النص المفهرس

صفحات 681-700

القاسم يونس بن طاهر بن محمد بن يونس بن خيُّو النضري الخيوي من أهل بلخ
الملقب شيخ الاسلام .. )) ولم يذكر فيه توثيقاً ولا جرحاً والله أعلم به وبعض الطرق
المتقدمة من طريقه وزاد بسند كلهم مجاهيل عن أبان عن أنس، وبسند كلهم
مجاهيل عن أبي هُدبة عن أنس، وبسند كلهم مجاهيل عن موسى الطويل عن ثابت
عن أنس، وبسند كلهم مجاهيل عن حماد عن رجل عن نافع عن ابن عمر، وبسند
كلهم مجاهيل عن أبي قتادة الحراني عن جعفر بن محمد عن جويبر عن الضحاك عن
ابن عباس. هذا ما وقفت عليه، فالأربعة الأولون قد عرفتهم، وأما الخامس وهو
النضري فالله أعلم به، وعلى كل حال فكان بين قوم أعاجم جهال متعصبين لا بدع
أن يتقربوا إلى الله عز وجل بتكثير الطرق وكلهم مجاهيل، وأبان وأبو هدية
وموسى الطويل ثلاثتهم هلكى، ومع ذلك لا أراهم إلا أبرياء من هذا الحديث،
وإلا لاشتهر في زمانهم. فما باله لم يعرف له أثر إلا بعد أن وضعه الجويباري في
القرن الثالث؟ وأبو قتادة الحراني فسد بأخرة ومع ذلك لا أراه إلا بريئاً من هذا
وحماد الذي روى عنه عن رجل عن نافع عن ابن عمر لا أدري من هو وربما يكون
المقصود حماد بن أبي حنيفة فإنه قد قيل إنه يروي عن مالك عن نافع عن ابن عمر،
فكأن بعض المجاهيل سمع بذلك فركب السند إليه بهذا الحديث فاستحيا النضري
عن أن يقول عن مالك عن نافع عن ابن عمر فيكون أشنع للفضيحة فكنى عن
مالك برجل!
هذا ومن شأن الدجالين أن يركب أحدهم للحديث الواحد عدة أسانيد تغريراً
للجهال وأن يضع أحدهم فيسرق الآخر ويركب سنداً من عنده، ومن شأن الجهال
المتعصبين أن يتقربوا بالوضع والسرقة وتركيب الأسانيد وقد قال أبو العباس
القرطبي: ((استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دل عليه القياس إلى
رسول الله عَ اله ... ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها
موضوعة لأنها تشبه فتاوى الفقهاء ... ولأنهم لا يقيمون لها سنداً صحيحاً)). وقد
أشار إلى هذا ابن الصلاح بقوله: ((وكذا المتفقهة الذين استجازوا نسبة ما دل عليه
٦٨١

القياس إلى النبي عَ لّهِ)).
فتدبر ما شرحناه ثم تأمل ما تقدم عن العيني، ثم راجع الطرق الكثيرة بالأسانيد
الصحيحة لقصة استتابة أبي حنيفة من الكفر مرتين وأكثر تلك الطرق مسلسلة
بالرجال المعروفين ما بين محدث ثقة وحافظ ثقة وإمام شهير، وانظر ما يقول فيها
العيني والكوثري حتى كأن أئمة الحديث ورجاله وفقهاء المذاهب الأخرى أهل عند
العيني والكوثري لكل كذب، وإن اشتهروا بالإمامة والثقة والصدق والتقوى
بخلاف أصحابها أهل الرأي كأنه لا يكون منهم ولا من حمرهم وكلابهم إلا
الصدق. ومع ذلك يرمي هؤلاء القوم مخالفهم بالتعصب واتباع الهوى ويكثر
الأستاذ من قوله: ((وقانا الله اتباع الهوى. نسأل الله الصون. نسأل الله السلامة))
وأشباه ذلك! ويتحرى بهذه الكلمات مواضع ارتكابه الموبقات! والله المستعان(١).
٢٠٨ - محمد بن الصقر بن عبد الرحمن. مرت روايته في ترجمة عبد الله بن
صالح. قال الأستاذ(ص ٢٩): ((فالصقر وعبد الرحمن من الكذابين المعروفين)).
أقول: لا أدري أوهم الأستاذ؟ ﴿أَمْ لم يُنَبَّأُ بما في صُحُفِ مُوسى. وإبراهيمَ
الَّذِي وَفّى. ألاَّ تَزْرَ وَازِرَةٌ وَزْرَ أَخْرى﴾ (٢) ؟!
٢٠٩ - محمد بن العباس بن حيويه أبو عمر الخزاز. راجع (الطليعة) (ص ٤٠
- ٤١) حاول الأستاذ في (الترحيب) (ص ٣٨ - ٤٠) أن يجيب فتغافل عن
الدليل الواضح وهو أن الذي في الحكاية ((أبو الحسن ابن الرزاز)) وصاحب هذا
الاسم موجود وهو علي بن موسى فكيف يعدل عنه إلى من لم يذكر بهذا الإسم
أصلاً وهو علي بن أحمد فإنه وإن كان يكنى أبا الحسن فإنما تكرر وصفه في ترجمته
وغيرها مراراً كثيرة بأنه ((الرزاز)) وذكروا أنه كان له دكان يبيع فيه الأرز ولم
(١) محمد بن سليمان الباغندي - يأتي في ترجمة ابنه محمد بن محمد. محمد بن شجاع ابن الثلجي -
تقدم بعض ما يتعلق به في ترجمة حماد بن سلمة .
(٢) النجم (٣٧).
٦٨٢

يوصف قط بأنه ((ابن الرزاز)). وذهب الأستاذ يصارع ما ذكرت من أن علي بن
أحمد أصغر من ابن حيويه بأربعين سنة ولا تعرف بينهما علاقة، فذكر (( أنهما من
أهل بغداد وعاشا هناك متعاصرين سبعاً وأربعين سنة فماذا كان يمنع هذا من
الاجتماع بذاك؟)).
أقول: أنا لم أدع امتناع الاجتماع وإنما بينت أن مما يرجح أن المراد في الحكاية
ابن الرزاز وهو علي بن موسى أنه من شيوخ ابن حيويه بخلاف الرزاز وهو علي بن
أحمد فإنه أصغر منه ولا تعرف له به علاقة. وأزيد الأمر إيضاحاً فأقول:
عبارة الأزهري: ((كان أبو عمر بن حيويه مكثراً، وكان فيه تسامح، لربما
أراد أن يقرأ شيئاً، ولا يقرب أصله منه فيقرؤه من كتاب أبي الحسن ابن الرزاز
لثقته بذلك الكتاب، وإن لم يكن فيه سماعه، وكان مع ذلك ثقة)). فيؤخذ منها مع
ما تقدم أمور:
الأول: أنها تقتضي أن ذاك الكتاب كان في متناول ابن حيويه في كثير من
الأوقات واحتمال أن يكون كتاب علي بن موسى أبي الحسن بن الرزاز صار بعد
وفاته إلى تلميذه ابن حيويه فكان في متناوله، أقرب من احتمال أن يكون كتاب
علي بن أحمد الرزاز الذي ولد بعد ابن حيويه بأربعين سنة ولا تعرف بينهما علاقة
كان يكون في متناول ابن حيويه. وهذه الأقربية لا يدفعها احتمال اجتماع ابن حيويه
بعلي بن أحمد الرزاز.
الأمر الثاني: أن في عبارة الأزهري: ((لثقته بذلك الكتاب)) وابن حيويه يصفه
الأزهري في العبارة نفسها بأنه ثقة. ويصفه العتيقي بأنه ((كان ثقة صالحاً ديناً))
وبأنه ((كان ثقة متيقظاً)) ويصفه البرقاني بأنه ((ثقة ثبت حجة)) ومن كانت هذه
صفته فاحتمال أن يثق بكتاب أستاذه الذي كان فاضلاً أديباً ثقة ولعله قد قابله
بأصله أقرب من احتمال أن يثق بكتاب من ولد بعده بأربعين سنة ولا تعرف بينهما
علاقة .
٦٨٣

الأمر الثالث: عبارة الأزهري تقتضي أنه لم يتفق لابن حيويه القراءة من غير
أصله إلا من ذلك الكتاب، واقتصاره من الوثوق بغير أصله على كتابٍ لأستاذه
معقول بخلاف اقتصاره على كتاب لإنسان أصغر منه بأربعين سنة ولا تعرف بينهما
علاقة، فلو كان ابن حيويه يتساهل بالقراءة من كتاب لعلي بن أحمد لتساهل في
القراءة من كتب جماعة أكبر من علي بن أحمد وأوثق وعلاقتهم بابن حيويه معروفة.
الأمر الرابع: إطلاق البرقاني مع إمانته وجلالته والعتيقي مع ثقته وتيقظه ذاك
الثناء البالغ على ابن حيويه يدل على أنه لم یکن منه تساهل يخدش فيما أثنیا علیه به،
والأزهري وإن ذكر التساهل فقد عقبه بقوله: ((وكان مع ذلك ثقة))، فهذا يقضي
أنه إن ساغ أن يسمى ما وقع منه تساهلاً فهو تساهل عرفي لا يخدش في الثقة
والتيقظ والحجة، وهذا إنما يكون بفرض أن ذاك الكتاب الذي قرأ منه كان
موثوقاً به وبمطابقته لأصل ابن حيويه، وإنما فيه أنه ليس هو أصله الذي كتب
عليه سماعه وقد كانوا يكرهون مثل هذا، وذلك من باب سد الذريعة، فأما أن يثق
بكتاب لأصغر منه بأربعين سنة ولا تعرف بينهما علاقة ولا يوثق بمطابقته لأصله
فعبارتهم تدفع هذا أشد الدفع.
قال الأستاذ: ((رواية الخزاز لو كانت عن كتاب أحد شيوخه لكانت روايته
من أصل شيخه ولما كان يُرمى بالتسامح)) .
أقول: علي بن موسى أبو الحسن ابن الرزاز شيخ الخزاز حتماً، ثم هناك
احتمالان:
الأول: أن يكون شيخه في ذاك الكتاب .
الثاني: أن لا يكون شيخه فيه وإنما سمعه الخزاز من رجل آخر.
فعلى الأول وهو الذي بنى عليه الأستاذ فصورة التساهل موجودة فإنه من المقرر
عندهم أن التلميذ إذا سمع وضبط أصله ثم بعد مدة وجد في أصل شيخه زيادة أو
٦٨٤

مخالفة لما في أصله لم يكن له أن يروي إلا ما في أصله، وقد قال حمزة السهمي في
(تاريخ جرجان) (ص ١٢٢ - ١٢٣) ((أخبرنا أبو أحمد بن عدي .... أن النبي
عَ الّه قال: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم . - في كتابي بخطي: عثراتهم - ورأيت في
كتاب ابن عدي بخطه: عقوبتهم)) فلو أن حمزة روى ذاك الحديث وقال:
((عقوبتهم)) ثم رأى أهل العلم أصله وفيه ((عثراتهم)) فراجعوه في ذلك فقال: نعم، ولكني
بعد سماعي بمدة رأيت في أصل شيخي ((عقوبتهم)) لعدوا هذا تساهلاً. ومن روی
من أصل شيخه لا يأمن أن يقع في نحو هذا إلا إذا كان قد كرر المقابلة حتى وثق
كل الوثوق بالمطابقة، والأولى به وإن وثق كل الوثوق أن لا يروي إلا من أصل
نفسه فان كان الخزاز سمع ذاك الكتاب من أبي الحسن ابن الرزاز فتساهله هو
ترك الأولى كما عرفت. وعلى الاحتمال الثاني لا يكون للخزاز أن يروي من كتاب
ليس هو أصله ولا أصل شيخه إلا أن يقابله بأصله مقابلة دقيقة فيثق بمطابقته
لأصله، ومع ذلك فالأولى به أن لا يروي إلا من أصله، وعلى هذا فتساهل الخزاز
هو في ترك الأولى كما اقتضته عباراتهم في الثناء عليه كما مر.
قال الأستاذ: (( وكان ينبغي أن يذكر في السند اسم شيخه الذي ناوله أصله،
وليس بمعقول أن يهمل التلميذ ذكر شيخه في سند ما حمله وتلقاه بطريقه)).
أقول: هذا مبني على الاحتمال الأول وأن لا يكون الخزاز سمع الكتاب أصلاً
وإنما ناوله إياه ابن الرزاز، والذي نقوله إنه إن كان على الاحتمال الأول فالخزاز
سمع ذاك الكتاب سماعاً من ابن الرزاز، وإلا لغمزوه بأنه يعتمد على الإجازة بل
عبارة الأزهري نفسه تصرح بهذا فإن فيها (( ربما أراد أن يقرأ شيئاً ولا يقرب
أصله منه فيقرؤه من كتاب أبي الحسن بن الرزاز)) وهذا يدل أن له أصلاً بذاك
المصنف غير ذاك الكتاب، إلا أنه لم يقرب منه ولو كان إنما يرويه بمناولة الشيخ
ذاك الكتاب لما كان له أصل آخر. ثم إن كان سمع ذاك المصنف من ابن الرزاز
فقد كان إذا قرأ منه قال: ((أخبرنا أبو الحسن ابن الرزاز)) ثم يقرأ من الكتاب،
وإن كان إنما سمعه من غير ابن الرزاز فإنما كان يذكر اسم شيخه في ذاك المصنف
,٠
٦٨٥

ولا معنى لذكر ابن الرزاز. فإن بنى الأستاذ على الاحتمال الأول وقال: لكني لم أر
في (تاريخ الخطيب) شيئاً رواه الخطيب من طريق الخزاز عن ابن الرزاز.
قلت: أما كونه شيخه، فقد صرح به الخطيب؛ وأما اجتناب الخطيب أن يروي
من طريق الخزاز عن ابن الرزاز فذاك من كمال احتياط الخطيب وتثبته البارع لم
تطب نفسه أن يروي من ذاك الوجه الذي قد قيل فيه، وإن كان ذاك القيل لا
يضر. والله أعلم .
٢١٠ - محمد بن عبد الله بن أبان أبو بكر الهِيتي. في (تاريخ بغداد)
(٣٨٢/١٣) ((أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبان الهيتي حدثنا أحمد بن سلمان النجاد
حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: كان أبو حنيفة استتيب؟ قال:
نعم)). قال الأستاذ (ص ٦٥) ((كان مغفلاً مع خلوه من علم الحديث كما يقول
الخطيب)).
أقول: أول عبارة الخطيب: ((كانت أصول أبي بكر الهيتي سقيمة كثيرة الخطأ
إلا أنه كان شيخاً مستوراً صالحاً فقيراً مُقِلاً معروفاً بالخير وكان مغفلاً .... ))
والخطيب معروف بالتيقظ والتثبت فلم يكن ليروي عن هذا الرجل إلا ما يثق
بصحته، وقضية الاستتابة متواترة .
٢١١ - محمد بن عبد الله بن إبراهيم أبو بكر الشافعي قال الأستاذ(ص ١١١)
(( يكثر المصنف عنه جداً في مثالب أبي حنيفة وكان كلفا بأن يدعى بالشافعي
وليس له عمل في مذهب الشافعي غير النيل من فقيه الملة بالرواية عن مجاهيل
وكذابين في مثالبه .... وأنت تعلم أن كثيراً من النقاد لا يقبل كلام الناس بعضهم
في بعض عند اختلاف مذاهبهم ... حتى أن الإمام الشافعي لا يقبل شهادة
المتعصب).
٦٨٦

أقول: قد تتبعت تلك الروايات فلم أرَ في شيوخه فيها كذابينَ ولا مجاهيل إنما
له رواية واحدة عن الكديمي، والكديمي قد وثقه بعضهم، وأطلق بعضهم تكذيبه،
وروايتان أخرينا عن رجل لم أظفر بتوثيقه، وآخر لم أظفر بترجمته، وسائر رواياته
عن الثقات المعروفين، ولم يعرف هذا الرجل بتعصب، وأما قضية اختلاف المذاهب
وزعم أن الشافعي يرد شهادة المتعصب فقد مر تحقيقه في القواعد. وأبو بكر ثقة .
حافظ متفق على توثيقه وتثبيته، راجع ترجمته في (تاريخ بغداد) و (تذكرة
الحفاظ) .
٢١٢ - محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الحافظ، لقبه ((مُطَيِّن)) تقدمت
الإشارة إلى روايته في ترجمة عامر بن إسماعيل. قال الأستاذ (ص ٣٨): ((تكلم فيه
محمد بن أبي شيبة)).
يعني محمد بن عثمان بن أبي شيبة وستأتي ترجمته وقول الأستاذ فيه: ((الكذاب
كذبه غير واحد))! وقوله: ((الكذاب مكشوف الأمر)) فإن كانت هذه أو نصفها
حاله عنده فكيف يعتد بكلامه في هذا الحافظ الجليل الذي قال فيه الدارقطني :
((ثقة جبل)) والأستاذ يعلم أنه كانت بين الرجلين ثغرة شديدة وهو يكرر رد الرواية
بما دونها، فكيف لا يرد بها قول أحدهما في الآخر! على أن ذاك الكلام ليس فيه
بحمد الله ما يقدح، لكن غير الأستاذ يلام على تشبثه بما يعلم بطلانه !!
٢١٣ - محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. موت روايته في ترجمة الشافعي. قال
الأستاذ (ص ١٣٧): ((لا أتكلم ... ولا بنقل ما قاله الحميدي والربيع المؤذن في
ابن عبد الحكيم ... )).
أقول: أما كلمة الحميدي في ابن عبد الحكم فهي ككلمة ابن عبد الحكم في
الحميدي، فلتة لسان عند استحقاق غضب كما سبق في ترجمة الحميدي فلا تضر ذا
ولا ذاك كما سبق في القواعد. وأما مقالة الربيع فقد أجاب عنها أهل العلم كما في
٦٨٧

(التهذيب) وغيره. ووثقوا ابن عبد الحكم.
٢١٤ - محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي الحافظ. في (تاريخ بغداد)
(٤٠٧/١٣) من طريق (( الحسين بن إدريس قال ابن عمار: إذا شككت في شيء
نظرت إلى ما قال أبو حنيفة .... )) قال الأستاذ(ص ١٣٣): (( قال ابن عدي: رأيت
أبا يعلى سيء القول فيه ويقول شهد على خالي بالزور وله عن أهل الموصل أفراد
وغرائب إهـ. وأبو يعلى الموصلي من أعرف الناس به، وكلامه قاضٍ على كلام
الآخرين)) .
أقول: آخر ما حكاه ابن عدي عن أبي يعلى قوله ((بالزور))، ثم قال ابن عدي:
(( وابن عمار ثقة حسن الحديث عن أهل الموصل معافى بن عمران وغيره وعنده
عنهم أفراد وغرائب وقد شهد أحمد بن حنبل أنه رآه عند يحيى القطان ولم أر أحداً
من مشايخنا يذكروه بغير الجميل، وهو عندهم ثقة)) ووثقه وأثنى عليه جماعة
كثيرة، فأما أبو يعلى فكانت بينه وبين ابن عمار مباعدة ما في المذهب كما يدل عليه
عكوف أبي يعلى على سماع كتب أهل الرأي من بشر بن الوليد، وردفتها كدورة
عائلية كما يدل عليه قول أبي يعلى: ((شهد على خالي بالزور)) وهذه كلمة مرسلة لم
يبين ما هو الزور؟ ومن أين عرف أبو يعلى أنه زور؟ وعلى فرض تحققه ذلك فهل
تعمد ابن عمار الشهادة بالباطل أو أخطأ؟ وإعراض الناس - ومنهم ابن عدي حاكي
الكلمة عن أبي يعلى - عن كلمته يبين أنها كلمة طائشة لا تستحق أن يلتفت إليها .
وابن عمار أكبر من أبي يعلى بنحو خمسين سنة فلعل أبا يعلى سمع خاله - ومن
خاله؟ - يقول: شهد على ابن عمار بالزور فأخذها أبو يعلى ولم يحققها، وقدمنا في
القواعد أنه إذا ظهر أن بين الرجلين ثغرة لم يقبل ما يقوله أحدهما في الآخر إلا
مفسراً محققاً مثبتاً، ويتأكد ذلك بإعراض الناس عن كلمة أبي يعلى وإجماعهم على
توثيق ابن عمار. فأما الغرائب فقد دلت كلمة ابن عدي على أنها غرائب صحاح
ولهذا ذكرها في صدد المدح، فحوله الكوثري إلى القدح. والله المستعان .
٢١٥ - محمد بن عبد الله بن محمد بن حموديه أبو عبد الله الضبي الحاكم
٦٨٨

النيسابوري. قال الأستاذ (ص ٧٠): ((اختلط في آخره اختلاطاً شنيعاً على تعصبه
البالغ)) وقال (ص ١٤٩): ((شديد التعصب اختلط في آخره، ويقال عنه أنه كان
رافضياً خبيثاً)).
أقول: أما التعصب فإن كان للحاكم طرف منه ففي تشيعه الخفيف، أما على
أهل الرأي فلم يعرف بتعصب وقد سبق حكم التعصب في المقدمة، وأما قول
بعضهم ((إمام في الحديث رافضي خبيث)) فقد أجاب عنها الذهبي في (الميزان)
قال: ((إن الله يحب الإنصاف ما الرجل برافضي، بل شيعي فقط)). وتذكرني هذه
الكلمة ما حكوه أن الصاحب ابن عباد كتب إلى قاضي قم:
أيها القاضي بقم قد عزلناك فقم
فقال القاضي: ما عزلتني إلا هذه السجعة. وأما قول الكوثري ((اختلط ....
اختلاطاً شنيعاً)) فمجازفة، بل لم يختلط، وإنما قال ابن حجر في (اللان) بعد أن
ذكر ما في (المستدرك) من التساهل: ((قيل في الإعتذار عنه أنه عند تصنيفه لـ
(المستدرك) كان في أواخر عمره، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر
عمره ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب (الضعفاء) له وقطع بترك الرواية
عنهم ومنع من الاحتجاج بهم، " أخرج أحاديث بعضهم في (مستدركه)
وصححها)) ولعل المراد بقوله ((ذكر بعضهم)) ما في (تذكرة الحفاظ) عن بعضهم
أن الحاكم قال له: ((إذا ذاكرتُ في باب لا بد من المطالعة لكبر سني)) وهذا لا
يستلزم الغفلة، ومع ذلك فقوله ((تغير وغفلة)) لا يؤدي معنى الاختلاط، فكيف
الاختلاط الشنيع؟ وقد رأيت في (المستدرك) المطبوع إثبات تواريخ السماع على
الحاكم في أوله أي (ج ١ ص ٢ ثم ص ٣٦ فـ ص ٦٩ فـ ص ٩٤ فـ ص ١٢٩ فـ
ص ١٦٣)، وتاريخ الأول سابع المحرم سنة ٣٩٣ (١)، والثاني بعد ثلاثة أشهر
(١) وقع في موضعين من المواضع المشار اليها من ((المستدرك)) وهما ص ٢ و٩٤ سنة
ثلاث وسبعين، وهو خطأ مطبعي، ولذلك لم يعرج عليه المؤلف رحمه اللّه تعالى . ن .
٦٨٩

تقريباً، وهكذا بعد كل ثلاثة أشهر يملي جزءاً في نيف وثلاثين صفحة من المطبوع،
ولم يستمر إثبات ذلك في جميع الكتاب، وآخر ما وجدته فيه (ج ٣ ص ١٥٦) في
غرة ذي القعدة سنة ٤٠٢ وهذا يدل أن تلك الطريقة استمرت منتظمة إلى ذاك
الموضع، فأما بعد ذلك فالله أعلم، فإنه لو بقي ذاك الإنتظام لم يتم الكتاب إلا سنة
٤١٠ لكن الحاكم توفي سنة ٤٠٥ وفي المجلد الرابع (ص ٢٤٩) ذكر الحاكم أول
سند ((أخبرنا الحاكم أبو عبد الله .... )) لكن بلا تاريخ. هذا واقتصاره في كل
ثلاثة أشهر على مجلس واحد يملي فيه جزءاً بذاك القدر يدل أنه إنما ألف الكتاب
في تلك المدة، فكان الحاكم مع اشتغاله بمؤلفاتٍ أخرى يشتغل بتأليف (المستدرك)
والتزم أن يحضر في كل ثلاثة أشهر جزءاً ويخرجه للناس فيسمعونه إذ لو كان قد
ألف الكتاب قبل ذلك وبيضه فلماذا يقتصر في إسماع الناس على يوم في كل ثلاثة
أشهر؟ فأما إسراعه في الأواخر فلعله فرغ من مصنفاته الأخرى التي كان يشتغل
بها مع (المستدرك) فتفرغ لـ (المستدرك) وفي (فتح المغيث) ص ١٣ عند ذكر
تساهل الحاكم في (المستدرك) ((فيه عدة موضوعات حمله على تصحيحها إما
التعصب لما رمي بها من التشيع، وإما غيره فضلاً عن الضعيف وغيره، بل يقال: إن
السبب في ذلك أنه صنفه في أواخر عمره وقد حصلت له غفلة وتغير وأنه لم يتيسر
له تحريره وتنقيحه، ويدل له أن تساهله في قدر الخمس الأول منه قليل جداً
بالنسبة لما فيه فإنه وجد عنده: إلى هنا انتهى إملاء الحاكم)).
أقول: لا أرى الذنب للتشيع فإِنه يتساهل في فضائل بقية الصحابة كالشيخين
وغيرهما(١)، وفي المطبوع (ج ٣ ص ١٥٦) ((حدثنا الحاكم ... إملاء غرة ذي
العقدة سنة اثنتين وأربعمائة)) وعادته كما تقدم أن يملي في المجلس جزءاً في بضع
وثلاثين صفحة من المطبوع فقد أملى إلى نحو صفحة ١٩٠ من المجلد الثالث
المطبوع وذلك أكثر من نصف الكتاب فأما الموضع الذي في (ج ٤ ص ٣٤٩) فإنما
فيه ((أخبرنا ... )) وليست فيه لفظ ((إملاء)) ولا ذكر التاريخ.
(١) قلت: وفي غير الفضائل ايضا، مما يؤكد ان السبب ليس هو التعصب. ن.
٦٩٠

والذي يظهر لي في ما وقع في (المستدرك) من الخلل أن له عدة أسباب:
الأول: حرص الحاكم على الإكثار وقد قال في خطبة (المستدرك): ((قد نبغ في
عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يشمتون برواة الآثار بأن جميع ما يصح عندكم من
الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على ألف
جزء أو أقل أو أكثر كلها سقيمة غير صحيحة)) فكان له هوى في الإكثار للرد
على هؤلاء .
والثاني: أنه قد يقع له الحديث بسند عال أو يكون غريباً مما يتنافس فيه
المحدثون فيحرص على إثباته، وفي (تذكرة الحفاظ) (ج ٢ ص ٢٧٠) ((قال
الحافظ أبو عبدالله الأخرم استعان بي السراج في تخريجه في (صحيح مسلم) فكنت
أتخير من كثرة حديثه وحسن أصوله، وكان إذا وجد الخبر عالياً يقول: لا بد أن
نكتبه (يعني في المستخرج) فأقول: ليس من شرط صاحبنا (يعني مسلماً) فشفعني
فيه)). فعرض للحاكم نحو هذا كلما وجد عنده حديثاً يفرح بعلوه أو غرابته اشتهى
أن يثبته في ( المستدرك).
الثالث: أنه لأجل السببين الأولين ولكي يخفف عن نفسه من التعب في البحث والنظر
لم يلتزم أن لا يخرج ماله علة وأشار إلى ذلك، قال في الخطبة: ((سألني جماعة ...
أن أجمع كتاباً يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم به
الحجاج بمثلها إذ لا سبيل إلى إخراج مالا علة له فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك
لأنفسهما)) ولم يصب في هذا فإن الشيخين ملتزمان أن لا يخرجا إلا ما غلب على
ظنهما بعد النظر والبحث والتدبر أنه ليس له علة قادحة، وظاهر كلامه أنه لم يلتفت
إلى العلل البتة وأنه يخرج ما كان رجاله مثل رجالهما وإن لم يغلب على ظنه أنه ليس
له علة قادحة .
الرابع: أنه لأجل السببين الأولين توسع في معنى قوله: ((بأسانيد يحتج ...
بمثلها))، فبنى على أن في رجال الصحيحين من فيه كلام فأخرج عن جماعة يعلم أن
٦٩١

فيهم كلاماً. ومحل التوسع أن الشيخين إنما يخرجان لمن فيه كلام في مواضع
معروفة .
أحدها: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذلك الكلام لا يضره في روايته البتة، كما
أخرج البخاري لعكرمة .
الثاني: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام إنما يقتضي أنه لا يصلح
للاحتجاج به وحده، ويريان أنه يصلح لأن يحتج به مقروناً أو حيث تابعه غيره
ونحو ذلك .
ثالثها : أن يريا أن الضعف الذي في الرجل خاص بروايته عن فلان من شيوخه،
أو برواية فلان عنه، أو بما يسمع منه من غير كتابه،
أو بما سمع منه بعد اختلاطه، أو بما جاء عنه عنعنة وهو
مدلس ولم يأت عنه من وجه آخر ما يدفع ريبة التدليس. فيخرجان للرجل حيث
يصلح ولا يخرجان له حيث لا يصلح. وقصر الحاكم في مراعاة هذا وزاد فأخرج في
مواضع لمن لم يخرجا ولا أحدهما له بناء على أنه نظير من قد أخرجا له، فلو قيل
له: كيف أخرجت لهذا وهو متكلم فيه؟ لعله يجيب بأنهما قد أخرجا لفلان وفيه
كلام قريب من الكلام في هذا ولووفى بهذا لهان الخطب، لكنه لم يف به بل أخرج
لجماعة هلكى .
الخامس: أنه شرع في تأليف (المستدرك) بعد أن بلغ عمره اثنتين وسبعين سنة
وقد ضعفت ذاكرته كما تقدم عنه وكان فيما يظهر تحت يده كتب أخرى يصنفها
مع (المستدرك) وقد استشعر قرب أجله فهو حريص على إتمام (المستدرك) عدة
أوهام من هذا القبيل يجزم بها فيقول في الرجل: قد أخرج له مسلم، مثلاً، مع أن
مسلماً إنما أخرج لرجل آخر شبيه اسمُه باسمِهِ، ويقول في الرجل: فلان الواقع في
السند هو فلان بن فلان. والصواب أنه غيره .
لكنه مع هذا كله لم يقع خلل ما في روايته لأنه إنما كان ينقل من أصوله
المضبوطة، وإنما وقع الخلل في أحكامه، فكل حديث في (المستدرك) فقد سمعه
٦٩٢

الحاكم كما هو، هذا هو القدر الذي تحصل به الثقة، فأما حكمه بأنه على شرط
الشيخين، أو أنه صحيح، أو أن فلاناً المذكور فيه صحابي، أو أنه هو فلان بن
فلان، ونحو ذلك، فهذا قد وقع فيه(١) كثير من الخلل .
هذا وذكرهم للحاكم بالتساهل إنما يخصونه بـ (المستدرك) فكتبه في الجرح
والتعديل لم يغمزه أحد بشيء مما فيها فيما أعلم، وبهذا يتبين أن التشبث بما وقع له في
(المستدرك) وبكلامهم فيه لأجله إن كان لإيجاب التروي في أحكامه التي في
(المستدرك) فهو وجيه، وإن كان للقدح في روايته أو في أحكامه في غير
(المستدرك) في الجرح والتعديل ونحوه فلا وجه لذلك، بل حاله في ذلك كحال
غيره من الأئمة العارفين، إن وقع له خطأ فنادر كما يقع لغيره، والحكم في ذلك
إطراح ما قام الدليل على أنه أخطأ فيه، وقبول ما عداه. والله الموفق .
٢١٦ - محمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالله أبو المفضل الشيباني. في (تاريخ
بغداد) (٣٩٦/١٣): ((أخبرني الأزهري حدثنا أبو المفضل الشيباني حدثنا
عبدالله بن أحمد الجصاص ... )). قال الأستاذ(ص ١٠٧): ((كتبوا عنه ثم بان كذبه
فتركوا حديثه كما في (تاريخ الخطيب) (ج ٥ ص ٤٦٧))).
أقول: ذكروا أنه كان ذا هيئة وسمت حسن يحفظ فانتخب عليه الدار قطني سبعة عشر
جزءاً وسمعها الناس منه وقال الدارقطني: (( يشبه الشيوخ)) ثم روى عن ابن العراد
شيئاً، فقيل له: الأكبر أم الأصغر؟ فقال: الأكبر . فقيل له: متى سمعت منه؟
فقال: سنة ٣١٠ . فبلغ ذلك الدارقطني، فكذبه في ذلك وتركوا السماع منه، ثم
فسد بعد ذلك فانضم إلى الرافضة، وصار يضع لهم على ما قال الخطيب. والأزهري
الذي روى الخطيب هنا عنه عن هذا الرجل هو ممن حكى القصة، فإنما روى عنه
من تلك الأجزاء التي انتخبها الدارقطني. والله المستعان (٢).
(١) الأصل (( في)). ن.
(٢) محمد بن عبد الوهاب الفراء. راجع (الطليعة) (ص ٣١ - ٣٢).
٦٩٣

٢١٧ - محمد بن عبيد الطنافسي. قال الأستاذ في (الترحيب) ص ٣٧: (( يقول
فيه أحمد: يخطىء ولا يرجع عن خطئه)).
أقول: الظاهر أن خطأه إنما كان في اللحن فقد وصف بأنه يلحن، فأما الثقة،
فقد وثقه أحمد نفسه، وابن معين وابن عمار والنسائي والعجلي وابن سعد والدارقطني
وغيرهم، وقال ابن المديني: ((كان كيّساً))، واحتج به الشيخان في (الصحيحين)
وبقية الأئمة . وانظر ما يأتي في ترجمة المسيب بن واضح.
٢١٨ - محمد بن أبي عتاب أبو بكر الأعْيَن. مرت الإشارة إلى روايته في ترجمة
محمد بن إبراهيم بن جناد. قال الأستاذ (ص ١٥٨): ((لم يكن من أهل الحديث،
كما قال ابن معین)».
أقول: هذه كلمة مجملة، وقد فسرها الخطيب بقوله: ((يعني لم يكن بالحافظ
للطرق والعلل، وأما الصدق والضبط فلم يكن مدفوعاً عنه)). وقال الامام أحمد:
(( رحمه الله تعالى، مات ولا يعرف إلا الحديث، ولم يكن صاحب كلام، وإني
لأغبطه))، وذكره ابن حبان في (الثقات) وأخرج له مسلم في مقدمة (صحيحه)
ولروايته المشار إليها شواهد كثيرة .
٢١٩ - محمد بن عثمان بن أبي شيبة. جاءت عنه كلمة مرت الإشارة إلى
موضعها في ترجمة راويها عنه طريف بن عبيدالله، وفي (تاريخ بغداد)
(٤٢٠/١٣): (( أخبرنا ابن رزق أخبرنا هبة الله بن محمد بن حبش الفراء حدثنا
محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: سمعت يحيى بن معين وسئل عن أبي حنيفة فقال:
كان يضعف في الحديث)). قال الأستاذ (ص ١٤٧): ((المجسم الكذاب كذبه غير
واحد)) وقال (ص ١٦٨): ((كذاب مكشوف الأمر)).
أقول: أما ما يسميه الأستاذ تجسيماً فليس مما يجرح به كما مر في القواعد، وقد
بسطت الكلام في قسم الاعتقاديات من هذا الكتاب .
وأما التكذيب فإنه تفرد بنقله أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة وليس بعمدة
٦٩٤

كما تقدم في ترجمته، وتقدم في ترجمة محمد بن الحسين أنه لا يقبل من ابن عقدة ما
ينقله من الجرح، ولا سيما إذا كان في مخالفه في المذهب كما هنا . ويؤكد ذلك هنا
أن ابن عقدة نقل التكذيب عن عشرة مشهورين من أهل الحديث وتفرد بذلك كله
فيما أعلم فلم يرو غيره عن أحد منهم تكذيب محمد بن عثمان، وقد كان محمد ببغداد
وبغاية الشهرة كثير الخصوم ؛ فتفرد ابن عقدة عن أولئك العشرة كاف لتوهين نقله .
وقد كانت بين محمد بن عثمان ومحمد بن عبدالله بن سليمان الحضرمي مُطَيّن مشاقة ساق
الخطيب بعض خبرها عن الحافظ أبي نعيم عبدالملك بن محمد بن عدي الجرجاني الذي
توسط بينهما، ثم قال أبو نعيم: ((ظهر لي أن الصواب الامساك عن قبول كل واحد
منهما في صاحبه)). وليس في القصة ما هو بين في التكذيب. وذكر الخطيب عن
حمزة السهمي أنه سأل الدارقطني عن محمد بن عثمان؟ فقال: ((كان يقال: أخذ
كتاب ابن أبي أنس وكتب غير محدث)) وليس في هذا ما هو بين في الجرح لأنه لا
يدرى مَن القائل؟ ولا أن محمداً أخذ الكتب بغير حق، أو روى منها بغير حق،
والحافظ العارف قد يشتري كتب غيره ليطالعها، كما كان الإمام أحمد يطلب كتب
الواقدي وينظر فيها. وقال الخطيب: ((سألت البرقاني عن ابن أبي شيبة فقال: لم
أزل أسمع الشيوخ يذكرون أنه مقدوح فيه)). وليس في هذا ما يوجب الجرح، إذ
لم يبين من هو القادح وما هو قدحه؟ وكأن ذلك إشارة إلى كلام مطين ونقل ابن
عقدة، وقد مَرَّ ما في ذلك. وروى الخطيب عن ابن المنادي قال: ((أكثر الناس عنه
على اضطراب فيه ... كنا نسمع شيوخ أهل الحديث وكهولهم يقولون: مات
حديث الكوفة بموت موسى بن إسحاق ومحمد بن عثمان وأبي جعفر الحضرمي وعبيد
ابن غنام)» واضطرابه في بعض حديثه ليس بموجب جرحاً .
وقال الخطيب أول الترجمة: ((كان كثير الحديث واسع الرواية له معرفة
وفهم ... سئل أبو علي صالح بن محمد عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة؟ فقال: ثقة .
سئل عبدان عن ابن عثمان بن أبي شيبة فقال: ما علمنا إلا خيراً)) وفي (الميزان)
و(اللسان): ((قال ابن عدي: لم أر له حديثاً منكراً وهو على ما وصف لي عبدان لا
٦٩٥

بأس به)). وفي (اللسان) ((ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال كتب عنه
أصحابنا ... وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به كتب الناس عنه ولا أعلم أحداً
تركه)). وذكر الاستاذ (ص ٦٣) حكاية من (شرح السنة) جاءت من طريق محمد بن
عثمان وفيها زيادة عن خالد بن نافع، وراح الاستاذ يتكلم فيها ويحمل على حمد بن
عثمان. فأما زيادة خالد بن نافع إن قام الدليل على بطلان ما فيها فالذنب لخالد
وأما بقية الحكاية فإنما الإِيهام في سياقها، فإنه ي هم أن حماداً شهد عند ابن أبي ليلى
بعد ولايته القضاء، والذي تبينه الروايات الأخرى أن حماداً كان ؛ کر ذلك ثم بـ د
موت حماد رفعت القضية إلى ان أبي ليلى وشهد دسر بمثل ما كنب ذكره حماد،
وليس من شرط الثقة أن لا يخصء ولا يهم، فما من ثقة إلا: ـد أخطأ، وإنما شرط.
الثقة أن يكون صدوقاً الغالب عليه الصواب، فإذا كان كذلك فما نبين أنه أخطأ فيه
اطرح، وقبل ما عداه . والله ا وفق .
٢٢٠ - محمد بن علي أبو جعفر الوراق لقبه .قدان. في (تاريخ بغداد )
(٣٩٣/١٣) من طريق أبي بكر الشافعي ((حدثنا محمد بن علي أبو جعفر حدثنا
أبو سلمة ... )) قال الاستاذ (ص ٩٦): ((هو حمدان الوراق حنبلي جلد من
أصحاب أحمد)).
أقول: بحسب حمدان من الفضل أن لا يجد هذا الطعَّان ما يذمه به إلا نسبته إلى
السنة وإمامها . والحمد لله الذي أنطق الكوثري بتلك الكلمة فإنها مما يكشف تمويه
الجهمية، ويهتك الحجب التي سدلوها بين المسلمين وكتاب ربهم وسنة نبيهم وإمامهم
الحق .
ولحمدان ترجمة في (تذكرة الحفاظ) (ج ٢ ص ١٥٢) قال: ((الحافظ
المتقن ... قال الخطيب: كان فاضلاً حافظاً عارفاً ثقة، روى ابن شاهين عن أبيه
قال: كان من نبلاء أصحاب أحمد، وقال ابن المنادي: حمدان بن علي مشهود له
بالفضل والصلاح والصدق ... وقال الدارقطني: ثقة)).
٦٩٦

٢٠١ - محمد بن علي بن الحسن بن شقيق. راجع (الطليعة) (ص ١٠٨) قال
الأستا، في (الترحيب) (ص ٥٠): ((أما قولي في محمد بن علي بن الحسن بن شقيق:
ليس ب لقوي فيكفي في إثباته إِعراض الشيخين عن إخراج حديثه في (الصحيح)
مع روايتهما عنه خارج (الصحيح) )).
أقول: ليس هذا بشيء، من شأنهما في (الصحيح) أن يتطلبا العلوّ ما وجدا إليه
سبيلا، ولا يرضيان بالنزول إلا أن يتفق لهما حديث صحيح تشتد الحاجة إلى ذكره
في (الصحيح) ولا يقع لهما إلا بنزول. فلم يتفق لهما ذلك هنا، وهذا الرجل سنه
قريب من سنهما فروايتهما عنه نزول، وهناك وجوه أخر لعدم إخراجهما للرجل في
الصحيح، راجع ترجمة إِبراهيم بن شماس ولهذا لم يلتفت المحققون إلى عدم
إخراجهما فلم يعدوا عدم إِخر تهما الحديث دليلاً على عدم صحته، ولا عدم
إخراجهما للرجل دليلاً على لين ومحمد هذا وثقة النسائي، والنسائي ممن قد يفوق
الشيخين في التشدد كما نبهوا عليه في ترجمته، ووثقه غيره أيضاً، وروى عنه أبو
حاتم وقال: ((ص.وق))، وأبو زرعة ومن عادته ألا يروي إلا عن ثقة كما في
( لسان الميزان) (ج ٢ ص ٤١٦)، وبقي بن مخلد وهو لا يروي إلا عن ثقة كما مر
في ترجمة أحمد بن سعد، وابن حزيمة وهو لا يروي في (صحيحه) إلا عن ثقة .
والله الموفق .
٢٢٢ - محمد بن علي بن عطية أبو طالب المكي. في (تاريخ بغداد)
(٤١٣/١٣) حكاية من طريقه. قال الأستاذ (ص ١٤٧): ((أحد السالمية ويقول
عنه الخطيب: إن له أشياء منكرة في الصفات. ثم روى عنه)).
أقول: عبارة الخطيب (ج ٣ ص ٨٩): ((صنف كتاباً سماه (قوت القلوب)
على لسان الصوفية ذكر فيه أشياء منكرة مستشنعة في الصفات ... قال العتيقي:
وكان رجلاً صالحاً مجتهداً في العبادة)).
أقول: يراجع كتابه فقد يكون المستنكر إنما هو من رأيه، لا روايته، فإذا كان
٦٩٧

كذلك فقد مر تحقيقه في القواعد .
٢٢٣ - محمد بن علي البلخي. في (تاريخ بغداد) (٤٠٩/١٣): ((أخبرنا أبو
حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدوي الحافظ بنيسابور أخبرنا محمد بن أحمد بن
الغطريف بجرجان حدثنا محمد بن علي البلخي حدثني محمد بن أحمد التميمي بمصر
حدثني محمد بن جعفر الأسامي قال: كان أبو حنيفة يتهم شيطان الطاق ... )).
حكى الأستاذ هذه العبارة (ص ١٣٥) وزاد فيها قبل محمد بن جعفر ((عبدالله
ابن)) بين قوسين يعني أن الصواب (( ... بمصر حدثني عبدالله بن محمد بن جعفر
الأسامي ... )) ثم قال: ((محمد بن علي بن الحسين البلخي الهروي يغلب على رواياته
المناكير ومحمد بن أحمد التميمي العامري المصري كان كذاباً يروي نسخة موضوعة
كما قال ابن يونس وبالنظر إلى أن وفاته سنة ٣٤٣ لا يكون شيخه ولد إلا في
النصف الأخير من المائة الثالثة فيكون بين محمد بن جعفر الأسامي شيخه وبين
شيطان الطاق المعاصر لأبي حنيفة زمان)).
أقول: البلخي الذي ذكره الأستاذ يقال له: ((الجباخاني)) توفي سنة ٣٥٧ فكأنه
أصغر من الغطريفي فإن مولد الغطريفي قديم فقد سمع من الحسن بن سفيان المتوفى
٣٠٣ ونحوه. ومحمد بن أحمد الذي تكلم فيه بن يونس هو محمد بن أحمد بن عبدالله
ابن عبد الجبار بن هاشم بن عبدالجبار بن عبدالرحمن بن عيسى بن وردان الورداني
العامري المصري، لم يذكروا أنه يقال له: ((التميمي)) والذي في سند الخطيب
((التميمي)) وليس فيه ((العامري)) والتميمي والعامري لا يجتمعان في حاق النسب،
زد على هذا أن العامري توفي سنة ٣٤٣ فسنه قريب من سن الغطريفي والجباخاني .
هذا وفي السند قول التميمي: ((حدثني محمد بن جعفر الأسامي)). فإن كان الأستاذ
أومأ بزيادته إلى أنه عبدالله بن محمد بن أسامة الأسامي المذكور في (الميزان)
و(اللسان) فلا أرى العامري أدركه لأن عبدالله يروي عن الليث بن سعد المتوفى
سنة ١٧٥ وابن لهيعة المتوفى قبل ذلك، وإن أراد أن شيخ العامري هو والد
عبدالله هذا فذلك أبعد مع أنه محمد بن أسامة، لا محمد بن جعفر .
٦٩٨

فالحاصل أننا لم نعرف التميمي ولا الأسامي ولم نتحقق من هو البلخي؟ والله
أعلم .
٢٢٤ - محمد بن علي أبو العلاء الواسطي القاضي. تدمت الإشارة إلى روايته في
ترجمة محمد بن عثمان بن أبي شيبة. قال الأستاذ (ص ١٤٧): ((وهذا أيضاً في عداد
المحفوظ عند النقلة في نظر الخطيب مع أنه هو الذي يقول عن أبي العلاء
الواسطي: رأيت له أصولاً مضطربة وأشياء سماعه فيها مفسود إما مصلح بالقلم وإما
مكشوط بالسكين، وقد انفرد برواية المسلسل بأخذ اليد)).
أقول: أما قضية المحفوظ فقد أجبنا عنها في ترجمة الخطيب، وأما ما وقع في
أصول أبي العلاء فالخطيب هو الذي حقق ذلك، فالظن به أنه انتقى من مرويات
أبي العلاء ما تبين له صحة سماعه له فذلك هو الذي يرويه عنه، وأما المسلسل فقد
بين أبو العلاء وهمه فيه ورجع عنه كما ذكره الخطيب. وقال ابن حجر في
(اللسان): ((الذي يظهر لي ... أنه وهم في أشياء بين الخطيب بعضها، وأما كونه
اتهم بها أو ببعضها فليس هذا مذكوراً في تاريخ الخطيب ولا غيره ... وفي الجملة
فأبو العلاء لا يعتمد على حفظه فأما كونه متهماً فلا)).
أقول: قد يقال: إنه اتهم في دعوى السماع، وإن لم يتهم بالوضع. والله أعلم .
٢٢٥ - محمد بن عمر بن محمد بن بهتة. تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة ابن
عقدة. قال الأستاذ (ص ٧٨): ((شيعي لا يرضاه الخطيب)).
أقول: إنما قال الخطيب (( سألت البرقاني عن ابن بهتة فقال: لا بأس به إلا أنه
كان يذكر أن في مذهبه شيئاً، ويقولو: هو طالبي. قلت للبرقاني تعني بذلك أنه
شيعي، قال: نعم. أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي قال سنة ٢٧٤ فيها توفي أبو الحسن
محمد بن عمر بن بهتة في رجب وكان ثقة)). فقد ثبت التوثيق ولم يثبت ما ينافيه(١) .
(١) محمد بن عمر بن وليد راجع (الطليعة) (ص ٢٤ - ٢٥).
٦٩٩

٢٢٦ - محمد بن عمرو العقيلي الحافظ. قال الأستاذ (ص ١٥٠): ((ذلك
المتعصب الخاسر)) وقال (ص ١٦٣): ((لا نستطيع أن نثق بمثل الخطيب ولا بمثل
العقيلي بعد أن شاهدنا منهما ما شاهدناه)).
أقول: لا حرج أن نتسامح مع الأستاذ فنقول: قد كان في العقيلي تشدد ما
فينبغي التثبت فيما يقول من عند نفسه في مظان تشدده، فأما روايته فهي مقبولة على
كل حال وقد تقدم إيضاح ذلك في القواعد، فأما الخسران فالعقيلي بعيد عنه بحمد
الله، وأما قوله: ((لا نستطيع أن نثق)) فليس الأستاذ بأول من غلبه هواه!
٢٧٧ - محمد بن عوف. تقدمت الإشارة إلى حكايته في ترجمة إسماعيل بن
عياش قال الأستاذ (ص ١٠٠) (( مجهول لأنه ليس أبا جعفر الطائفي الحمصي الحافظ
لتأخر ميلاده عن وفاة إسماعيل بن عياش)).
أقول: لم يتضح لي أمره ولعله وقع في السند سقط، والحكاية ثابتة من وجوه
أخرى .
٢٢٨ - محمد بن الفضل السدوسي المشهور بعارم. في (تاريخ بغداد) (٣٩٢/١٣) من
طريق الأبار عن الحسن بن علي الحلواني ((حدثنا يزيد بن هارون عن حماد ...
ح ... الأبار وحدثنا أبو موسى عيسى بن عامر حدثنا عارم عن حماد ... )) ثم ساق
الخطيب نحو ذلك من طريق إبراهيم بن الحجاج عن حماد بن زيد. قال الأستاذ
(ص ٩٤): ((عارم - محمد بن الفضل اختلط اختلاطاً شديداً بعد سنة ٢٢٠
وعیسی بن عامر ممن سمع منه بعد ذلك)) .
أقول: أما هذه الحكاية فقد تابع عارماً عليها ثقتان كما رأيت، وأما أن سماع
عيسى من عارم بعد اختلاطه فلم يثبته الاستاذ، وقد قال الدارقطني في عام ((تغير
بأخرة وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر وهو ثقة)) وخالفه ابن حبان فرد عليه
٧٠٠