النبي عَ لم أصبح صائماً ثم رآه احتجم، ولم يبحث عما كان بعد الحجامة، فوقع في ظنه أن النبي مَ لّه استمر على الصيام، ثم لما بلغه بعد وفاة النبي ◌َ ◌ّم أن بعض الناس يرى أن الحجامة تفطر الصائم احتج بالقصة على حسب ظنه. وهذا كما سمع أسامة يحدث بحديث: ((لا ربا إلا في النسيئة))، ولم يثبت عنده حديث: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزناً بوزن مثلاً بمثل يداً بيد))، فكان يفتي بحل الذهب بالذهب مع التفاضل نقداً وكذا الفضة بالفضة، ثم جاء أن بعض الصحابة أخبره بالحديث الآخر فرجع(١). وكما أخبره أسامة أن النبي ◌َّ دخل الكعبة فلم يصل فيها، فكان يفتي بذلك، وقد صح عن بلال أنه دخل مع النبي ◌َ ◌ِّ الكعبة، وأنه عَ لّه صلى بين العمودين المقدمين وكما كان يرى أن لا قراءة في السرية، ويذكر أن النبي عَ ◌ّه لم يكن يقرأ فيها، فقيل له: لعله كان يقرأ في نفسه، فغضب. وقد أثبت غيره القراءة بما لا تبقى معه شبهة. وأمثال هذا كثير مما يحتج به الصحابي على (١) ثبت ذلك عن ابن عباس من طرق، وقد خرجتها في ((إرواء الغليل)) (١٣٣٨). ن. ٧٩٣ حسب ظنه ويتبين أن ظنه كان خطأ . وقد روى عطاء ذاك الحديث عن ابن عباس ثم ذهب إلى الافطار كما مر. فإن قيل: لو كان النبي ◌َ ◌ّ أفطر بالحجامة لكان الظاهر أن يبين ذلك للناس؟ قلت: يجاب أن النبي ◌َ ◌ّه اكتفى بما سبق منه من بيان أنه يفطر الحاجم والمحجوم، ومن بيان أن الصائم في السفر يحل له الافطار. فإن قيل: فقد جاء عن أبي سعيد الخدري وعن أنس أن النبي مَّه رخص في الحجامة للصائم. قلت: في صحة ذلك عنهما كلام كما تراه في (فتح الباري)، ولو صح أمكن أن يكون مرادهما بالترخيص ما ذكره ابن عباس من احتجامه عَ ◌ٍّ وهو صائم في سفره، وقد مر ما فيه . وأما التأويل بصرف النص عن ظاهره فلا مسوغ له . والله أعلم(١). (١) قلت: لا شك أن التأويل المذكور لا مسوغ له، ولكني أرى أن الجواب الصحيح هو أن الحديث منسوخ بنص حديثي أبي سعيد وأنس المذكورين، فانهما حديثان صحيحان، له عن أبي سعيد طريقان، أحدهما صحيح، وعن أنس ثلاث طرق أحدها صحيح أيضاً، وأما الكلام الذي أحال المصنف فيه على ((الفتح)) فليس فيه ما يمكن أن يكون علة في الحديث لا سيما إذا نظر إليه من جميع طرقه، فان كثرة الطرق للحديث تدل على أن له أصلا، فكيف إذا كان بعض مفرداتها صحيحاً في نفسه، وليس هذا مجال شرح ذلك، ومحله في ((إرواء الغليل)) (٩٣١١)، ولكن لا بأس من الاشارة الى شيء من كلام الحافظ رحمه الله مع التعليق الموجز عليه، قال في بعض طرق أنس : (( ورواته كلهم من رجال البخاري، إلا أن في المتن ما ينكر لأن فيه أن ذلك كان في الفتح، وجعفر كان قتل قبل ذلك)). = ٧٩٤ المسْألَّة الرَابعَة إشعار الهدي في (تاريخ بغداد) (٣٩٠/١٣) عن يوسف بن أسباط: (( .... وأشعر رسول الله عَّ الله وأصحابه، وقال أبو حنيفة: الإشعار مثلة)). قال الأستاذ (ص ٨٧): ((ليس من قوله فقط، بل هو أثر يرويه عن حماد عن إبراهيم النخعي كما يشير إلى ذلك الترمذي .... ، يريدان إشعار أهل زمانهما المبالغ فيه ولام التعريف تحمل على المعهود في زمانهما ... على أن الأعمش يقول: لم نسمع ابراهيم النخعي يقول شيئاً إلا وهو مروي، كما تجد ما بمعناه في (الحليه) لأبي نعيم، فيكون قول النخعي هذا أثراً يحتج به، وأنت عرفت قيمة مراسيل النخعي عند ابن عبد البر وغيره)) . قلت: وهذا سهو من الحافظ رحمه الله، فانه ليس في الحديث ذكر للفتح أصلا، = وعليه فالحديث صحيح لا نكارة فيه، والعجيب أن الحافظ ادعى ما سبق بعد أن ذكر الحديث بدون ذكر الفتح وهذا لفظه: ((أخرجه الدارقطني ولفظه: (( أول ما كرهت الحجامة للصائم، ان جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به رسول الله ماتے ، فقال: )أفطر هذان، ثم رخص النبي ◌َّه بعد في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم. رواته كلهم ثقات ... )). وهكذا هو عند الدارقطني في ((سننه)) (ص ٢٣٩). وإذا عرفت هذا اللفظة الصريح في النسخ يتبين لك أن قول المؤلف رحمه الله: (( ولو صح أمكن أن يكون مرادهما بالترخيص ما ذكره ابن عباس ... )) أنه غير ممكن، فتأمل . ن. ٧٩٥ أقول: أما الترمذي فروى من طريق وكيع حديث إشعار النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ثم قال: (( سمعت يوسف بن عيسى (وهو ثقة) يقول: سمعت وكيعاً يقول حين روى هذا الحديث قال: لا تنظروا إلى قول أهل الرأي في هذا فإن الإشعار سنة وقولهم بدعة)) قال الترمذي: سمعت أبا السائب (سلم بن جنادة وهو ثقة) يقول: كنا عند وكيع فقال لرجل عنده ممن ينظر في الرأي: أشعر رسول الله عَ الَّه ، ويقول أبو حنيفة: هو مثلة؟ قال الرجل: فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثلة. قال: فرأيت وكيعاً غضب غضباً شديداً، وقال: أقول لك: قال رسول الله ◌َّه، وتقول: قال إبراهيم؟ ما أحقك بأن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا )). القائل: ((فإنه قد روي عن إبراهيم)) لا يدري من هو وممن سمعه وكيف إسناده، ولکن الأستاذ بنی علی دعاوى: الأولى: أن ذاك الرجل ثقة . الثانية: أن قوله: (( فإنه قد روي)) معناه فإن أبا حنيفة روى. الثالثة : أنه سمع ذلك من أبي حنيفة . الرابعة: أن أبا حنيفة روى ذلك عن حماد، مع أنه لا ذكر لحماد في الحكاية . الخامسة: أن ذلك أثر، مع أن الأستاذ نقم نحو ذلك في (الترحيب) (ص ٢٨) فقال: ((وإطلاق الأثر على ما لم يؤثر عن النبي عَ لَّه وأصحابه رضي الله عنهم في دين الله شيء مبتكر في سبيل تقوية الخبر الزائف من هذا الناقد الصالح!)). السادسة : أن إبراهيم النخعي لم يكن يستنبط ولا يقيس وإنما كان يقول ما يرويه بنصه، والأستاذ يعلم أن المتواتر عن إبراهيم خلاف ذلك، غاية الأمر أنه يسوغ أن يقال: إنه لم يكن يفتي برأيه المحض، وإنما كان يستنبط من المرويات ويقيس عليها فيكون عرضة للخطأ كغيره. ٧٩٦ السابعة: أن تلك المرويات التي كان إبراهيم لا يتعدى منصوصها لا تشمل أقوال من قبله من التابعين ولا الصحابة وإنما هي النصوص النبوية فتكون أقوال إبراهيم وفتاواه كلها مراسيل أرسلها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم . الثامنة: أن ذلك حجة. ولا أطيل بمناقشة الأستاذ في هذه المزاعم، وقد رجع هو عن الثلاث الأخيرة بقوله: ((يريدان إشعار أهل زمانهما المبالغ فيه ... )) ومع ذلك فهذه دعوى جديدة، والظاهر الواضح من قول القائل: ((الإشعار مثلة)» الحكم على الإشعار مطلقاً ولو أراد ما زعمه الأستاذ لقال: ((المبالغة في الإشعار مثلة)) أو نحو ذلك. فأما إبراهيم فلم يثبت ذلك القول عنه، فلا ضرورة إلى الاعتذار عنه بعذر، إن دفع الملامة من جهة، أوقع فيها من جهتين : الأولى: الاطلاق الموهم للباطل . الثانية: اتهامُه جميع أهل زمانه وفيهم بقايا الصحابة والتابعون بالاطباق على ما لا يجوز حتى استساغ أن يطلق ولا يفصل. وأما أبو حنيفة فقد اعتذر عنه الطحاوي بقوله: ((إنما كره ما يفعل على وجه يخاف منه هلاك البُدْن ... فأراد سد هذا الباب عن العامة لأنهم لا يراعون الحدّ في ذلك، وأما من كان عارفاً بالسنة في ذلك فلا)). والمقصود هنا إثبات أن الاشعار سنة وذلك حاصل على كل حال . ٧٩٧ المسْألَة الخَامسَة المحرم لا يجد إزارا أو نعلين يلبس السراويل والخف ولا فدية عليه في (تاريخ بغداد) (٣٩٢/١٣) من طريق حماد بن زيد قال: ((شهدت أبا حنيفة وسئل عن محرم لم يجد إزاراً فلبس سراويل، قال: عليه الفدية، قلت: سبحان الله .... )) قال الأستاذ (ص ٩٤): (( ... فهذان إنما أبيحا لعذر كمن به أذى في رأسه فلا تحول هذه الإباحة دون وجوب الفدية كمن في رأسه أذى فَلَبِس، على ما في القرآن الكريم، وليس في الأحاديث ما يصرح بسقوط الفدية عن المعذور . أقول: الذي في القرآن هو قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَتِمُوا الحجّ والعمرةً لله، فإن أَحْصِرْتُم فما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي، ولا تحلقُوا رؤوسَكُم حتى يَبْلِغَ الهَدْيُ مَحلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أُو بِهِ أَذى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ من صيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أو نُسُك﴾(١). فالذي في الآية الحلق، فقول الأستاذ ((فلبس، على ما في القرآن الكريم)) لاوجه له اللهم إلا أن يريد: قياساً على ما في القرآن ففي عبارته تلبيس ومع ذلك ففي صحة القياس نظر لتوقفها على عدم فارق، والفارق هنا قائم فإن الحلق شديد المنافاة للإحرام بدليل انه جعل علماً للخروج من الإحرام - أعني التحلل - كما جعل السلام علماً على الخروج من الصلاة، والسلام من خطاب الناس وهو أشد (١) البقرة (١٩٦). ٧٩٨ منافاة للصلاة من غيره بدليل أنه لا يجوز منه في الصلاة قليل ولا كثير حتى في حال القتال، وإن احتاج إليه لاستغاثة مثلاً بخلاف الحركة مثلاً فإنها وإن كانت منافية للصلاة أيضاً إلا أنه يجوز القليل منها مطلقاً ويجوز الكثير في صلاة الخوف، فالتشديد في الحلق لا يستلزم التشديد فيما هو أخف منه؛ فإن كان هناك إجماع على وجوب الفدية على من احتاج إلى لبس عمامة لمرض مثلاً فلا يقاس عليه لبس فاقد الإزار للسراويل، وفاقد النعلين للخفين، لأن ستر الرأس غير مطلوب شرعاً كطلب ستر العورة ووقاية الرجلين مما قد يمنع من استطاعة المشي إلى الحج وأداء أعماله، والتشديد في الأول لا يستلزم التشديد في الثاني؛ فأما قياس لبس السراويل والخفين على الحلق المنصوص في القرآن فأبعد عن الصحة لاجتماع الفارقين معاً، فإن قيل: أرأيت إذا تمكن فاقد الازار من فتق السراويل وتلفيقه بالخياطة حتى يكون إزاراً كافياً له، وتمكن فاقد النعلين من تقطيع الخفين حتى يصيرا نعلين؟ قلت: لا يتجه إلزامه ذلك لأنه يكثر أن لا يتمكن الانسان من ذلك، وإذا تمكن ففيه إفساد للال ینقص قیمته ومنفعته؛ هذا وقد صح في الباب حديثان: الأول حديث ابن عمر في (الصحيحين) وغيرهما أن النبي ◌َِّ سئل عما يلبس المحرم فقال: ((لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين .... )) ويؤخذ منه من باب أولى الإذن في السراويل لمن لم يجد إزاراً لأن الحاجة إلى ستر أسفل البدن أشد، وكونه مطلوباً شرعاً أظهر، ويبقى النظر في القطع، فقد يقال كما أمر بقطع أعلى الخفين فكذلك ينبغي قطع ما تحت الركبتين من السراويل؛ وقد يقال: إنما يقطع ما تحت أنصاف الساقين لأن ما فوق ذلك إلى الركبة مشروع ستره أيضاً وإن لم يجب بخلاف ستر الكعبين وما فوقهما، وقد يقال لا يتعين القطع بل الأولى العطف والتثبيت بالخياطة لأن ذلك محصل للمقصود بدون إفساد، ولو كان يتأتى نحو ذلك في الخفين لقلنا به فيهما أيضاً، فأما فتق السراويل ثم تلفيقه بالخياطة حتى يكون إزاراً فقد دل على عدم لزومه اكتفاء الحديث بما اكتفى به في الخفين ولم ٧٩٩ يشترط تقطيعهما حتى يصيرا نعلين . الحديث الثاني: حديث ابن عباس في (الصحيحين) وغيرهما (( سمعت رسول الله عَ لّه يخطب بعرفات: من لم يجد إزراً فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين)) ففي هذا الحديث النص على السراويل والخفين معاً ولم يذكر القطع، فمن أهل العلم من أخذ به على إطلاقه، وقال إنه ناسخ للأمر بقطع الخفين لأن حديث ابن عباس متأخر، ومنهم من حمل المطلق على المقيد فقال بقطع الخفين، فعلى الأول يكون عدم وجوب قطع السراويل أولى، أما على الثاني فقد يتمسك فيه بالاطلاق، وقد يقال بل یکون حکمه ما تقدم في الكلام على الحديث الأول، وعلى كل حال فسكوت الحديثين عن ذكر الفدية يدل أنها لا تجب، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، والبيان المتقدم في القرآن لم يتعرض لقضية السراويل والخفين لا نصاً ولا تنبيهاً كما تقدم؛ والله أعلم . المسْألَة السَادسَة .٠ درهم وجوزة بدرهمين في (تاريخ بغداد) (٤١٢/١٣) عن خالد بن يزيد بن أبي مالك قال: ((أحل أبو حنيفة الزنا وأحل الربا .... أما تحليل الربا فقال: درهم وجوزة بدرهمين نسيئة لا بأس به .... )) قال الأستاذ (ص ١٤٥): ((فرية بلا مرية لأنها على خلاف المدون في مذهبه، وأبو حنيفة من أشد الفقهاء في النسيئة)). أقول: إن صح كلام الأستاذ فقد يكون أبو حنيفة قال قولاً ثم رجع عنه، وقد يكون خالد رأى أن إجازة ذلك نقداً تستلزم إجازة نحوه نسيئة كما يأتي، وبيان ٨٠٠